• الصليب وحكاياته

الاستعمار البرتغالي في إفريقيا وتأثيراته بعد الاستقلال

Aug 13 2017 11:50:03

الاستعمار البرتغالي في إفريقيا وتأثيراته بعد الاستقلال
الاستعمار البرتغالي في إفريقيا وتأثيراته بعد الاستقلال

 

د. أحمد عبد الدايم محمد حسين

أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر

معهد البحوث والدراسات الأفريقية- جامعة القاهرة

إذا كانت أوروبا قد أنتجت الحكايات الكبرى عن أفريقيا في العصر الحديث فإن البرتغال هي التي بدأت تلك الحكايات وختمتها، فبدوران البرتغاليين حول أفريقيا سنة 1498 راحوا يحتكرون التجارة الشرقية، ويسيطرون على مصادرها الأصلية في الهند وأفريقيا. فقصة علاقاتهم مع أفريقيا بدأت مع نهايات العصور الوسطى وبداية العصور الحديثة، وانتهت في منتصف سبعينيات القرن العشرين. بدءوا على السواحل الأفريقية تجارًا في السلع وفى البشر وفى كل شيء، وحققوا المكاسب والأرباح، وانتهوا مع نهاية القرن 19 مستعمرين مستغلين.

 وعلى هذا فان ورقتنا عن " الاستعمار البرتغالي في أفريقيا وتأثيراته بعد الاستقلال"، قد جاءت لتستهدف ثلاثة أمور رئيسية: أولها، التعرف على المستعمرات البرتغالية الأفريقية وقدم الوجود البرتغالي فيها. ثانيها، أثر السياسات البرتغالية على الإفريقيين. ثالثها، دور الأفارقة في الاستقلال والتخلص من الاستعمار البرتغالي.  

وجدير بالذكر، أـن الدراسات الأجنبية قد أهملت تاريخ البرتغاليين فئ أفريقيا بشكل عام، وأهملته الدراسات العربية بشكل خاص، وذلك لسببين: أولهما، سبب لغوى، وهو صعوبة اللغة البرتغالية. ثانيهما، قلة المصادر التي تتناول هذا الموضوع.

وعلى هذا، فإن السؤال الذي يطرح نفسه للنقاش: كيف كان تعامل البرتغاليين مع أفريقيا طيلة فترة وجودهم التي امتدت لأكثر من خمسمائة عام؟ وما هو تأثير هذا الوجود على حياة الإفريقيين؟ وفى هذا الإطار سينقسم الموضوع إلى خمسة محاور رئيسية: الأول، خلفية العلاقات البرتغالية مع أفريقيا. الثاني، البرتغاليون وتجارة الرقيق الافريقى. الثالث، المستعمرات البرتغالية في أفريقيا. الرابع، حركة التحرر الوطني الأفريقي ضد البرتغاليين. الخامس، تأثير الاستعمار البرتغالي في أفريقيا بعد الاستقلال.   .

أولًا- خلفية العلاقات البرتغالية مع أفريقيا:-

    بعد أن أكملت البرتغال استقلالها في القرن 13، ثم سقطت الأندلس سنة 1492، توجهت إلى خارج أوروبا مباشرة. فانطلقت الحملات البحرية بقيادة هنرى الملاح عبر السواحل الأفريقية، للوصول لمملكة أثيوبيا المسيحية، وسعيا للتعاون معها لتطويق العالم الإسلامي من الجنوب. فاهتموا بإنشاء الحصون على طول تلك السواحل (1). ومن أهم ملامح تلك الفترة هو، قيام البرتغاليين بشراء الذهب بأثمان زهيدة، وتحقيقهم لأرباح ضخمة بلغت 60 مليون ريال في ثمانينيات القرن 15 . وصلت إلى 200 مليون في عهد عمانويل في الفترة من 1491-1521 والى 280 مليون سنة 1534 بتوالي تدفق شحنات الذهب.

وخلال تلك المرحلة زالت المعارضة التي كانت تبديها الطبقة الارستقراطية للملوك بسبب المكاسب التي تحصلت عليها. ونمت طبقة التجار البرتغاليين، وزودت أفريقيا بمصنوعات النحاس والمنسوجات والفضة والأغذية. واضطر ملوك البرتغال إلى التماس الدعم للأنشطة التجارية من الممولين الايطاليين والألمان، وجرت علاقات تجارية بين التاج البرتغالي والشركات الأوروبية. وكانت التجارة في المحطات التجارية تتم من خلال نظام المنح التجارية، وهو مكلف للتجار البرتغاليين مفيدًا للآخرين.

 لكن منذ منتصف عشرينيات القرن 16 بدءوا يواجهون صعوبات في الحصول على الذهب في منطقة المينا بساحل غرب أفريقيا. وبطبيعة الحال، فإن التغير جاء لصالح منافسي البرتغاليين من الفرنسيين والهولنديين. فإدارة البرتغاليين وإشرافهم على التجارة في تلك المرحلة كانت مذهلة، لكن لم يكن في استطاعتهم توفير كميات من السلع بأسعار أقل(2).

    صفوة القول، أن الاحتلال البرتغالي لسبتة عام 1415 كان بالتأكيد مسحة دينية لا أكثر ولا أقل. ومع ذلك، كانت الاعتبارات التجارية أكثر الأسباب التي تذرعت بها، فتحول اهتمام البرتغال وغيرهم من الأوروبيين في وقت لاحق، من البحر المتوسط ​​إلى ساحل المحيط الأطلسي ، ومن ثم إلى بقية أفريقيا. وكانت العوامل اقتصادية هي التي مكنت البرتغاليين من استكشاف ساحل غرب أفريقيا والكونغو سنة 1482. بعدها تاجروا مع الإفريقيين على طول السواحل، من خلال تبادل الذهب والعاج والفلفل التي ينتجها الأفارقة بالبضائع الأوروبية(3).

وبدأ البرتغاليون في تأسيس خمس محطات، استولى عليها الهولنديون قبل سنة 1642، وأصبحت عشرا فى سنة 1871 (4).

  إن ما نريد الخروج به هو أن التجار البرتغاليين كانوا مجرد وسطاء يشترون الملح والأصداف والماَذر من سينغامبيا، ليقايضوها بالذهب والصمغ والسلع الأخرى. وبذلك حرموا التجار المحليين من تطوير أنفسهم ومن مكاسبهم. فلم تعد تجارة قائمة بين انجولا والكونغو وسوفالا وكلوه بعد وجودهم. بل أصبح دور الطبقة التجارية، مثل التانجوماس، مجرد وسطاء لمصلحة الأسواق الأوروبية(5). وقد يقول قائل إن الأمر لم يقف عند حد اندفاع الأسبان والبرتغاليين في عملية الكشف الجغرافي والسيطرة التجارية، بيد أن وقائع الأمور تقول بأن صدور المرسوم البابوي ومعاهدة توردسيلاس سنة 1494 بتقسيم مناطق نفوذ الأسبان لتكون إلى الغرب من جزر الرأس الأخضر، وفصلها عن مناطق نفوذ البرتغال إلى الشرق منه، هو الذي يفسر وقوع أفريقيا من نصيب البرتغال وفقًا لهذا التقسيم . ولما كانت القارة التي وقعت من نصيبهم لم تنتج الذهب فقط، وإنما تنتج الفلفل ومسك الزباد والعاج أيضًا، لذا فإن المكاسب البرتغالية كانت فائقة. وهو الأمر الذي جعل أحد المؤرخين القدامى يشير بأنها كانت تكسب من جراء تجارتها مع أفريقيا حوالي 170 ألف ريال من الذهب سنويًا، وأن تجارة غرب أفريقيا كانت احتكارًا ملكيًا خالصًا، وأن الاتجار معها يتطلب الحصول على موافقة الأمير هنري الملاح شخصيًا. وكان أول شخص يحصل على امتياز تلك المنطقة، هو فرانسوا جوميز سنة 1469. وكانت حصيلة احتكار المنطقة من نيجيريا إلى أغادير المغربية 100 ألف ريال سنويًا (6).

    ولعل إنشاء تجارة بين أفريقيا وأوروبا الغربية منذ النصف الثاني من القرن 15 أتاح نوعًا من الفرص لتحقيق تحول اقتصادي واجتماعي سريع. فقد اتسعت تجارة الذهب، وبدا الاتجار في المواد الزراعية والأقمشة. وأصبحت موارد أمريكا في متناول أفريقيا الغربية بعد سنة 1492. ونقلت أعداد سكانية كبيرة من أفريقيا للعالم الجديد في ظل نشأة نظام أطلسي جديد. بما أدى إلى إعاقة إنتاج المواد الأولية في أفريقيا ، سواء أكان للتجارة الخارجية أم للتصدير. وبالتالي أصبحت تجارة غانا سنة 1469 موردًا رئيسيًا لحكومة البرتغالية. بعدها قام البرتغاليون سنة 1487  ببناء قلعة ساو جورج دامينا على ساحل الذهب، وفى سنة 1484 رحب ملك الكونغو بهم، إلى أن انتقل نفوذهم لانجولا بعد كشفها سنة 1490 واستقروا بها سنة 1547 (7). وسيطروا على جزر ساتومى وبرنسيب سنة 1471، واتخذوها مقرًا لإنتاج السكر وتلقى العبيد الافريقيين (8).

     وحاول البرتغاليون الاحتفاظ باحتكارهم لتجارة غرب أفريقيا، إلا أنهم اصطدموا بطموحات الفرنسيين فيما بين 1506-1531 ، حيث تمكنوا من الاستيلاء على 300 سفينة برتغالية. وتمكنوا عن طريق عرض أثمان أعلى للمنتجات الأفريقية على الساحل من تدمير التجارة البرتغالية تمامًا، وبذا تحطمت أول محاولة احتكار. بل إن الفرنسيين قدموا وثائق تثبت أقدميتهم في ممارسة التجارة في غرب أفريقيا قبل البرتغاليين خلال الفترة من 1364-1381، ومازالت تلك الوثائق والمخطوطات محفوظة فى المتحف البريطاني. غير أن الحرب الأهلية الفرنسية منعتهم من الاحتفاظ بارتباطاتهم معها (9). وفى هذا الإطار، تاجر البرتغاليون في البداية مع مملكة الكونغو عبر الساحل منذ سنة 1482. وكانوا قد استقروا أيضًا في ساحل الذهب، وعقدوا عدة اتفاقيات للحصول على الذهب، وتبادلوا مع قبائل الفانتى، الذهب بالملح والأقمشة والحلي والآلات. واعتمدوا عليهم كوسطاء مع المنتجين الاشانتى في الداخل. وتاجروا مع دلتا النيجر، وزرعوا قصب السكر في جزيرة ساتومى التي تقع على بعد 600 كم داخل المحيط الاطلنطى شمال الكونغو (10).

  وأصبح البرتغاليون هم الوسطاء بين المناطق الأفريقية على السواحل، فقد كان لديهم الفرصة لتطوير نمط التجارة الجديد الذي بدا بين شمال أفريقيا وغربها وبين أوروبا. فتاجر المستوطنون البيض في جزر الرأس الأخضر مع ساحل غينيا منذ أواخر القرن 15. ونقلوا القطن الخام وصبغة النيلة، وقاموا بزراعة القطن، وأنشئوا محالج لتصنيعه. وتولوا أمر التجارة في الكونغو والجزر البعيدة عن الشاطئ المقابل لها. وتاجروا في الملح على طول الساحل الأنجولي، وفي قماش النخيل بين شمال أنجولا وجنوبها. وفي شرق أفريقيا استخدموا العنف للحصول على التجارة من العرب والسواحليين. لكنهم عطلوا التجارة الأفريقية البحرية بين ساحل العاج وساحل الذهب. وأقاموا حصنًا في أكسيم لخدمة تجارة الذهب مع المناطق النائية. وعملوا على جعل كل منطقة منفصلة ككيانات اقتصادية مرتبطة حصريًا بأوروبا (11).

ثانيًا- البرتغاليون وتجارة الرقيق الأفريقي:-

يشير البعض بأن البرتغاليين يجب أن يدينوا بالاعتذار للشعب الأفريقي، ويتأسفوا عن الأذى الذي ألحقوه بمئات الملايين من الشعب الأفريقي الأسود. فهم أول من بدءوا صفحة الرق في أفريقيا، وهم أول من ابتدعوها. حيث قاموا بنقل أول شحنة للعبيد من غرب أفريقيا. فضلا عن أنهم ارتكبوا جرائم ضد الإنسانية عبر هذه التجارة، فقد تزايدات تجارتهم بالإفريقيين بازدياد الطلب عليهم في مناجم جزر الهند الغربية وجيانا البرتغالية في أمريكا ومزارعها. فطيلة القرنين الـ 15 و 16 كانوا هم ملوك هذه التجارة. فبعد أن أقاموا الحصون والمحطات على طول الساحل الغربي للأطلسي، أوجدوا محطات موازية في شرق أفريقيا طيلة الفترة من 1520- 1530، ودخلوا في معارك مع العرب، واستولوا على كلوة وزنجبار وبمبا وممبسة ومالندى ومقديشيو، ووصلوا موزمبيق سنة 1530، وأنشئوا حصونًا حربية ومراكز ساحلية للتجارة في العبيد، حتى توقفوا عن شرق أفريقيا بظهور الأسطول التركي في القرن 16(12).

  ومن نافلة القول، أن تجارة الربتغاليين في الرقيق قد امتدت طيلة الفترة من القرن 15إلى القرن 17، فكانت عبارة عن شركات متخصصة في الاتجار في الرقيق الأفريقي. حيث استقبلت السوق الرئيسية في أوروبا أول شحنة برتغالية من رقيق غرب أفريقيا سنة 1444. وحينما حدث ارتفاع في الطلب، تحولت مراكز الاتجار إلى الكونغو وأنجولا، وذلك لتلبية طلبات جزر الأنتيل والبرازيل. وساعد الموظفون البرتغاليون، المهربين الأسبان في هذا الاتجار. وظلت الأمور تدور على هذا النحو، حتى دخلت هولندا هذا المجال في القرن 17 ، وذلك بعد أن أصبحت هي القوة البحرية الأولى المهيمنة في العالم. حيث لعبت شركة الهند الغربية الهولندية دورًا في نقل الرقيق للعالم الجديد عبر المنطقة الساحلية الممتدة من مدار السرطان إلى جنوب أفريقيا. ولعب التجار المحليون دورًا كبيرًا في زيادة الأعداد المصدرة للخارج(13).  وفى هذا الإطار كان البرتغاليون يجمعون رقيق أنجولا فى جزيرة ساوتومى، ليصدر بعدها إلى أمريكا الجنوبية لتغذية مزارعها في البرازيل (14). بل كان ساحل موزمبيق يصدر حوالي 10 ألاف عبد سنويًا خلال الفترة من 1780-1800  (15). وحينما تأسس الحكم البرتغالي في أنجولا سنة 1571 اعتمدت عليها في الحصول على الرقيق، فنقلت منهم أكثر من 3 مليون زنجي إلى الأمريكتين. وظل حكمها على الساحل الأنجولي فقط طيلة القرون من 16-19(16).

نفس الأمر قد اتخذت من جزر ساتومى وبرنسيب منذ سنة 1471 مركزًا رئيسيًا لتجارة العبيد القادم من افريقيا  (17). وعلى هذا يمكننا مما سبق ذكره استخلاص ثلاث نتائج رئيسية: أولها، أن البرتغاليين هم المسئولين الأوائل عن بداية تجاه الرقيق الأفريقية، وعن التربح من ورائها. ثانيها، أنهم آخر القوى الأوروبية التي توقفت عن التعاطي مع هذه التجارة. ثالثها، أن مسؤوليتهم عن هذه التجارة تستوجب على السلطات البرتغالية أن تعتذر للأفريقيين عما حدث من قبل أجدادهم.

ثالثًا- المستعمرات البرتغالية في أفريقيا:-

من المؤكد، أن البرتغال هي أقدم أنواع الاستعمار في أفريقيا، بل ظلت فيها لأكثر من 500 عام (18). فإذا كان البرتغاليون قد استعمروا غينيا بيساو وجزر الرأس الأخضر سنة 1446، إلا أن تحول نشاطهم إلى إنجولا وموزمبيق، هو الذي جعل الأسبان والإنجليز والفرنسيين ينتهزون الفرصة ليحلوا محلهم في ساحل غرب أفريقيا (19). وحين تم اكتشاف جزيرة ساوتومي من قبل البرتغاليين، أصبحت على التو مستعمرة برتغالية تحت سلطة ولى العهد البرتغالي سنة 1522، وتلتها برنسيب سنة 1573. وبحلول القرن السابع عشر كانت تلك الجزر من أهم مناطق إنتاج السكر في أفريقيا، بفضل الزراعة الكثيفة بأيدي عمال السخرة القادمين من أنجولا وموزمبيق، وظلت هكذا حتى تدهور الإنتاج في القرن التاسع عشر، فتم إدخال زراعات جديدة كالكاكاو والبن (20).ومنذ تسعينيات القرن 19 وحتى الحرب العالمية الأولى، سيطر البرتغاليون على كافة مناطق أنجولا وموزمبيق الداخلية(21).

  ومع إن قراءة تاريخ أفريقيا في العصر الحديث بإمعان، تقول بأن البرتغال هي أقدم دولة في أفريقيا إلا أن هيكل أسطولها التجاري السيئ في النصف الأول من القرن 19 يشي بأنها أصبحت في مؤخرة الدولة الأوروبية تغلغلًا في أفريقيا. فأعمال الشحن من أفريقيا ولموانيها كانت سيئة للغاية. لدرجة  أن سوق لشبونة كان يظل أشهرا بلا إدارة للبضائع التي تحتاجها أفريقيا. وفى كثير من الأحيان رفض وكلاء شركات الشحن الأجنبية استلام البضائع في لشبونة. الأمر الذي جعل بعض المصدرين البرتغاليين يقومون بشحن بضائعهم لأفريقيا عبر هانوفر وهامبورج. وكان عدم وجود خدمة ملاحة وطنية في المستعمرات الأفريقية قد أعاق تسويق المنتجات البرتغالية هناك. وكانت أول محاولة لتأسيس شركة نقل بحري على نطاق أوسع، وبدء خط منتظم بين العاصمة البرتغالية والمستعمرات، قد تمت سنة 1858، بين لشبونة ولواندا. لكنها توقفت سنة  1864 بسبب إفلاس الشركة. ومع افتتاح قناة السويس سنة 1869، حاولت الحكومة البرتغالية تشجيع النقل البحري البرتغالي، فأصدرت عدة قوانين للحماية. فعلى سبيل المثال، خفضت التعريفة الجمركية للتصدير لموزمبيق بمقدار 80 %. وراحت في النصف الثاني من القرن التاسع عشر تقدم إعانات مالية وفنية. غير أن الشحن بين موزمبيق والبرتغال استمرت تهيمن عليه الشركات البريطانية لعدة سنوات بعدها. وبالمقابل ظلت حالة الفوضى الإدارية عبر المستعمرات البرتغالية، حيث ظلت التجاوزات الجمركية في ميناء لورنزو ماركيز وغيره، قائمة على قدم وساق. وفي عام 1891، نشأت شركة برتغالية جديدة وضعت نفسها، باعتبارها خدمة إضافية منتظمة لأفريقيا. ولما كانت تلك الفترة تتميز بنمو رأس المال، فقد أحدث هذا عددًا من التغيرات التكنولوجية. ونتيجة لذلك، فإن معظم شركات الشحن التي كانت قد أنشئت خلال تلك الفترة، تشكلت كشركات مساهمة. وهو الأمر الذي مكنها من زيادة رأس المال اللازم لشراء وتشغيل سفن جديدة مكلفة (22).

  ومع قدم الاستعمار البرتغالي في أفريقيا إلا أن نصيبها من الكعكة الأفريقية بعد مؤتمر برلين سنة 1884/1885، قد اقتصر على مومبيق وانجولا وساوتومى وبرنسيب وغينيا بيساو وجزر الراس الأخضر (23). لكن بلغت مساحة تلك المستعمرات حوالي 23 مرة قدر مساحة البرتغال نفسها، ويمكن تفسير عدد المستعمرات القليلة التي حازتها البرتغال في أفريقيا خلال المؤتمر رغم قدم وجودها، بأن سيطرتها على تلك المناطق لم تكن فعلية. فبرتغال القرن 19 كانت مختلفة عن برتغال القرن 16 فقد تحولت من قوة عظمى في القرن 16 إلى دولة صغيرة في القرن 19، بل إن بريطانيا هي التي قامت بدفع البرتغال سنة 1883 لإعادة أمجادها السابقة في أفريقيا. وبشكل خاص بعد ظهور أطماع الملك البلجيكي ليوبولد في حوض نهر الكونغو. فقد كان اتجاه بريطانيا والبرتغال نحو التقارب قبل عقد مؤتمر برلين قد أدى إلى قيام تقارب مضاد بين ألمانيا وفرنسا. وكان هذا التدافع الأوروبي نحو الاستعمار وتكوين المحاور الأوربية المتصارعة حول المصالح الاستعمارية المختلفة في القارة الأفريقية(24)، قد احتفظ للبرتغاليين بمستعمراتهم الأربع.

   واعترفت الدول الأوروبية للبرتغاليين بحقهم في تلك المستعمرات، فأعقب ذلك دخول ملكية الأراضي الإفريقية في حوزتهم منذ سنة 1901. ومع أنه تم إخضاع اقليم موزمبيق تماما سنة 1918، إلا أن السيطرة على بقية المستعمرات قد تمت فى تواريخ سابقة عن هذا التاريخ. وبدأت بعدها موجة من المساوئ الاستعمارية، تكونت على إثرها فى لشبونة الرابطة الأفريقية سنة 1920 (25). وحسب تنظيمات سنة 1899 خضع جميع الرعايا البرتغاليون فيما وراء البحار للإرغام الأدبي والمادي، ناهيك عن فرض سياسة العمل الإجباري. وتم تطبيق القانون البرتغالي فى كافة المستعمرات ومارسوا العنصرية ضد الأهالي بكافة صنوفها. لهذا ظل الأفارقة محرومين من كل حقوقهم الاجتماعية والاقتصادية. ولم يبدأ الاهتمام بالرعاية الصحية على سبيل المثال، إلا بعد الحرب العالمية الثانية. فقد أنشئت عدة مستشفيات فى غينيا وساتومى وبرنسيب وموزمبيق وانجولا سنة 1952. ولم يتح التعليم لغير الأوروبيين والأسيويين والخلاسيين إلا سنة 1938  (26). وعملت حكومة سالازار منذ الحرب العالمية الثانية على تقوية مركز البرتغال في أوروبا وأمريكا، وذلك لتقوية مركزها في المستعمرات(27). وهو الأمر الذي جعل المستعمرات البرتغالية بعيدة عن الأنظار والملاحقة الدولية إلى حين.

 ومع إن البرتغال ظلت ملكية حتى سنة 1821، ثم تحولت إلى ملكية دستورية في الفترة من 1821-1910، إلا أن قيام الجمهورية البرتغالية سنة 1910، وحدوث انقلاب عسكري سنة 1926، قد حول حكم البرتغال ومستعمراتها منذ الثلاثينيات إلى حكم ديكتاتوري قح (28). صحيح أنه كانت هناك وزارة مستعمرات برتغالية مسئولة على كل مستعمراتها الأفريقية، وكان هناك وزير مستعمرات يعاونه مجلس استشاري يعقد في لشبونة كل ثلاث سنوات مؤتمرًا لحكام المستعمرات لمناقشة أوضاعها، إلا أن السلطة الرئيسية في تلك المستعمرات قد تمركزت في يد الحاكم العام يعاونه مجلس استشاري وعدد من الموظفين  (29). لكن الإدارة البرتغالية ظلت إدارة مركزية عنيفة، تتبع وزارة المستعمرات مباشرة. فحق التشريع كان من اختصاص وزير المستعمرات، وظلت وظيفة الحاكم العام هو أن يقوم بتنفيذ تلك التشريعات فقط. ولتوطيد قبضة البرتغاليين في أفريقيا أعلن سالازار سنة 1951 أن البرتغال ليس لديها مستعمرات، وإنما هي أقاليم ما وراء البحار، تتحد مع الدولة الأم. وفى عام 1963 صدر القانون الأساسي لأقاليم ما وراء البحار مستهدفا تبعية المستعمرات تبعية نهائية(30).

 رابعًا- حركة التحرر الوطني الأفريقي ضد البرتغاليين:-

   لاشك أن كل المستعمرات البرتغالية قد حدثت بها مقاومة للاستعمار البرتغالي. غير أن الحرب العالمية الثانية كانت هي نقطة التحول الرئيسية في بروز تنظيمات أفريقية تطالب بالاستقلال صراحة. فقد أخذت الاضطرابات تجتاح المستعمرات البرتغالية منذ سنة 1948. وكانت أنجولا أسبق من موزمبيق في الثورة على البرتغاليين. وكان للعامل الدولي والإقليمي دور مهم في مساندة أفارقة المستعمرات البرتغالية في الاستقلال. فقد ساندت الدول الأفريقية والآسيوية حق الوطنيين الأفارقة في المستعمرات البرتغالية. وعرضت قضية هذه المستعمرات على الأمم المتحدة منذ سنة 1961، حيث قررت تشكيل لجنة تقصى حقائق لمتابعة هذا الأمر. إلا أن البرتغال رفضت التعاون مع كل لجان الأمم المتحدة. فى حين أصدرت منظمة الوحدة الأفريقية منذ قيامها فى مايو 1963 قرارات مساندة لحركات التحرر الوطني في تلك المستعمرات (31). وعلى الجانب الأخر أدان مجلس الأمن الاستعمار البرتغالي في أبريل 1972، وطالب البرتغال بوقف حربها الاستعمارية في أفريقيا، وسحب قوات احتلالها والدخول فى مفاوضات مع قوى التحرر الوطني (32). وبسقوط حكم سالازار العسكري في البرتغال تحت ضغط الظروف الاقتصادية، حصلت تلك المستعمرات على استقلالها، فأعلن استقلال موزمبيق في 25 يونيو 1975 وانجولا في 11 نوفمبر 1965  (33).وأصبحت قضية انجولا معروضة في أروقة الأمم المتحدة منذ سنة 1962. مما جعل الأمم المتحدة تصدر قرارًا بوقف تزويد البرتغال بالأسلحة، وتدعوها لعدم استخدام العنف في مستعمراتها وسحب جميع قواتها العسكرية من انجولا، بل قطعت معظم الدول الأفريقية علاقاتها السياسية مع البرتغال، وقدمت المساعدات العسكرية لثوار انجولا (34).

 أما بالنسبة للعوامل الداخلية داخل المستعمرات البرتغالية نفسها، فقد نمت الحركة الوطنية في غينيا بيساو بقوة، وبدأت شعوب ساوتومى وبرنسيب وجزر الرأس الأخضر فى التمرد منذ سنة 1952، حيث رفضت العمل لدى الأوروبيين،  وقام العمال بمقاطعتهم وفروا للغابات. وفى عام 1946 أسس أمليكار كابرال حزب الاستقلال الأفريقي لغينيا وجزر الرأس الأخضر. وتنامى نشاط الحزب بشكل كبير، معتمدًا على دول الجوار فى دعم ثورته، وفى الكفاح المسلح الذي بدأ في يناير 1963 . بل أصبح الحزب منذ سنة 1968 دولة مستقلة لها حياتها السياسية والإدارية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية. إلى أن تطور الأمر باغتيال أميلكار كابرال في يناير 1973، فتم تصعيد العمل العسكري بشكل مستمر، حتى تم اعلان الاستقلال فى 26 أغسطس 1974، بتوقيع اتفاق بين الحزب الأفريقي لاستقلال غينيا بيساو وجزر الرأس الأخضر وبين الحكومة البرتغالية على بنود الاستقلال، وتولى شقيق كابرال زمام السلطة هناك  (35).

   وبحكم جوارها للكونغو المستقلة، كانت أنجولا أسبق من موزمبيق في بداية الثورة على الحكم البرتغالي سنة 1960. حيث بدأت الحركة الوطنية في أنجولا مع تشكيل حزب الإصلاح سنة 1912، ثم تطورت سنة 1922 بإنشاء الجمعية الوطنية لانجولا. وفى منتصف الخمسينيات تكونت مجموعة سياسية اعتبرت امتدادا للحزب الشيوعي البرتغالي. أعقبها تشكيل حركة التحرير الأنجولية في سنة 1957، فانضمت لسابقتها، فكونتا الجبهة الشعبية لاستقلال أنجولا، مابلا. وفى سنة 1958 تكون إتحاد شعب انجولا الذي اتخذ مناطق الشمال الشرقي لانجولا مسرحًا لعملياته. وفى سنة 1960 حدث تحول في الحركة الوطنية الانجولية، من الكفاح السلمي إلى الكفاح المسلح، فحدث استنكار عالمي للحوادث. وجاء مؤتمر تونس لتظهر لنا جبهة متحدة لحركات التحرر فئ المستعمرات البرتغالية. وفى هذا الإطار، اتجهت الجبهة الشعبية للاتحاد السوفيتي، فى حين تكونت الجبة الوطنية لتحرير أنجولا فى مارس 1962 بقيادة هولدن، فكونوا حكومة المنفى، وانضم لهم أوجستينو نيتو فى مايو 1963.

وانتقلت الجبهة الشعبية للكونغو، فكونت قوات عسكرية لمواجهة النظام البرتغالى على الحدود الكنوجولية الانجولية(36). وحدثت خلافات فى الحكومة الثورية، بسبب الصراع بين قياداتها، فأعلن سافيمبى من القاهرة سنة 1964 انفصاله عن الحكومة الثورية. فكون يونيتا، وأصبح لها عصابات فى شرق البلاد. فى حين زادت أعمال الحكومة الثورية سنة 1970، حيث قدمت مساعدات أمريكية لها. وتطورت الأمور بوقوع الانقلاب العسكري في البرتغال نفسها، فوافق على إعطاء أنجولا استقلالها فى 11 نوفمبر 1975 . وذلك من خلال اعتراف البرتغال بحركات التحرير الانجولية الثلاث، وبحق الشعب الانجولى فى الاستقلال (37). وفي 11 نوفمبر 1975 أعلن أوجستينو نيتو استقلال جمهورية أنغولا، وأصبح أول رئيس لها (38).

   وفى موزمبيق تكون تنظيم الجريميو أفريكانو في عشرينيات القرن العشرين، بعدها تكونت المؤسسة الزنجية التي تغير اسمها إلى الاتحاد المركزي لزنوج موزمبيق، فركز على مطالب العدالة. ومنذ أواخر الأربعينيات، وطيلة الخمسينيات، بدأت إضرابات العمال والمظاهرات الطلابية بعد تكوين اتحاد الطلاب الأفارقة في المدارس الثانوية . لكن تأسس أول تنظيم وطني حقيقي سنة 1960، وهو الاتحاد الديمقراطي في المنفى، وذلك في ردوديسيا وملاوى. وتكون بعده الاتحاد الأفريقي لاستقلال موزمبيق سنة 1961، فاتحد التنظيمان سنة 1962 تحت مسمى جبهة تحرير موزمبيق، وهى جبهة تحرير فريلميو. وتبنت تلك الجبهة أعمال الكفاح المسلح سنة 1964 ، أي بعد عامين من تأسيسها. فقامت بعدد من الهجمات على البرتغاليين فى الشمال على الحدود مع تنزانيا. واتسع نطاق الكفاح المسلح خصوصًا فى الجنوب سنة 1965. وكانت قيادة سامورا موسيس ماشيل في تلك المنطقة، تحول دون بناء سد كابورا باسا الكبير سنة 1968. ورغم الانقسامات التي حدثت فى جبهة فريمليو وكمية الاختراقات التي قامت بها البرتغال داخل صفوف الحركة طيلة الفترة من 1969-1971، إلا أن تشكيل اللجنة الثورية الموزمبيقية كوريمو في يناير 1967، ساعد على استمرار الكفاح الوطني بجناح آخر.  حيث حققت اللجنة الثورية الموزمبيقية نجاحًا ملحوظَا فى هجومها على المستوطنات المجاورة لسد كابورا بوسا فى يناير 1971 (39). إلى أن تحق الاستقلال لموزمبيق سنة 1975، وأصبح سامورا ماشيل أول رئيس لها في 25 يونيو من ذات السنة.

 أما بالنسبة لساوتومى وبرنسيب فقد تكونت في سبتمبر 1960 لجنة تحرير ساوتومى وبرنسيب ، فجعلت مركز رئاستها في مدينة ليبرفيل فى الجابون. ولعبت هذه اللجنة دورًا مهمًا في المؤتمر التأسيسي للمنظمات الوطنية فى المستعمرات البرتغالية الذي انعقد في الرباط سنة 1961. وكذا قامت بتأسيس تنظيم سرى فى الجزر سنة 1963. وقام أمينها العام، توماس ميديروس، بتمثيل الحزب فى مؤتمر المنظمات الوطنية في المستعمرات البرتغالية الذي انعقد فى دار السلام سنة 1965. فطالب بتوحيد كفاح حركات التحرر فى المستعمرات البرتغالية (40). وفي أبريل 1974 قام الجيش البرتغالي بثورة ناجحة في بلاده ضد الحكم الديكتاتوري. فقامت الحكومة البرتغالية الجديدة بإعلان استقلال ساوتومي وبرينسيب. فتم نقل السلطة إلى حركة تحرير ساوتومي وبرينسيب في 12 يوليو 1975، التي أعلنت الجمهورية وأصبح مانول بينيتو داكوستا أول رئيس لها (41).

خامسًا- تأثير الاستعمار البرتغالى فى افريقيا بعد الاستقلال:-

   لا يمكن لدراسة مقتضبة كهذه، أن تعالج تأثير البرتغاليين في أفريقيا في شتى صورها، لكننا سنكتفي هنا بإعطاء لمحات قليلة عنها للإيضاح فقط. ففيما يتعلق بدور البرتغاليين في تغيير هوية البلدان الأفريقية التي احتلوها، فإننا حين نتحدث عن الأثر الفكري والثقافي للبرتغاليين في أفريقيا لا نقصد التأثير الذي تركوه في العلوم، فهم لم يؤثروا شيئا،  بل نقصد الأثر الناتج عن الممارسات الاجتماعية والسياسية البرتغالية تجاه العناصر المحلية ووعيي هؤلاء الأفريقيين بخطاب السلطات البرتغالية. فالممارسات السياسية والاجتماعية كانت سيئة للغاية، حيث ظهرت في إبراز تفوق البرتغاليين على الأفريقيين، وأنهم في حاجة إليهم دومًا. فقد بلغت نسبة الأمية في المستعمرات البرتغالية حوالي 99% من السكان فى انجولا وموزمبيق، ناهيك عن الاستغلال الاقتصادي (42). فنسبة بهذا الشكل ماذا يمكن أن تعود منها على المستعمرات المستقلة. وهو ما يفسر قلة وجود الخبرات الفنية التي تحتاجها عمليات التنمية بعد الاستقلال. ناهيك عن أنه لم تكن هناك أي جامعات برتغالية في مستعمراتها، بل اقتصر الأمر على مجرد الإعلان عن إنشاء جامعة في انجولا، وأخرى في موزمبيق فقط(43). ولهذا ورثت المستعمرات البرتغالية بعد استقلالها اللغة البرتغالية، واستعمال اللسان البرتغالي، واعتمدت على معوناتهم الثقافية  (44).

بل إن من أصعب ما أورثه البرتغاليون للأفارقة هو تنشئة نخبتهم ليكونوا سجناء ثقافتهم، فلم يعد في استطاعتهم بعد الاستقلال الهروب منها.

  إن أقنعة الحذر والتخويف التي مارسها البرتغاليون في مستعمراتهم لم يكن في إمكانها احتواء غضب الأهالي في تلك المستعمرات. فالغضب الذي اعتمل في نفوس الناس طيلة القرون التي سيطر فيها البرتغاليون عليهم بحث له عن مخرج، وهو ما يفسر انتشار عمليات الكفاح المسلح في كافة المستعمرات البرتغالية من ستينيات القرن العشرين وحتى الاستقلال سنة 1974. ويبدو أن تعامل السلطة مع هذا الغضب قد أبقاه حيا في نفوس تنظيمات التحرر الانجولية والموزمبيقية. فعشية خروج البرتغاليين انقلب ثوار أنجولا على بعضهم البعض، فدارت الحرب الأهلية تأكل الأخضر واليابس. فحين طرح توحيد قوات حركات التحرير الثلاث سنة 1975، حدث قتال دامي بين الأطراف جميعا، وانهارت الحكومة الانتقالية. وحين انسحبت البرتغال دون حدوث تفاهم بينهم اشتعلت الحرب الأهلية لتقتل وتشرد الانجوليين في كل مكان (45). وكان التدخل الخارجي قد أجج النار بين الانجوليين بصورة أكبر، حيث وقف الاتحاد السوفيتي مع الحركة الشعبية، وقامت جنوب أفريقيا والغرب بمساعدة حركة يونيتا، وتدخلت كوبا في الأزمة إلى أن انسحبت في يوليو 1991  (46).لكن ظلت هذه الحرب طيلة الفترة من 1975-2002(47). نفس الأمر حدث في موزمبيق، فحين نالت استقلالها عام 1975، كانت واحدة من أفقر دول العالم. بل تفاقم وضعها أكثر من جراء سوء الإدارة الاشتراكية، والحرب الأهلية التي عصفت بالبلاد من عام 1977 حتى عام 1992(48).

     بيد أن ما سبق ذكره لا يعكس إلا وجهًا واحدًا للصورة، فهناك بعض الإشارات التى تدلل على أن البرتغال وغيرها من الدول الأوروبية التي مارست تجارة الرقيق، قد كانت موضوعًا لمؤتمر تعويض العبيد الأفريقيين الذي عقد في نيجيريا عام 1993 ، ومحورًا لمؤتمر ديربان عن مناهضة العنصرية والتمييز العنصري في سبتمبر 2001 في جنوب أفريقيا، حيث بحث الوسائل العملية للحصول على التعويضات عن العبودية والاستعمار (49).

   وفى الختام، يمكننا القول بأن المستعمرات البرتغالية الأفريقية المستقلة تعد من أكثر البلدان الأفريقية التي تعانى حاليًا من الفقر والتخلف والمرض وأزمة الديون. فبالنظر لموزمبيق وأنجولا على سبيل المثال، نجد أنهما استنزفتا سنوات طويلة بعد الاستقلال في الحروب الأهلية والنزاعات العرقية والصراعات على السلطة. ناهيك عن مشاكل في البنية التحتية، واستمرار التبعية للبرتغال والاعتماد عليها. فضلًا عن قلة التفاعل بينهما وبين شقيقاتها الأفريقيات، وفى عموم القضايا الأفريقية.

خاتمة:

- خلصت الدراسة إلى أن الاستعمار البرتغالي كان من أسوأ أنواع الاستعمار الأوروبي في أفريقيا، فقد مارس التجارة في الرقيق الأفريقي عدة قرون، وحصل على المكاسب والفوائد من وراء هذه التجارة. بل كان من أواخر الدول الأوروبية التي توقفت عن هذه التجارة.

- أوضحت الدراسة بأن طول فترة الوجود البرتغالي في أفريقيا لمدة 500 عام، قد أثرت تأثيرًا ضارًا في حياة الأفريقيين الاجتماعية والاقتصادية والثقافية. وأن هذا التأثير لازال يطبع وجودة في كل نواحي الحياة عبر المستعمرات البرتغالية السابقة .

- بينت الدراسة بأن الاستعمار البرتغالي قد نجح في حجب المعلومات عما يقوم به داخل مستعمراته عن العالم. فحتى حينما شكلت الأمم المتحدة لجان لاستقصاء الحقائق، لم تتعاون الإدارة الاستعمارية البرتغالية معها. الأمر الذي يفسر المتابعة غير الدقيقة لواقع المستعمرات البرتغالية طيلة الفترة الاستعمارية. 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش :

1 ـ   شوقي الجمل:- تاريخ أفريقيا الحديث والمعاصر، الطبعة الثانية معدلة، مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة، ص ص 49، 51.

2 ـ     مالوفيست :- الصراع على التجارة الخارجية واثاره على افريقيا ، ب أ. أوغوث ( محرر) :-  تاريخ أفريقيا العام ، أفريقيا من القرن السادس عشر إلى القرن الثامن عشر، المجلد الخامس ، اليونسكو، 1992، ص ص 23، 24 . 

3 ـ   RASHID OLADOJA LASISI :- THE IMAGE OF AFRICA: RHETORIC AND REALITY OF AFRO-EUROPEAN RELATIONS, Library and Publications Committee ,University of Ilorin,Nigeria , ,AUGUST 4TH, 2011,PP.15-26.

4 ـ   دونالد وايدنر :-  تاريخ أفريقيا جنوب الصحراء ، الجزء الأول ، ترجمة على أحمد فخري وشوقي عطاالله الجمل، مؤسسة سجل العرب ،  ص ص 58، 60. وانظر هوبكنز :- المرجع السابق، ص ص 189-194.

5 ـ     ب أ. أوغوث ( محرر) :-  تاريخ أفريقيا العام ، أفريقيا من القرن السادس عشر إلى القرن الثامن عشر، المجلد الخامس ، اليونسكو، 1992، ص ص64- 66 .

6 ـ   مادهو بانيكار:- الوثنية والإسلام " تاريخ الإمبراطوريات الزنجية في غرب أفريقيا" ، ترجمة أحمد فؤاد بلبع ، المشروع القومي للترجمة ، العدد 30، المجلس الأعلى للثقافة ، 1998، ص ص 221، 222.

7 ـ   تاريخ افريقيا العام ، المجلد الخامس، ص ص 135، 136.

8 ـ     تعد جزر ساوتومى وبرنسيب من أصغر المستعمرات البرتغالية في أفريقيا، وهى عبارة عن مجموعة من الجزر الجبلية والمسافة بين ساتومى وبرنسيب 82 كيلومتر وتبعد ساتومى عن ساحل الجابون الشمالي 275 ميلا  أما برنسيب فتبعد 125 كيلو عن نفس الساحل. للمزيد انظر، ريتشارد جيبسون:- حركات التحرير الأفريقية.. النضال المعاصر ضد الأقلية البيضاء، ترجمة صبرى محمد حسن، المشروع القومى للترجمة، العدد 363، القاهرة، 2002، ص 431. 

9 ـ   مادهو بانيكار :- المرجع السابق. ص ص 223، 224.

10 ـ   دونالد وايدنر :-   الجزء الاول،  ص ص  47 – 57.

11 ـ   Walter Rodney :- How Europe Underdeveloped Africa, Bogle-L'Ouverture Publications, London and Tanzanian Publishing House, Dar-Es-Salaam 1. 1973,pp.157-174.

12 ـ     عايدة العزب موسى:- العبودية في أفريقيا، مكبة الشرق الدولية، القاهرة، 2004، ص ص 33-35، 44، 45. 

13 ـ   ب أ. أوغوث ( محرر) :-  تاريخ أفريقيا العام ، أفريقيا من القرن السادس عشر إلى القرن الثامن عشر، المجلد الخامس ، اليونسكو، 1992، ص ص  28 35. وانظر عايدة العذب موسى:- المرجع السابق، ص ص 35- 50.

14 ـ   جيمس دفى:- الاستعمار البرتغالي أفريقيا، ترجمة الدسوقي حسين المراكبي ، مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة، 1963، ص ص 14، 15.

15 ـ   ريتشارد جيبسون:- حركات التحرير الأفريقية.. النضال المعاصر ضد الأقلية البيضاء، ترجمة صبري محمد حسن، المشروع القومي للترجمة، العدد 363، القاهرة، 2002، ص 403. 

16 ـ     جيمس دفى:-  البرتغال في أفريقيا، ترجمة جاد طه ، الدار القومية للطباعة والنشر، القاهرة، 1964، ص 42، 52- 57 ، 103 -107

17 ـ   ريتشارد جيبسون:- حركات التحرير الافريقية.. النضال المعاصر ضد الاقلية البيضاء، ترجمة صبري محمد حسن، المشروع القومي للترجمة، العدد 363، القاهرة، 2002، ص 431. 

18 ـ   جيمس دفى:-  البرتغال فى افريقيا، المرجع السابق، ص 23.

19 ـ     عايدة العزب موسى:- غينيا بيساو وجزر الرأس الأخضر، الجمعية الافريقية، القاهرة، 1978، ص ص 11، 13، 14، .

20 ـ   http://machahid24.com/eclairages/70314.html

21 ـ   جيمس دفى:-  البرتغال في أفريقيا، المرجع السابق ، ص 42، 52- 57 ، 103 -107

22 ـ   Shimon Agur:- The establishment of modern shipping firms in Portugal 1850-1910

Shimon Agur, Paper presented for the EH590 - Thesis workshop in Economic History, LSE 10 February , 2010.pp.1-6.

23 ـ   )  جيمس دفى:- الاستعمار البرتغالى افريقيا، المرجع السابق ، ص 9.

24 ـ     نجم عبد الأمير الأنباري:-  مؤتمر برلين  1884 - 1885  والصراع الأوربي للسيطرة على القارات الإفريقية ، مجلة كلية الآداب، العدد 95، ص ص 697، 698.

25 ـ     ريتشارد جيبسون:- المرجع السابق ، ص 406. 

26 ـ   زاهر رياض:- استعمار افريقيا، الدار القومية للطباعة والنشر، القاهرة، 1965، ص ص 308، 309، 301.، 353، 377. 

27 ـ     جيمس دفى:-  البرتغال فى افريقيا، المرجع السابق ، ص 187. 

28 ـ   نفسه، ص ص 25، 26.

29 ـ     شوقى الجمل:- المرجع السابق ، ص ص 55، 56.

30 ـ     عايدة العزب موسى:- غينيا بيساو ...المرجع السابق ، ص ص 22، 24.

31 ـ       شوقى الجمل:- المرجع السابق ، ص ص 59، 60.

32 ـ     عايدة العزب موسى:- غينيا بيساو.. المرجع السابق ، ص109.

33 ـ     شوقى الجمل:- المرجع السابق، ص ص 59، 60.

34 ـ     جيمس دفى:- الاستعمار البرتغالى افريقيا، المرجع السابق ، ص ص 8-10.

35 ـ       عايدة العزب موسى:- غينيا بيساو.. المرجع السابق ، ص 25، 29- 32، 110، 115.، 126.

36 ـ       سلوى محمد لبيب:- حركة التحرر الوطنى فى انجولا من 1961 الى 11 نوفمبر 1975، مجلة الدراسات الافريقية، العدد 5، 1976، ص ص  194- 202.

37 ـ     ريتشارد جيبسون:- المرجع السابق، ص ص281  - 360، 414-416.  

38 ـ     http://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%A3%D9%88/

39 ـ     ريتشارد جيبسون:- المرجع السابق، ص ص 406- 409، 420- 425، 428.  

40 ـ     نفسه، ص 437. 

41 ـ       https://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%B3%

42 ـ       جيمس دفى:- الاستعمار البرتغالى افريقيا، المرجع السابق ، ص 13.

43 ـ       جيمس دفى:-  البرتغال فى افريقيا، المرجع السابق ، ص158. 

44 ـ     عايدة العزب موسى:- غينيا بيساو المرجع السابق، ص 5.

45 ـ       ريتشارد جيبسون:- المرجع السابق، ص ص281  - 360، 414-416.  

46 ـ     احمد فارس:- الحرب الاهلية فى انجولا.. عوامل الصراع واسباب التسوية، ندوة اعمال المؤتمر السنوى الحروب الصراعات فى افريقيا، معهد البحوث والدراسات الافريقية، جامعة القاهرة، 1999. ، ص ص 8-10.

47 ـ     http://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%A3%D9%88/

48 ـ     https://ar.wikipedia.org/wiki/%D9%85% /

49 ـ       عايدة العزب موسى:- العبودية فى افريقيا، مكبة الشرق الدولية، القاهرة، 2004، ص10.

 

التعليقات مغلقة على هذه المقالة
جديد المقالات المزيد
صفحة من تاريخ العلوم: أول كتاب في المدفعية

صفحة من تاريخ العلوم: أول كتاب في المدفعية

إن ظهور سلاح المدفعية واستخدامات البارود قد ترافق في أوروبا مع بداية...

حركة الشيخ رابح بن فضل الله ضد الاستعمار الفرنسي في تشاد

حركة الشيخ رابح بن فضل الله ضد الاستعمار الفرنسي في تشاد

  فرج كُندي مقدمة  تعتبر حركة المجاهد الكبير رابح من فضل...

لنتذكّر في ذكرى الهجرة

لنتذكّر في ذكرى الهجرة

لقد كان نجاح الإسلام في تأسيس وطن له وسط صحراء تموج بالكفر، أعظم كسْب...

جديد الأخبار المزيد
مجلس الأمن يعقد أول جلسة علنية حول ميانمار الخميس

مجلس الأمن يعقد أول جلسة علنية حول ميانمار الخميس

يعقد مجلس الأمن الدولي بعد غد الخميس، أول جلسة مفتوحة حول الانتهاكات...

مقتل ثلاثة جنود إسرائيليين إثر عملية إطلاق نار شمال القدس

مقتل ثلاثة جنود إسرائيليين إثر عملية إطلاق نار شمال القدس

أعلنت شرطة الاحتلال الإسرائيلي عن مقتل ثلاثة جنود وإصابة رابع إثر...

مناورات عسكرية مشتركة بين تركيا والعراق عقب استفتاء كردستان

مناورات عسكرية مشتركة بين تركيا والعراق عقب استفتاء كردستان

قالت رئاسة الأركان العامة التركية إن المرحلة الثالثة من المناورات...

  • أيام في سيلان والمالديف