• الصليب وحكاياته

معضلة إصلاح الأنظمة الدكتاتورية

Aug 12 2017 11:59:46

معضلة إصلاح الأنظمة الدكتاتورية
معضلة إصلاح الأنظمة الدكتاتورية

د. عبير عبد الرحمن ثابت

الدكتاتورية من أفشل أنظمة الحكم ليس لأن الدكتاتور شخص فاشل فهو بالتأكيد ليس كذلك؛ فقد استطاع النجاح بالوصول إلى سدة حكم مطلق وحافظ عليه بقوة بوليسية ومليشيات مسلحة ومرتزقة تنفذ سياسته وتقمع معارضيه بقوة ؛ لكن الفشل الذي نتحدث عنه هو فشل النظام وليس الفرد ؛ لأن الحكم الاستبدادي هو راعى لمصلحة خاصة هي مصلحة الطبقة الحاكمة ، سواءً كانت تلك الطبقة حزبية أو إثنية أو طائفية وقومية أو اجتماعية أو حتى خليط من كل أولئك؛ وتبقى تلك الطبقة شريحة الأقلية أمام طبقات المجتمع العريضة التي هي حتماً بلا راعى أمين لمصالحها في ظل النظام الدكتاتوري البوليسي الذي يتحول مع الوقت لنظام خاص لطبقته دون باقي الشعب، وليس بمقدور نظام كهذا التخطيط إلا لمصلحة تلك الطبقة وبقائها في الحكم ..

ومع مزيد من الوقت يتصلب التفكير الاستراتيجى لذلك النظام فلا يملك إلا أن يعيد نفسه ويكرر نفس تجاربه حتى لو كانت فاشلة في خضم تلك المنظومة ومع ترسخها في الحكم ، ومع مرور الوقت يفقد النظام الدكتاتوري شيئا فشيئا الشعور بباقي طبقات الشعب من غير طبقته الحاكمة، ويتصرف على أساس أن تلك الأغلبية الصامتة هي فعلياً أغلبية ميتة على الأقل في التأثير السياسي عليه ، وهذه المرحلة عادة تكون الشيخوخة ، وهى آخر سنوات في عمره لأنه وببساطة إنكار الموجود لا ينفى وجوده بقدر ما يستفزه لفرض وجوده ، وبقدر الإنكار يكون الفرض؛ وهذا الفرض قد يأخذ أشكالاً عدة ، ولكنه في المحصلة يعرف في علم السياسة بالثورة الشعبية ، وهى عملياً ردة فعل إنسانية طبيعية ومنطقية لما يتعرض إليه الشعب من ظلم واضطهاد من دكتاتوريه حكامه.

إن إصلاح الأنظمة الدكتاتورية لا يأتي من داخلها قط لأن أي محاولة إصلاح حقيقية تعنى انهيار المنظومة الدكتاتورية والدولة معاً بأسرع مما هو متوقع؛ وأمامنا في التاريخ الحديث تجربة البروستريكا السوفيتية والتي ما أن بدأت حتى انهارت المنظومة السوفيتية والدولة كذلك في سنوات معدودة لأن الإصلاح كان من داخل المنظومة فقط ، فلم يشرك الحزب الشيوعى السوفيتي أي أطراف من خارجه في صياغة البروستريكا ربما لانعدام وجود تلك الأطراف بشكل حقيقي في حينه، ولكنه في المقابل هناك تجربة بولندا في حينه وتجربة جنوب أفريقيا لاحقاً أديتا إلى انهيار النظام الشيوعي البولندي وانهيار نظام الأبرتهايد ، لكن لم تنهار الدولة البولندية ، وكذلك لم تنهار جنوب أفريقيا على العكس لأن الإصلاح شارك فيه الآخر ، والذي تمثل في نقابة التضامن بزعامة( ليخ فاولسا) في بولندا؛ والمؤتمر الوطني الأفريقي بزعامة نيلسون مانديلا في جنوب أفريقيا ، وبغض النظر عن قدر الحكمة والفكر الاستراتيجي والوطنية لكل من فاولسا ومانديلا في قدرتهم وبراجماتيتهم في العبور ببلادهما من المرحلة الانتقالية نحو الديمقراطية والاستقرار؛ إلا أن بيت القصيد يكمن في كلا الحالتين البولندية وجنوب أفريقيا في أن الإصلاح لم يدره الحزب الشيوعي البولندي بزعامة(فويتشخ ياروزلسكى) ولا نظام الأبرتهايد بزعامة (فردريك ويليم دي كلرك) بمفردهما بل أشركا المعارضة لهما في عملية الإصلاح، وذلك ربما لحكمة الرجلين أو لحكمة إلهية منعت أن يؤول مصير بولندا وجنوب أفريقيا لمصير الاتحاد السوفيتي .

إن أي دكتاتورية تدعى أن بمقدورها الإصلاح والتقدم هي في الحقيقة لا تخدع شعبها بقدر ما تخدع نفسها فهي تسير بعكس اتجاه الزمن لأنها ببساطة تدور في نفس فلكها الذي لا مكان فيه للآخر , وستكرر نفسها لأنها لن ترى في فلكها غير نفسها بتلك النرجسية الساذجة؛ وحرى بتلك الدكتاتوريات خاصة تلك التي تمر بأزمات سياسية واقتصادية أن تدرك أن المشكلة الحقيقية هي وجودها، وأن نتيجة وهدف أي إصلاح دون إشراك كافة القوى الأخرى في إدارتها للحكم ومؤسساتها المختلفة هو نفس نتيجة وهدف الثورة وهو ببساطة نهايتها .

إن أخطر وأصعب الأنظمة الدكتاتورية تلك الأنظمة الثيوقراطية لأنها لا تستند في شرعيتها إلى محددات منطقية بشرية بل إلى العقائدى المطلق الغير قابل للتشكيك أو حتى للنقاش؛ تلك الأنظمة لا يمكنها من ذاتها أن تحدث أي إصلاح لأنها لا تعترف بالأصل بأنها تُخطئ. هذا النوع من الأنظمة في العادة لا يمثل خطراً على شعبه فحسب بل على محيطه كاملا لأنه يملك نزعة فطرية بالتوسع والتمدد الجغرافي خارج حدوده السياسية وبالقوة العسكرية إدراكاً منه بافتقاده لأي قوة فكرية ناعمة بمقدورها إشباع رغبته للتوسع والسيطرة وهو يحتاج لوكزه ليدرك أن هالته قد سقطت ، وأنه تنطبق عليه قوانين الطبيعة ، وأنه يعتريه ما يعترى البشر ، وأن شرعية الحكم السماوي يمنحها الله للرسل فقط ، وأن الأنظمة والحكام الثيوقراطيين ما هم إلا نموذج مسخ لدجالين استغلوا الدين ولعنة وعقاب من السماء لكل من حكموهم وساروا في ركبهم، ولكن هذه الوكزة تأتى دائما في الساعة الأخيرة من عمر تلك الأنظمة .

لقد مرت أوروبا بتجربة الأنظمة الثيوقراطية عندما تحالف ملوك الأسر الحاكمة مع قساوسة الكنائس ليمنحوهم شرعية سماوية لا يعلوها أي شرعية أخرى، وأديرت ممالك عدة بتلك الأنظمة لقرون عُرفت بالقرون الوسطى ، وهى تسمية أصبحت تاريخياً مرادفاً لعصور الظلام والحروب الطاحنة التوسعية والظلم والتخلف والانحطاط في التاريخ والثقافة الأوروبية والعالمية، ولم تستفق تلك الأنظمة أو تحاول الإصلاح من الداخل إلا عندما خرج الشعب وثار عليها وأحرق باستيلها وقصورها وكنائسها ، وأسقط وأعدم ملوكها وكهنتها وفرض نظام حكمه الذي يستمد شرعيته من رضا الشعب على نجاحه في إدارة شؤونه بوثائق تاريخية كالماجنا كارتا وفتح الطريق واسعا لعصر النهضة الأوروبي .

التجربة الإمبراطورية اليابانية نموذج آخر لنظم الحكم الثيوقراطية حيث مثلت العائلة الإمبراطورية وعلى رأسها الإمبراطور صلة الوصل بين آلهة الشمس والأمة اليابانية لقرون عدة استمد نظام الحكم الإمبراطوري شرعيته في الحكم المطلق من هذا الادعاء الذي آمن به جل اليابانيين وخاضوا تحت لوائه حروبهم الاستعمارية في المحيط الهادي وبحر اليابان ، وارتكبوا أفظع جرائم الحرب في حق جيرانهم الأسيويين كالصينيين والكوريين وتحت لوائه وبمباركته فجر الكاميكاز الانتحاريين بطائراتهم سفن الأسطول الأمريكي أواخر الحرب العالمية الثانية، لكن النهاية كانت مأساوية ، فاليابان خسرت حروبها تلك وفقدت بنهاية الحرب العالمية الثانية ما يزيد عن أربعة مليون ياباني بعدما ضربت الولايات المتحدة نظامها الإمبراطوري بقنبلتين ذريتين أحالتا هيروشيما ونكازاكى إلى أثر بعد عين؛ وجعلت نظامها الإمبراطوري بزعامة هيرو هيتوا يستفيق لأول مرة منذ قرون ويدرك بأنه لا يصلح وسيط بين الأرض والسماء؛ ويعلن استسلام اليابان ليتحول النظام الإمبراطوري الثيوقراطي لاحقاً إلى نظام ملكي دستوري يستمد شرعيته من نجاحاته في إدارة شؤون البلاد ، ويفتح الطريق واسعاً لنهضة اليابان الجديدة كعملاق اقتصادي يغزو العالم بعلمه واختراعاته، لكن التفرد المحير في الحالة اليابانية هو في السطوة والمكانة الروحية للعائلة الإمبراطورية وللإمبراطور الراحل هيرو هيتو على الأمة اليابانية والتي لم تهزها الهزيمة والاستسلام أمام الحلفاء لدرجة أن خطاب الرجل العاطفي لشعبه بعد أسبوع من إعلانه الاستسلام كان كفيلاً ليس بأن يلقى الجيش الأحمر سلاحه ، بل بأن يرحب بالغزاة بالورود والقبلات في مشهد حير كل علماء النفس والاجتماع السياسي .

تجربة الحركة الصهيونية مثال آخر قائم لدولة دينية ونظام هو في الأساس نظام ثيوقراطى ينفذ فيه الساسة إرادة الحاخامات اليهود الجدد بإنفاذ وعد الرب لشعب الله المختار عبر حركة سياسية أخذت على عاتقها إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين تبنياً لأراء أولئك الحاخامات الجدد الذين يخالفون أسس عقائدية راسخة في الديانة اليهودية تحرم عليهم دخول الأرض المقدسة أو إقامة الهيكل والصلاة فيه قبل نزول المسيح المخلص، لكن أولئك الحاخامات استطاعوا عبر الحركة الصهيونية مدعمين بتحالفات أيديولوجية وسياسية دولية اغتصاب أرض فلسطين وإقامة دولتهم كنواة صلبة لأرض إسرائيل التوراتية ما بين النيل والفرات، تلك دولة أقيمت بعكس حركة التاريخ في المنطقة على أنقاض شعب آخر تجذر وتواصل مع هذه الأرض لما يزيد عن 3000عام، وتسيطر إسرائيل الثيوقراطية بالفطرة اليوم على شعب آخر شردته وقتلته ونهبت أرضه وممتلكاته ، وترفض اقتسام تلك الأرض معه علاوة على احتلالها لأراضى دول أخرى مجاورة بنزعة توسعية عقائدية مصداقا لتعاليم توراتية لحدود دولة اليهود ما بين نهر النيل والفرات؛ ورغم ذلك تدعى إسرائيل خلاف الواقع أنها واحة الديمقراطية في المنطقة.

 لكن في المقابل يدرك العديد من صانعي القرار في إسرائيل اليوم وبعد قرابة السبعين عام أنهم أمام خطر وجودي مزدوج في بقاء الوضع القائم على ما هو عليه يتمثل أوله في الخطر الديمغرافي في بقاء الفلسطينيين ضمن الحدود السياسية للدولة وما قد يخلفه استمرار وضع كهذا على الحلم الصهيوني العقائدي الشاذ بالنقاء الإثني للدولة، أما الخطر الثاني فيتمثل في المخاطر الأمنية المترتبة على منح الفلسطينيين دولة ذات سيادة في الضفة والقطاع على مستقبل دولتهم أضف إلى ذلك أن معظم الإرث الثقافي المزعوم للرواية التاريخية لدولة اليهودية سيقع في قلب تلك الدولة الفلسطينية، وهو ما سيفقد الرواية التاريخية الصهيونية المزعومة الكثير من مقوماتها الأيديولوجية .

وفى المقابل تدرك شريحة كبيرة من المفكرين الإسرائيليين خطراً خفياً آخر إذا ما استمر الوضع القائم على ما هو عليه، فازدياد حدة الصراع بجانبه العقائدي الأصيل لا محال سوف تزيد من يمينية المجتمع وتطرفه وهو ما سيسقط ورقة التوت عن نظام الحكم في إسرائيل ليظهر وجهه الحقيقي باعتباره نظام حكم ثيوقراطى يديره حفنة من رجال الدين واليمينيين المتشددين المتطرفين وهو ما سيقلص هامش الديمقراطية اليهودية لسكان الدولة اليهودية لصالح المتدينين منهم، ويحيل الدولة شيئا فشيا إلى دولة فاشية دينية بكل ما تعنى الكلمة من معنى ويزكى صراعات سياسية واجتماعية وعقائدية داخلية لن تكون بمقدور فسيفساء المجمع الصهيوني اليهودي الهش الصمود أمامها طويلاً .

 

التعليقات مغلقة على هذه المقالة
جديد المقالات المزيد
صفحة من تاريخ العلوم: أول كتاب في المدفعية

صفحة من تاريخ العلوم: أول كتاب في المدفعية

إن ظهور سلاح المدفعية واستخدامات البارود قد ترافق في أوروبا مع بداية...

حركة الشيخ رابح بن فضل الله ضد الاستعمار الفرنسي في تشاد

حركة الشيخ رابح بن فضل الله ضد الاستعمار الفرنسي في تشاد

  فرج كُندي مقدمة  تعتبر حركة المجاهد الكبير رابح من فضل...

لنتذكّر في ذكرى الهجرة

لنتذكّر في ذكرى الهجرة

لقد كان نجاح الإسلام في تأسيس وطن له وسط صحراء تموج بالكفر، أعظم كسْب...

جديد الأخبار المزيد
مجلس الأمن يعقد أول جلسة علنية حول ميانمار الخميس

مجلس الأمن يعقد أول جلسة علنية حول ميانمار الخميس

يعقد مجلس الأمن الدولي بعد غد الخميس، أول جلسة مفتوحة حول الانتهاكات...

مقتل ثلاثة جنود إسرائيليين إثر عملية إطلاق نار شمال القدس

مقتل ثلاثة جنود إسرائيليين إثر عملية إطلاق نار شمال القدس

أعلنت شرطة الاحتلال الإسرائيلي عن مقتل ثلاثة جنود وإصابة رابع إثر...

مناورات عسكرية مشتركة بين تركيا والعراق عقب استفتاء كردستان

مناورات عسكرية مشتركة بين تركيا والعراق عقب استفتاء كردستان

قالت رئاسة الأركان العامة التركية إن المرحلة الثالثة من المناورات...

  • أيام في سيلان والمالديف