• الصليب وحكاياته

الحلقة السادسة من تاريخ فلسطين (تابع الاحتلال الصليبي لها)

Sep 17 2017 11:42:04

الحلقة السادسة من تاريخ فلسطين (تابع الاحتلال الصليبي لها)
الحلقة السادسة من تاريخ فلسطين (تابع الاحتلال الصليبي لها)

د / أحمد عبد الحميد عبد الحق

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على نبينا محمد خاتم الأنبياء والمرسلين ، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه إلى يوم الدين ، وبعد ...

فقد تحدثت في الحلقة السابقة عن سقوط بيت المقدس في أيدي الصليبيين والمآسي التي حلت بسكانه على أيديهم ، ومدى الدمار الذي لحق بالمدينة على يد جنودهم الذين خلت قلوبهم من أي مظهر من مظاهر الإنسانية كما شهد بذلك المؤرخون من بني جلدتهم ، وأكمل حديثي حول هذا الأمر المؤلم فأقول :

إنه وبعد سقوط مدينة القدس ، وبالتحديد في 11 من نوفمبر عام 1100 م أصبح "بلدوين الأول " على رأس مملكة الصليبيين في بيت المقدس، وقد استمرت هذه المملكة 87 سنة، ولم يسمح للمسلمين ولا غيرهم بالإقامة داخل المدينة .

وَذَهَبَ النَّاسُ عَلَى وُجُوهِهِمْ هَازِعِينَ مِنَ الشَّامِ إِلَى الْعِرَاقِ مُسْتَغِيثِينَ عَلَى الْفِرِنْجِ إِلَى الْخَلِيفَةِ وَالسُّلْطَانِ، مِنْهُمُ الْقَاضِي بِدِمَشْقَ أَبُو سَعْدٍ الْهَرَوِيُّ ، فَأَوْرَدُوا فِي الدِّيوَانِ كَلَامًا أَبْكَى الْعُيُونَ، وَأَوْجَعَ الْقُلُوبَ، وَقَامُوا بِالْجَامِعِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَاسْتَغَاثُوا، وَبَكَوْا وَأَبْكَوْا، وَذُكِرَ مَا دَهَمَ الْمُسْلِمِينَ بِذَلِكَ الْبَلَدِ الشَّرِيفِ الْمُعَظَّمِ مِنْ قَتْلِ الرِّجَالِ، وَسَبْيِ الْحَرِيمِ وَالْأَوْلَادِ، وَنَهْبِ الْأَمْوَالِ، فَلِشِدَّةِ مَا أَصَابَهُمْ أَفْطَرُوا، فَأَمَرَ الْخَلِيفَةُ بتسيير جيش لتحرير المدينة تحت ضغط العام ، ولكن هذا الجيش صار بلدة حُلوان بالعراق ، وعادوا من حيث أتوا لما بلغهم مقتل مَجْدِ الْمُلْكِ الْبَلَاسَانِيِّ  ؛ لأنهم لم يكونوا جادين في مسيرهم ، ولم تحضرهم النية الحسنة ولا العزيمة الصادقة.

نظرة تحليلية في أسباب سقوط القدس:

كان سقوط معرة النعمان وطرابلس وأنطاكية وغيرها في يد الصليبيين نذيرًا كافيًا للمسلمين ليقوموا من رقدتهم، ويَحْمُوا القدس ، بل يحموا ذاتهم من المَحْوِ والسقوط تحت أقدام الغزاة القادمين من الغرب، لكن يبدو أن النوم كان أثقل من ذلك!!

وسقطت القدس بعد أخواتها مباشرة، في شعبان من سنة اثنتين وتسعين وأربعمائة، لتكشف عن الأدواء القاتلة التي أصابت الجسد المسلم، وأدت إلى الهزيمة المريرة!

لقد حكمت المطامع الشخصية كثيرًا من تصرفات المسلمين حينئذ، وبدا رباط العقيدة واهيًا ضعيفًا، ووهنت صلة الناس بربهم، فصارت الدنيا عندهم ـ إلا من رحم الله ـ هدفًا وغاية، يسعون للوصول إليه ولو ولغوا في دماء إخوانهم!.

وبدت الفرقة والتنازع لونًا لأغلب جوانب حياة المسلمين في الجيل الذي تلقى الصدمة الصليبية الأولى، ليس على مستوى الحكام وحدهم، ولكن على مستوى الأمة أيضًا، فما أكثر ما قال المؤرخون عن سنوات هذه الفترة: "فيها وقعت فتنة بين السُّنَّة والروافض (الشيعة)، فأحرقت محالُّ كثيرة، وقتل ناس كثير، وإنا لله وإنا إليه راجعون"!!

وفي القدس نفسها ـ كما يقول ابن المدينة الرحالةُ المقدسيّ ـ لم يكن "للمظلوم أنصار، والمستورُ مهموم، والغني محسود، والفقيه مهجور، والأديب غير مشهود، لا مجلس نظر ولا تدريس، وقد غلب عليها النصارى واليهود، وخلا المسجد من الجماعات والمجالس".

هكذا بدت البنية العميقة للمجتمع المسلم قابلةً للهزيمة بسهولة، وساعدها على ذلك مناخ الفرقة والتنازع العام، فالخلافة العباسية عاجزة عن تجميع المسلمين تحت لوائها، والسلاجقة الذين حاولوا القيام بهذه المهمة انشغلوا بالصراع مع الفاطميين في الشام وحول القدس نفسها، دون أن يتمكن أي من الفريقين من تحقيق نصر حاسم. والدولة الفاطمية العبيدية كانت في مرحلة الاحتضار، خاصة بعد سلسلة المجاعات والكوارث التي حلت بمصر في عهد المستنصر بالله الفاطمي.

وحل بالمسلمين ارتباك وفقدان للأمن في أنحاء دولتهم الكبيرة بسبب النزاع المستشري بين ملوكهم، ووصل أثر ذلك إلى أقدس رحلة للمسلمين، وهي رحلة الحج، فقبل سقوط القدس في يد الصليبيين بخمس سنوات فقط "لم يحج أحد لاختلاف السلاطين"، وفي العام التالي "لم يحج أحد من أهل العراق"!!

إسراع الصليبيين بتكوين الإمارات الاستيطانية :

وبعد شيء من الاستراحة، بَدَا للصليبيين أنهم حققوا هدفَهم الأكبر بالاستيلاء على القدس، فأخذوا في التقسيم الإداري للأرض الإسلامية التي سيطروا عليها، وأنشأوا إمارة صليبية في الرُّها، وأخرى في أنطاكية، وثالثة في طرابلس. أما القدس فقد أقاموا فيها مملكة لاتينية تُحاكي الممالك القائمة على البر الأوروبي، امتدت من لبنان حتى صحراء النقب والبحر الأحمر، وأميرها هو جودفري دي بويون، الذي تَوَّجُوهُ في كنيسة القيامة، ولما توفي فيما بعد دفنوه فيها.

لقد مكث الصليبيون في بيت المقدس حوالي 87 عامًا قبل تحرير صلاح الدين لها، فعملوا طوال هذه الفترة على صبغ المدينة بصبغتهم النصرانية اللاتينية، فقام النظام الإداري على الإقطاع الغربي، مختلطًا بمزيج من العسكرية والكنائسية، واتسع سلطان الإقطاعيين، حتى تجاوزت سلطاتهم واستقلاليتهم المَلِكَ المتوج منهم، ودخل بعض هؤلاء في حروب ضد بعضهم الآخر.

وكانت القوات الصليبية في القدس أثناء الاحتلال موزعة إلى فرقتين: إحداهما سماها المسلمون "بالداوية" ومهمتها قتال المسلمين، وأما الفرقة الأخرى فهي "الاسبتارية"، وكانت مهمتها في البدء هي العناية بالحجاج والمرضى المسيحيين، ثم تحولوا إلى القتال بجانب "الداوية" واتخذت الفرقتان من المسجد الأقصى مقرًا لأعمالهما ومستودعًا لأسلحتهما، وفقد صفته كمسجد.

وعمل الصليبيون طَوَال تواجدِهم في القدس على تنصيرها، فعمدوا إلى المسجد الأقصى وحولوا قبة الصخرة إلى كنيسة، ووضعوا الصليب فوقها، كما أنشأوا كنيسة القديسة حنة بين باب الأسباط وباب حطة، وكنيسة القديسة مريم الكبرى، وكنيسة القديسة مريم اللاتينية عند مدخل سوق الدباغة، وكنيسة الداوية جنوب كنيسة القيامة، وجمعوا أجزاء كنيسة القيامة تحت سقف واحد، وبنوا الكنيسة المعروفة الآن بنصف الدنيا. ولا يزال أكثر هذه الكنائس قائمًا إلى الآن، شاهدًا على التسامح الإسلامي العظيم، ذلكم النهج الذي لا علاقة له بالهمجية، ولا صلة له بالسلب والنهب ولا التدمير والهدم!

وإمعانًا في تنصير الصليبيين للقدس، فإن البقية الباقية من المساجد التي لم تُحوَّل كنائس "هُدِّمت لتفسح مكانًا لأبنية مستحدثة حلت محلها" ـ كما يقول أحد الأساقفة.

موقف العبيديين من سقوط بيت المقدس في أيدي الصليبيين :

كان الفاطميون على ما يبدو لا يعنيهم أمر الأقصى في شيء غير إظهار أنهم رعاة للمقدسات أمام عوام المسلمين لإطفاء الشرعية على حكمهم ، وربما كانوا يرون أن الصليبيين أقرب مودة لهم من السنة ، ويحسبون أنهم يبادلونهم نفس الشعور ، وخاصة بعد أن خلوا بينهم وبين المدن الشامية يهاجمون منها ما يشاءون على مسمع ومرأى منهم .

وبتلك السذاجة لما تقدم الصليبيون يتجهون نحو القدس، وكانت تحت سيطرتهم حسبوا أنه من الممكن ثنيهم عن هذا الأمر ،  اختار الأفضل الجمالي ، وأرسل الأفضل الجمالي سفارة فاطمية قابلت قادتهم قرب طرابلس.. تحمل الهدايا النفيسة والأموال الضخمة، وعرضاً بالسماح لحجاج الصليبيين بالحج وزيارة كنيسة القيامة في بيت المقدس على شكل مجموعات من مائتي أو ثلاثمائة حاج بشرط ألاّ يكونوا مسلحين.

فرفض الصليبيون الاقتراح وردّوا على السفارة الفاطمية بأنهم سيتمكنون من الحج فعلاً كجيش واحد وليس كجماعة بإذن الله، وليس بإذن الخليفة الفاطمي".

وعندها أيقن الفاطميون أن ملكهم بالشام زائل على يد هؤلاء الفرنجة الذين استدعوهم ليخلصوهم من السلاجقة السنة ،  فجَمَعَ الْأَفْضَلُ أَمِيرُ الْجُيُوشِ الْعَسَاكِرَ، وَحَشَدَ، وَسَارَ إِلَى عَسْقَلَانَ، وَأَرْسَلَ إِلَى الْفِرِنْجِ يُنْكِرُ عَلَيْهِمْ مَا فَعَلُوا، وَيَتَهَدَّدُهُمْ، فَأَعَادُوا الرَّسُولَ بِالْجَوَابِ وَرَحَلُوا عَلَى أَثَرِهِ. وَطَلَعُوا عَلَى الْمِصْرِيِّينَ، عَقِيبَ وُصُولِ الرَّسُولِ، وَلَمْ يَكُنْ عِنْدَ الْمِصْرِيِّينَ خَبَرٌ مِنْ وُصُولِهِمْ، وَلَا مِنْ حَرَكَتِهِمْ، وَلَمْ يَكُونُوا عَلَى أُهْبَةِ الْقِتَالِ، فَنَادَوْا إِلَى رُكُوبِ خُيُولِهِمْ، وَلَبِسُوا أَسْلِحَتَهُمْ، وَأَعْجَلَهُمُ الْفِرِنْجُ، فَهَزَمُوهُمْ، وَقَتَلُوا مِنْهُمْ مَنْ قُتِلَ، وَغَنِمُوا مَا فِي الْمُعَسْكَرِ مَنْ مَالٍ وَسِلَاحٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ.

وَانْهَزَمَ الْأَفْضَلُ، فَدَخَلَ عَسْقَلَانَ، وَمَضَى جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُنْهَزِمِينَ فَاسْتَتَرُوا بِشَجَرِ الْجُمَّيْزِ، وَكَانَ هُنَاكَ كَثِيرًا، فَأَحْرَقَ الْفِرِنْجُ بَعْضَ الشَّجَرِ، حَتَّى هَلَكَ مَنْ فِيهِ، وَقَتَلُوا مَنْ خَرَجَ مِنْهُ، وَعَادَ الْأَفْضَلُ فِي خَوَاصِّهِ إِلَى مِصْرَ وَنَازَلَ الْفِرِنْجُ عَسْقَلَانَ، وَضَايَقُوهَا، فَبَذَلَ لَهُمْ أَهْلُهَا قَطِيعَةَ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفَ دِينَارٍ، وَقِيلَ عِشْرِينَ أَلْفَ دِينَارٍ، ثُمَّ عَادُوا إِلَى الْقُدْسِ.

ولم تنجح كل محاولات الفاطميين فيما بعد لإعادة أملاك الدولة الفاطمية في بلاد الشام، فالخيانة ومعاونة الصليبيين ضد المسلمين، لن تثمر سوى الألم والشوك، واغتيل الأفضل في رمضان من سنة 515هـ، ومات يكلله العار ، ولم يلبس أن استولى الصليبيون على الجليل وتبريا وحيفا وقيثارية وغيرها..

 

 

 

التعليقات مغلقة على هذه المقالة
جديد المقالات المزيد
صفحة من تاريخ العلوم: أول كتاب في المدفعية

صفحة من تاريخ العلوم: أول كتاب في المدفعية

إن ظهور سلاح المدفعية واستخدامات البارود قد ترافق في أوروبا مع بداية...

حركة الشيخ رابح بن فضل الله ضد الاستعمار الفرنسي في تشاد

حركة الشيخ رابح بن فضل الله ضد الاستعمار الفرنسي في تشاد

  فرج كُندي مقدمة  تعتبر حركة المجاهد الكبير رابح من فضل...

لنتذكّر في ذكرى الهجرة

لنتذكّر في ذكرى الهجرة

لقد كان نجاح الإسلام في تأسيس وطن له وسط صحراء تموج بالكفر، أعظم كسْب...

جديد الأخبار المزيد
مجلس الأمن يعقد أول جلسة علنية حول ميانمار الخميس

مجلس الأمن يعقد أول جلسة علنية حول ميانمار الخميس

يعقد مجلس الأمن الدولي بعد غد الخميس، أول جلسة مفتوحة حول الانتهاكات...

مقتل ثلاثة جنود إسرائيليين إثر عملية إطلاق نار شمال القدس

مقتل ثلاثة جنود إسرائيليين إثر عملية إطلاق نار شمال القدس

أعلنت شرطة الاحتلال الإسرائيلي عن مقتل ثلاثة جنود وإصابة رابع إثر...

مناورات عسكرية مشتركة بين تركيا والعراق عقب استفتاء كردستان

مناورات عسكرية مشتركة بين تركيا والعراق عقب استفتاء كردستان

قالت رئاسة الأركان العامة التركية إن المرحلة الثالثة من المناورات...

  • أيام في سيلان والمالديف