• الصليب وحكاياته

عن انتكاسة الربيع العربي في المغرب

Apr 29 2017 16:18:20

عن انتكاسة الربيع العربي في المغرب
عن انتكاسة الربيع العربي في المغرب

فهمي هويدي

مثلما قدمت المملكة المغربية نموذجا للاستثناء في التفاعل الذي بدا إيجابيا مع الربيع العربي في زمانه، فإنها قدمت أخيرا نموذجا مماثلا لتفريغه من مضمونه.

(1)

تتردد في كتابات النشطاء والمدونين المغاربة في الأسابيع الأخيرة عبارات مثل «عودة المخزن إلى صدارة المشهد» و«إغلاق قوس الحراك الديمقراطى» و«الفوز في الانتخابات تحول إلى هزيمة سياسية»، و«أهم نجاحات الثورة المضادة»... إلخ. وهى العبارات التي تختزل ست سنوات من خبرة السياسة المغربية، التي بدا أنها دخلت منعطفا جديدا مع هبوب رياح الربيع العربي في عام ٢٠١١، وتلك خلفية لا مفر من استدعائها.

آنذاك، بعد نجاح ثورة الشعب التونسي وسقوط نظام بن على وهروبه وكذلك انطلاق شرارة الثورة في مصر، كان لذلك الحراك صداه القوى في المملكة المغربية، ذلك أن مليكها محمد السادس كان قد ورث نظاما بوليسيا سلطويا لم يختلف كثيرا عما كان عليه الحال في تونس ومصر، وربما كان أشد، ورغم أن الملك بعد توليه العرش في سنة ١٩٩٩ حاول امتصاص غضب المغاربة وسخطهم من خلال تشكيل «لجنة الإنصاف والمصالحة»، إلا أن التجربة أثبتت أن رحيل الملك الحسن لم يغير كثيرا في النظام وأدائه نظرا لرسوخه وعمقه التاريخي.

حين هبت رياح التغيير في بداية عام ٢٠١١، كانت الساحة المغربية جاهزة لاستقبالها. ذلك أن بعض الشباب المغاربة سارعوا إلى إعداد مقطع فيديو قصير دعوا فيه إلى التظاهر يوم ٢٠ فبراير لإعلان المطالبة بالإصلاح. وكان للدعوة صداها السريع، إذ ظهرت بعده تسجيلات عدة مؤيدة ومؤازرة له. وظلت كرة الثلج تكبر ومعها ظل صوت الدعوة للتغيير يعلو، إلى أن ذاع خبر انتصار الثورة المصرية وتنحى الرئيس مبارك في ١١ فبراير. حينذاك قررت ٢٠ هيئة حقوقية مغربية يوم ١٧ فبراير الانضمام إلى الحركة الاحتجاجية وتأييد انتفاضة ٢٠ فبراير. وفى اليوم نفسه (١٧ فبراير) عقد شباب حركة ٢٠ فبراير مؤتمرا صحفيا في مقر الجمعية المغربية لحقوق الإنسان أعلنوا فيه صراحة مطالبهم التي حدودها في أمور عدة هي: إقامة نظام ملكي برلماني ــ وضع دستور ديمقراطي جديد ــ حل البرلمان وإقالة الحكومة.

(2)

لأن الغضب كان عاما وعارما، كما أن المطالب كانت كلها إصلاحية بالدرجة الأولى، مع الديمقراطية وضد الاستبداد والفساد، ولأن الرياح بدت شديدة في العالم العربي، فإن الموجة بدت أعلى وأقوى من أن تتصدى لها المؤسسة الأمنية. وحين أدرك الملك ذلك فإنه سارع إلى ضم صوته إلى الدعوة للتغيير، ووجه خطابا يوم ٩ مارس، وصفته بعض الصحف بأنه «ثوري»، عبر فيه عن تجاوبه مع طموح الشارع المغربي، فدعا إلى تعديل الدستور وشكل لجنة استشارية لذلك الغرض، حتى بدا وكأنه رفع شعار «الشعب يريد وأنا معه».

الدستور الجديد بعد تعديله أشاع بعض التفاؤل. إذ نص على الفصل بين السلطات واحترام استقلال القضاء. كما أنه وسع من اختصاص الوزير الأول (رئيس الوزراء) بحيث أصبح هو المسئول عن إدارة الحكومة وليس فقط منسقا بين الوزراء. كما نص على اختيار رئيس الوزراء من الحزب الفائز بأعلى الأصوات في الانتخابات. الأمر الذي بدا تعبيرا عن احترام نتائج صناديق الاقتراع.

واعتبر الأمازيغية لغة وطنية إلى جانب العربية، في تعبير آخر عن احترام التعددية العرقية والاثنية.

ووصفته بعض وسائل الإعلام باعتباره نقلة أحدثت ثورة سياسية وثقافية في المملكة، وخصما من صلاحيات القصر (المخزن كما يوصف فى الأدبيات المغربية).

 ولم يكن ذلك خصما حقيقيا، وإنما كان بمثابة خطوة واحدة إلى الوراء.
تم الاستفتاء على الدستور الجديد في شهر يوليو عام ٢٠١١، وجرى التصديق عليه في سبتمبر، ثم أجريت الانتخابات التشريعية وفقا له في شهر أكتوبر، وشارك فيها ٣٠ حزبا، وحين فاز حزب العدالة والتنمية ذو المرجعية الإسلامية بالمرتبة الأولى (حصل على ١٠٧ مقاعد من مجموع ٣٩٥ لمجلس النواب)، فلم يكن هناك مفر أمام الملك من تعيين عبدالإله بنكيران الأمين العام للحزب في منصب الوزير الأول.
حدث كل ذلك في عام ٢٠١١، الأمر الذي مكن النظام المغربي من الانحناء لعاصفة الربيع العربي.

وكانت النتيجة أن «المخزن» استطاع أن يخرج منها بسلام، بإشاعة تجاوبه مع الدعوة إلى الإصلاح والتغيير من خلال النظام ودون حاجة إلى تغيير كما حدث في حالات أخرى ــ وهو ما عُد استثناء حظى بالإعجاب والتقدير.

(3)

كان حزب العدالة والتنمية (الذي بدأ باسم حركة التوحيد والإصلاح) جزءا من الخارطة السياسية وفى المعارضة منذ ١٤ عاما. إذ بدأ في عام ١٩٩٧ بتسعة مقاعد في مجلس النواب، أصبحت بعد ذلك ١٤ مقعدا وتضاعفت إلى ٤٢ مقعدا (في سنة ٢٠٠٢) ثم ٤٦ مقعدا في الانتخابات التالية. إلا أن أجواء الربيع العربي مكنت الحزب من تقدم الصفوف والفوز بـ١٠٧ مقاعد في عام ٢٠١١.

المناخ الذي أتاح فرصة الفوز، كان له دوره في تيسير تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة الأمين العام للحزب السيد عبدالإله بنكيران. وقد اشترك معه فيها ثلاثة من أحزاب الوسط السياسي هي: حزب الاستقلال والحركة الشعبية وحزب التقدم والاشتراكية. ولم تكن مهمة الحكومة سهلة ولا كان الطريق أمامها ممهدا. إذ فضلا عن المشكلات الاقتصادية والاجتماعية وتحديات الفساد التي يعانى منها المجتمع المغربي، فإن مراكز القوى في الدولة لم تكن سعيدة بالتركيبة الجديدة للحكومة التي أفرزتها أجواء الربيع العربي، خصوصا أنها جاءت بوزير أول ينتمي إلى حزب له مرجعيته الإسلامية.

فالقصر كان يراقب وحلفاؤه من أصحاب المصالح وعناصر الدولة العميقة ظلوا كامنين ومتربصين. أما الخصوم السياسيون والفكريون فقد ظلوا في الواجهة يناوؤن ويتصيدون.

وهو ما يسوغ لنا أن نقول إن أجواء تلك المرحلة اقتضت إقامة «هدنة» نسبية على المسرح السياسي، خصوصا أن رئيس الحكومة حرص طوال الوقت على أن يحتفظ بعلاقة إيجابية مع القصر، وهو يحاول تنفيذ برنامج حكومته في الإصلاح ومكافحة الفساد. ويذكر له في هذا الصدد أنه قام بإصلاح صندوق المقاصة الذي كان يدعم السلع الأساسية، كما أن حكومته رفعت أسعار بعض السلع (المحروقات والكهرباء وبعض السلع الغذائية)، إلا أنها بالمقابل دعمت صندوق التضامن الاجتماعي ورفعت معاشات المتقاعدين وزادت من دعم الأدوية لتخفيض أسعارها ورفعت نسبة الطلاب المستفيدين من المنح... إلخ.

ما يثير الانتباه أن رفع الأسعار لم يؤثر على شعبية الحكومة. دلت على ذلك نتائج الانتخابات الأخيرة التي أجريت في ٧ أكتوبر من العام الماضي (٢٠١٦)، ذلك أن حزب العدالة والتنمية لم يحتفظ بصدارته للفائزين فحسب، وإنما ارتفع عدد المقاعد التي حصدها، إذ فاز بـ١٢٥ مقعدا مقابل ١٠٧ مقاعد في انتخابات عام ٢٠١١، وكان الحزب قد فاز برئاسة البلديات في أهم المدن المغربية في الانتخابات التي جرت في العام السابق. إلا أن ذلك الفوز في الانتخابات التشريعية والبلدية تم في مناخ مختلف ــ بل مناقض تماما ــ لذلك الذي هبت رياحه على العالم العربي عام ٢٠١١.

(4)

الحكومة التي تشكلت في أجواء انطلاق الربيع العربي لم يكن مستغربا أن تختلف عن تلك التي أريد لها أن تتشكل في أجواء انتكاسته، لذلك لم يكن مفاجئا أن تنتهي الهدنة التي كانت منعقدة ضمنا بين الفرقاء في عام ٢٠١١.

 وكانت النتيجة أن بنكيران الذي استطاع تشكيل حكومته في عام ٢٠١١ جرى إفشال محاولته حين كلف بالمهمة ذاتها في عام ٢٠١٦. فالذين تراجعوا وسكتوا في عام ٢٠١١ تقدموا وارتفعت أصواتهم، والذين كمنوا ظهروا مرة أخرى على المسرح، والذين راقبوا أصبحوا أكثر جرأة في فرض شروطهم. كما أن القوى الإقليمية التي آثرت السكون والحذر صارت طرفا فاعلا ومؤثرا.

لذلك فإن بنكيران حين قاوم ضغوط المرحلة الجديدة ورفض المساومات والإملاءات فإنه لم يستطع عقد الائتلاف الذي يشكل به حكومته الجديدة.

 ووصف المشهد في الإعلام المغربي بأنه «بلوكاج» وهو مصطلح فرنسي يعبر عن «الانسداد».

إزاء ذلك أعفاه الملك من تشكيل الحكومة، وأسند المهمة إلى الدكتور سعد الدين العثماني، الرجل الثاني في حزبه. وهو طبيب دارس للعلوم الشرعية، كان قد تولى حقيبة الخارجية في وقت سابق.

وأمهله الملك ١٥ يوما لأجل ذلك. حين صدر الأمر الملكي بإجازة وزارة العثماني تبين أنها أقرب إلى وزارات ما قبل ٢٠ فبراير ٢٠١١.

صحيح أن حزب العدالة والتنمية الفائز انتخابيا حصل فيها على ١٠ وزارات من ٣٩، إلا أنها كانت الأقل أهمية، في حين أن الوزارات الأخرى الأكثر أهمية وزعت على رجال القصر ومراكز القوى المنافسة فضلا عن الخصوم السياسيين إضافة إلى التكنوقراط ورموز العائلات الغنية.

فإلى جانب أن «المخزن» يعين مباشرة وزراء الدفاع، الداخلية، والأوقاف. فإن الحزب الرابع في ترتيب الفائزين (التجمع الوطنى للأحرار الذي له ٣٧ نائبا في البرلمان فقط) حصل على أهم وزارات المال والفلاحة. ورئيسه المقرب من القصر عزيز اخنوش حصل على وزارة تختص بالفلاحة (الزراعة) والصيد البحرى والتنمية القروية والمياه والغابات. وعين أشد خصوم العدالة والتنمية عبدالوافى لفتيت الذي كان واليا على الرباط وزيرا للداخلية.

 أما وزير الداخلية السابق محمد حصاد الذي كان بدوره خصما للإسلاميين فإنه عين وزيرا للتربية والتعليم. أخذ على الوزارة أيضا أنها غير متجانسة في اتجاهات عناصرها، وإن القصر وراء تعيين عشرة منهم على الأقل، وإن العثماني لن يكون له سلطة عليهم لأنهم جاءوا من جهات أعلى.

فضلا عن الاستياء الذي قوبلت به الوزارة الجديدة فإن تشكيلها أحدث صدمة وصفت بأنها زلزال في أوساط حزب العدالة والتنمية. ومن نشطاء الحزب من وصفها في المدونات بأنها حكومة «الإهانة». إلا أنني فهمت أن الدكتور العثماني ــ وهو من حكماء الحزب وقادته التاريخيين ــ بالتنازلات التي قدمها فإنه وضع في اعتباره أمورا ثلاثة .

 أولا أنه راهن على كفاءته المشهودة في التوفيق بين المتناقضات ومرونته في الإدارة.

وثانيا أنه حافظ على شعرة التفاعل الإيجابي مع القصر، لأن البديل هو الانتقال إلى المعارضة والصدام مع الملك. وفى ذلك من الضرر الذي يصيب المجتمع واستقراره بأكثر مما فيه من النفع.

الثالث أنه حين خُيِّر بين السيئ والأسوأ فإنه قبل بالسيئ، معتبرا أن ذلك يصب في مصلحة البلد وإن بدا خصما من رصيد الحزب.

أيا كانت المبررات فإن العودة الظاهرة إلى أجواء ما قبل فبراير ٢٠١١، إذا كانت صدى لانتكاسة الربيع العربي في الإقليم فإن ذلك يظل شأن الطبقة السياسية ولاعبيها.

لكننا سنحتاج إلى وقت أطول لكي نتعرف على صدى كل ذلك في الشارع العربي الذي يعيش تلك الأجواء ويمر بمختلف العواصم، والرباط من بينها بطبيعة الحال.

جديد المقالات المزيد
حق اليهود التاريخي في فلسطين

حق اليهود التاريخي في فلسطين

د. خالد بن محمد الشهري يزعم اليهود والنصارى بالتبعية أن فلسطين لهم...

الأمة الإسلامية بين عوامل السقوط والارتقاء

الأمة الإسلامية.. بين عوامل السقوط والارتقاء

د. عمر بن سليمان الأشقر أوسع ما تطلق عليه الأمة في لغة العرب الجماعة...

الفاتح الذي اشتقنا لعودة أيامه (14)

الفاتح الذي اشتقنا لعودة أيامه (14)

د / أحمد عبد الحميد عبد الحق الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام...

جديد الأخبار المزيد
الأمم المتحدة قلقة إزاء تداعيات الأوضاع الإنسانية المتدهورة في غزة

الأمم المتحدة قلقة إزاء تداعيات الأوضاع الإنسانية "المتدهورة" في غزة

أعربت الأمم المتحدة، اليوم الأربعاء، عن قلقها الشديد إزاء "الأوضاع...

 رايتس ووتش تتهم القوات العراقية بـ إعدام مدنيين فارين غربي الموصل

"رايتس ووتش" تتهم القوات العراقية بـ"إعدام مدنيين" فارين غربي الموصل

اتهمت منظّمة "هيومن رايتس ووتش"، القوات العراقية بـ"إعدام...

الأمم المتحدة: قلقون إزاء الإجراءات الإسرائيلية في الأقصى

الأمم المتحدة: قلقون إزاء الإجراءات الإسرائيلية في الأقصى

أعربت منظمة الأمم المتحدة عن قلقها إزاء القيود الجديدة التي فرضتها...

  • أيام في سيلان والمالديف