• الصليب وحكاياته

الشيشان..نهضة إسلامية غير مسبوقة

Jul 12 2017 12:14:32

الشيشاننهضة إسلامية غير مسبوقة
الشيشان..نهضة إسلامية غير مسبوقة

هاني صلاح

بعد حرمانها من ممارسة شعائرها الدينية خلال الحقبة السوفيتية الشيوعية التي امتدت لـ74 عاماً منذ عام 1917م إلى عام 1991م..وبعد خوضها لحربين مدمرتين خلال الخمسة عشر سنة الأولى بعد هذا التاريخ؛ أملاً في الانفصال عن روسيا الاتحادية..

تشهد جمهورية الشيشان نهضة إسلامية غير مسبوقة تمثلت في إعادة بناء مؤسساتها الدعوية والتعليمية والخيرية؛ الأمر الذي أنعش الروح الدينية لهذا الشعب التواق للعيش في ظل هويته الإسلامية.

وقد أتيحت لي مؤخراً زيارة الشيشان بهدف التغطية الإعلامية ورفع واقع حياة المسلمين بها، وعلى مدار زيارتي التي امتدت لنحو أسبوعين وجدت شعبًا تواقًا للحياة في ظل إسلامه مع حفاظه على انتمائه الوطني لدولته الأم روسيا كمواطن روسي.

وجمهورية الشيشان واحدة من الجمهوريات السبعة ذات الغالبية المسلمة في منطقة شمال القوقاز في جنوب الاتحاد الروسي (روسيا الفيدرالية) والتي تتضمن نحو 85 كيانا فيدراليا، وتصل مساحتها لأكثر من 17 مليون كم متر مربع، أي تقريبا ما يعادل مساحة أمريكا الجنوبية..

ووصل الإسلام لجمهورية الشيشان، الذي تصل نسبة الإسلام فيه إلى 100% من إجمالي تعداده، البالغ نحو مليون والنصف مليون نسمة.

من جهة الشرق عبر جارتها جمهورية داغستان والذي دخلها الإسلام في عهد الخليفة الراشد الثاني عمر بن الخطاب عبر الصحابة أنفسهم، حينما استقل أربعون منهم سفينة ووصلوا عبر بحر قزوين إلى مدينة دربند بجنوب داغستان، ومازالت إحدى مقابرها القديمة تضم رفاتهم حتى اليوم.

وأصبحت ضمن حدود روسيا الاتحادية في عام 1860م بعد حروب طاحنة بين الروس والشيشانيين استمرت لنحو ثلاثين عاماً.

مرحلة جديدة

بعد تفكك الاتحاد السوفيتي السابق في عام 1991م؛ بدأت مرحلة جديدة من الحريات الدينية للأديان السماوية الأربع المتعارف عليها في روسيا، الإسلام، والمسيحية الأرثوذكسية، واليهودية والبوذية، وصدر قانون بذلك في عام 1994م.

وبات المسلمون في روسيا المعاصرة (البوتينية) يتمتعون بحرية دينية غير مسبوقة في تاريخ العلاقات التاريخية بين الشعوب المسلمة التي دخلت في إطار الدولة الروسية من خلال السيطرة والهيمنة في مراحل تاريخية سابقة، حيث كان الصراع فيها هو السمت الغالب على هذه العلاقة.

يكفي الإشارة لصفحة دامية واحدة فقط من تاريخ الشعب الشيشاني حتى تدرك الفرق بين الماضي والحاضر؛ فقد أصدر ستالين في عام ١٩٤٤ قراراً بترحيل الشعب الشيشاني ومعه الانجوشي إلى سيبيريا، ومن رفض منهم وقتها أو عجز عن الرحيل تم إطلاق النار عليه، وبعضهم تم جمعهم في مزارع وإحراقهم أحياء.

وهذا الأمر الأخير/الجديد والمتمثل في التمتع بالحريات الدينية وحقوق المواطنة خلق نوعًا من الشعور بالمواطنة والانتماء للدولة الروسية من قبل الشعوب المسلمة في داخل روسيا والتي تصل لأكثر من 20 مليون نسمة، ومن بينهم الشعب الشيشاني الذي تأخر عن بقية الشعوب المسلمة في عموم روسيا بسبب حربيه السابقتين مع روسيا والتي انتهت باتفاقية سلام بين الطرفين.

ومن جهة أخرى سعت الدولة الروسية لتقريب مسلميها وكسبهم لمواقفها السياسية (الوطنية) وتعاملت معهم باعتبارهم بوابتها نحو توثيق صلتها بدول العالم الإسلامي..

المعادلة القائمة

هذه الثنائية في مصلحة كل طرف جعلت معادلة العلاقة بين مسلمي روسيا ومن بينهم مسلمو الشيشان والسلطة في موسكو كالتالي:

حريات دينية وحقوق المواطنة مقابل دعم المواقف الوطنية الروسية لسلطة موسكو.. وهذا تطلب فصل الانتماءات الإسلامية خارج روسيا عن مواقف روسيا تجاه القضايا الدولية سواء مع دول العالم الإسلامي.

بمعنى آخر، أنت كمواطن روسي مسلم لك كل الحقوق كمواطن وكافة الحريات كمسلم؛ ومقابل ذلك عليك أن تقف مع دولتك (روسيا) في كل وكافة القضايا الوطنية مهما كانت هذه المواقف السياسية..

هذه المعادلة أتاحت لمسلمي روسيا عامة وللشعب الشيشاني خاصة فرصة لالتقاط الأنفاس والتمتع بحريات دينية غير مسبوقة، والتفرغ لإعادة بناء مؤسساتهم الدعوية والإسلامية التي دمرت بالكامل خلال عقود متتالية حكمت فيها الشيوعية روسيا السوفيتية.

نهضة إسلامية

وتشهد الشيشان نهضة إسلامية خاصة في مجال التعليم الإسلامي في مختلف مستوياته، وذلك في سياق نهضة إسلامية تتركز بشكل خاص في مجال التعليم الإسلامي لمسلمي روسيا في مختلف المناطق خاصة المناطق ذات التواجد الإسلامي التاريخي العريق في منطقة حوض الفولجا (جمهورية تتارستان) ومنطقة شمال القوقاز (ذات السبع جمهوريات إسلامية) ومن ضمنها الشيشان.

وفي البداية بدأت حركة بناء المساجد، حيث كان أهل القرى والمدن يجمعون الأموال حسب إمكاناتهم المتاحة ويبنون المساجد في قراهم ومدنهم. ومباشرةً كانوا يبنون مدرسة بجانب كل مسجد، فهذه كانت عاداتهم منذ العهد القديم قبل الشيوعية أن يكون بجانب كل مسجد مدرسة، يلقي فيها الإمام دروسه الدينية.

وبالتوازي مع حركة بناء المساجد والمدارس الملحقة بها تم إنشاء أول معهد إسلامي بمدينة كرتوشايو في جمهورية الشيشان، وهو الأول كذلك في منطقة شمال القوقازفي عام 1990م، وكان مديره المرحوم أحمد حاجي قاديروف الرئيس الأول لجمهورية الشيشان ووالد الرئيس الحالي رمضان قاديروف. الذي كان عالمًا، وتخرج سابقاً من الجامعة الإسلامية في أوزباكستان وينتمي إلى الطريقة الصوفية القادرية.

التعليم الإسلامي

وخلال زيارتي للشيشان وجدت للتعليم الإسلامي مكانة عظيمة في قلوب الشعب الشيشان الذي حرم منه على مدار حقبة الشيوعية والتي امتدت لنحو 74 عاماً؛ فقد بنيت أبرز مؤسسات التعليم الإسلامي في الشيشان في قلب العاصمة جروزني على مساحة 1400 م2 وأطلق على هذه المساحة “مجمع التعليم الإسلامي”، ويضم الجامعة الإسلامية ومبنى الادارة الدينية والمسجد الكبير وهو يترجم مكانة التعليم الإسلامي ومؤسسات الإسلام في قلوب الشعب الشيشاني.

ومن خلال حواراتي ولقاءاتي بكثير من الدعاة والأئمة والشباب لاحظت أن الكل تقريباً منخرط في دورات لتعلم العلوم الإسلامية؛ فمن لم يكن طالباً في المدارس الإسلامية أو الجامعة الإسلامية في العاصمة جروزني، تجده يلتحق بكورس من كورسات المشيخة الإسلامية أو بإحدى حلقات الدروس والوعظ في المساجد التي تتزين بها المدن الشيشانية الني بنيت مؤخراً على أفضل تصميم عمراني ممكن، حتى وصل سعة بعضها لنحو خمسة عشر ألف مصلّ، مثل المساجد الكبيرة في مدينة أرجون القريبة من العاصمة الشيشانية جروزني.

نهضة عمرانية

وبالتوازي مع النهضة الإسلامية تشهد الشيشان نهضة عمرانية تتمثل في تجديد مدنها وإنعاش حركة التجارة سواء الداخلية أو الخارجية مع باقي مناطق روسيا، حتى أصبح دخل المواطن الشيشاني يفوق عن بعض مناطق روسيا الأخرى المجاورة له.

إلا أن ما تفتقده الشيشان في بدايات مرحلة التنمية بعد انتهاء مرحلة إعادة الإعمار التي أعقبت حروبها السابقة هو الدخول في عملية بناء المصانع والإنتاج لكثير من ثرواتها الطبيعية، وخاصة المعدنية منها، وأبرزها النفط الخام، وهو الأمر الذي يمثل تحدياً أمامها، ويقف عقبة أمام تحولها إلى “سويسرا القوقاز” بعد أن أصبحت أكثر مناطق جنوب روسيا أمناً وسلاماً.

التعليقات مغلقة على هذه المقالة
جديد المقالات المزيد
أفريقيا في الإستراتيجية الأمريكية في أعقاب الحرب العالمية الثانية

أفريقيا في الإستراتيجية الأمريكية في أعقاب الحرب العالمية الثانية

د / علي متولي أحمد احتلت أفريقيا مكانة مهمة في الاستراتيجية الأمريكية...

أعياد الميلاد وإشكالية التّأريخ لخلق المسيح بين النصّ والواقع

أعياد الميلاد وإشكالية التّأريخ لخلق المسيح بين النصّ والواقع

سعيد عيسى مقدمة: نافست المسيحية كلّ الأديان بكثرة أعيادها وتنوّعها...

الاستقلال السياسي لخطاب البلاغ الإسلامي

الاستقلال السياسي لخطاب البلاغ الإسلامي

مهنا الحبيل أكثر من 70 عاما فصلت بين دعوة المفتين للجهاد، لمساندة...

جديد الأخبار المزيد
خبير: سيناريو جنوب أفريقيا الطريقة الوحيدة لإنهاء الصراع الفلسطيني الإسرائيلي

خبير: سيناريو جنوب أفريقيا الطريقة الوحيدة لإنهاء الصراع الفلسطيني الإسرائيلي

رأى ريتشارد فولك؛ خبير يهودي أمريكي في القانون الدولي وحقوق الإنسان،...

العراق مركز حقوقي دولي يفصح عن شهادات لانتهاكات مروعة في سجن الناصرية

العراق.. مركز حقوقي دولي يفصح عن شهادات لانتهاكات مروعة في سجن "الناصرية"

حذر "المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان"، من التنامي الخطير في...

تونس داعية إسلامي يطالب بالحجر على الرئيس السبسي بسبب مخالفته لنصوص الشرع

تونس.. داعية إسلامي يطالب بالحجر على الرئيس السبسي بسبب "مخالفته لنصوص الشرع"

دعا داعية إسلامي تونسي إلى الحجر على الرئيس التونسي الباجي قايد السبسي،...

  • أيام في سيلان والمالديف