• الصليب وحكاياته

الحلقة الرابعة من الاحتلال الإسباني الفرنسي للمغرب

Aug 26 2017 10:49:52

الحلقة الرابعة من الاحتلال الإسباني الفرنسي للمغرب
الحلقة الرابعة من الاحتلال الإسباني الفرنسي للمغرب

د / أحمد عبد الحميد عبد الحق

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد خاتم الأنبياء والمرسلين وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه إلى يوم الدين , وبعد ..

 فأمام هذا الوضع الاجتماعي والسياسي الكارثي الذي تسببت فيه تلك المعاهدات والمحميين في غفلة من رجال المخزن المسؤولين، كان السلطان يحاول التخفيف من آثارها تارة بالاحتجاج، وأخرى بالمقاومة، ويؤكد علال الفاسي في كتابه الحركات الاستقلالية في المغرب العربي، أن السلطان الحسن الأول عمل على إزالة كل الأسباب التي تجعل الدول الأجنبية تطالب بالاحتفاظ بمحاكمها القنصلية، فعمد إلى تكوين تدريجي للقضاء المدني، وقد كانت القضايا كلها من اختصاص المحاكم الشرعية التي كان يرفض الأجانب الاحتكام إليها.

ولأن الضغوط كبيرة، يقول علال الفاسي  رأى السلطان أن خير وسيلة للقدرة على دفع الأجانب هو التعاون بين هذه البلدان ضمن الجامعة الإسلامية التي كانت الدعاية لها إذ ذاك آخذة في الازدهار، فقرر السلطان أن يجدد علاقته بالباب العالي، ويعمل على الاستفادة من الخبراء العثمانيين ورجالهم ، ولكن الوقت كان متأخرا ، فقد كان الباب العالي نفسه وقد وصل إلى حاجة يحتاج فيها للعون لا تقديمه .   

ثم جاءت المعاهدة الإسبانية سنة 1860 م لتكون أخطر المعاهدات على الإطلاق ، وذلك لأنها جاءت عقب هزيمة المغرب أمام جيوشها في حرب تطوان ، وفرضت فيها إسبانيا شروطا قاسية بمقتضى معاهدة الصلح المبرمة بينهما يوم ( 24شوال عام 1276هـ ) الموافق  26 أبريل سنة 1860، وتخلت المغرب لها مرغمة عن أجزاء من أراضيها ، وقبل إنشاء كنيسة إسبانية بفاس وأخرى بتطوان ، مع تيسير أداء الرهبان لطقوسهم الدينية في بلد لا يوجد فيه نصارى ، وإعفائهم من أداء الضرائب ، وأن تكون الحصانة المعبر عنها بالاحترام والتوقير لهم ولمنازلهم وكنائسهم ومستشفياتهم ومقابرهم ، زيادة على الغرامة الحربية التي يتعين على المغرب أداؤها تعويضا لإسبانيا عن خسائر الحرب التي أعلنتها عليه .

تلك الغرامة التي رهن المغرب لأدائها مراسيه ـ كما ذكرت في الحلقة السابقة ـ فصار الموظفون الإسبانيون يجلسون فيها إلى جانب الأمناء المغاربة لحيازة نصف الرسوم الجمركية استيفاء للغرامة ، وصاروا تبعا لذلك يراقبون تجارة المغرب الخارجية إيرادا وتصديرا ، ويطلعون على المشتريات السرية لحكومته كالمعدات الحربية ، وتجري تحت أعينهم حركات السفر منه وإليه عبرها ، إذ لم يكن له يومئذ أبواب وممرات للاتصال مع الخارج غيرها ...      

وأجبر المغرب على الاعتراف للرعايا الإسبانيين المقيمين في المغرب بحق تملك العقار فيه ، والترخيص لهم بقطع أخشاب الغابات المغربية وتصديرها ، وللأسطول الإسباني بصيد السمك وقطع الإسفنج والمرجان بشواطئه لقاء ضريبة سنوية رمزية ..

ولقد أثار إمضاء المعاهدات الأخيرة الغيرة في نفس فرنسا ، فلم ترض بالمكاسب التي حققتها بالمغرب من قبل  ، فبدأت محافلها الرسمية وأنديتها السياسية تهمس بضرورة عقد معاهدة جديدة تمكنها من الاستحواذ على ما استحوذت عليه إسبانيا ...

وأدى هذا إلى تذمر السلطان وولاته والشعب المغربي من عواقب المعاهدات الممضاة ، فالنكسة الخطيرة التي أصيب بها المغرب في معركته بايسلي سنة 1844مع فرنسا ، ومعركته بتطوان سنة 1860مع إسبانيا والشروط المذلة المفروضة عليه إثرهما أذهبت هيبته ، وفتحت مصراعيه أمام الأجانب الذين صاروا يفدون عليه بدون إذن ، ويستقرون حيث شاءوا من أرضه من غير ترخيص ، وكثرة هؤلاء الوافدين والمستوطنين واتساع نطاق أعمالهم التجارية مد نطاق الحماية إلى القرى والأرياف الداخلية بعد أن كان مقصورا على المدن الساحلية ، كما جعل عدد المحميين يكثر ويزداد بسرعة فائقة ، لاسيما بعد حرب تطوان سنة 1860 ، ولم تكن هذه الكثرة وهذا الازدياد يعنيان شيئا غير كثرة عدد المتمردين على السلطة الشرعية ، وازدياد عدد المتهربين من القيام بالخدمات الوطنية وأداء التكاليف المفروضة على الرعية ، الشيء الذي بدأ يعطل الأحكام ويضعف سلطة الولاة ، ويهدد الأمن ، ويقلل من دخول بيت المال الذي أفرغه ما كان يخرج منه لأداء الغرامة الحربية التي فرضتها إسبانيا والوفاء بالسلف الذي قدمته بريطانيا ..

وبدأ السلطان يرسل مبعوثيه لحكومات تلك الدول يشتكى لهم مما وصل إليه حال البلاد ، فتظاهر من قابلوا المبعوثين بالامتعاض ، وادعوا أنهم سيحققون في الأمر ، وتظاهرت فرنسا بأنها ستقنن أمر الحماية ، يقول عبد الرحمن السجلماسي في كتابه " إتحاف أعلام الناس بجمال أخبار حاضرة مكناس (3/ 604 وما بعدها ) :  وقد عثرت على تقييد ببعض دفاتر دار النيابة هذا نصه:  "في 19 غشت عام 1863 الموافق 3 ربيع الأول عام 1280م . تقييد في الحماية التي يجب أن يسير عليها نواب الفرنصيص الذين هم في إيالة المغرب: الحماية تكون للشخص المعين لها في وقت تعلقه بالخدمة ، وهذه الحماية لا تشمل أقارب الشخص المحمى ونائبه ، وإنما تقدر أن تشمل الأشخاص مدة عمره كله، فإذا مات انقطعت ولا تورث، ما عدا دار موسى بن سمول المكنى بريرو التي هي موروثة عندهم أبا عن جد تولدت منها سماسرة وتراجمة في نيابة طنجة.

وكانت الحماية تقسم لقسمين :

القسم الأول: أولاد البلد الذين يخدمون في دار الباشدور وديار القنصوات نوابه مثل الكتاب والمخازنية والمتعلمين وشبههم.

والقسم الثاني: السماسرة المستخدمون عند التجار الفرنسيين في أمور تجارتهم، هؤلاء التجار المشار إليهم لا يسمى أحد منهم تاجرا إلا الذي يكون يتجر تجارة كبيرة ، وتكون تجارته بالداخل والخارج في المرسى، سواء أكانت تلك التجارة له أو كان نائبا فيها من غيره، عدد السماسرة الذين يكونون في الحماية لا يزيد على اثنين في دار كل متجر نعم الدار التي تكون لها دار أخرى في مرسى أخرى فيكون لها في كل دار سمساران محميان.

حماية دولة فرنسا لا تشمل أولاد البلد المستخدمين في البادية في مثل أمور الحراثة والفلاحة ورعي الغنم وشبه ذلك ، ولكن باعتبار ما هو جار الآن ، وذلك بالاتفاق مع حكام مراكش الحماية لهؤلاء المذكورين، تكون جارية لهم مدة شهرين أولها فاتح شتنبر الموالي لتاريخه.

ومعروف أن هؤلاء المستخدمين في البادية مع الفرنسيس حين تجب مطالبتهم بالأحكام ، فيعلم عاملهم نائب الفرنسيس ليأمر صاحب الغنم أو الحرث بتوجيه من يقف على متاعه ليلا يبقى للضياع.

زمام من هو في حماية الفرنسيس يعطيه نائبهم لعامل البلد التي هو فيها، وإذا حدث تبديل أو تغيير في بعض الأشخاص المحميين فيعلمه بذلك.

كل من هو في الحماية تكون بيده بطاقة مذكور فيها اسمه وتعيين الخدمة التي هو بها، وتكون هذه البطاقة مكتوبة بالعربي وبالفرنسي ، وهذه البطاقة لا يعطيها إلا الباشدور المقيم بطنجة".

ولكن هذا التقنين كان للخداع فازدادت الأمور سوءا ، واتسع الأمر حتى صارت الحماية تمنح للمجرمين والخارجين على القانون والمتابعين من طرف القضاء ، وعظم الخطب وعم الأذى ، وقلت موارد الدولة ، وضاعت حقوق الرعية ..

وقد حاول السلطانان محمد بن عبد الرحمن والحسن الأول إلغاء تلك الحماية القنصلية أو ضبط شروطها، لكن كل هذه المحاولات باءت بالفشل ..

وقد شعر السلطان محمد بن عبد الرحمن - ولم تمض إلا سنة واحدة على إمضاء الاتفاقية المحلية المبرمة بطنجة يوم 3 ربيع الأول عام 1280هـ/ 19 غشت 1863م بيْن وزير فرنسا المفوض “الميسيو بيكلار Beclard” وبين السيد محمد بن محمد بن إدريس العمراوي كاتب الدولة المغربي في الشؤون الخارجية، تلك الاتفاقية التي انخرطت فيها بقية الدول غداة يوم إمضائها- أن خطر الحماية القنصلية لا يزداد إلا اتساعا، وأن أضرارها تمتد امتدادا وتنتشر انتشارا ، فالولاة المغاربة من عمال ، وأمناء كانوا يبلغون السلطان ووزراءه باستمرار أخبار الممارسات التعسفية التي يرتكبها التجار الأجانب تحت غطاء من تأييد الممثلين الدبلوماسيين والقنصليين، وتحيزهم للباطل الصراح رغم ما فيها من مس بسيادة الدولة المغربية ومصالح رعياها ، حتى إن السلطان نفسه ذكر لوزير فرنسا المفوض أثناء حديث جرى بينهما في شهر نوفمبر سنة 1864م إن التعسفات والمخالفات التي تعاني منها مملكتي ، والتي تشكل بالنسبة إلي أخطارا لا أستطيع إخفاءها ولا التغاضي عنها - وكان يعني بذلك الحماية التي تعطى لرعاياه ضدا على نظامها الذي ضبطته المعاهدات إن هذه التعسفات والمخالفات تزداد وتتضاعف في كل يوم وهي تهدد سيادتي وتعرضها لشتى الأخطار والمحاذير.

وإذا تصفح المرء البريد اليومي الذي كان يرد على السلطان من ولاته ، ولاسيما ولاة المدن الساحلية، وكذا الرسائل التي كان يجيب بها عن مكاتيبهم أدرك بسهولة أن جل ممثلي الدول الأجنبية -على اختلاف رتبهم- لم يكونوا مخلصين للاتفاقية التي وضع بعضهم على انخراط دولهم فيها إمضاءه، ولا جادين في تطبيقها والتقيد بنصوصها، بل كانوا هم الذين يوحون في الغالب بالمخالفات والتعسفات إلى تجارهم ، ثم يتولون الدفاع عنهم وتبرير تصرفاتهم، فأكثرهم كانوا يمارسون التجارة ، إما مباشرة وإما شراكة مع التجار، فمن المفيد لهم أن يبقى الوضع على ما كان عليه، وأن يتسع خرقه حتى يستعصي على كل رتق، ومن المضر بمصالحهم الخصوصية ومصالح دولهم العاجلة والآجلة تطبيق أي إصلاح، ولا ننس اليهود الذين اشرأبَّت أعناقهم في كل مكان بالمغرب إلى الاحتماء بالأجانب تخلصا من سلطة الولاة وتملصا من القوانين والأحكام، فقد صاروا يظهرون من الجراءة على العمال والاستخفاف بمشاعر مواطنيهم المسلمين ما أحدث الفوضى وأضاع الحقوق، وعرقل تنفيذ الأحكام، وأزَّم العلاقات بين المغرب وبين الدول الأجنبية التي كانوا يجدون لدى يهودها سندا ودعما حتى في الحالات التي يكونون فيها هم الظالمين ولا يكون الأجنبي طرفا فيها، وما أكثرها، فصارت الاتفاقية الممضاة بسبب ذلك عديمة المفعول.

وحاول السلطان محمد بن عبد الرحمن حصر أخطار الحماية ، والتي تتمثل في المخالفات التي يرتكبها ممثلوها الدبلوماسيون والقنصليون وتجارها المقيمون بالمغرب، بمنحهم الرعايا المغاربة صكوك حماية تتنافى مع نص اتفاقية (ابن ادريس- بيكلار)، فأرسل خاله القائد (أبَّا) محمد بن عبد الكريم الشرقي.. الذي قدم رسالة السلطان إلى “نابليون الثالث” وأجرى محادثات مع وزير الخارجية الفرنسية “دروين دو لويس” حول المشاكل التي أوفده السلطان لحلها مع الحكومة الفرنسية، لكنها باءت بالفشل..

ثم جاءت فترة السلطان  محمد بن عبد الرحمن ، المطمئن إلى حالة البلاد من جهة، ولمحدودية الوجود الأجنبي فيها من جهة أخرى، حيث حصلت مجموعة من الدول على امتيازات همت بالأساس القضاء القنصلي والقضاء المشترك وحماية من يكون في خدمة القناصل أو التجار الأجانب؛ كما جاء في المعاهدة الموقعة مع السويد يوم 16 ماي 1763، إذ نص فصلها الخامس عشر على أن للسويديين “أن يجعلوا من القنصوات ما يريدون ويختارون لأنفسهم من السماسير ما يحتاجون إليه ، و كل من انضاف إليهم من أهل الذمة وغيرهم ممن يقضون لهم أغراضهم لا يكلفون بوظيف ولا مغرم إلا الجزية ، فإنها لا تسقط على أهل الذمة”.

 أو في المعاهدة المغربية الفرنسية الموقعة يوم 28 ماي 1767 التي جاء في الشرط الحادي عشر منها: “ومن استخدمه القنصوات المذكورين من كاتب و ترجمان وسماسير وغيرهم فإنه لا يتعرض لمن استخدموه، ولا يكلفون بشيء من التكاليف أيا كانت في نفوسهم و بيوتهم، ولا يمنعون من قضاء حاجات القنصوات والتجار في أي مكان كانوا”.

في حين نص الفصل السابع عشر من المعاهدة الأولى والفصلان الثاني عشر والثالث عشر من المعاهدة الثانية على القضاء القنصلي والقضاء المشترك، وهو ما يعد انتقاصا مبكرا من السيادة المغربية،  ويستشف من نصوص هذه المعاهدات أن المفاوضات من الجانب المغربي تمت بذهنية الفقيه وليست بذهنية الدبلوماسي المحنك، عكس المفاوض الأجنبي الذي كانت الدبلوماسية بالنسبة له علما واحترافا.

ولما توفي السلطان سيدي محمد بن عبد الرحمن عمل ابنه ووريثه السلطان  الحسن الأول على تطويق الحماية القنصلية بالعديد من الوسائل, كشمل اليهود بالعدل ورفض وصاية الأجانب عليهم لأنهم رعاياه وتحت ذمة الإسلام، وضبط المحميين.. ومنع القضاة والعدول من تحرير الرسوم وإجازة البيوع المتعلقة بالعقار للأجانب، والحد من جلب الخمر وتربية الخنزير.. ولكن ذلك كله لم يجد نفعا كبيرا أمام عناد الأجانب وكيدهم واحتيالهم ومكرهم، وأمام تهديد دولهم بإرسال أساطيلها إلى الشواطئ المغربية لمحاصرتها وضرب موانئها لإجبار الدولة المغربية على ترضية تجارها ومحمييها وإنصافهم بزعمها.. فأوفد الحاج محمد بن الطاهر الزبدي عام 1293هـ/1876م إلى فرنسا وبلجيكا وانجلترا وإيطاليا، فذهب إليها واجتمع بملوكها ورؤسائها ورجال حكوماتها، وفاوضهم في أمر الحماية، فلم يحصل على طائل.. ولكن أغلبيتهم أظهرت من سوء النية والتحايل ما جعل الوصول إلى حل يرضي الحكومة المغربية أمرا مستحيلا..” اهـ (سلسلة الوثائق ج5/5-9 بتصرف يسير).

 

جديد المقالات المزيد
لنتذكّر في ذكرى الهجرة

لنتذكّر في ذكرى الهجرة

لقد كان نجاح الإسلام في تأسيس وطن له وسط صحراء تموج بالكفر، أعظم كسْب...

غزة أمام امتحان جديد

غزة أمام امتحان جديد

محمد كريشان حيت حركة «حماس» السلطة الفلسطينية فردت عليها التحية...

التأريخ الهجري واستقلالية الأمة

التأريخ الهجري واستقلالية الأمة

د. أحمد عبد الحميد عبد الحق سيهل علينا بعد قليل العامُ الهجري الجديد...

جديد الأخبار المزيد
 التعرف على الإسلام يدفع بولندياً نحو القدس ومكة على صهوة جواده

"التعرف على الإسلام" يدفع بولندياً نحو القدس ومكة على صهوة جواده

بعد 9 أشهر من مغادرته بلاده على متن جواد، وصل المواطن البولندي كريستيان...

بن علي يلدرم: الاستفتاء في كردستان العراق يمس أمن تركيا القومي

بن علي يلدرم: الاستفتاء في كردستان العراق يمس أمن تركيا القومي

قال بن علي يلدرم رئيس الوزراء التركي: إن تركيا لن تقبل أي تغيير في...

الشيخ رائد صلاح يشتكي ظروف نقله السيئة للمحكمة اليوم

الشيخ رائد صلاح يشتكي ظروف نقله السيئة للمحكمة اليوم

اشتكى رئيس الحركة الإسلامية في الداخل المحتل عام 48، الشيخ رائد صلاح،...

  • أيام في سيلان والمالديف