• الصليب وحكاياته

عروة بن الزبير

Sep 6 2017 17:42:46

عروة بن الزبير
عروة بن الزبير

د / أحمد عبد الحميد عبد الحق

هو عالم المدينة القرشي الأسدي المدني الفقيه أحد الفقهاء السبعة أبو عبد الله عروة بن الزبير ابن حواري رسول الله صلى الله عليه وسلم وابن عمته صفية، الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي بن كلاب، الرجل الذي جمع بين علو النسب وحسن الخلق ، بين العلم والعمل ، بين الغنى والزهد ، أجبرت محاسنه كل الناس على احترمه وتقديره حتى المخالفين له .

وربما كان أبوه يحس فيه هذا المجد وهو طفل صغير ، فهو يحكي عن نفسه ويقول : أذكر أن أبي الزبير كان ينقزني ويقول:

 مبارك من ولد الصديق

 أبيض من آل أبي عتيق  

ألذه كما ألذ ريقي (1) .

وقد حفظته أقدار الله عز وجل من موت محقق لينال هذا المجد ، فهو يقول: وقفت وأنا غلام أنظر إلى الذين قد حصروا عثمان ـ رضي الله عنه ـ  وقد مشى أحدهم على الخشبة ليدخل إلى عثمان، فلقيه عليها أخي عبد الله بن الزبير، فضربه ضربة طاح قتيلا على البلاط، فقلت لصبيان معي: قتله أخي ، فوثب علي الذين حصروا عثمان، فكشفوني، فوجدوني لم أنبت، فخلوني. (2)

ميلاده ونشأته:

ولد عروة بن الزبير ـ رحمه الله ـ على أرجح الأقوال سنة 23 هـ، ونشأ وتربى في المدينة كما ربي سائر أترابه من أبناء الصحابة، ولا يُعلم شيء عن الفترة المبكرة من حياته سوى إشارات عابرة أتت في ثنايا مروياته، لكن يبدو أن نسبه وقربه من أم المؤمنين عائشة من جانب، وحبه للعلم منذ صغره من جانب آخر قد ميزاه على غيره من أقرانه، فكان دائمًا يتمنى أن يؤخذ عنه العلم.

فعن ابن أبي الزناد عن أبيه قال: اجتمع في الحجر مصعب، وعبد الله، وعروة بنو الزبير، وابن عمر، فقالوا: تمنوا، فقال عبد الله: أما أنا، فأتمنى الخلافة، وقال عروة: أتمنى أن يؤخذ عني العلم، وقال مصعب: أما أنا، فأتمنى إمرة العراق، والجمع بين عائشة بنت طلحة، وسكينة بنت الحسين، وأما ابن عمر فقال: أتمنى المغفرة ، فنالوا ما تمنوا، ولعل ابن عمر قد غفر له (3) .  

وفي رواية العتبي  أن عروة قال : لست في شيء مما أنتم فيه، منيتي الزهد في الدنيا والفوز بالجنة في الآخرة وأن أكون ممن يروى عنه هذا العلم، قال: فصرف الدهر من صرف إلا أن بلغ كل واحد منهم إلى أمله. وكان عبد الملك لذلك يقول: من سره أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى عروة بن الزبير.

فبذل لذلك جهده ووقته حتى قال: لقد كان يبلغني الحديث عن الصحابي فآتيه فأجده قد قال –من القيلولة– فأجلس على بابه أسأله عنه . (4) .

ملازمته لأم المؤمنين عائشة رضي الله عنها :

وكان شديد الحرص على ملازمة خالته أم المؤمنين عائشة حتى سمع أكثر علمها ، يقول الزهري عن قبيصة بن ذؤيب قال: كنا في خلافة معاوية، وإلى آخرها، نجتمع في حلقة بالمسجد، بالليل، أنا، ومصعب، وعروة ابنا الزبير، وأبو بكر بن عبد الرحمن وعبد الملك بن مروان، وعبد الرحمن المسور، وإبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة، وكنا نتفرق بالنهار، فكنت أنا أجالس زيد بن ثابت وهو مترئس بالمدينة في القضاء، والفتوى، والقراءة، والفرائض، في عهد عمر، وعثمان، وعلي. ثم كنت أنا وأبو بكر بن عبد الرحمن نجالس أبا هريرة، وكان عروة يغلبنا بدخوله على عائشة .

وبلغ من ثقته بسماعه كل ما لديها أن قال: ما ماتت عائشة حتى تركتها قبل ذلك بثلاث سنين .(5) .  . أي لم يحتج للسماع إليها فيها .

وفي رواية أخرى  : لقد رأيتني قبل موت عائشة بأربع حجج وأنا أقول: لو ماتت اليوم ما ندمت على حديث عندها إلا وقد وعيته .(6) .

نصائحه لأولاده بالإقبال على العلم :

وكان ينصح أولاده ويحثهم على الإقبال على العلم ، يقول ابنه هشام : إنه كان يقول لنا ونحن شباب: ما لكم لا تعلمون، إن تكونوا صغار قوم يوشك أن تكونوا كبار قوم، وما خير الشيخ إن يكون شيخا وهو جاهل.

ثناء العلماء عليه :

وقد اثنى عليه العلماء المعاصرون له ومن بعده، ومنهم الزهري الذي قال: رأيت عروة بحرا لا تكدره الدلاء.

وفي رواية أخرى : جالست سعيد بن المسيب سبع سنين لا أرى أن عالما غيره، ثم تحولت إلى عروة، ففجرت به ثبج بحر .

وقال أبو الزناد: فقهاء المدينة أربعة: سعيد، وعروة، وقبيصة، وعبد الملك بن مروان.

وقال ابنه هشام وهو المحدثين المعدودين : والله ما تعلمنا جزءا من ألفي جزء أو ألف جزء من حديث أبي.

وعمر بن عبد العزيز الذي قال : ما أجد أعلم من عروة بن الزبير، وما أعلمه يعلم شيئا أجهله .

وقال عبد الرحمن بن حميد بن عبد الرحمن : دخلت مع أبي المسجد، فرأيت الناس قد اجتمعوا على رجل، فقال أبي: انظر من هذا، فنظرت فإذا هو عروة، فأخبرته وتعجبت، فقال: يا بني، لا تعجب، لقد رأيت أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يسألونه .

وقال أحمد بن عبد الله العجلي: عروة بن الزبير تابعي ثقة، رجل صالح، لم يدخل في شيء من الفتن.

وقال أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام : العلم لواحد من ثلاثة: لذي حسب يزينه به، أو ذي دين يسوس به دينه، أو مختبط سلطانا يتحفه بعلمه، ولا أعلم أحدا أشرط لهذه الخلال من عروة، وعمر بن عبد العزيز (7)...

وقال عنه الراغب الأصفهاني في حلية الاولياء : ومنهم المعطى ما تمنى حمل العلم عنه إذا فيه تعنى مكن من الطاعة فاكتسب وامتحن بالمحنة فاحتسب عروة بن الزبير بن العوام المجتهد المتعبد الصوام .

سعة معارفه:

وقد تعددت معارفه حتى شملت الحديث والتفسير والشعر والفقه، إضافة إلى السيرة والمغازي التي لا ينازعه فيها منازع من شيوخ عصره.

حرصه على تأليف الناس لسماع حديثه :

يقول الزهري: كان عروة يتألف الناس على حديثه ، وكان هشام ابنه  يقول : يا بني، سلوني، فلقد تركت حتى كدت أنسى ( وذلك في نهاية عمره )  وإني لأسأل عن الحديث، فيفتح لي حديث يومين. قال سفيان: فأما عمر فحدثنا قال: أتينا عروة فقال: ايتوني فتلقوا مني.وقال عمرو بن دينار أتيناه فقال ائتوني فتلقوا مني .

عبادته:

وكان مثالًا للعالم العابد الذي لا يخالف قوله فعله، وبلغ من درجة اجتهاده في العبادة أن ابنه هشامًا قال: كان يقرأ كل يوم ربع القرآن، ويقوم به الليل، وكان كثير الصوم، قطعت رجله وهو صائم، ومات أيضًا وهو صائم.(8) .

عن ابن شوذب، قال: كان عروة يقرأ ربع القرآن كل يوم في المصحف نظرا، ويقوم به الليل، فما تركه إلا ليلة قطعت رجله.

بعده عن الفتن وتحذيره منها :

كما كان ينأى بنفسه عن الفتن ويحذر منها، ويرى أن فيها هلاك الأمة ويقول: "أتى أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "يا رسول الله هل للإسلام منتهى؟ قال نعم، فمن أراد الله به خيرًا من عرب أو عجم أدخله عليه، ثم تقع فتن كالظلل يضرب بعضكم رقاب بعض، فأفضل الناس يومئذ معتزل في شعب من الشعاب يعبد ربه ويدع الناس… "(9).

حرصه على اتباع سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم والالتزام بها :

وكان شديد الحرص على اتباع سنة رسول الله ويقول : اتباع السنن قوام الدين ويحذر من اتباع الهوى تحت مظلة الرأي ويقول : يقول ما زال أمر بني إسرائيل معتدلا حتى نشأ المولدون أبناء سبايا الأمم فأخذوا فيهم بالرأي فأضلوهم .(10) .

ويذكر أن عائشة أم المؤمنين أخبرته « أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قام فقال: ما بال أناس يشترطون شروطا ليست في كتاب الله من اشترط شرطا ليس في كتاب الله فليس له وإن اشترط مائة مرة ، شرط الله أحق وأوثق »

وقال ابنه هشام: ما رأيت أبي يسأل عن شيء قط، فقال فيه برأيه، إن كان عنده فيه علم قال بعلمه، وإن لم يكن عنده فيه علم، قال: هذا من خالص السلطان.

منعه العلم ممن لا يؤتاه او لا يدركه :

وكان يمنع العلم ممن لا يدركه ولا يؤتاه فيكون طامة على الأمة ، ويقول: ما أخبرت أحداً بشيء من العلم قط لا يبلغه عقله إلا كان ذلك ضلالة عليه.

من أقواله الحكيمة :

ـ الرّفق رأس الحكمة .

ـ أزهد الناس في عالم أهله.

ـ ما بر والده من شد الطرف إليه.

ـ رب كلمة ذل احتملتها أورثتني عزا طويل.

ـ ما حدثت أحدا بشيء من العلم قط لا يبلغه عقله إلا كان ضلالة عليه.

ـ إذا رأيت الرجل يعمل الحسنة فاعلم أن لها عنده أخوات ، وإذا رأيته يعمل السيئة فاعلم أن لها عنده أخوات ، فإن الحسنة تدل على أختها وإن السيئة تدل على أختها .

ـ مكتوب في الحكمة لتكن كلمتك طيبة وليكن وجهك بسطا تكن أحب إلى الناس ممن يعطهم العطاء .

ـ عـَلم عِلْمَك مَنْ يَجْهَل، وتَعَلَم ممن يَعْلَم، فإنك إذا فعلتَ ذلك عَلِمتَ ما جَهِلتَ وحَفِظْتَ ما عَلِمت.

ـ إذا رأيتم من رجل خلعة رائعةً من شر فاحذروه، وإن كان عند الناس رجل حذق، فإن لها عنده أخوات. وإذا رأيتم من رجل خلة رائعة من خير فلا تقطعوا أناتكم عنه، وإن كان عند الناس رجل سوء، فإن لها عنده أخوات.

ـ ليس الرجل الذي إذا وقع في الأمر تخلص منه، ولكن الرجل يتوقى الأمور حتى لا يقع فيها.

ـ أفضل ما أعطي العباد في الدنيا العقل، وأفضل ما أعطوا في الآخرة رضوان الله.

علاقته الطيبة بعبد الملك بن مروان رغم ما كان بينهم من صراع :

وكان رحمه الله يسالم الناس جميعا ويحرص على دوام العلاقة الطيبة بينهم ، ولا أدل على ذلك من بقاء علاقته مع عبد الملك بن مروان رغم اشتداد الصراع بينهم ، يقول سفيان بن عيينة: لما قتل ابن الزبير خرج عروة إلى المدينة بالأموال، فاستودعها وسار إلى عبد الملك، فقدم عليه قبل البريد بالخبر، فلما انتهى إلى الباب قال للبواب: قل لأمير المؤمنين: أبو عبد الله بالباب ، فقال: من أبو عبد الله ؟ قال: قل له كذا، فدخل فقال: ها هنا رجل عليه أثر السفر، قال: كيت وكيت، فقال: ذاك عروة فائذن له.

فلما رآه زال له عن موضعه ( تقديرا له ) وجعل يسأله: كيف أبو بكر ؟ - يعني عبد الله بن الزبير - فقال: قتل رحمه الله، فنزل عبدالملك عن السرير، فسجد(11) ...

 ثم طلب منه أن يخاطب الحجاج في إنزال جثته ففعل .

وبلغ من مسالمته للناس جميعا أن قال ابنه هشام : ما سمعت أحدا من أهل الأهواء يذكر أبي بسوء.

صبره على بلاء الله :

وكان صبورا على ابتلاء الله له ، وقد ضرب أروع الأمثلة في صبره ورضاه بقدر الله وعدم تضجره ، ومثال ذلك أنه قدم زائرا على الوليد بن عبد الملك ، وأثناء إقامته أصيب في رجله بمرض يسمى الأكلة ، فقيل: ألا ندعو لك طبيبا ؟ قال: إن شئتم، فجاء الأطباء وقرروا قطع رجله وإلا امتد المرض لسائر جسمه ،  فقال الوليد : يا أبا عبد الله اقطعها، قال: دونك.

فدعا له الطبيب، وقال: اشرب المرقد، فلم يفعل، فقطعها من نصف الساق، فما زاد أن يقول: حس، حس ، فقال الوليد: ما رأيت شيخا قط أصبر من هذا.

وقيل : إنهم قالوا: نسقيك شرابا يزول فيه عقلك ؟ فقال: امض لشأنك، ما كنت أظن أن خلقا يشرب ما يزيل عقله حتى لا يعرف به ، فوضع المنشار على ركبته اليسرى، فما سمعنا له حسا فلما قطعها، جعل يقول: لئن أخذت، لقد أبقيت، ولئن ابتليت، لقد عافيت. وما ترك جزءه بالقرآن تلك الليلة .

يقول عبد الله ابنه : نظر أبي إلى رجله في الطست، فقال: إن الله يعلم أني ما مشيت بك إلى معصية قط وأنا أعلم(12) .

وأصيب بابنه محمد في ذلك السفر، ركضته بغلة في إصطبل، فلم يسمع منه في ذلك كلمة. فلما كان بوادي القرى قال: (لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا) [ الكهف 63 ] اللهم كان لي بنون سبعة، فأخذت واحدا وأبقيت لي ستة، وكان لي أطراف أربعة، فأخذت طرفا، وأبقيت ثلاثة، ولئن  ابتليت لقد عافيت، ولئن أخذت لقد أبقيت (13).

وفي رواية عامر بن صالح عن هشام بن عروة قال: سقط أخي محمد وأمه بنت الحكم بن أبي العاص من أعلى سطح في إسطبل الوليد، فضربته الدواب بقوائمها فقتلته. فأتى عروة رجل يعزيه، فقال: إن كنت تعزيني برجلي فقد احتسبتها. قال: بل أعزيك بمحمد ابنك، قال: وما له ؟ فأخبره، فقال: اللهم أخذت عضوا وتركت أعضاء، وأخذت ابنا، وتركت أبناء.

فلما قدم المدينة، أتاه ابن المنكدر، فقال: كيف كنت ؟ قال: (لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا) [ الكهف: 63 ].

وجاءه عيسى بن طلحة فكان خير معزيا ، إذ قال له: إنا والله يا أبا عبد الله ما أعددناك للصراع، ولا للسباق، ولقد أبقى الله منك لنا ما كنا نحتاج إليه، رأيك وعلمك. فقال: ما عزاني أحد مثلك.

وقال له إبراهيم بن محمد بن طلحة : والله ما بك حاجة إلى المشي، ولا أرب في السعي، وقد تقدمك عضو من أعضائك، وابن من أبنائك إلى الجنة، والكل تبع للبعض إن شاء الله. وقد أبقى الله لنا منك ما كنا إليه فقراء، من علمك ورأيك، والله ولي ثوابك والضمين بحسابك(14) .

وقال ابن قتيبة وغيره: لما دعي الجزار ليقطعها قال له: نسقيك الخمر حتى لا تجد لها ألماً، فقال: لا أستعين بحرام الله على ما أرجو من عافية، قالوا: فنسقيك المرقد، قال:ما أحب أن أسلب عضواً من أعضائي وأنا لا أجد ألم ذلك فأحتسبه، قال: ودخل عليه قوم أنكرهم، فقال: ما هؤلاء قالوا: يمسكونك فإن الألم ربما عزب معه الصبر، قال: أرجو أن أكفيكم ذلك من نفسي، فقطعت كعبه بالسكين حتى إذا بلغ العظم وضع عليها المنشار فقطعت وهو يهلهل ويكبر، ثم إنه أغلي له الزيت في مغارف الحديد فحسم به، فغشي عليه، فأفاق وهو يمسح العرق عن وجهه، ولما رأى القدم بأيديهم دعا بها فقلبها في يده ثم قال: أما والذي حملني عليك إنه ليعلم إني ما مشيت بك إلى حرام، أو قال معصية، ولما دخل ابنه إسطبل الوليد بن عبد الملك وقتلته الدابة كما تقدم لم يسمع في ذلك منه شيء، حتى قدم المدينة فقال: اللهم، إنه كان لي أطراف أربعة فأخذت واحدة وأبقيت لي ثلاثة، فلك الحمد، وايم الله لئن أخذت لقد أبقيت، ولئن ابتليت لطالما عافيت .(15).

وتمثل بأبيات معن بن أوس :

 لعمرك ما أهويت كفى لريبة  *** ولا حملنني نحو فاحشة رجلى

ولا قادني سمعي ولا بصري لها *** ولا دلني رأيي عليها ولا عقلي

وأعلم أني لم تصبني مصيبة  ***من الدهر إلا قد أصابت فتى قبلي 

وكان الوليد يجله ويواسيه : فقدم تلك السنة قوم من بني عبس فيهم رجل ضرير فسأله الوليد عن عينيه فقال: يا أمير المؤمنين بت ليلة في بطن واد ولا أعلم عبسياً يزيد ماله على مالي، فطرقنا سيلٌ فذهب بما كان لي من أهل وولد ومال غير بعير وصبي مولود وكان البعير صعباً فند، فوضعت الصبي واتبعت البعير، فلم أجاوز قليلاً حتى سمعت صيحة ابن ورأسه في فم الذئب وهو يأكله، فلحقت البعير لأحبسه فنفحني برجله على وجهي فحطمه وذهب بعيني، فأصبحت لا مال لي ولا أهل ولا ولد ولا بصر؛ فقال الوليد: انطلقوا به إلى عروة ليعلم أن في الناس من هو أعظم منه بلاء(16) .

مسارعته في الخيرات :

وكان يحب المسارعة في الخيرات ، ويروي ما يحث على فضائلها ، ويذكر أن حكيم بن حزام أخبره أنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم : أي رسول الله أرأيت أمورا كنت أتحنث بها في الجاهلية من صدقة أو عتاقة أو صلة رحم أفيها أجر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أسلمت على ما أسلفت من خير .(17) ..

يقول ابن خلكان: هو الذي حفر بئر عروة بالمدينة، وما بالمدينة أعذب من مائها.

وكان شديد الكرم ويقول : إذا جعل أحدكم لله عز و جل شيئا فلا يجعل له ما يستحي أن يجعله لكريمه فإن الله تبارك وتعالى أكرم الكرماء وأحق من إختير له (18) .

وعن ابن شوذب قال كان عروة بن الزبير إذا كان أيام الرطب ثلم  حائطه فيدخل الناس فيأكلون ويحملون وكان إذا دخله ردد هذه الآية فيه حتى يخرج منه " ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله لا قوة إلا بالله " حتى يخرج .(19 ).

ويروي عن النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قوله : السَّخِيُّ قَرِيبٌ مِنْ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، قَرِيبٌ مِنْ الْجَنَّةِ ، قَرِيبٌ مِنْ النَّاسِ ، بَعِيدٌ مِنْ النَّارِ ، وَالْبَخِيلُ بَعِيدٌ مِنْ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، بَعِيدٌ مِنْ الْجَنَّةِ ، بَعِيدٌ مِنْ النَّاسِ ، قَرِيبٌ مِنْ النَّارِ(20)   .

وقال عروة بن الزبير إذا جعل أحدكم لله شيئا فلا يجعل له ما يستحيي أن يجعل لكريمه فإن الله تعالى أكرم الكرماء وأحق من اختير.(21) . .

ويقول عن عائشة «ما كانت عائشة أمّ المؤمنين تستجدّ ثوبا حتّى ترقّع ثوبها وتنكّسه. قال: ولقد جاءها يوما من عند معاوية ثمانون ألفا، فما أمسى عندها درهم، قالت لها جاريتها: فهلّا اشتريت لنا منه لحما بدرهم؟. قالت: «لو ذكّرتني لفعلت»

وقال محمد بن الضحاك استودع عروة بن الزبير طلحة بن عبيدالله بن عبدالرحمن بن أبي بكر الصديق مالا من مال بني مصعب بن الزبير لما خرج إلى الشام ، فبلغ عروة أن طلحة يبني ويبتاع الرقيق والإبل والغنم، فلما قدم كره أن يكشفه وأن يقتضيه المال فجعل يلقاه ويستحي من تقاضيه ،فقال له طلحة ذات يوم :  ألا تريد مالك فقال بلى قال فأرسل فخذه فقال عروة متى قال متى شئت فبعث معه عروة رسولا فإذا هو قد هدم عليه بيتا فاستخرج المال فأتى به فتمثل عروة عند ذلك :

 فما استخبأت في رجل خبيئا * كمثل الدين أو حسب عتيق

ذوو الأحساب أكرم ما تراث * واصبر عند نائبة الحقوق 

إقباله على الله عز وجل :

ويحدث عن عائشة رضي الله عنها قالت خطبنا رسول الله {صلى الله عليه وسلم} على ناقته الجدعاء وليست العضباء فقال: أيها الناس كأن الموت فيها على غيرنا كتب، وكأن الحق فيها على غيرنا وجب ،وكأن الذين نشيع من الأموات سفر عما قليل إلينا راجعون نبوئهم أجداثهم ونأكل تراثهم كأنا مخلدون بعدهم (22) .

وكان كثير الدعاء والابتهال إلى الله عز وجل ويقول : إني لأدعو الله في صلاتي لحوائجي كلها حتى الملح لعجيني . (23)...

حثه على الحياء ومكارم الأخلاق :

وكان يحث على الحياء ومكارم الأخلاق ويروي عن أبيه قال : قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه وهو يخطب : " يا معشر المؤمنين استحيوا من الله فوالله الذي نفسي بيده إني لأظل أذهب إلى الغائط في الفضاء متقنعا بثوبي استحياء من ربي - تبارك وتعالى - " ..

ويحذر من الغضب ويقول : مكتوب في الحكم: يا داود إيّاك وشدّة الغضب، فإنّ شدّة الغضب مفسدة لفؤاد الحكيم ..

وكان لا يؤتى أبدا بطعام ولا شراب، حتّى الدّواء فيطعمه أو يشربه، إلّا قال: الحمد للّه الّذي هدانا وأطعمنا وسقانا ونعّمنا. اللّه أكبر. اللّهمّ ألفتنا نعمتك بكلّ شرّ، فأصبحنا منها وأمسينا بكلّ خير. نسألك تمامها وشكرها. لا خير إلّا خيرك، ولا إله غيرك، إله الصّالحين، ربّ العالمين، الحمد للّه ولا إله إلّا اللّه ما شاء اللّه، ولا قوّة إلّا باللّه، اللّهمّ بارك لنا فيما رزقتنا وقنا عذاب النّار

..

وقد بنى فيه نهاية عمره قصرا ، فلما فرغ منه دعا جماعة من الناس، وكان فيمن دعي ابن أبي عتيق، قال: فطعم وجعلوا يبرّكون وينصرفون ويقولون: ما رأينا ماء أعذب ولا أطيب، ولا منزلاً أكرم.

وكان يردد :

 إذا انتسب الناس كان التقيّ ** بتقواه أفضل من ينسب

ومن يتّق الله يكسب بها ** من الحظ أفضل ما يكسب

ميله إلى المسالة :

وكان يميل إلى المسالة ، ولما اشتد حصار الحجاج لعبد الله بن الزبير رضي الله عنه قال له عروة : أن لك في الصلح لأسوة بالحسن . (24)... وعرض عليه الحجاج الأمان و بذل له العهد فأبى أن يقبله .. لأمر قضاه الله سبحانه وتعالى وكتبه على المسلمين .

اهتمامه بتفقيه أولاده :

وكان يهتم بتثقيف أولاده وتقيههم ، قال هشام. وكان أبي يدعوني وعبد الله بن عروة وعثمان وإسماعيل إخوتي - وآخر قد سماه هشام - فيقول: لا تعنتوني مع الناس إذا خلوت فسلوني، فكان يحدثنا يأخذ في الطلاق ثم الخلع ثم الحج ثم الهدي ثم كذا ثم يقول: كروا علي فكان يعجب من حفظي.

وقال أيضا : قال أبي إذا رأى أحدكم شيئا من زينة الدنيا وزهرتها فليأت أهله وليأمرهم بالصلاة وليصطبر عليها قال قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه و سلم " لا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فيه " الآية ..

ثناء عبد الله بن عمر عليه :

قال عروة: خطبت إلى عبد الله بن عمر ابنته سودة ونحن في الطواف، فلم يجبني بشيء، فقلت في نفسي: لو رضيني لأجابني. فلما انقضى الحج خرج إلى المدينة قبلي، وخرجت بعده. فلما دخلت المدينة مضيت إليه، فسلمت عليه، فقال لي: كنت ذكرت سودة بنت عبد الله؟ قلت: نعم. قال: كنت ذكرتها ونحن في الطواف نتخايل الله بين أعيننا، أفلك فيها حاجة؟ قلت: أحرص ما كنت. قال: يا غلام: ادع عبد الله بن عبد الله ونافعاً مولى عبد الله. قال: قلت له: وبعض آل الزبير؟ قال: لا. قلت: فمولاك حبيباً؟ قال: ذلك أبعد. ثم قال لهما: هذا عروة بن أبي عبد الله بن الزبير، وقد علمتما حاله، وقد خطب إليّ سودة بنت عبد الله، وقد زوجته إياها بما جعل الله للمسلمات على المسلمين من إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان، وعلى أن يستحلها بما يستحل به مثلها. أقبلت يا عروة؟ قلت: نعم؛ قال: بارك الله لك.

تحذيره من الجرأة على الصحابة :

وكان يحذر من الجرأة على صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ويروي عن عائشة رضي الله تعالى عنها قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : " شرار أمتي أجرؤهم على صحابتي " ..

وفاته :

توفي سنة 94هـ. وقد مات وهو صائم في النافلة , فعن هشام، أن أباه مات وهو صائم، وجعلوا يقولون له: أفطر، فلم يفطر.

مات وهو يقول: أخشاك ربي وأرجوك، أخشاك ربي وأرجوك.

ودفن هناك يوم الجمعة سنة أربع وتسعين. 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش :

1 ـ سير أعلام النبلاء 4/ 422..

2 ـ سير أعلام النبلاء 4/ 423..

3 ـ سير أعلام النبلاء 4/ 432.

4 ـ سير أعلام النبلاء 4 /424..

5 ـ سير أعلام النبلاء 4/ 425.

6 ـ سير أعلام النبلاء 4/ 425 .

7 ـ سير أعلام النبلاء 4/ 427.

8 ـ ابن الجوزي: صفة الصفوة جـ2 صـ87.

9 ـ الذهبي: سير أعلام النبلاء جـ4 صـ423

10 ـ الإحكام لابن حزم (6/ 223).

11ـ سير أعلام النبلاء (4/ 433)

12ـ  (سير أعلام النبلاء (4/ 431)).

13 ـ سير أعلام النبلاء 4/ 431.

14 ـ سير أعلام النبلاء (4/ 435)

15 ـ وفيات الأعيان (3/ 258) .

16 ـ وفيات الأعيان 3/ 257

17 ـ الإحكام لابن حزم 6/ 223 .

18 ـ صفة الصفوة 2/ 88 .

19 ـ صفة الصفوة 2/ 86 ..

20 ـ الآداب الشرعية - ابن مفلح 2/ 90.

21 ـ التبصرة ـ لابن الجوزى 2/ 224.

22 ـ المجالسة وجواهر العلم ص: 362...

23 ـ المدخل لابن الحاج 3/ 145.

24 ـ البداية والنهاية 9/ 120.

التعليقات مغلقة على هذه المقالة
جديد المقالات المزيد
لنتذكّر في ذكرى الهجرة

لنتذكّر في ذكرى الهجرة

لقد كان نجاح الإسلام في تأسيس وطن له وسط صحراء تموج بالكفر، أعظم كسْب...

غزة أمام امتحان جديد

غزة أمام امتحان جديد

محمد كريشان حيت حركة «حماس» السلطة الفلسطينية فردت عليها التحية...

التأريخ الهجري واستقلالية الأمة

التأريخ الهجري واستقلالية الأمة

د. أحمد عبد الحميد عبد الحق سيهل علينا بعد قليل العامُ الهجري الجديد...

جديد الأخبار المزيد
 التعرف على الإسلام يدفع بولندياً نحو القدس ومكة على صهوة جواده

"التعرف على الإسلام" يدفع بولندياً نحو القدس ومكة على صهوة جواده

بعد 9 أشهر من مغادرته بلاده على متن جواد، وصل المواطن البولندي كريستيان...

بن علي يلدرم: الاستفتاء في كردستان العراق يمس أمن تركيا القومي

بن علي يلدرم: الاستفتاء في كردستان العراق يمس أمن تركيا القومي

قال بن علي يلدرم رئيس الوزراء التركي: إن تركيا لن تقبل أي تغيير في...

الشيخ رائد صلاح يشتكي ظروف نقله السيئة للمحكمة اليوم

الشيخ رائد صلاح يشتكي ظروف نقله السيئة للمحكمة اليوم

اشتكى رئيس الحركة الإسلامية في الداخل المحتل عام 48، الشيخ رائد صلاح،...

  • أيام في سيلان والمالديف