• الصليب وحكاياته

وظيفة وواجبات الحكومة الإسلامية

Apr 29 2017 16:21:57

وظيفة وواجبات الحكومة الإسلامية
وظيفة وواجبات الحكومة الإسلامية

شيخ الإسلام ابن تيمية

الحمد لله نستعينه، ونستهديه، ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له. ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ونشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أرسله بين يدي الساعة بشيرًا ونذيرًا، وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا، فهدى به من الضلالة, وبصر به من العمى، وأرشد به من الغي، وفتح به أعينًا عميًا، وآذانًا صمًّا، وقلوبًا غلفًا، حيث بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، وَعَبَدَ الله حتى أتاه اليقين من ربه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا، وجزاه عنا أفضل ما جزى نبيًّا عن أمته.

أما بعد:

فهذه: "قاعدة في الحسبة". أصل ذلك أن تعلم أن جميع الولايات في الإسلام مقصودها أن يكون الدين كله لله، وأن تكون كلمة الله هي العليا، فإن الله سبحانه وتعالى إنما خلق الخلق لذلك، وبه أنزل الكتب، وبه أرسل الرسل، وعليه جاهد الرسول والمؤمنون.  قال الله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56] .  وقال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء: 25] . وقال: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} [النحل: 36] .

وقد أخبر عن جميع المرسلين أن كلا منهم كان يقول لقومه: {اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} [الأعراف: 59] . وعبادته تكون بطاعته وطاعة رسوله، وذلك هو الخير والبر والتقوى والحسنات، والقربات والباقيات الصالحات والعمل الصالح، وإن كانت هذه الأسماء بينها فروق لطيفة ليس هذا موضعها. وهذا الذي يقاتل عليه الخلق، كما قال تعالى: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ} [البقرة: 193] وفي الصحيحين عن أبي موسى الأشعري -رضي الله عنه- قال: سئل النبي -صلى الله عليه وسلم- عن الرجل يقاتل شجاعة، ويقاتل حمية، ويقاتل رياء، فأي ذلك في سبيل الله؟ فقال: "من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله".

وكل بني آدم لا تتم مصلحتهم لا في الدنيا ولا في الآخرة إلا بالاجتماع والتعاون والتناصر، فالتعاون على جلب منافعهم، والتناصر لدفع مضارهم، ولهذا يقال: الإنسان مدني بالطبع، فإذا اجتمعوا فلا بد لهم من أمور يفعلونها يجتلبون بها المصلحة، وأمور يجتنبونها لما فيها من المفسدة، ويكونون مطيعين للآمر بتلك المقاصد، والناهي عن تلك المفاسد، فجميع بني آدم لا بد لهم من طاعة آمرٍ وناهٍ. فمن لم يكن من أهل الكتب الإلهية ولا من أهل دين فإنهم يطيعون ملوكهم فيما يرون أنه يعود بمصالح دنياهم، مصيبين تارة ومخطئين أخرى.

وأهل الأديان الفاسدة من المشركين وأهل الكتاب المستمسكين به بعد التبديل أو بعد النسخ والتبديل، مطيعون فيما يرون أنه يعود عليهم بمصالح دينهم ودنياهم. وغير أهل الكتاب منهم من يؤمن بالجزاء بعد الموت، ومنهم من لا يؤمن به، وأما أهل الكتاب فمتفقون على الجزاء بعد الموت، ولكن الجزاء في الدنيا متفق عليه أهل الأرض، فإن الناس لم يتنازعوا في أن عاقبة الظلم وخيمة، وعاقبة العدل كريمة، ولهذا يروى: "الله ينصر الدولة العادلة وإن كانت كافرة، ولا ينصر الدولة الظالمة وإن كانت مؤمنة".

وإذا كان لا بد من طاعة آمرٍ وناهٍ فمعلوم أن دخول المرء في طاعة الله ورسوله خير له، وهو الرسول النبي الأمي المكتوب في التوراة والإنجيل الذي يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث، وذلك هو الواجب عل جميع الخلق، قال الله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا، فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [النساء: 64] . وقال: {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا} [النساء: 69] . وقال: {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ، وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ} [النساء: 13] .

وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول في خطبته للجمعة: "إن خير الكلام كلام الله وخير الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها". وكان يقول في خطبة الحاجة: "من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فإنه لا يضر إلا نفسه، ولن يضر الله شيئًا".

وقد بعث الله رسوله محمدًا -صلى الله عليه وسلم- بأفضل المناهج والشرائع، وأنزل عليه أفضل الكتب، فأرسله إلى خير أمة أخرجت للناس، وأكمل له ولأمته الدين، وأتم عليهم النعمة، وحرم الجنة إلا على من آمن به وبما جاء به، ولم يقبل من أحد إلا الإسلام الذي جاء به، فمن ابتغى غيره دينًا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين. وأخبر في كتابه أنه أنزل الكتاب والحديد ليقوم الناس بالقسط؛ فقال تعالى: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ} [الحديد: 25] .

ولهذا أمر النبي -صلى الله عليه وسلم- أمته بتولية ولاة أمور عليهم، وأمر ولاة الأمور أن يردوا الأمانات إلى أهلها، وإذا حكموا بين الناس أن يحكموا بالعدل، وأمرهم بطاعة ولاة الأمور في طاعة الله تعالى، ففي سنن أبي داود عن أبي سعيد أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "إذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمر أحدهم"، وفي سننه أيضًا عن أبي هريرة مثله.

وفي مسند الإمام أحمد عن عبد الله بن عمر أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: " لا يحل لثلاثة يكونون بفلاة من الأرض إلا أمروا أحدهم".

فإذا كان قد أوجب في أقل الجماعات وأقصر الاجتماعات أن يولى أحدهم: كان هذا تنبيهًا على وجوب ذلك فيما هو أكثر من ذلك، ولهذا كانت الولاية لمن يتخذها دينًا يتقرب به إلى الله ويفعل فيها الواجب بحسب الإمكان، من أفضل الأعمال الصالحة، حتى قد روى الإمام أحمد في مسنده عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: " إن أحب الخلق إلى الله إمام عادل، وأبغض الخلق إلى الله إمام جائر".

الولايات الإسلامية

وإذا كان جماع الدين وجميع الولايات هو أمر ونهي، فالأمر الذي بعث الله به رسوله هو الأمر بالمعروف والنهي الذي بعثه به هو النهي عن المنكر، وهذا نعت النبي والمؤمنين، كما قال تعالى: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ} [التوبة: 71] .

وهذا واجب على كل مسلم قادر، وهو فرض على الكفاية ويصير فرض عين على القادر الذي لم يقم به غيره، والقدرة هي السلطان والولاية، فذوو السلطان أقدر من غيرهم، وعليهم من الوجوب ما ليس على غيرهم، فإن مناط الوجوب هو القدرة؛ فيجب على كل إنسان بحسب قدرته، قال تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن: 16] .

وجميع الولايات الإسلامية إنما مقصودها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، سواء في ذلك ولاية الحرب الكبرى، مثل نيابة السلطنة، والصغرى مثل ولاية الشرطة، وولاية الحكم، أو ولاية المال وهي ولاية الدواوين المالية وولاية الحسبة.

لكن من المتولين من يكون بمنزلة الشاهد المؤتمن، والمطلوب منه الصدق، مثل الشهود عند الحاكم، ومثل صاحب الديوان الذي وظيفته أن يكتب المستخرج والمصروف، والنقيب والعريف الذي وظيفته إخبار ذي الأمر بالأحوال.

 ومنهم من يكون بمنزلة الأمين المطاع والمطلوب منه العدل، مثل الأمير والحاكم والمحتسب، وبالصدق في كل الأخبار، والعدل في الإنشاء من الأقوال، وتصلح جميع الأحوال، وهما قرينان كما قال تعالى: {وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا} [الأنعام: 115] .

وقال النبي -صلى الله عليه وسلم- لما ذكر الظلمة: "من صدقهم بكذبهم وأعانهم على ظلمهم فليس مني ولست منه، ولا يرد عليّ الحوض، ومن لم يصدقهم بكذبهم ولم يعنهم على ظلمهم فهو مني وأنا منه، وسيرد عليّ الحوض".

وفي الصحيحين عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "عليكم بالصدق، فإن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، ولا يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقًا، وإياكم والكذب! فإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، ولا يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابًا".

ولهذا قال سبحانه وتعالى: {هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ، تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ} [الشعراء: 221] . وقال تعالى: {لَنَسْفَعَنْ بِالنَّاصِيَةِ، نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ} [العلق: 15] .

فلهذا يجب على كل ولي أمر أن يستعين بأهل الصدق والعدل، وإذا تعذر ذلك استعان بالأمثل فالأمثل وإن كان فيه كذب وظلم , فإن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر وبأقوام لا خلاق لهم، والواجب إنما هو فعل المقدور، وقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم- أو "عمر بن الخطاب": "من قلد رجلًا على عصابة وهو يجد في تلك العصابة من هو أرضى لله منه فقد خان الله وخان رسوله، وخان المؤمنين".

فالواجب إنما هو الأرضى من الموجود، والغالب أنه لا يوجد كامل، فيفعل خير الخيرين ويدفع شر الشرين، ولهذا كان عمر بن الخطاب يقول: "أشكو إليك جلد الفاجر وعجز الثقة". وقد كان النبي -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه يفرحون بانتصار الروم والنصارى على المجوس، وكلاهما كافر؛ لأن أحد الصنفين أقرب إلى الإسلام، وأنزل الله في ذلك: "سورة الروم" لما اقتتلت الروم وفارس، والقصة مشهورة ، وكذلك يوسف كان نائبًا لفرعون مصر وهو وقومه مشركون، وفعل من العدل والخير ما قدر عليه، ودعاهم إلى الإيمان بحسب الإمكان.

مسئولية المحتسب

عموم الولايات وخصوصها وما يستفيده المتولي بالولاية يتلقى من الألفاظ والأحوال والعرف، وليس لذلك حد في الشرع، فقد يدخل في ولاية القضاة في بعض الأمكنة والأزمنة ما يدخل في ولاية الحرب في مكان وزمان آخر، وبالعكس، وكذلك الحسبة وولاية المال.

وجميع هذه الولايات هي في الأصل ولاية شرعية ومناصب دينية، فأي من عدل في ولاية من هذه الولايات فساسها بعلم وعدل وأطاع الله ورسوله بحسب الإمكان فهو من الأبرار الصالحين، وأي من ظلم وعمل فيها بجهل فهو من الفجار الظالمين، إنما الضابط قوله تعالى: {إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ، وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ} [الانفطار: 13، 14] .

وإذا كان كذلك، فولاية الحرب في عرف هذا الزمان في هذه البلاد الشامية والمصرية تختص بإقامة الحدود التي فيها إتلاف، مثل قطع يد السارق وعقوبة المحارب ونحو ذلك، وقد يدخل فيها من العقوبات ما ليس فيه إتلاف، كجلد السارق، ويدخل فيها الحكم في المخاصمات والمضاربات، ودواعي التهم التي ليس فيها كتاب وشهود، كما تختص ولاية القضاء بما فيه كتاب وشهود، وكما تختص بإثبات الحقوق والحكم في مثل ذلك، والنظر في حال نظّار الوقوف وأوصياء اليتامى، وغير ذلك مما هو معروف.

وفي بلاد أخرى كبلاد المغرب: ليس لوالي الحرب حكم في شيء، وإنما هو منفذ لما يأمر به متولي القضاء، وهذا اتبع للسنة القديمة ، ولهذا أسباب من المذاهب والعادات مذكورة في غير هذا الموضع.

وأما المحتسب فله الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مما ليس من خصائص الولاة والقضاة وأهل الديوان ونحوهم، وكثير من الأمور الدينية هو مشترك بين ولاة الأمور، فمن أدى فيه الواجب وجبت طاعته فيه، فعلى المحتسب أن يأمر العامة بالصلوات الخمس في مواقيتها ويعاقب من لم يصل بالضرب والحبس، وأما القتل فإلى غيره، ويتعهد الأئمة والمؤذنين، فمن فرط منهم فيما يجب من حقوق الإمامة أو خرج عن الأذان المشروع ألزمه بذلك، واستعان فيما يعجز عنه بوالي الحرب والحكم، وكل مطاع يعين على ذلك، وذلك أن "الصلاة" هي أعرف المعروف من الأعمال، وهي عمود الإسلام وأعظم شرائعه، وهي قرينة الشهادتين، وإنما فرضها الله ليلة المعراج وخاطب بها الرسول بلا واسطة، لم يبعث بها رسولًا من الملائكة، وهي آخر ما وصّى به النبي -صلى الله عليه وسلم- أمته، وهي المخصوصة بالذكر في كتاب الله تخصيصًا بعد تعميم، كقوله تعالى: {وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ} [الأعراف: 170] وقوله: {اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ} [العنكبوت: 45] .

وهي المقرونة بالصبر، وبالزكاة، وبالنسك وبالجهاد في مواضع من كتاب الله كقوله تعالى: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ} [البقرة: 45] . وقوله: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ} [البقرة: 43] . وقوله: {إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي} [الأنعام: 62] . وقوله: {أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا} [الفتح: 29] . وقوله: {وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ} [النساء: 102] . إلى قوله: {فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا} [النساء: 103] .

وأمرها أعظم من أن يحاط به، فاعتناء ولاة الأمر بها يجب أن يكون فوق اعتنائهم بجميع الأعمال، لهذا كان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- يكتب إلى عماله: إن أهم أمركم عندي الصلاة من حفظها وحافظ عليها حفظ دينه، ومن ضيعها كان لما سواها أشد إضاعة. رواه مالك وغيره. ويأمر المحتسب بالجمعة والجماعات، وبصدق الحديث وأداء الأمانات.

وينهى عن المنكرات: من الكذب والخيانة، وما يدخل في ذلك من تطفيف المكيال والميزان والغش في الصناعات، والبياعات، والديانات، ونحو ذلك قال الله تعالى: {وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ، الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ، وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ} [المطففين: 1،3] . وقال في قصة شعيب: {أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ، وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ، وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ} [الشعراء: 181] . وقال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا} [النساء: 107] . وقال: {وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ} [يوسف: 52] .

وفي الصحيحين عن حكيم بن حزام قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: "البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما، وإن كتما وكذبا محقت بركة بيعهما".

وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مر على صبرة طعام فأدخل يده فيها، فنالت أصابعه بللًا، فقال: "ما هذا يا صاحب الطعام؟ " فقال: أصابته السماء يا رسول الله! قال: " أفلا جعلته فوق الطعام كي يراه الناس! من غشنا فليس مني".

وفي رواية: "من غشني فليس مني". فقد أخبر النبي -صلى الله عليه وسلم- أن الغاش ليس بداخل في مطلق اسم أهل الدين والإيمان، كما قال: "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن".

فسلبه حقيقة الإيمان التي بها يستحق حصول الثواب والنجاة من العقاب، وإن كان معه أصل الإيمان الذي يفارق به الكفار ويخرج به من النار.

والغش يدخل في البيوع بكتمان العيوب وتدليس السلع، مثل أن يكون ظاهر المبيع خيرًا من باطنه، كالذي مر عليه النبي -صلى الله عليه وسلم- وأنكر عليه. ويدخل في الصناعات مثل الذين يصنعون المطعومات من الخبز والطبخ والعدس والشواء وغير ذلك، أو يصنعون الملبوسات كالنساجين والخياطين ونحوهم، أو يصنعون غير ذلك من الصناعات، فيجب نهيهم عن الغش والخيانة والكتمان.

ومن هؤلاء "الكيماوية" الذين يغشون النقود والجواهر والعطر وغير ذلك......

ويدخل في المنكرات ما نهى الله عنه ورسوله من العقود المحرمة، مثل عقود الربا والميسر، ومثل بيع الغرر، وكحبل الحبلة، والملامسة والمنابذة، وربا النسيئة وربا الفضل، وكذلك النجش، وهو أن يزيد في السلعة من لا يريد شراءها ، وتصرية الدابة اللبون ، وسائر أنواع التدليس.

وكذلك المعاملات الربوية سواء كانت ثنائية أو ثلاثية إذا كان المقصود بها جميعها أخذ دراهم بدرهم أكثر منها إلى أجل. فالثنائية ما يكون بين اثنين: مثل أن يجمع إلى القرض بيعًا أو إجارة أو مساقاة أو مزارعة، وقد ثبت عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "لا يحل سلف وبيع ولا شرطان في بيع ولا ربح ما لم يضمن ولا بيع ما ليس عندك". قال الترمذي: حديث صحيح.

ومثل أن يبيعه سلعة إلى أجل ثم يعيدها إليه، ففي سنن أبي داود عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "من باع بيعتين في بيعة فله أوكسهما أو الربا".

والثلاثية: مثل أن يدخلا بينهما محللًا للربا يشتري السلعة منه آكل الربا ثم يبيعها المعطي للربا إلى أجل ثم يعيدها إلى صاحبها بنقص دراهم يستفيدها المحلل.

وهذه المعاملات منها ما هو حرام بإجماع المسلمين مثل التي يجري فيها شرط لذلك، أو التي يباع فيها المبيع قبل القبض الشرعي أو بغير الشروط الشرعية، أو يقلب فيها الدين على المعسر، فإن المعسر يجب إنظاره ولا يجوز الزيادة عليه بمعاملة ولا غيرها بإجماع المسلمين، ومنها ما قد تنازع فيه بعض العلماء، لكن الثابت عن النبي -صلى الله عليه وسلم- والصحابة والتابعين تحريم ذلك كله.

ومن المنكرات تلقي السلع قبل أن تجيء إلى السوق، فإن النبي -صلى الله عليه وسلم- نهى عن ذلك لما فيه من تغرير البائع، فإنه لا يعرف السعر فيشتري منه المشتري بدون القيمة، ولذلك أثبت النبي -صلى الله عليه وسلم- له الخيار إذا هبط إلى السوق، وثبوت الخيار له مع الغبن لا ريب فيه، وأما ثبوته بلا غبن ففيه نزاع بين العلماء، وفيه عن أحمد روايتان، إحداهما: يثبت، وهو قول الشافعي، والثانية: لا يثبت لعدم الغبن. وثبوت الخيار بالغبن للمسترسل -وهو الذي لا يماكس- هو مذهب مالك وأحمد وغيرهما، فليس لأهل السوق أن يبيعوا المماكس بسعر ويبيعوا المسترسل الذي لا يماكس أو من هو جاهل بالسعر بأكثر من ذلك السعر هذا مما ينكر على الباعة.

وجاء في الحديث: "غبن المسترسل ربا"، وهو بمنزلة تلقي السلع، فإن القادم جاهل بالسعر، ولذلك "نهى النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يبيع حاضر لباد، وقال: "دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض". وقيل لابن عباس ما قوله: "لا يبيع حاضر لباد"؟ قال: لا يكون له سمسار، وهذا نهي عنه لما فيه من ضرر المشترين، فإن المقيم إذا توكل للقادم في بيع سلعة يحتاج الناس إليها والقادم لا يعرف السعر ضر ذلك المشتري، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم: "دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض".

ومثل ذلك "الاحتكار" لما يحتاج الناس إليه، روى مسلم في صحيحه عن معمر بن عبد الله أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "لا يحتكر إلا خاطئ". فإن المحتكر هو الذي يعمد إلى شراء ما يحتاج إليه الناس من الطعام فيحبسه عنهم ويريد إغلاءه عليهم، وهو ظالم للخلق المشترين، ولهذا كان لولي الأمر أن يكره الناس على بيع ما عندهم بقيمة المثل عند ضرورة الناس إليه، مثل من عنده طعام لا يحتاج إليه والناس في مخمصة، فإنه يجبر على بيعه للناس بقيمة المثل، ولهذا قال الفقهاء: من اضطر إلى طعام لغير أخذه منه بغير اختياره بقيمة مثله، ولو امتنع من بيعه إلا بأكثر من سعره لم يستحق إلا سعره.

ومن هنا يتبين أن السعر منه ما هو ظلم لا يجوز، ومنه ما هو عدل جائز فإذا تضمن ظلم الناس وإكراههم بغير حق على البيع بثمن لا يرضونه، أو منعهم مما أباحه الله لهم: فهو حرام، وإذا تضمن العدل بين الناس مثل إكراههم على ما يجب عليهم من المعاوضة بثمن المثل، ومنعهم مما يحرم عليهم من أخذ زيادة على عوض المثل: فهو جائز، بل واجب.

فأما الأول فمثل ما روى أنس قال: غلا السعر على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقالوا: يا رسول الله! لو سعرت؟ فقال: "إن الله هو القابض الباسط الرازق المسعر، وأني لأرجو أن ألقى الله ولا يطلبني أحد بمظلمة ظلمتها إياه في دم ولا مال". رواه أبو داود والترمذي وصححه.

فإذا كان الناس يبيعون سلعهم على الوجه المعروف من غير ظلم منهم وقد ارتفع السعر إما لقلة الشيء، وإما لكثرة الخلق، فهذا إلى الله. فإلزام الخلق أن يبيعوا بقيمة بعينها إكراه بغير حق.

وأما الثاني فمثل أن يمتنع أرباب السلع من بيعها مع ضرورة الناس إليها إلا بزيادة على القيمة المعروفة، فهنا يجب عليهم بيعها بقيمة المثل، ولا معنى للتسعير إلا إلزامهم بقيمة المثل، فيجب أن يلتزموا بما ألزمهم الله به. وأبلغ من هذا أن يكون الناس قد التزموا أن لا يبيع الطعام أو غيره إلا أناس معروفون، لا تباع تلك السلع إلا لهم، ثم يبيعونها هم، فلوا باع غيرهم ذلك منع، إما ظلمًا لوظيفة تؤخذ من البائع، أو غير ظلم، لما في ذلك من الفساد، فهنا يجب التسعير عليهم بحيث لا يبيعون إلا بقيمة المثل، ولا يشترون أموال الناس إلا بقيمة المثل بلا تردد في ذلك عند أحد من العلماء؛ لأنه إذا كان قد منع غيرهم أن يبيع ذلك النوع أو يشتريه، فلو سوغ لهم أن يبيعوا بما اختاروا أو اشتروا بما اختاروا كان ذلك ظلمًا للخلق من وجهين: ظلمًا للبائعين الذين يريدون بيع تلك الأموال، وظلمًا للمشترين منهم، والواجب إذا لم يمكن دفع جميع الظلم أن يدفع الممكن منه، فالتسعير في مثل هذا واجب بلا نزاع، وحقيقته: إلزامهم ألا يبيعوا أو لا يشتروا إلا بثمن المثل.

وهذا واجب في مواضع كثيرة من الشريعة، فإنه كما أن الإكراه على البيع لا يجوز إلا بحق: يجوز الإكراه على البيع بحق في مواضع مثل بيع المال لقضاء الدين الواجب والنفقة الواجبة، والإكراه على ألا يبيع إلا بثمن المثل لا يجوز إلا بحق، ويجوز في مواضع، مثل المضطر إلى طعام الغير، ومثل الغراس والبناء الذي في ملك الغير، فإن لرب الأرض أن يأخذه بقيمة المثل لا بأكثر. ونظائره كثيرة. وكذلك السراية في العتق كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم: "من أعتق شركًا له في عبد وكان له من المال ما يبلغ ثمن العبد قوم عليه قيمة العدل، لا وكس ولا شطط".

فأعطى شركاءه حصصهم وعتق عليه العبد، وإلا فقد عتق منه ما عتق، وكذلك من وجب عليه شراء شيء للعبادات كآلة الحج ورقبة العتق وماء الطهارة، فعليه أن يشتريه بقيمة المثل، ليس له أن يمتنع عن الشراء إلا بما يختار. وكذلك فيما يجب عليه من طعام أو كسوة لمن عليه نفقته إذا وجد الطعام أو اللباس الذي يصلح له في العرف بثمن المثل: لم يكن له أن ينتقل إلى ما هو دونه، حتى يبذل له ذلك بثمن يختاره، ونظائره كثيرة.

ولهذا منع غير واحد من العلماء كأبي حنيفة وأصحابه القسام الذين يقسمون العقار وغيره بالأجر أن يشتركوا والناس محتاجون إليهم أغلوا عليهم الأجر، فمنع البائعين الذين تواطئوا على ألا يبيعوا إلا بثمن قدروه أولى، وكذلك منع المشترين إذا تواطئوا على أن يشتركوا، فإنهم إذا اشتركوا فيما يشتريه أحدهم حتى يهضموا سلع الناس أولى أيضًا، فإذا كانت الطائفة التي تشتري نوعًا من السلع أو تبيعها قد تواطأت على أن يهضموا ما يشترونه بدون ثمن المثل المعروف، ويزيدون ما يبيعونه بأكثر من الثمن المعروف، وينموا ما يشترونه، كان هذا أعظم عدوانًا من تلقي السلع، ومن بيع الحاضر للبادي، ومن النجش ويكونون قد اتفقوا على ظلم الناس حتى يضطروا إلى بيع سلعهم وشرائها بأكثر من ثمن المثل، والناس يحتاجون إلى ذلك وشرائه.

وما احتاج إلى بيعه وشرائه عموم الناس فإنه يجب ألا يباع إلا بثمن المثل، إذا كانت الحاجة إلى بيعه وشرائه عامة. ومن ذلك أن يحتاج الناس إلى صناعة ناس، مثل حاجة الناس إلى الفلاحة والنساجة والبناية، فإن الناس لا بد لهم من طعام يأكلونه وثياب يلبسونها ومساكن يسكنونها، فإذا لم يجلب لهم من الثياب ما يكفيهم كما كان يجلب إلى الحجاز على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كانت الثياب تجلب إليهم من اليمن ومصر والشام وأهلها كفار وكانوا يلبسون ما نسجه الكفار ولا يغسلونه، فإذا لم يجلب إلى ناس البلد ما يكفيهم احتاجوا إلى من ينسج لهم الثياب، ولا بد لهم من طعام إما مجلوب من غير بلدهم وإما من زرع بلدهم، وهذا هو الغالب. وكذلك لا بد لهم من مساكن يسكنونها، فيحتاجون إلى البناء، فلهذا قال غير واحد من الفقهاء من أصحاب الشافعي وأحمد بن حنبل وغيرهم: كأبي حامد الغزالي، وأبي الفرج بن الجوزي وغيرهم: إن هذه الصناعات فرض على الكفاية، فإنه لا تتم مصلحة الناس إلا بها، كما أن الجهاد فرض على الكفاية، إلا أن يتعين فيكون فرضًا على الأعيان، مثل أن يقصد العدو بلدًا، أو مثل أن يستنفر الإمام أحدًا، وطلب العلم الشرعي فرض على الكفاية إلا فيما يتعين، مثل طلب كل واحد علم ما أمره الله به وما نهاه عنه، فإن فرض على الأعيان كما أخرجاه في الصحيحين عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين".

وكل من أراد الله به خيرًا، لا بد أن يفقهه في الدين، فمن لم يفقهه في الدين لم يرد الله به خيرًا. والدين: ما بعث الله به رسوله، وهو ما يجب على المرء التصديق به والعمل به، وعلى كل أحد أن يصدق محمدًا -صلى الله عليه وسلم- فيما أخبر به، ويطيعه فيما أمر تصديقًا عامًا وطاعة عامة، ثم إذا ثبت عنه خبر كان عليه أن يصدق به مفصلًا، وإذا كان مأمورًا من جهة بأمر معين كان عليه أن يطيعه طاعة مفصلة.

وكذلك غسل الموتى، وتكفينهم والصلاة عليهم، ودفنهم: فرض على الكفاية. وكذلك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض على الكفاية.

والولايات كلها: الدينية مثل إمرة المؤمنين، وما دونها: من ملك، ووزارة، وديوانية، سواء كانت كتابة خطاب، أو كتابة حساب لمستخرج أو مصروف في أرزاق المقاتلة أو غيرهم، ومثل إمارة حرب، وقضاء وحسبة، وفروع هذه الولايات إنما شرعت للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في مدينته النبوية يتولى جميع ما يتعلق بولاة الأمور، ويولي في الأماكن البعيدة عنه، كما ولى على مكة عتاب بن أسيد، وعلى الطائف عثمان بن أبي العاص، وعلى قرى عرينة خالد بن سعيد بن العاص، وبعث عليًّا ومعاذًا وأبا موسى إلى اليمن، وكذلك كان يؤمر على السرايا ويبعث على الأموال الزكوية السعاة، فيأخذونها ممن هي عليه ويدفعونها إلى مستحقيها الذين سماهم الله في القرآن، فيرجع الساعي إلى المدينة وليس معه إلا السوط، لا يأتي إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- بشيء إذا وجد لها موضعًا يضعها فيه.

وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- يستوفي الحساب على العمال، يحاسبهم على المستخرج والمصروف، كما في الصحيحين عن أبي حميد الساعدي أن النبي -صلى الله عليه وسلم-استعمل رجلًا من الأزد يقال له: ابن اللتبية على الصدقات، فلما رجع حسابه فقال: هذا لكم وهذا أهدي إليّ! فقال النبي -صلى الله عليه وسلم: "ما بال الرجل نستعمله على العمل مما ولانا الله فيقول: هذا لكم وهذا أهدي إليّ؟ أفلا قعد في بيت أبيه وأمه فينظر أيهدى إليه أم لا؟ والذي نفسي بيده لا نستعمل رجلًا على العمل مما ولانا الله فيغل منه شيئًا إلا جاء يوم القيامة يحمله على رقبته: إن كان بعيرًا له رغاء، وإن كانت بقرة لها خوار، وإن كانت شاة تعير ، ثم رفع يديه إلى السماء وقال: اللهم هل بلغت؟ اللهم هل بغلت؟ " قالها مرتين أو ثلاثًا.

والمقصود هنا: أن هذه الأعمال التي هي فرض على الكفاية متى لم يقم بها غير الإنسان صارت فرض عين عليه، لا سيما إن كان غيره عاجزًا عنها، فإذا كان الناس محتاجين إلى فلاحة قوم أو نساجتهم أو بنائهم صار هذا العمل واجبًا يجبرهم ولي الأمر عليه إذا امتنعوا عنه بعوض المثل، ولا يمكنهم من مطالبة الناس بزيادة عن عوض المثل، ولا يمكن الناس من ظلمهم بأن يعطوهم دون حقهم، كما إذا احتاج الجند المرصدون للجهاد إلى فلاحة أرضهم ألزم مَنْ صناعته الفلاحة بأن يصنعها لهم، فإن الجند يلزمون بألا يظلموا الفلاح كما ألزم الفلاح أن يفلح للجند. والمزارعة جائزة في أصح قولي العلماء، وهي عمل المسلمين على عهد نبيهم وعهد خلفائه الراشدين، وعليها عمل آل أبي بكر وآل عمر وآل عثمان وآل علي وغيرهم من بيوت المهاجرين، وهي قول أكابر الصحابة كابن مسعود، وهي مذهب فقهاء الحديث، كأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وداود بن علي، والبخاري، ومحمد بن إسحاق بن خزيمة، وأبي بكر بن المنذر وغيرهم من فقهاء المسلمين.

وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- قد عامل أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من ثمر وزرع حتى مات، ولم تزل تلك المعاملة حتى أجلاهم عمر عن خيبر، وكان قد شارطهم أن يعمروها من أموالهم، وكان البذر منهم لا من النبي -صلى الله عليه وسلم- ولهذا كان الصحيح من قولي العلماء أن البذر إلا من العامل.......

وأيضًا فإن بذل منافع البدن يجب عند الحاجة،  كما يجب تعليم العلم، وإفتاء الناس، وأداء الشهادة، والحكم بينهم، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد وغير ذلك من منافع الأبدان، فلا يمنع وجوب بذل منافع الأموال للمحتاج، وقد قال تعالى: {وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا} [البقرة: 282] . وقال: {وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ} [البقرة: 282] . وللفقهاء في أخذ الجعل على الشهادة أربعة أقوال، هي أربعة أوجه في مذهب أحمد وغيره.

أحدها: أنه لا يجوز مطلقًا.

والثاني: لا يجوز إلا عند الحاجة.

والثالث: يجوز إلا أن يتعين عليه.

 والرابع: يجوز. فإن أخذ أجرًا عند العمل لم يأخذ عند الأداء.

وهذه المسائل لبسطها مواضع أخرى. والمقصود هنا: أنه إذا كانت السنة قد مضت في مواضع بأن على المالك أن يبيع ماله بثمن مقدر، إما بثمن المثل، وإما بالثمن الذي اشتراه به: لم يجرم مطلقًا تقدير الثمن ثم إن ما قدر به النبي -صلى الله عليه وسلم- في شراء نصيب شريك المعتق هو لأجل تكميل الحرية، وذلك حق الله، وما احتاج إليه الناس حاجة عامة فالحق فيه لله، ولهذا يجعل العلماء هذه حقوقًا لله تعالى، وحدودًا لله، بخلاف حقوق الآدميين وحدودهم، وذلك مثل حقوق المساجد ومال الفيء، والصدقات والوقف على أهل الحاجات والمنافع العامة ونحو ذلك، ومثل حد المحاربة والسرقة والزنا وشرب الخمر، فإن الذي يقتل شخصًا لأجل المال يقتل حتمًا باتفاق العلماء، وليس لورثة المقتول العفو عنه، بخلاف من يقتل شخصًا لغرض خاص، مثل خصومه بينهما، فإن هذا حق لأولياء المقتول، إن أحبوا قتلوا، وأن أحبوا عفو باتفاق المسلمين.

وحاجة المسلمين إلى الطعام واللباس وغير ذلك من مصلحة عامة: ليس الحق فيها لواحد بعينه، فتقدير الثمن فيها بثمن المثل على من وجب عليه البيع أولى من تقديره لتكميل الحرية، لكن تكميل الحرية وجب على الشريك المعتق، فلو لم يقدر فيها الثمن لتضرر بطلب الشريك الآخر ما شاء. وهنا عموم الناس عليهم شراء الطعام والثياب لأنفسهم، فلو مكن من يحتاج إلى سلعته ألا يبيع إلا بما شاء لكان ضرر الناس أعظم.

ولهذا قال الفقهاء: إذا اضطر الإنسان إلى طعام الغير كان عليه بذله له بثمن المثل، فيجب الفرق بين من عليه أن يبيع وبين من ليس عليه أن يبيع، وأبعد الأئمة عن إيجاب المعاوضة وتقديرها هو الشافعي، ومع هذا فإنه يوجب على من اضطر الإنسان إلى طعامه أن يعطيه بثمن المثل.

وتنازع أصحابه في جواز التسعير للناس حاجة، ولهم فيه وجهان، وقال أصحاب أبي حنيفة: لا ينبغي للسلطان أن يسعر على الناس إلا إذا تعلق به حق ضرر العامة. فإذا رفع إلى القاضي أمر المحتكر ببيع ما فضل عن قوته وقوت أهله على اعتبار السعر في ذلك فنهاه عن الاحتكار، فإن رفع التاجر فيه إليه ثانيًا حبسه وعزره على مقتضى رأيه، زجرًا له أو دفعًا للضرر عن الناس. فإن كان أرباب الطعام يتعدون ويتجاوزون القيمة تعديًّا فاحشًا وعجز القاضي عن صيانة حقوق المسلمين إلا بالتسعير، سعر حينئذ بمشورة أهل الرأي والبصيرة، وإذا تعدى أحد بعد ما فعل ذلك أجبره القاضي، وهذا على قول أبي حنيفة ظاهر، حيث لا يرى الحجر على الحر، وكذا عندهما، أي عند أبي يوسف ومحمد، إلا أن يكون الحجر على قوم معينين. ومن باع منهم بما قدره الإمام صح؛ لأنه غير مكره عليه. وهل يبيع القاضي على المحتكر طعامه من غير رضاه؟ قيل: هو على الاختلاف المعروف في مال المديون. وقيل: يبيع ههنا بالاتفاق؛ لأن أبا حنيفة يرى الحجر لدفع الضرر العام.

والسعر لما غلا في عهد النبي -صلى الله عليه وسلم- وطلبوا منه التسعير فامتنع لم يذكر أنه كان هناك من عنده طعام امتنع من بيعه، بل عامة من كانوا يبيعون الطعام إنما هم جالبون يبيعونه إذا هبطوا السوق، لكن: "نهى النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يبيع حاضر لباد"، نهاه أن يكون له سمسارًا وقال: "دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض".

وهذا ثابت في الصحيح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- من غير وجه، فنهى الحاضر العالم بالسعر أن يتوكل للبادي الجالب للسلعة؛ لأنه إذا توكل له مع خبرته بحاجة الناس إليه أغلى الثمن على المشتري، فنهاه عن التوكل له -مع أن جنس الوكالة مباح- لما في ذلك من زيادة السعر على الناس.

ونهى النبي -صلى الله عليه وسلم- عن تلقي الجلب، وهذا أيضًا ثابت في الصحيح من غير وجه، وجعل للبائع إذا هبط إلى السوق الخيار، ولهذا كان أكثر الفقهاء على أنه نهى عن ذلك لما فيه من ضرر البائع بدون ثمن المثل وغبنه، فأثبت النبي -صلى الله عليه وسلم- الخيار لهذا البائع، وهل هذا الخيار فيه ثابت مطلقًا أو إذا غبن؟ قولان من للعلماء، هما روايتان عن أحمد، أظهرهما أنه إنما يثبت له الخيار إذا غبن، والثاني يثبت له الخير مطلقًا، وهو ظاهر مذهب الشافعي. وقال طائفة: بل نهى عن ذلك لما فيه من ضرر المشتري إذا تلقاه المتلقي فاشتراه ثم باعه.

وفي الجملة فقد نهى النبي -صلى الله عليه وسلم- عن البيع والشراء الذي جنسه حلال حتى يعلم البائع بالسعر وهو ثمن المثل، ويعلم المشتري بالسلعة وصاحب القياس الفاسد يقول: للمشتري أن يشتري حيث شاء وقد اشترى من البائع، كما يقول: وللبادي أن يوكل الحاضر.

ولكن الشارع رأى المصلحة العامة، فإن الجلب إذا لم يعرف السعر كان جاهلًا بثمن المثل فيكون المشتري غارًا له، ولهذا ألحق مالك وأحمد بذلك كل مسترسل، والمسترسل، الذي لا يماكس والجاهل بقيمة المبيع، فإنه بمنزلة الجالبين الجاهلين بالسعر، فتبين أنه يجب على الإنسان ألا يبيع مثل هؤلاء إلا بالسعر المعروف، وهو ثمن المثل، وإن لم يكن هؤلاء محتاجين إلى الابتياع من ذلك البائع، لكن لكونهم جاهلين بالقيمة أو مسلمين إلى البائع غير مماكسين له، والبيع يعتبر فيه الرضا، والرضا يتبع العلم، ومن لم يعلم أنه غبن فقد يرضى وقد لا يرضى، فإذا علم أنه غبن ورضى فلا بأس بذلك، وإذا لم يرض بثمن المثل لم يلتفت إلى سخطه.

ولهذا أثبت الشارع الخيار لمن لم يعلم بالعيب أو التدليس، فإن الأصل في البيع الصحة، وأن يكون الباطن كالظاهر، فإذا اشترى على ذلك فيم عرف رضاه إلا بذلك، فإذا تبين أن في السلعة غشًّا أو عيبًا فهو كما لو وصفه بصفة وتبينت بخلافها، فقد يرضى وقد لا يرضى، فإن رضي وإلا فسخ البيع، وفي الصحيحين عن حكيم بن حزام عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما، وإن كذبا وكتما محقت بركة بيعهما".

وفي السنن: "أن رجلًا كانت له شجرة في أرض غيره، وكان صاحب الأرض يتضرر بدخول صاحب الشجرة، فشكا ذلك إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فأمره أن يقبل منه بدله أو يتبرع له بها فلم يفعل، فأذن لصاحب الأرض في قلعها، وقال لصاحب الشجرة: "إنما أنت مضار".

فهنا أوجب عليه إذا لم يتبرع بها أن يبيعها، فدل على وجوب البيع عند حاجة المشتري، وأين حاجة هذا من حاجة عموم الناس إلى الطعام؟.

ونظير هؤلاء الذين يتجرون في الطعام بالطحن، والخبز، ونظير هؤلاء صاحب الخان والقيسارية والحمام إذا احتاج الناس إلى الانتفاع بذلك، وهو إنما ضمنها ليتجر فيها، فلو امتنع من إدخال الناس إلا بما شاء وهم يحتاجون لم يمكن من ذلك، وألزم ببذل ذلك بأجرة المثل، كم يلزم الذي يشتري الحنطة ويطحنها ليتجر فيها، والذي يشتري الدقيق ويخبزه ليتجر فيه مع حاجة الناس إلى ما عنده، بل إلزامه ببيع ذلك بثمن المثل أولى وأحرى، بل إذا امتنع من صنعة الخبز والطحن حتى يتضرر الناس بذلك ألزم بصنعتها كما تقدم، وإذا كانت حاجة الناس تندفع إذا عملوا ما يكفي الناس بحيث يشتري إذ ذاك بالثمن المعروف لم يحتج إلى تسعير، وأما إذا كانت حاجة الناس لا تندفع إلا بالتسعير العادل سعر عليهم تسعير عدل، لا وكس، ولا شطط.

الغش والتدليس في الديانات

فأما الغش والتدليس في الديانات فمثل البدع المخالفة للكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة من الأقوال والأفعال، مثل إظهار المكاء والتصدية في مساجد المسلمين، ومثل سب جمهور الصحابة وجمهور المسلمين، أو سب أئمة المسلمين، ومشايخهم، وولاة أمورهم، المشهورين عند عموم الأمة بالخير.

ومثل التكذيب بأحاديث النبي -صلى الله عليه وسلم- التي تلقاه أهل العلم بالقبول.

ومثل رواية الأحاديث الموضوعة المفتراة على رسول الله -صلى الله عليه وسلم.

ومثل الغلو في الدين بأن ينزل البشر منزلة الإله.

ومثل تجويز الخروج عن شريعة النبي -صلى الله عليه وسلم.

ومثل الإلحاد في أسماء الله وآياته، وتحريف الكلم عن مواضعه، والتكذيب بقدر الله، ومعارضة أمره ونهيه بقضائه وقدره.

ومثل إظهار الخزعبلات السحرية والشعبذة الطبيعية وغيرها التي يضاهى بها ما للأنبياء والأولياء من المعجزات والكرامات، ليصد بها عن سبيل الله، أو يظن بها الخير فيمن ليس من أهله، وهذا باب واسع يطول وصفه.

فمن ظهر منه شيء من هذه المنكرات وجب منعه من ذلك، وعقوبته عليها، إذ لم يتب حتى قدر عليه، بحسب ما جاءت به الشريعة من قتل، أو جلد أو غير ذلك.

وأما المحتسب فعليه أن يعزر من أظهر ذلك قولًا أو فعلًا، ويمنع من الاجتماع في مظان التهم، فالعقوبة لا تكون إلا على ذنب ثابت، وأما المنع والاحتراز فيكون مع التهمة، كما منع عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- أن يجتمع الصبيان بمن كان يتهم بالفاحشة، وهذا مثل الاحتراز عن قبول شهادة المتهم بالكذب وائتمان المتهم بالخيانة، ومعاملة المتهم بالمطل..

العقوبات الشرعية

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يتم إلا بالعقوبات الشرعية، فإن الله ينزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن.

وإقامة الحدود واجبة على ولاة الأمور، وذلك يحصل بالعقوبة على ترك الواجبات وفعل المحرمات فمنها عقوبات مقدرة، مثل جلد المفتري ثمانين، وقطع يد السارق، ومنها عقوبات غير مقدرة قد تسمى التعزير. وتختلف مقاديرها وصفاتها بحسب كبر الذنوب وصغرها، وبحسب حال المذنب، وبحسب حال الذنب في قلته وكثرته. و"التعزير" أجناس: فمنه ما يكون بالتوبيخ والزجر بالكلام، ومنه ما يكون بالحبس، ومنه ما يكون بالنفي عن الوطن. ومنه ما يكون بالضرب، فإن كان ذلك لترك واجب مثل الضرب على ترك الصلاة أو ترك أداء الحقوق الواجبة، مثل ترك وفاء الدين مع القدرة عليه، أو على ترك رد المغصوب، أو أداء الأمانة إلى أهلها، فإنه يضرب مرة بعد مرة حتى يؤدي الواجب، ويفرق الضرب عليه يومًا بعد يوم.

وإن كان الضرب على ذنب ماض جزاء بما كسب ونكالًا من الله له ولغيره: فهذا يفعل منه بقدر الحاجة فقط، وليس لأقله حد.

وأما أكثر التعزير ففيه ثلاثة أقوال في مذهب أحمد وغيره. أحدها: عشر جلدات. والثاني: دون أقل الحدود، إما تسعة وثلاثون سوطًا، وإما تسعة وسبعون سوطًا وهذا قول كثير من أصحاب أبي حنيفة والشافعي وأحمد. والثالث: أنه لا يتقدر بذلك. وهو قول أصحاب مالك، وطائفة من أصحاب الشافعي وأحمد، وهو إحدى الروايتين عنه، لكن إن كان التعزير فيما فيه مقدر لم يبلغ به ذلك المقدر مثل التعزير: على سرقة دون النصاب لا يبلغ به القطع، والتعزير على المضمضة بالخمر لا يبلغ به حد الشرب، والتعزير على القذف بغير الزنا لا يبلغ به الحد.

وهذا القول أعدل الأقوال، عليه دلت سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وسنة خلفائه الراشدين، فقد أمر النبي -صلى الله عليه وسلم- بضرب الذي أحلت له امرأته جاريتها مائة ودرأ عنه الحد بالشبهة، وأمر أبو بكر وعمر بضرب رجل وامرأة وجدا في لحاف واحد مائة مائة، وأمر بضرب الذي نقش على خاتمه وأخذ من بيت المال مائة، ثم ضربه في اليوم الثاني مائة ثم ضربه في اليوم الثالث مائة، وضرب صبيغ بن عسل -لما رأى من بدعته- ضربًا كثيرًا لم يعده.

ومن لم يندفع فساده في الأرض إلا بالقتل قتل، مثل المفرق لجماعة المسلمين، والداعي إلى البدع في الدين، قال تعالى: {مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا} [المائدة: 32] .

وفي الصحيح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما".

وقال: " من جاءكم وأمركم على رجل واحد يريد أن يفرق جماعتكم فاضربوا عنقه بالسيف كائنًا من كان".

وأمر النبي -صلى الله عليه وسلم- بقتل رجل تعمد عليه الكذب، "وسأله ابن الديلمي عمن لم ينته عن شرب الخمر؟ فقال: "من لم ينته عنها فاقتلوه".

فلهذا ذهب مالك وطائفة من أصحاب أحمد إلى جواز قتل الجاسوس، وذهب مالك ومن وافقه من أصحاب الشافعي إلى قتل الداعية إلى البدع، وليست هذه القاعدة المختصرة موضع ذلك، فإن المحتسب ليس له القتل والقطع.

ومن أنواع التعزير، النفي والتغريب، كما كان عمر بن الخطاب يعزر بالنفي في شرب الخمر إلى خيبر، وكما نفى صبيغ بن عسل إلى البصرة، وأخرج نصر بن حجاج إلى البصرة لما افتتن به النساء.

التعزير المالي

و"التعزير بالعقوبات المالية" مشروع أيضًا في مواضع مخصوصة في مذهب مالك في المشهور عنه، ومذهب أحمد في مواضع بلا نزاع عنه، وفي مواضع فيها نزاع عنه، والشافعي في قول، وإن تنازعوا في تفصيل ذلك كما دلت عليه سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في مثل إباحته سلب الذي يصطاد في حرم المدينة لما وجده، ومثل أمره بكسر دنان الخمر وشق ظروفه، ومثل أمره عبد الله بن عمر بحرق الثوبين المعصفرين، وقال له: أغسلهما؟ قال: " لا بل احرقهما".

وأمره لهم يوم خيبر بكسر الأوعية التي فيها لحوم الحمر. ثم لما استأذنوه في الإراقة أذن، فإنه "لما رأى القدور تفور بلحم الحمر أمر بكسرها وإراقة ما فيها، فقالوا: أفلا نريقها ونغسلها؟ فقال: "افعلوا". فدل ذلك على جواز الأمرين؛ لأن عقوبة ذلك لم تكن واجبة.

ومثل هدمه لمسجد الضرار ومثل تحريق موسى للعجل المتخذ إلهًا، ومثل تضعيفه -صلى الله عليه وسلم- الغرم على من سرق من غير حرز، ومثل ما روى من إحراق متاع الغال، ومن حرمان القاتل سلبه لما اعتدى على الأمير.

 ومثل أمر عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب بتحريق المكان الذي يباع فيه الخمر، ومثل أخذ شطر مال مانع الزكاة، ومثل تحريق عثمان بن عفان المصاحف المخالفة للإمام، وتحريق عمر بن الخطاب لكتب الأوائل، وأمره بتحريق قصر سعد بن أبي وقاص الذي بناه لما أراد أن يحتجب عن الناس، فأرسل محمد بن مسلمة، وأمره أن يحرقه عليه، فذهب فحرقه عليه.

وهذه القضايا كلها صحيحة معروفة عند أهل العمل بذلك ونظائرها متعددة. ومن قال: إن العقوبات المالية منسوخة وأطلق ذلك عن أصحاب مالك وأحمد فقد غلط على مذهبهما، ومن قاله مطلقًا من أي مذهب كان: فقد قال قولًا بلا دليل، ولم يجئ عن النبي -صلى الله عليه وسلم- شيء قط يقتضي أنه حرم جميع العقوبات المالية، بل أخذ الخلفاء الراشدين وأكابر أصحابه بذلك بعد موته دليل على أن ذلك محكم غير منسوخ.

وعامة هذه الصور منصوصة عن أحمد ومالك وأصحابه، وبعضها قول عند الشافعي باعتبار ما بلغه من الحديث. ومذهب مالك وأحمد وغيرهما: أن العقوبات المالية كالبدنية، تنقسم إلى ما يوافق الشرع وإلى ما يخالفه، وليست العقوبة المالية منسوخة عندهما. والمدعون للنسخ ليس معهم حجة بالنسخ، لا من كتاب ولا سنة، وهذا شأن كثير ممن يخالف النصوص الصحيحة والسنة الثابتة بلا حجة، إلا مجرد دعوى النسخ، وإذا طولب بالناسخ لم يكن معه حجة لبعض النصوص وتوهمه ترك العمل، إلا أن مذهب طائفته ترك العمل بها إجماعًا، والإجماع دليل على النسخ، ولا ريب أنه إذا ثبت الإجماع كان ذلك دليلًا على أنه منسوخ؛ فإن الأمة لا تجتمع على ضلالة، ولكن لا يعرف إجماع على ترك نص إلا وقد عرف النص الناسخ له، ولهذا كان أكثر من يدعي نسخ النصوص بما يدعيه من الإجماع إذ حقق الأمر عليه لم يكن الإجماع الذي ادعاه صحيحًا، بل غايته أنه لم يعرف فيه نزاعًا، ثم من ذلك ما يكون أكثر أهل العلم على خلاف قول أصحابه، ولكن هو نفسه لم يعرف أقوال العلماء.

وأيضًا فإن واجبات الشريعة التي هي حق لله ثلاثة أقسام: عبادات كالصلاة والزكاة والصيام، وعقوبات إما مقدرة وإما مفوضة، وكفارات وكل واحد من أقسام الواجبات ينقسم إلى: بدني، وإلى مالي، وإلى مركب منهما. فالعبادات البدنية: كالصلاة والصيام، والمالية: كالزكاة، والمركبة: كالحج، والكفارات المالية: كالإطعام، والبدنية: كالصيام، والمركبة: كالهدي بذبح. العقوبات البدنية: كالقتل والقطع، والمالية: كإتلاف أوعية الخمر. والمركبة: كجلد السارق من غير حرز وتضعيف الغرم عليه، وكقتل الكفار وأخذ أموالهم. وكما أن العقوبات البدنية تارة تكون جزاء على ما مضى كقطع السارق، وتارة تكون دفعًا عن المستقبل كقتل القاتل: فكذلك المالية، فإن منها ما هو من باب إزالة المنكر، وهي تنقسم كالبدنية إلى إتلاف، وإلى تغيير، وإلى تمليك الغير.

فالأول: المنكرات من الأعيان والصفات يجوز إتلاف محلها تبعًا لها، مثل الأصنام المعبودة من دون الله، لما كانت صورها منكرة جاز إتلاف مادتها، فإذا كانت حجرًا أو خشبًا ونحو ذلك جاز تكسيرها وتحريقها. وكذلك آلات الملاهي مثل الطنبور يجوز إتلافها عند أكثر الفقهاء، وهو مذهب مالك، وأشهر الروايتين عن أحمد، ومثل ذلك أوعية الخمر، يجوز تكسيرها وتخريقها، والحانوت الذي يباع فيه الخمر يجوز تحريقه، وقد نص أحمد على ذلك هو وغيره من المالكية وغيرهم، واتبعوا ما ثبت عن عمر بن الخطاب أنه أمر بتحريق حانوت كان يباع فيه الخمر لرويشد الثقفي، وقال: إنما أنت فويسق لا رويشد، وكذلك أمير المؤمنين علي بن أبي طالب أمر بتحريق قرية كان يباع فيها الخمر، رواه أبو عبيدة وغيره؛ وذلك لأن مكان البيع مثل الأوعية، وهذا أيضًا على المشهور في مذهب أحمد ومالك وغيرهما.

ومما يشبه ذلك ما فعله عمر بن الخطاب، حيث رأى رجلًا قد شاب اللبن بالماء المبيع فأراقه عليه، وهذا ثابت عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه، وبذلك أفتى طائفة من الفقهاء القائلين بهذا الأصل، وذلك لما روي عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه: "نهى أن يشاب اللبن بالماء للبيع".

وذلك بخلاف شوبه للشرب؛ لأنه إذا خلط لم يعرف المشتري مقدار اللبن من الماء، فأتلفه عمر.

ونظيره ما أفتى به طائفة من الفقهاء القائلين بهذا الأصل في جواز إتلاف المغشوشات في الصناعات، مثل الثياب التي نسجت نسجًا رديئًا أنه يجوز تمزيقها وتخريقها، ولذلك لما رأى عمر بن الخطاب على ابن الزبير ثوبًا من حرير مزقه عليه، فقال الزبير: أفزعت الصبي، فقال: لا تكسوهم الحرير، وكذلك تحريق عبد الله بن عمر لثوبه المعصفر بأمر النبي -صلى الله عليه وسلم.

وهذا كما يتلف من البدن المحل الذي قامت به المعصية، فتقطع يد السارق، وتقطع رجل المحارب ويده. وكذلك الذي قام به المنكر في إتلافه نهي عن العود إلى ذلك المنكر، وليس إتلاف ذلك واجبًا على الإطلاق، بل إذا لم يكن في المحل مفسدة جاز إبقاؤه أيضًا، إما لله وإما أن يتصدق به، كما أفتى طائفة من العلماء على هذا الأصل: أن الطعام المغشوش من الخبز والطبيخ والشواء، كالخبز والطعام الذي لم ينضج وكالطعام المغشوش، وهو: الذي خلط بالرديء وأظهر المشتري أنه جيد ونحو ذلك: يتصدق به على الفقراء، فإن ذلك من إتلافه، وإذا كان عمر بن الخطاب قد أتلف اللبن الذي شيب للبيع؛ فلأن يجوز التصدق بذلك بطريق الأولى، فإنه يحصل به عقوبة الغاش وزجره عن العود، ويكون انتفاع الفقراء بذلك أنفع من إتلافه، وعمر أتلفه؛ لأنه كان يغني الناس بالعطاء، فكان الفقراء عنده في المدينة إما قليلًا وإما معدومين.

ولهذا جوز طائفة من العلماء التصدق به وكرهوا إتلافه.

ففي المدونة عن مالك بن أنس أن عمر بن الخطاب كان يطرح اللبن المغشوش في الأرض أدبًا لصاحبه، وكره ذلك مالك في رواية ابن القاسم، ورأى أن يتصدق به، وهل يتصدق باليسير؟ فيه قولان للعلماء.

وقد روى أشهب عن مالك منع العقوبات المالية قال: لا يحل ذنب من الذنوب مال إنسان وإن قتل نفسًا، لكن الأول أشهر عنه، وقد استحسن أن يتصدق باللبن المغشوش، وفي ذلك عقوبة الغاش بإتلافه عليه ونفع المساكين بإعطائهم إياه ولا يهراق.

قيل لمالك: فالزعفران والمسك أتراه مثله؟

قال: ما أشبهه بذلك إذا كان هو غشه فهو كاللبن.

قال ابن القاسم: هذا في الشيء الخفيف منه، فإما إذا كثر منه فلا أرى ذلك، وعلى صاحبه العقوبة؛ لأنه يذهب في ذلك أموال عظام. يريد في الصدقة بكثيره.

قال بعض الشيوخ: وسواء على مذهب مالك كان ذلك يسيرًا أو كثيرًا؛ لأنه ساوى في ذلك بين الزعفران واللبن والمسك قليله وكثيره.

وخالفه ابن القاسم، فلم ير أن يتصدق من ذلك إلا بما كان يسيرًا، وذلك إذا كان هو الذي غشه، وأما من وجد عنده من ذلك شيء مغشوش لم يغشه هو، وإنما اشتراه أو وهب له أو ورثه فلا خلاف في أنه لا يتصدق بشيء من ذلك.

وممن أفتى بجواز إتلاف المغشوش من الثياب ابن القطان، قال في الملاحف الرديئة النسج: تحرق بالنار، وأفتى ابن عتاب فيها بالتصدق، وقال: تقطع خرقًا وتعطى للمساكين إذا تقدم إلى مستعمليها فلم ينتهوا وكذلك أفتى بإعطاء الخبز المغشوش للمساكين، فأنكر عليه ابن القطان وقال: لا يحل هذا في مال امرئ مسلم إلا بإذنه.

قال القاضي أبو الأصبغ: وهذا اضطراب في جوابه وتناقض في قوله؛ لأن جوابه في الملاحف بإحراقها بالنار أشد من إعطاء هذا الخبز للمساكين، وابن عتاب أضبط في أصله في ذلك وأتبع لقوله.

وإذا لم ير ولي الأمر عقوبة الغاش بالصدقة أو الإتلاف فلا بد أن يمنع وصول الضرر إلى الناس بذلك الغش، إما بإزالة الغش، وأما ببيع المغشوش ممن يعلم أنه مغشوش ولا يغشه على غيره. قال عبد الملك بن حبيب: قلت لمطرف وابن الماجشون لما نهينا عن التصدق بالمغشوش لرواية أشهب: فما وجه الصواب عندكما فيمن غش أو نقص من الوزن؟ قالا: يعاقب بالضرب والحبس والإخراج من السوق، وما كثر من الخبز واللبن أو غش من المسك والزعفران فلا يفرق ولا ينهب، قال عبد الملك بن حبيب: ولا يرده الإمام إليه وليؤمر ببيعه عليه من يأمن أن يغش به، وبكسر الخبز إذا كثر ويسلمه لصاحبه، ويباع العسل والسمن واللبن الذي يغشه ممن يأكله ويبين له غشه، هكذا العمل فيما غش من التجارات. قال: وهو إيضاح من استوضحته ذلك من أصحاب مالك وغيرهم.

وأما التغيير فمثل ما روى أبو داود، عن عبد الله بن عمر، عن النبي -صلى الله عليه وسلم:

"أنه نهى عن كسر سكة المسلمين الجائزة بينهم إلا من بأس"، فإذا كانت الدراهم أو الدنانير الجائزة فيها بأس كسرت. ومثل تغيير الصورة المجسمة إذا لم تكن موطوءة مثل ما روى أبو هريرة قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم:

"أتاني جبريل فقال: إني أتيتك الليلة، فلم يمنعني أن أدخل عليك البيت إلا أنه كان في البيت تمثال رجل"، وكان في البيت قرام ستر فيه تماثيل، وكان في البيت كلب، فأمر برأس التمثال الذي في البيت يقطع فيصير كهيئة الشجرة، وأمر بالستر يقطع فيجعل في وسادتين منتبذتين يوطآن، وأمر بالكلب يخرج ففعل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وإذا الكلب جرو كان للحسن والحسين تحت نضيد لهم". رواه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وصححه.

وكل ما كان من العين أو التأليف المحرم فإزالته وتغييره متفق عليها بين المسلمين، مثل إراقة خمر المسلم، وتفكيك آلات الملاهي، وتغيير الصور المصورة، وإنما تنازعوا في جواز إتلاف محلها تبعًا للحال، والصواب جوازه كما دل عليه الكتاب والسنة وإجماع السلف، وهو ظاهر مذهب مالك وأحمد وغيرهما. والصواب أن كل مسكر من الطعام والشراب فهو حرام ويدخل في ذلك التبغ والمزر والحشيشة القنبية وغير ذلك.

وأما التغريم: فمثل ما روى أبو داود وغيره من أهل السنن "عن النبي -صلى الله عليه وسلم- فيمن سرق من الثمر المعلق قبل أن يؤويه إلى الجرين: أن عليه جلدات نكال، وغرمه مرتين. وفيمن سرق من الماشية قبل أن تؤوى إلى المراح: أن عليه جلدات نكال وغرمه مرتين".

وكذلك قضى عمر بن الخطاب في الضالة المكتومة أنه يضعف غرمها، وبذلك كله قال طائفة من العلماء مثل أحمد وغيره، وأضعف عمر وغيره الغرم في ناقة أعرابي أخذها مماليك جياع، فأضعف الغرم على سيدهم ودرأ عنهم القطع، وأضعف عثمان بن عفان في المسلم إذا قتل الذمي عمدًا أنه يضعف عليه الدية؛ لأن دية الذمي نصف دية المسلم، وأخذ بذلك أحمد بن حنبل.

الثواب والعقاب

الثواب والعقاب يكونان من جنس العمل في قدر الله وفي شرعه، فإن هذا من العدل الذي تقوم به السماء والأرض، كما قال الله تعالى: {إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا} [النساء: 149] . وقال: {وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ} [النور: 22] . وقال النبي -صلى الله عليه وسلم: "من لا يرحم لا يرحم".وقال: "إن الله وتر يحب الوتر".وقال: "إن الله جميل يحب الجمال".وقال: "إن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا".وقال: " إن الله نظيف يحب النظافة".

ولهذا قطع يد السارق، وشرع قطع يد المحارب ورجله، وشرع القصاص في الدماء والأموال والأبشار، فإذا أمكن أن تكون العقوبة من جنس المعصية كان ذلك هو المشروع بحسب الإمكان. مثل ما رُوِيَ عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- في شاهد الزور أنه أمر بإركابه دابة مقلوبًا وتسويد وجهه، فإنه لما قلب الحديث قلب وجهه، ولما سود وجهه بالكذب سود وجهه.

وهذا قد ذكره في تعزير شاهد الزور طائفة من العلماء من أصحاب أحمد وغيرهم. ولهذا قال الله تعالى: {وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا} [الإسراء: 72] . وقال تعالى: {وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى، قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا، قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى} [طه: 124، 126] .

وفي الحديث: "الجبارون والمتكبرون على صور الذر يطؤهم الناس بأرجلهم".فإنهم لما أذلوا عباد الله أذلهم الله لعباده، كما أن من تواضع لله رفعه،فجعل العباد متواضعين له.

والله تعالى يصلحنا وسائر إخواننا المؤمنين، ويوفقنا لما يحبه ويرضاه من القول والعمل وسائر إخواننا المؤمنين.

الحمد لله رب العالمين. وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين.

التعليقات مغلقة على هذه المقالة
جديد المقالات المزيد
تاريخ الصيام وأثره في الفرد والمجتمع

تاريخ الصيام وأثره في الفرد والمجتمع

د. مصطفى السباعي قال الله تعالى في سورة البقرة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ...

فتح مكة ومظاهر عفو رسول الله وسماحته مع أعدائه

فتح مكة ومظاهر عفو رسول الله وسماحته مع أعدائه

د / أحمد عبد الحميد عبد الحق الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام...

وثيقة نادرة بعد غرناطة جاء دور القدس

وثيقة نادرة.. بعد غرناطة... جاء دور القدس

حاتم الطحاوي هكذا صرخ كريستوفر كولمبس مكتشف أمريكا الشهير وهو يستحث...

جديد الأخبار المزيد
 مجاهدي درنة : تعاون حفتر مع السيسي عمل إجرامي وخيانة للوطن

"مجاهدي درنة": تعاون حفتر مع السيسي عمل إجرامي وخيانة للوطن

وصف مجلس شورى مجاهدي درنة، ما قال إنه "تسهيل" القوات التابعة...

البوسني بيليتش الأكثر مكوثًا في معسكرات الاعتقال منذ الحرب العالمية الثانية

البوسني بيليتش.. الأكثر مكوثًا في معسكرات الاعتقال منذ الحرب العالمية الثانية

يحمل البوسني سليمان بيليتش، لقب صاحب أطول فترة سجن في معسكرات الاعتقال...

المعتقلون الفلسطينيون حققوا 80% من مطالبهم

المعتقلون الفلسطينيون حققوا 80% من مطالبهم

  قال عيسى قراقع، رئيس هيئة شؤون الأسرى والمحررين (رسمية) إن المعتقلين...

  • أيام في سيلان والمالديف