• الصليب وحكاياته

معركة الجسر – عاقبة الاستعجال

Aug 29 2017 17:11:53

معركة الجسر – عاقبة الاستعجال
معركة الجسر – عاقبة الاستعجال

إن من أخطر آفات العمل الدعوي التي ممكن أن تحبط مجهودات سنوات متصلات وتعيد العمل للخلف أو حتى إلى النقطة رقم صفر هي آفة الاستعجال التي عصفت بحركات إسلامية كاملة وحيدتها عن مسيرة العمل وأخرجتها من صف التمكين , والاستعجال ليس آفة خاصة بالعمل الإسلامي وحده إنما لأي تجمع حركي عملي , لذلك فإن الاستعجال في جملته مذموم في الكتاب والسنة ,لذلك فإن أعداء الله عز وجل يلعبون على وتر هذه الآفة جيداً فيستدرجون التجمعات الدعوية لصدمات مبكرة قبل الاستعداد لذلك فتكون النتيجة معروفة ومحسومة ضرب العمل الدعوي في مقتل لتخلو الساحة لأعداء الله يعيثون فيها كما يشاءون , وصفحتنا هذه صورة حية وواقعية لخطورة الاستعجال وضرره على المجهودات الدعوية لنجدة المسلمين من جحافل الروم ..

ظن الفرس أن الساحة قد خلت لهم فحاولوا التخطيط لتصفية الوجود الإسلامي ، ولكن البطل المقدام المثنى بن حارثة أفشل خططهم وتحيز بالمسلمين على حدود العراق وذهب مسرعاً للمدينة ليقابل الخليفة أبا بكر فوجده في النزع الأخير فلما مات وتولى الفاروق عمر ندب الناس للخروج للعراق فلم يستجب له بعد محاولات متعددة سوى ألف رجل أمر عليهم أبا عبيد الثقفي أول من استجاب لنداء الجهاد ولم يكن أبو عبيد على المستوى اللازم لقيادة الجيوش في هذه الفترة العصيبة إلا أنه كان من أشجع خلق الله , فلما دخل أبو عبيد العراق نظم الجيوش واستطاع بفضل الله ثم شجاعته المهولة وإقدامه أن يستعيد كل ما تخلى عنه المسلمون من أراضي العراق في تسعة أيام فقط لا غير وانتصر بجيشه الصغير الذي لا يبلغ العشرة آلاف في ثلاث معارك كبيرة هو النمارق – السقاطية – باقسياثا على قرابة الربع مليون فارسي ، فاستطاع أبو عبيد بذلك أن يفعل ما لم يفعله أحد ولا حتى خالد نفسه .

مؤتمر المدائن :

كان لهذه الانتصارات المدوية أثر سيء على القيادات العليا في المدائن وثار خصوم رستم عليه واتهموه بالتقصير والتخاذل عن قتال المسلمين ، فعقد رستم اجتماعاً على أعلى المستويات القيادية،  واستدعى القائد 'ألجالينوس' الذي فر من قتال المسلمين وغضب عليه بشدة ، وحكم عليه بالإعدام مع وقف التنفيذ ، وأنزل رتبته من قائد عام إلى مساعد القائد العام ، ثم تشاور رستم مع كبار قادة جيوشه في كيفية تحقيق النصر على المسلمين ولو مرة واحدة لرفع الروح المعنوية لجنود الفرس الذين هزموا في كل لقاءاتهم مع المسلمين , وكان رستم داهية فبدأ الإعداد للجيش باختيار قائده فسأل عن أمهر القادة الفرس وأدهمم ؟ فقالوا له 'ذو الحاجب بهمن جاذويه' وكان من أشد قادة الفرس كبراً وحقداً على المسلمين والعرب ، وإنما تسمى بذي الحاجب لأنه كان يعصب حاجبيه الكثيفين ليرفعهما عن عينيه تكبراً , فأسند له رستم قيادة الجيش واختار رستم بنفسه أمراء الجند وأبطال الفرسان وزودوه ولأول مرة بسلاح المدرعات الفارسي ، وهو الفيلة وليضفي رستم أهمية خاصة على هذا اللقاء أعطى لهذا الجيش راية الفرس العظمى واسمها [دارفن كابيان] وكانت مصنوعة من جلد النمور طولها اثنتا عشرة ذراعًا وعرضها ثمانية أذرع ، وكانت هذه الراية لا تخرج إلا مع ملوكهم في معاركهم الحاسمة.

تحركات الجيش المسلم :

نقلت استخبارات أبي عبيد تفاصيل ما دار في المدائن وأخبار الجيش الفارسي الجرار الخارج لقتالهم فسارع أبو عبيد وعبر بجيشه الفرات نحو الغرب حتى وصل بابل شمال الحيرة وجنوب المدائن ، وكانت تلك المنطقة صالحة للقتال، ولكن أبا عبيد رأى أن يعبر الفرات مرة أخرى ناحية الحيرة وعسكر على مقربة من نهر الفرات على أطراف الصحراء، وهذا المكان أفضل مكان للقتال لخبرة المسلمين في قتال الصحراء ولسهولة الكر والفر.

الغلطة القاتلة :

نزل الفرس بقيادة بهمن جاذويه على الشاطئ الشرقي لنهر الفرات المقابل ، وأرسل برسول من عنده إلى القائد أبي عبيد، وكان هذا الرسول من دهاة الفرس واسمه [مرادتشاه] قائد سلاح الدروع وكانت فحوى الرسالة [إما أن تعبروا إلينا وندعكم تعبرون ، وإما أن تدعونا ونعبر إليكم] فعقد أبو عبيد مؤتمرًا مع قادة جيشه للتشاور في عرض الفرس ، وأجمع قادة الجيش على ترك الفرس يعبرون لهم لأن أرض المعركة ستكون أوسع وأسهل لحرب الصاعقة التي يجيدها المسلمون ، وحتى يسهل قدوم الإمدادات للمسلمين ، ولأن عبور المسلمين للفرس سيحشرهم في مكان ضيق من ورائهم حاجز مائي خطير هو نهر الفرات والزاخر بالمياه الهادرة ، وكل ما سبق يحتم عدم العبور ، ولكن أبا عبيد القائد العام يفاجئ الجميع برفض هذا الرأي والإصرار على العبور إلى الفرس وتحجج بحجة واهية عندما قال [لا يكونون أجرأ منا على الموت بل نصير إليهم] وهذا رأي مبني على الشجاعة فقط دون النظر لباقي المعطيات والظروف المحيطة بالأمر وناشده قادة جيشه ومنهم الصحابي الجليل سليط بن قيس البدري ألا يعبر لهم لخطورة العبور ، ولكن أبا عبيد أصر على رأيه وقال لسليط [لا أفعل قد جبنت يا سليط] فقال له سليط [والله أجرأ منك نفسًا وقد أشرنا عليك بالرأي فستعلم].

والواقع أن الذي دفع أبا عبيد لذلك الرأي أيضًا مكر ودهاء الفرس الذين استدرجوه لذلك عندما قال الرسول الفارسي [مراد نشاه] له [إن أهل فارس قد عيروكم بالجبن] فازداد أبو عبيد إصرارًا على رأيه.

عندما أصر أبو عبيد على رأيه بالعبور للفرس أمر أبو عبيد بعقد جسر يمر عليه المسلمون للطرف الشرقي من النهر، وكلف أبو عبيد بهذه المهمة رجلاً معاهدًا في ذمة المسلمين واسمه [ابن صولبا] وبالفعل أقام [ابن صولبا] الجسر ولكن بصورة واهية يجعل من السهل قطعه على مجموعة صغيرة من الرجال، ولعله فعل ذلك عمدًا ليقع المسلمون في الكماشة القاتلة، وبدأ المسلمون في العبور إلى الطرف الآخر وتركهم الفرس حتى تكامل عبورهم فوجد أبو عبيد جيشه محصورًا في مكان ضيق يكون فيه نهر الفرات ورافده تحيط بالمسلمين من الخلف واليمين واليسار، والفرس بجيشهم الجرار أمام المسلمين.

وبمجرد أن تكامل المسلمون على الشاطئ الشرقي هجم الفرس بكل قواتهم خاصة سلاح الفيلة على المسلمين، ولم تكن خيل المسلمين قد رأت فيلة من قبل فتفرت منها بشدة وهربت في كل مكان وبذلك تعطل أقوى أسلحة المسلمين وهو سلاح الفرسان، وقامت الفيلة بتمزيق صفوف المسلمين وأوقعت خسائر بالغة بهم، وعندها أمر القائد العام أبو عبيد بالتعامل مع الفيلة فنادى في أبطال المسلمين [احتوشوا الفيلة] أي أحيطوا بها واقطعوا أحزمة بطنها ليقع ما عليها من قادة وكان أبو عبيد كما قلنا من أشجع الناس فكان هو أول من نفذ ما أمر به المسلمين، وبالفعل تم للمسلمين ما أرادوا وقطعوا أحزمة جميع الفيلة.

استشهاد القائد العام أبي عبيد :

حمى وطيس القتال جدًا وما زال سلاح الفيلة يفعل الأفاعيل في المسلمين وعندها قرر القائد أبو عبيد القيام بعمل بطولي نادر لا يجرؤ عليه إلا أمثال هذا البطل فسأل عن مقتل الفيل فقالوا له خرطومه فنادى في المسلمين [يا معشر المسلمين إني حامل على هذا المخلوق يعني الفيل الأبيض قائد كل الفيلة فإن قتلته فأنا أميركم وإن قتلني فأخي الحكم أميركم فإن قتل فولدي وهب ثم عد سبعة من القادة آخرهم المثنى بن حارثة، ثم حمل في بطولة نادرة على الفيل الأبيض والذي كان مدربًا على فنون القتال فاتقى ضربات سيف أبي عبيد وألقاه على الأرض وداسه بأقدامه فاستشهد القائد أبو عبيد ، وقاتل المسلمون على جثته حتى لا يأخذها الفرس، ثم تولى مكانه أخوه الحكم مكانه ولكنه سرعان ما استشهد ثم ولده ثم الذي بعده حتى استشهد السبعة الذين عينهم أبو عبيد ، وتسلم الراية أسد العراق المثنى بن حارثة الذي حاول تصحيح الوضع حتى حدث ما لم يكن في الحسبان.

وبينما المثنى ينظم صفوف جيشه ويدعو الفارين للثبات إذ سارع رجل من بني ثقيف واسمه [عبد الله بن مرثد الثقفي] إلى الجسر فقطعه ونادى في المسلمين [موتوا على ما مات عليه أمراؤكم أو تظفروا] وفرح الفرس بهذه الفعلة وركزوا هجومهم على المسلمين ليفنوهم بالكامل وركزوا هجومهم ناحية الجسر المقطوع حتى لا يصلحه أحد، ووقع الاضطراب الشديد في صفوف المسلمين وفر الكثير منهم وألقوا بأنفسهم في نهر الفرات، وكان أكثرهم لا يعرف السباحة فغرق منهم ألفان .

أسرع المثنى لما رأى هذه الكارثة المروعة بالمسلمين وانتخب كتيبة من الأبطال بقيادته لإصلاح الجسر المنهار ، ...، وفي شبه معجزة استطاع المثنى ومن معه إصلاح الجسر ونادى في الناس قائلاً [أيها الناس أناديكم فاعبروا على هيئتكم [أي على مهلكم] ولا تدهشوا فإنا لم لن نزايل [أي نتحرك] من مكاننا حتى نراكم في الجانب الآخر] وبالفعل استطاع ستة آلاف أن يعبروا الجسر للضفة الأخرى وبعد أن كمل الانسحاب ولم يبق مسلم في مكان المعركة كان آخر من انسحب الأسد الهصور المثنى بن حارثة ، فانسحب ووجهه نحو الفرس يقتلهم وظهره للمسلمين ، وقد أصيب إصابة بالغة أدت لوفاته بعد ذلك بشهرين رحمه الله.

انتهت هذه المعركة باستشهاد أربعة آلاف شهيد ، منهم الأمراء السبعة وثلاثمائة رجل من قبيلة ثقيف وحدها ؛ لذلك فإن وقعها كان شديدًا على نفوس المسلمين حتى إن ألفين من الجيش قد فروا حتى دخلوا البادية فاختفوا فيها خجلاً مما جرى ، ولم يبق مع المثنى سوى ثلاثة آلاف هم الذين انتقموا لمصرع إخوانهم في معركة البويب.

 

التعليقات مغلقة على هذه المقالة
جديد المقالات المزيد
لنتذكّر في ذكرى الهجرة

لنتذكّر في ذكرى الهجرة

لقد كان نجاح الإسلام في تأسيس وطن له وسط صحراء تموج بالكفر، أعظم كسْب...

غزة أمام امتحان جديد

غزة أمام امتحان جديد

محمد كريشان حيت حركة «حماس» السلطة الفلسطينية فردت عليها التحية...

التأريخ الهجري واستقلالية الأمة

التأريخ الهجري واستقلالية الأمة

د. أحمد عبد الحميد عبد الحق سيهل علينا بعد قليل العامُ الهجري الجديد...

جديد الأخبار المزيد
 التعرف على الإسلام يدفع بولندياً نحو القدس ومكة على صهوة جواده

"التعرف على الإسلام" يدفع بولندياً نحو القدس ومكة على صهوة جواده

بعد 9 أشهر من مغادرته بلاده على متن جواد، وصل المواطن البولندي كريستيان...

بن علي يلدرم: الاستفتاء في كردستان العراق يمس أمن تركيا القومي

بن علي يلدرم: الاستفتاء في كردستان العراق يمس أمن تركيا القومي

قال بن علي يلدرم رئيس الوزراء التركي: إن تركيا لن تقبل أي تغيير في...

الشيخ رائد صلاح يشتكي ظروف نقله السيئة للمحكمة اليوم

الشيخ رائد صلاح يشتكي ظروف نقله السيئة للمحكمة اليوم

اشتكى رئيس الحركة الإسلامية في الداخل المحتل عام 48، الشيخ رائد صلاح،...

  • أيام في سيلان والمالديف