• الصليب وحكاياته

اتفاقية كامب ديفيد وأثرها على المنطقة (1ـ 2)

Jul 31 2017 11:37:53

اتفاقية كامب ديفيد وأثرها على المنطقة (1ـ 2)
اتفاقية كامب ديفيد وأثرها على المنطقة (1ـ 2)

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على محمد خاتم الأنبياء والمرسلين ، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه إلى يوم الدين ، وبعد ..

فقد حرصت إسرائيل ومن ورائها أميركا على المحافظة على المكاسب التي حققتها بعد هزيمة يونيو النكراء ، وحاولت تحصين نفسها بالأوضاع الجغرافية الجديدية مضافا إليها قناة السويس وخط بارليف بعدها ، مع تحطيم كامل لإمكانيات البلاد العربية حولها حتى لا تفكر في مهاجمتها ، ولكنها تفاجأت بتغيير الأوضاع كلية في معركة العاشر من رمضان ، وأن الجدر والحصون المنيعة التي شيدتها لم تنفعها ، ولولا مكر أميركا بالقيادات العربية ومساندتها بكل ما تملك ما استطاعت أن تخرج من الهزيمة ، ولذا بحث الأمريكان الكفيل الأكبر لليهود في فلسطين والمنتفع بجودهم في المنطقة عن وسيلة أخرى يقيدون بها مصر والعرب كي لا يفكروا في تطوير أنفسهم وإعادة الكرة مرة أخرى مستفيدين من سلبيات المعركة ، وسعوا منذ أن وضعت الحرب أوزارها في الاتصال بالسادات ومخادعته ترغيبا حينا وترهيبا حين آخر للدخول مع اليهود في هدنة طويلة الأمد يسعى من خلالها لحل الخلاف بينهما ( ولم يكن ثمة خلاف فاليهود تغتصب فضلا عن فلسطين ضعف مساحتها في سيناء مع الجزر البحرية والجولان وبعض لبنان والأردن ) .

ومع إن السادات قد خرج من المعركة منتصرا ، وشهد الجميع بكفاءة جنوده ، ولم يكن في حاجة لتسول المصالحة مع إسرائيل إلا أن مخاعة الأمريكان له جعلته يسعى لترجيهم بأي وسيلة ، وينقل الأمريكان عنه هذا لليهود فيزدادوا في كبريائهم .

ومن مظاهر لعب الأميركان به وإرعابه أن كسنجر كان يبلغه أن رابيين لن ينسحب بجيشه أي خطوة أخرى إلا بعد اتفاقية سلام كامل .

والحق أن اليهود كانوا غير مستعدين للانسحاب مما أخذووه بالقوة إلا تحت ضغط القوة ، سواء سالمهم السادات أو لم يسالمهم ، فبعد استقالة رابيين إثر فضيحة مالية تولى مناحم بيجن خلفا له وقال:  أي أراضٍ محتلة؟! إن كنت تعني يهودا والسامرة وقطاع غزة، فهذه أراضٍ محررة! إنها جزء مكمل من أرض إسرائيل” ، وقال شارون وزير الزراعة: ما من شك أن إسرائيل ستبقى في الضفة الغربية إلى الأبد.

ورغم ذلك أعد السادات مشروع سلام بين مصر وإسرائيل لعله يرضي اليهود ثم قدمه لوزير الخارجية الأمريكية لعرضه على جيمي كارتر..

 وفي سبتمبر عام 1977 أوفد بيجين وزير خارجيته موشى ديان ليلتقي سرًا بنائب رئيس الوزراء المصري حسن التهامي، واتفق الطرفان على عقد لقاءٍ سري بين بيجين والسادات، وعندما صارح السادات وزير خارجيته إسماعيل فهمي أنه يفكر بالذهاب إلى القدس، ولقاء بيجن علنًا لا سرًا، عارض فهمي ذلك، ونصحه بالعدول عن الفكرة.

ولكن السادات لم يعبأ بنصيحة وزير خارجيته  ، ورتب لقاء مع مجلس الشعب دعا لحضوره قرابة 80 مراسل أجنبي ، وفي 9/11/1977 فاجئ السادات العالم بمبادرته، حيث قال بكل قوة: “وستدهش إسرائيل حين تسمعني الآن أقول أمامكم : إنني مستعدٌ للذهاب إلى الكنيست ومناقشتهم ، وكأن هذا لم يكن مرتبا له من قبل مع الأمريكان واليهود.

وقابل الأعضاء عبارته بتصفيق حاد كأنما هو يحشد الناس للحرب لا الاستسلام، ولا عجب فمثل ذلك صار سجية فينا ـ نحن العرب ـ نصفق ولا نعرف لماذا نصفق حتى ولو كان فرحا بخراب ديارنا .

ولم يمض يومان وبالتحديد في 11/11/1977 حتى أعلن مناحيم بيغن رئيس وزراء إسرائيل ترحيبه بمبادرة السادات ، حسب الاتفاق السري ، ووجه إليه عن طريق السفارة الأمريكية دعوة رسمية لزيارة فلسطين المحتلة.

وفي غضون ذلك دعا السادات بيجن سرا لزيارة مصر، واستقبله حسني مبارك نائب الرئيس في مدينة الإسماعيلية، وصادف ذلك اليوم عيد ميلاده  التاسع والخمسين فاحتفل بعيد ميلاده مع موشى ديان وبيجن، لكن الاحتفاء المصري لم يغير العدوان الإسرائيلي، ظهر ذلك بوضوح في كلمة بيجن أثناء حفل عشاء في القدس، ردًا على تصريح وزير الخارجية الجديد محمد إبراهيم كامل الذي أكد فيه على ضرورة انسحاب إسرائيل من الأراضي المحتلة.

فقال بيجن:” وزير الخارجية المصري قدم لزيارتنا، جاء كضيف على بلدنا، يطلب منا التخلي عن جزء من عاصمتنا، تخيلوا أن أذهب إلى مصر وأطلب أن يتخلوا عن جزء من القاهرة”! .

ولم يمض أسبوع واحد حتى قام السادات في19-21/11/1977 بزيارة القدس المحتلة ، وأجرى مباحثات مع رئيس الحكومة الإسرائيلية وعدد من رؤساء الكتل البرلمانية في الكنيست ، ثم قام بإلقاء خطاب أمام الكنيست عرض فيه وجهة نظره في النزاع العربي – الإسرائيلي وضمنه بعض اقتراحات لتسوية هذا النزاع.

وملخص ما جاء في خطابه يدور حول :

ـ استبعاد فكرة الحرب كوسيلة لحل الصراع العربي –الإسرائيلي .

ـ  التعبير عن رغبة الشعب المصري ( وكل حاكم مصري أو عربي يرى نفسه هو الشعب ، فما يرغب فيه كأن الشعب كله رغب فيه ) في السلام وصدق نيته في تحقيقه، واعترافه بوجود إسرائيل وقبولها في المنطقة في ظل سلام عادل ودائم ، وهذا يعني أن اليهود بعد أن كانوا يكتسبون شرعية وجودهم في فلسطين من القوة التي يبطشون بها وممالأة النظام العالمي  الذي تقوده أميركا أصبح يستمد شرعيته من إقرار الحكام العرب ، مع إن هذا أمر لا يملكه السادات ولا غيره ، ففلسطين ليست ملكه ولا ملك أسلافه ولا أخلافه حتى يقبل بوجود اليهود عليها .

 ـ  إبداء الاستعداد لتقديم كافة الضمانات المطلوبة لتحقيق أمن إسرائيل، على أن تكون هذه الضمانات متبادلة ، يعني يتكفل هو وخلفه بالتصدي لحركات المقاومة التي تطالب بتحرير أي جزء من فلسطين .

ـ تأكيد ضرورة الانسحاب الإسرائيلي من كافة الأراضي العربية المحتلة بعد حزيران 1967 بما في ذلك القدس العربية والاعتراف بالشعب الفلسطيني وحقوقه في العودة وإقامة دولته ، واليهود اغتصبوا تلك الأراضي بقوة السلاح وبالطبع لن يفرطوا فيها ولا في شبر منها بمعاهدة يمضونها معه ، وهم يصرخون أمامه وأمام كل العرب أنه لا تفريط في حبة منها والقدس عاصمة أبدية لهم ، وقد أثبتت الأيام ذلك  .

وفي الحقيقية أن اليهود الذين وصلوا بسبب جبننا أمامهم إلى قمة الخيلاء والكبرياء لم ينتظروا حتى تثبت لنا الأيام خطأ زعم السادات ، بل قام في الحال رئيس وزراء اليهود أمام السادات وأكد على:

ـ الحق الديني والتاريخي والقانوني لليهود في أرض فلسطين استناد إلى النصوص الدينية وحجة الحق التاريخي مع الإشارة إلى تزايد اعتراف دول العالم بهذا الحق ( ولا عجب فقد صارت خرافاتهم المدونة لديهم بمثابة دساتير علينا نحن الإقرار بها قبل غيرنا ضاربين بتراثنا وتاريخنا الإسلامي وحقوقنا عرض الحائط ) .

ـ ماهية السلام الذي تريده إسرائيل وكيفية ضمانه، وعن حدود العلاقات الطبيعية أو مظاهرها من اعتراف دبلوماسي وتبادل اقتصادي وحدود مفتوحة ، (أي لا نكتفي لهم بما اغتصبوا وإنما نسخر كل ما تبقى لدينا من الأراضي العربية لخدمتهم ، فاليهود يريدون فوق ما اغتصبوه الاستفادة من موارد ما تبقى في كل البلاد العربية بلا استثناء ).

ـ المطالبة بأن يتم تحقيق هذا السلام بواسطة معاهدة تنتج عن مفاوضات مباشرة من دون شروط مسبقة مع أطراف الصراع الأخرى، أي سورية والأردن ومن أسمتهم (إسرائيل) ممثلين حقيقيين للشعب الفلسطيني .

وبعد عودة السادات تولى بنفسه السعي لتنفيذ ما طلبته إسرائيل ، حيث شرع في عقد مؤتمر تحضيري ، وفي 26/11/1977 وجه الدعوات إلى كل من إسرائيل والأردن وسورية ومنظمة التحرير الفلسطينية ولبنان بالإضافة إلى الأمم المتحدة والاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة لحضور هذا المؤتمر التحضيري في القاهرة في 14/12/1977.

فرفضت الدول العربية والاتحاد السوفياتي الدعوة من أساسها ، واقتصر الحضور على ممثلي مصر وإسرائيل والولايات المتحدة والأمم المتحدة.

 ورغم ذلك تظاهر اليهود بدور المستنكف حتى يزيد لهث المصريين خلفه ، فقد ذكرت المصادر الإسرائيلية وقتها أن وفدها إلى القاهرة لا يملك الصلاحيات لعرض اقتراحات حل وسط من أي نوع على مصر في هذه المرحلة وأن مهمته “فنية أساساً، وهي مقارنة مواقف الانطلاق المصرية والإسرائيلية ، واقتراح نسق إجرائي لمواصلة المفاوضات بين الدولتين بشأن المسائل المختلف عليها. فالمستوى السياسي المسؤول هو وحده صاحب الصلاحية في الوصول إلى اتفاقات على أساس حلول وسطى” .

 ولم تستبعد المصادر الإسرائيلية فكرة التسوية المنفردة ، وأقرت بأنها تشكل أحد الأهداف المطروحة أمام الوفد الإسرائيلي إذا تمكن من إقناع مصر بذلك ، وإن لم يتمكن فالأمر لا يعنيهم ، مع إن المفترض أنهم المطالبون بالتسوية والسلام لا مصر.

وتركوا الوفد المصري يدلي بما عنده ليستطيعوا إفراغ طلباته من محتواها ولكن بعد إرهاقه ، فحدد رؤية حكومته لموضوعات البحث في النقاط الخمس الآتية:

 ـ انسحاب إسرائيل الكامل من الأراضي العربية التي احتلت بعد حزيران 1967.

ـ اعتبار القضية الفلسطينية جوهر النزاع في الشرق الأوسط وترتيب السلام الدائم على حل هذه القضية بإعادة الحقوق “المشروعة” للشعب الفلسطيني بما فيها حقه في إقامة دولته.

ـ أن يكون الحل الشامل هو الإطار العام للمباحثات.

ـ إيجاد تصور مشترك يكفل الأمن لكل الأطراف.

ـ العمل على سير خطوات المؤتمر بالمرونة التي تتيح انضمام أي أطراف في أية مرحلة من مراحل المؤتمر، وبالقدر الذي يسمح برفع مستوى التمثيل فيه إذا ما اقتضت الظروف بذلك.

وغير ذلك من الكلام الإنشائي الذي ألف العرب تنميقه في مؤتمراتهم للشي الإعلامي فقط .

 ولذلك ترك اليهود الحديث في هذا وركزوا على ما ينفعهم ووسيلة توفير الأمن والسلام لهم من قبل الجانب المصري ، وطالبوا بأن يتركز البحث حول طبيعة السلام من خلال نصوص مقترحة لاتفاقية سلام بين إسرائيل ومصر.

ثم جمد الوفد اليهودي أعمال المؤتمر بعد أن أعلن عن اتفاق لعقد لقاء في مصر بين السادات وبيغن ، ليكون المصريون قد وطنوا أنفسهم على التنازل شيئا فشيئا عما يقترحونه.

 وفي 20/12/1977 قام وزير الدفاع الإسرائيلي عزرا وايزمان  بزيارة خاطفة لمصر أجرى خلالها محادثات مع السادات ووزير دفاعه ليمهد لمشروع جديد يقدمه بيغن مما يؤكد ما قلته سابقا أنهم كانوا يريدون أن يصل الجانب المصري إلى ما يريدونه هم فقط ، فمصلحتهم ولا شيء بعدها , وما دام العرب يهرولون وراءهم فلا داعي للعجلة ولا التنازل قدر أنملة عن مشروعهم الخبيث قي المنطقة .

وفي 25/12/1977 التقى السادات بيغن في مدينة الإسماعيلية ، وفي هذا اللقاء تم رسمياً طرح مشروع بيغن لتسوية، وهو المشروع الذي أعلنه بيغن فيما بعد رسمياً أمام الكنيست في 28/12/1977.

ويشكل هذا المشروع في الواقع أهم ما جاء في اتفاقيتي كامب ديفيد وينقسم إلى جزأين: الأول يتعلق بمستقبل الضفة الغربية وقطاع غزة ويشمل الثاني قواعد التسوية مع مصر.

ويقترح المشروع في جزئه الأول “تشكيل حكم ذاتي إداري لسكان “يهودا والسامرة” وقطاع غزة يشترك فيه العرب على الأسس التالية:

 ـ إلغاء الحكم العسكري في “يهودا والسامرة” وقطاع غزة.

ـ  إقامة حكم ذاتي إداري فيها السكان العرب بواسطة المقيمين ومن أجلهم.

ـ انتخابات سكان تلك المناطق مجلساً إدارياً من 11 عضواً يعمل بموجب المبادئ المحددة في هذه الوثيقة”.

ثم يحدد هذا الجزء من المشروع القواعد المنظمة لعمليات الانتخاب والترشيح بالإضافة إلى اختصاصات المجلس الإداري التي لا تتعدى في مجملها الاختصاصات التقليدية للمجالس البلدية، بينما يعهد بشؤون الأمن والنظام العام إلى السلطات الإسرائيلية.

كما تنص المقترحات على منح سكان الضفة الغربية وغزة حق الاختيار بين الجنسيتين الإسرائيلية والأردنية وما يترتب على ذلك من حقوق وواجبات سياسية ومدنية، ولا سيما حق الإسرائيليين في امتلاك أراض في تلك المناطق مقابل منح الحق نفسه للعرب الذين يختارون الجنسية الإسرائيلية بالنسبة إلى إسرائيل.

وأخيراً تنص مقترحات بيغن على تمسك إسرائيل بسيادتها على “يهودا والسامرة” وغزة وتطالب “إدراكاً منها لوجود مطالب أخرى” -على حد تعبيرها-بانتقاء مسألة السيادة في تلك المناطق مفتوحة.

وبالنسبة إلى القدس تنص وثيقة بيغن على أنه “فيما يتعلق بإدارة الأماكن المقدسة للديانات الثلاث في القدس يعد ويقدم اقتراح خاص يضمن حرية وصول أبناء جميع الديانات إلى الأماكن المقدسة الخاصة بهم”.

وقد صاغ اليهود هذا الجزء من المعاهدة ، وهم يعلمون أنه لن يطبق ولن ترضى به السلطة الفلسطينية ، فإذا كانوا بالفعل يريدون الانسحاب من تلك الأماكن فما الداعي لصياغة نظام إدارتها والتدخل في كل صغيرة وكبيرة حتى عدد أعضاء المجلس البلدي ؟!!!.

ما كان يعني اليهود إذن هو الشق الثاني من المعاهدة أو الوثيقة ، والذي تناول فيه بيغن أسس التسوية مع مصر بما يضمن لليهود الأمن والسلام ويحقق مآربهم فقط ، حيث نص على.

ـ أن تجرد مناطق معينة من سيناء من السلاح ولا يجتاز الجيش المصري الممرات ويستمر سريان اتفاق خفض القوات في المنطقة المحصورة بين الممرات وقناة السويس.

ـ أن تبقى المستعمرات الإسرائيلية في أماكنها ووضعها القائم وتكون مرتبطة بالإدارة والقضاء الإسرائيليين ، وتقوم بالدفاع عنها قوات إسرائيلية.

ـ  أن تحدد فترة انتقالية لعدد من السنين يرابط خلالها الجيش الإسرائيلي وسط سيناء مع إبقاء مقترحات وأجهزة إنذار إسرائيلية إلى حين انتهاء الفترة الانتقالية والانسحاب إلى الحدود الدولية.

 ـ ضمان حرية الملاحة في مضائق تيران ، واعتراف الدولتين في إعلان خاص بأن هذه المضائق هي ممر مائي يجب أن يكون مفتوحا للملاحة لأي سفينة وتحت أي علم، سواء بوساطة قوة تابعة للأمم المتحدة لا يمكن سحبها إلا بموافقة الدولتين وبناء على قرار بالإجماع لمجلس الأمن، أو بوساطة دوريات عسكرية مصرية – إسرائيلية مشتركة.

والمدقق في تلك البنود يجد أنها نقلت إسرائيل لمرحلة أفضل مما كانت عليه قبل هزيمة يونيو النكراء ، لأنها في الوقت السابق هيمنت على سيناء كلها ولكنها بقيت مهددة ومستنزفة ، أما الآن فمصالحها في الأماكن المصرية المحتلة تؤمن بجهود الطرف المصري نفسه .

وأخفيت تلك الأمور على الشارع المصري ، واكتفي بالإعلان عن عدة قرارات إجرائية منها رفع مستوى التمثيل في مؤتمر القاهرة إلى المستوى الوزاري وتشكيل لجنتين في إطار المؤتمر ترفعان قراراتهما إليه: “لجنة عسكرية يترأسها وزيراً دفاع الطرفين بالتناوب، وتعقد اجتماعاتها في القاهرة، ولجنة سياسية يترأسها وزيراً الخارجية بالتناوب وتعقد اجتماعاتها في القدس.

 وبناء على ذلك عقد مؤتمر القاهرة جلسة ختامية مساء اليوم نفسه أعلن فيها رفع مستوى التمثيل وتأجيل أعمال المؤتمر إلى أجل غير مسمى انتظاراً لنتائج أعمال اللجنتين السياسية والعسكرية.

 وكانت القيادة الأميركية تتابع اللقاءات عن كثب وتنسق مع الجانب اليهودي حليفها في كل خطوة يخطوها ، ولذلك ما أن تمت اللقاءات حتى تقابل كارتر مع السادات في أسوان صباح 4/1/1978 ، وبعد لقاء استغرق ساعتين أدلى كارتر ببيان بين فيه أن المطلوب لإسرائيل هو أكثر من مجرد انتهاء الحرب ، وإنما تطبيع تسخر به إسرائيل الجميع لخدمتها فقال : يجب أن يقوم السلام الحقيقي على أساس علاقات طبيعية عادية بين الأطراف التي سيتحقق فيما بينها، فالسلام يعني أكثر من مجرد إنهاء حالة الحرب.

ودعا كارتر الأطراف ( ولم يقصد بها غير الطرف العربي ) إلى إبداء مزيد من المرونة لضمان نجاح المباحثات ، وإيجاد حل وسط بين الآراء المتعارضة.

وزيل طلبه بالعبارة المعتادة الفضفاضة التي لا تعني شيئا على أرض الواقع : يجب أن يكون هناك حل للمشكلة الفلسطينية بكل جوانبها كما يجب الاعتراف بالحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني ، وتمكين الفلسطينيين من المشاركة في تقرير مصيرهم.

وقد لوحظ على تصريحاته أنها لم تتضمن ذكر الانسحاب الإسرائيلي الشامل .. كما أنه تجاهل الإشارة إلى ماهية الفلسطينيين المقصود تمكينهم من المشاركة في تقرير مصيرهم.

وقد تأكدت هذه المواقف السلبية للولايات المتحدة في تصريحات مماثلة ومتتالية نقلت عن المسئولين الأمريكيين في الأيام التالية لزيارة كارتر لأسوان.

وفي نهاية المطاف وجهت واشنطن الدعوة إلى السادات لمقابلة كارتر  ، وقد تمت الزيارة فعلاً وأدت إلى حمل السادات على استئناف المفاوضات والعمل على تجنب التغيرات الدبلوماسية المفاجئة (مثلما حدث عندما استدعى وفده من القدس). والعودة إلى الدبلوماسية الهادئة والتخلي عما سمي دبلوماسية التلفزيون (أي دبلوماسية التصريحات العلنية المثيرة)، مع التشديد على أن الولايات المتحدة ستستمر في تحديد دورها في عملية صنع السلام وتظل ممتنعة عن ممارسة ضغوط قوية على (إسرائيل). بل أكد البيان المشترك الصادر عن زيارة السادات لواشنطن “استمرار التزام الولايات المتحدة التاريخي بأمن إسرائيل”.

وكأن السادات قد عاد من الولايات المتحدة محملا بالأوامر ، ولذلك بدا واضحا أنه كلما اشتد تعنت اليهود في مواقفهم زادت تنازلات السادات، وبدا واضحا أن السادات رغم تمسكه الظاهري حيال القضية الفلسطينية غدا أكثر استعداداً لإعلان نيته بالتوصل إلى حل ثنائي مع إسرائيل يركز بالدرجة الأولى على وضع سيناء بشرط أدنى بكثير مما طرحه أمام الكنيست الإسرائيلية أو أعلنه مندوبوه في المفاوضات التالية.

 ثم تتابعت لقاءات الرئيس السادات وعدد من المسئولين الإسرائيليين في فيينا وسالزبورغ، كما اجتمع بعدد من زعماء الأحزاب الأوروبية المشاركة في الدولية الاشتراكية ، حيث كان الغرض منها إرهاقه ، فهؤلاء جميعا يحملون موقفا واحدا مؤيدا لليهود ، واجتماع السادات بهم سيجعله يحس أنه في مواجهة مع العالم كله ، ويجب الخضوع لما يريدون ، وأمسى السادات في لقاءاته كالمسافر المحمل بالأثقال كلما شعر بالتعب تخلى عن بعضها حتى تخلى عنها جميعا ورضي أن يصل بأنفاسه المتقطعة فقط.

وفي نهاية لقاءات سالزبورغ عقد لقاء مفاجئ بين السادات وعزرا وايزمان تم فيه الاتفاق على الالتقاء فيما سمي بمؤتمر ليدز في بريطانيا:

وتم هذا اللقاء في قلعة ليدز البريطانية يوم 18/7/1978 وأحيط سير المناقشات فيه بتكتم شديد. ولكن سرعان ما بدا واضحاً أن هذا اللقاء لم يحدث ما كان مرجوا منه. فقد تمسك الجانب الإسرائيلي بمواقفه المعلنة المتصلبة ولم تفلح محاولات الوفد المصري في تقديم مزيد من التنازلات في زحزحته. وكثفت الولايات المتحدة الأمريكية جهودها لدفع عجلة التسوية إلى الأمام. وبعد فشل الجهود المبذولة على مستوى الوزراء والمبعوثين المتجولين لجأت واشنطن إلى طرح فكرة الدعوة إلى قمة ثلاثية تضم كارتر وبيغن والسادات وتعقد في 5/9/1978 كمحاولة أخيرة للتوصل إلى حل للأزمة، فكان مؤتمر كامب ديفيد الذي انبثقت عنه الاتفاقية موضوع حديثنا ، والتي ورطت العالم العربي كله وأغرقته في بحيرة من الفوضى الله وحده أعلم إلام ستنتهي ومتى ؟!!!.

كما سنرى في الحلقة القادمة إن شاء الله .

موقع التاريخ 

جديد المقالات المزيد
آخر سلطنة إسلامية في القارة السوداء

آخر سلطنة إسلامية في القارة السوداء

زكريا عبدالجواد بعد سنوات طويلة من الازدهار, وسنوات طوال من الدفاع...

ابن خلدون سيرة ومسيرة

ابن خلدون.. سيرة ومسيرة

سمير حلبي يعد “ابن خلدون” عبقرية عربية متميزة، فقد كان عالمًا...

مصر في أواخر القرن الثامن عشر كما يصفها الرحالة سافاري

مصر في أواخر القرن الثامن عشر كما يصفها الرحالة سافاري

محمد عبد الله عنان كانت مصر خلال العصور الوسطى كعبة لطائفة كبيرة...

جديد الأخبار المزيد
التحالف الدولي: العمليات العسكرية بالعراق وسوريا حررت أراضٍ تعادل مساحة النمسا

التحالف الدولي: العمليات العسكرية بالعراق وسوريا حررت أراضٍ تعادل مساحة النمسا

قال التحالف الدولي لمحاربة تنظيم "داعش"، الإرهابي، الأربعاء،...

أزمة الكهرباء تهدّد خدمات المياه في قطاع غزة

أزمة الكهرباء تهدّد خدمات المياه في قطاع غزة

تلقي أزمة التيار الكهربائي في قطاع غزة، والتي قد تصل فترة انقطاعه...

جمعية سودانية: نطالب باستقالة وزير الاستثمار بعد دعوته للتطبيع مع الاحتلال

جمعية سودانية: نطالب باستقالة وزير الاستثمار بعد دعوته للتطبيع مع الاحتلال

استنكرت جمعية الأخوة السودانية الفلسطينية، تصريحات وزير الاستثمار...

  • أيام في سيلان والمالديف