• الصليب وحكاياته

الفتح الإسلامي لفلسطين(2)

Apr 19 2017 12:28:55

الفتح الإسلامي لفلسطين(2)
الفتح الإسلامي لفلسطين(2)

د / أحمد عبد الحميد عبد الحق

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على نبينا محمد خاتم الأنبياء والمرسلين ، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه إلى يوم الدين ، وبعد ...

فقد انتهى بنا الحديث في الحلقة السابقة عند خندقة الروم بفلسطين على أنفسهم حتى طال أمر حصار المسلمين عليهم ؛ مما جعل قادة الجيش الإسلامي يكتبون إلى الصديق ـ رضي الله عنه ـ يستمدونه بقوات أخرى ، فكتب ـ رضي الله عنه ـ  إلى خالد بن الوليد ـ رضي الله عنه ـ وكان قد فرغ من فتح الحيرة وتوغل في العراق ، يَأْمُرُهُ بِالْمَسِيرِ إِلَيْهِمْ، ويستحثه في الإسراع لمساعدتهم ، على أَن يَأْخُذَ نِصْفَ الجيش الذي معه بالعراق ، وَيَسْتَخْلِفَ عَلَى النِّصْفِ الْآخَرِ الْمُثَنَّى بْنَ حَارِثَةَ الشَّيْبَانِيَّ، وَلَا يَأْخُذَنَّ مَنْ فِيهِ نَجْدَةٌ إِلَّا وَيَتْرُكَ عِنْدَ الْمُثَنَّى مِثْلَهُ، ثم وعد من تبقى بالعراق أن يعيد إليهم خالدا بعد أن يفتح الله عز وجل على يديه الشام ..

فحاول خالد أن يستأثر بأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الأوائل فيمن سيرحلون معه ، وترك للمثنى أمثالهم من أهل الفضل والقناعة ، ثُمَّ قَسَمَ الْجُنْدَ نِصْفَيْنِ، فَقَالَ الْمُثَنَّى: وَاللَّهِ لَا أُقِيمُ إِلَّا عَلَى إِنْفَاذِ أَمْرِ أَبِي بَكْرٍ، وَبِاللَّهِ مَا أَرْجُو النَّصْرَ إِلَّا بِأَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. فَلَمَّا رَأَى خَالِدٌ ذَلِكَ أَرْضَاهُ ، وناصفه في فضلاء الصحابة .

ثم شرع في عبور الصحراء إلى الشام ، ورغم حرصه على تقصير فترة العبور الزمنية إلا أنه لم يشأ أن يمضيها دون فتوحات ، فأتى في طريقة منطقة " حدوداء " ففتحها عنوة ، ثم أتى منطقة " المصيخ " فوجد جمعا من نصارى تغلب قد احتشد بها ، فانتصر عليهم وفتحها ، ثم وصل إلى مكان يسمى " قراقر " فسيطر عليه ، وكان قد علم بمكان اجتماع الروم فأرد أن يعبر إليهم من خلفهم من خلال مفازة وعرة ؛ كي لا يحولوا بينه وبين الالتقاء بالمجاهدين في فلسطين، فبحث عن دليل ماهر بتلك المفازة يرشده إلى طريق سهلة العبور ، فدل على رجل يسمى " رَافِعِ بْنِ عَمِيرَةَ الطَّائِيِّ" فَلما جاءه وشرح له ما يريد قال رافع : " إِنَّكَ لَنْ تُطِيقَ ذَلِكَ بِالْخَيْلِ وَالْأَثْقَالِ، فَوَاللَّهِ إِنَّ الرَّاكِبَ الْمُفْرَدَ يَخَافُهُ عَلَى نَفْسِهِ، فَقَالَ خالد : إِنَّهُ لَابُدَّ لِي مِنْ ذَلِكَ لِأَخْرُجَ مِنْ وَرَاءِ جُمُوعِ الرُّومِ؛ لِئَلَّا يَحْبِسَنِي عَنْ غِيَاثِ الْمُسْلِمِينَ.

فدله رافع على أقصر طريق ( وكان كفيف البصر وقتها ) وأوصاه بأن يأمر كل صاحب فرقة بتجهيز ما يكفيه من الماء مدة خمس ليال ، ولما لم يكن معهم وسيلة يخزنون فيها ماء الخيل وباقي الدواب فقد أوصاه بأن يعطشوا الإبل ثم يسقوها ويربطوا على آذانها ومشافرها لتحتفظ بالماء .

 ثُمَّ رَكِبُوا مِنْ قُرَاقِرَ، فساروا أربعة أيام حتى وصلوا لمكان يسمى " العلمين " وكان الماء معهم قد أوشك على النفاد ، فقال لهم رافع: انْظُرُوا هَلْ تَرَوْنَ شَجَرَةَ عَوْسَجٍ كَقَعْدَةِ الرَّجُلِ؟ فَقَالُوا: مَا نَرَاهَا. فَقَالَ: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، هَلَكْتُمْ وَاللَّهِ وَهَلَكْتُ مَعَكُمْ! وكان لا بصر كما ذكرت من قبل ..

 ثم َقَالَ لَهُمْ: انْظُرُوا وَيْحَكُمْ! فَنَظَرُوا فَرَأَوْهَا قَدْ قُطِعَتْ وَبَقِيَ مِنْهَا بَقِيَّةٌ. فَلَمَّا رَأَوْهَا كَبَّرُوا، فَقَالَ رَافِعٌ: احْفِرُوا فِي أَصْلِهَا. فَحَفَرُوا وَاسْتَخْرَجُوا عَيْنًا، فَشَرِبُوا حَتَّى رُوِيَ النَّاسُ. ثم قال لهم : وَاللَّهِ مَا وَرَدْتُ هَذَا الْمَاءَ قَطُّ إِلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً مَعَ أَبِي وَأَنَا غُلَامٌ.

وتلك براعة لا يقاس بمثلها أن يحدد مكان شجرة رآها في طليعة شبابه رغم أنه قد كف بصره .

وكعادته سعى خالد لاستغلال الساعات الباقية في فتوحاته قبل اللحاق بالجيش ، ولم يضيع لحظة من لحظات سيره في غير منفعة وجهاد ، فقد أتى أهل " أَرَكَ " فَصَالَحُوهُ، ثُمَّ أَتَى تَدْمُرَ فَتَحَصَّنَ أَهْلُهُ ثُمَّ صَالَحُوهُ، ثُمَّ أَتَى مكانا يسمى " الْقَرْيَتَيْنِ"  ففتحه، وَأَتَى منطقة تسمى "حُوَّارَيْنِ " فَفتحها َ ، وَأَتَى قُصَمَ فَصَالَحَهُ بَنُو مَشْجَعَةَ مِنْ قُضَاعَةَ، وَسَارَ فَوَصَلَ إِلَى ثَنِيَّةِ الْعُقَابِ عِنْدَ دِمَشْقَ نَاشِرًا رَايَتَهُ، وَهِيَ رَايَةٌ سَوْدَاءُ، وَكَانَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسُمِّيَتِ الثَّنْيَةُ بِهَا.

ثُمَّ سَارَ فحتى أَتَى مَرْجَ رَاهِطٍ ففتحها ، وتابع سيره حتى وَصَلَ إِلَى بُصْرَى ففتحها  وصالح أهلها .

كل تلك الفتوحات فتحها ـ رضي الله عنه ـ في فترة سفره ، مستغلا أوقات فراغه ، ولو فتح مثلها قائد في العصر الحديث خلال عمره العسكري لطار بها تيها وفخرا .

ثم التقى بجند المسلمين في الشام في طليعة رَبِيعِ الْآخَرِ، فخرج إليه الروم بقيادة رجل يسمى "بَاهَانُ " وكان قد حاز أعالي الرتب العسكرية التي لم تكن معروفة عند المسلمين ، فتولى خالد قتاله وترك باقي الأمراء المسلمين يقاتلون من بإزائهم ، فانهزم باهان هذا أمام خالد ، وبدأ يتواصل معه بقية أمراء الروم في طريقة يواجهون بها المسلمين بعد وصول مدد خالد إليهم  ، فاستقر رأيهم على جمع جيوشهم الغفيرة في جيش واحد ، بلغ تعداده مائتين وأربعين ألف مقاتل ، موزعة كتالي : ثَمَانُونَ أَلْفَ مُقَيَّدٍ، وَأَرْبَعُونَ أَلْفَ مُسَلْسَلٍ لِلْمَوْتِ، وَأَرْبَعُونَ أَلْفًا مُرَبَّطُونَ بِالْعَمَائِمِ لِئَلَّا يَفِرُّوا، وَثَمَانُونَ أَلْفَ رَاجِلٍ..

أما جيش المسلمين فكان تعداد الجميع حوالي ستة وثلاثين ألفا ، منهم تسعة ألاف حضروا بصحبة خالد ـ رضي الله عنه ـ من العراق ، منهم ألف صحابي ، ومن بين الصحابة مائة ممن شهد بدرا .. وكانوا مقسمين إلى مجموعة جيوش تحت كل قائد منهم جيش .

وغدا القسيسون والرهبان يحرضون الروم على القتال شهر كاملا ، حتى جاء وقت المصاف ، فخرج إليهم المسلمون في جيوشهم دون أن تجمعهم قيادة واحدة كما أرسلهم الصديق ـ رضي الله عنه ـ من قبل ، فوقف فيهم خالد خطيبا ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ هَذَا يَوْمٌ مِنْ أَيَّامِ اللَّهِ لَا يَنْبَغِي فِيهِ الْفَخْرُ وَلَا الْبَغْيُ، أَخْلِصُوا جِهَادَكُمْ وَأَرِيدُوا اللَّهَ بِعَمَلِكُمْ، فَإِنَّ هَذَا يَوْمٌ لَهُ مَا بَعْدَهُ، وَلَا تُقَاتِلُوا قَوْمًا عَلَى نِظَامٍ وَتَعْبِيَةٍ وَأَنْتُمْ مُتَسَانِدُونَ ( مجزءون )؛ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَحِلُّ وَلَا يَنْبَغِي، وَإِنَّ مَنْ وَرَاءَكُمْ ( يقصد الصديق ) لَوْ يَعْلَمُ عِلْمَكُمْ حَالَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ هَذَا، فَاعْمَلُوا فِيمَا لَمْ تُؤْمَرُوا بِهِ بِالَّذِي تَرَوْنَ أَنَّهُ رَأْيٌ مِنْ وَالِيكُمْ وَمَحَبَّتِهِ.

قَالُوا: هَاتِ، فَمَا الرَّأْيُ؟ قَالَ: إِنَّ أَبَا بَكْرٍ لَمْ يَبْعَثْنَا إِلَّا وَهُوَ يَرَى أَنَّا سَنَتَيَاسَرُ، وَلَوْ عَلِمَ بِالَّذِي كَانَ وَيَكُونُ، لَقَدْ جَمَعَكُمْ، إِنَّ الَّذِي أَنْتُمْ فِيهِ أَشَدُّ عَلَى الْمُسْلِمِينَ مِمَّا قَدْ غَشِيَهُمْ، وَأَنْفَعُ لِلْمُشْرِكِينَ مِنْ أَمْدَادِهِمْ، وَلَقَدْ عَلِمْتُ أَنَّ الدُّنْيَا فَرَّقَتْ بَيْنَكُمْ، فَاللَّهَ اللَّهَ! فَقَدْ أُفْرِدَ كُلُّ رَجُلٍ مِنْكُمْ بِبَلَدٍ لَا يَنْتَقِصُهُ مِنْهُ إِنْ دَانَ لِأَحَدٍ مِنَ الْأُمَرَاءِ، وَلَا يَزِيدُهُ عَلَيْهِ إِنْ دَانُوا لَهُ. إِنَّ تَأْمِيرَ بَعْضِكُمْ لَا يَنْتَقِصُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ، وَلَا عِنْدَ خَلِيفَةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هَلُمُّوا، فَإِنَّ هَؤُلَاءِ قَدْ تَهَيَّئُوا، وَإِنَّ هَذَا يَوْمٌ لَهُ مَا بَعْدَهُ، إِنْ رَدَدْنَاهُمْ إِلَى خَنْدَقِهِمُ الْيَوْمَ لَمْ نَزَلْ نَرُدُّهُمْ، وَإِنْ هَزَمُونَا لَمْ نُفْلِحْ بَعْدَهَا. فَهَلُمُّوا فَلْنَتَعَاوَرِ( نتبادل ) الْإِمَارَةَ، فَلْيَكُنْ بَعْضُنَا الْيَوْمَ، وَالْآخَرُ بَعْدَ غَدٍ، حَتَّى تَتَأَمَّرُوا كُلُّكُمْ، وَدَعُونِي أَتَأَمَّرُ الْيَوْمَ.

فَأَمَّرُوهُ وَهُمْ يَرَوْنَ أَنَّهَا كَخَرَجَاتِهِمْ، وَأَنَّ الْأَمْرَ لَا يَطُولُ. فَخَرَجَتِ الرُّومُ فِي تَعْبِيَةٍ لَمْ يَرَ الرَّاءُونَ مِثْلَهَا قَطُّ، وَخَرَجَ خَالِدٌ فِي تَعْبِيَةٍ لَمْ تُعِبَّهَا الْعَرَبُ قَبْلَ ذَلِكَ، فَخَرَجَ فِي سِتَّةٍ وَثَلَاثِينَ كُرْدُوسًا إِلَى الْأَرْبَعِينَ، وَقَالَ: إِنَّ عَدُوَّكُمْ كَثِيرٌ، وَلَيْسَ تَعْبِيَةً أَكْثَرَ فِي رَأْيِ الْعَيْنِ مِنَ الْكَرَادِيسِ. فَجَعَلَ الْقَلْبَ كَرَادِيسَ، وَأَقَامَ فِيهِ أَبَا عُبَيْدَةَ، وَجَعَلَ الْمَيْمَنَةَ كَرَادِيسَ وَعَلَيْهَا عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ وَشُرَحْبِيلُ بْنُ حَسَنَةَ، وَجَعَلَ الْمَيْسَرَةَ كَرَادِيسَ وَعَلَيْهَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ، وَكَانَ عَلَى كُرْدُوسٍ الْقَعْقَاعُ بْنُ عَمْرٍو، وَجَعَلَ عَلَى كُلِّ كُرْدُوسٍ رَجُلًا مِنَ الشُّجْعَانِ، وجعل الْقَاضِي أَبا الدَّرْدَاءِ ( وكان الجيش المسلم لا يتحرك إلا ومعه قاض يحتكم إليه الجميع جندا وأمراء )  وكانَ القاص  ( أي الذي يعظ الجنود ويحضهم على الجهاد ويبين فضله ) أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ، وَعَلَى الطَّلَائِعِ قَبَاثُ بْنُ أَشْيَمَ، وَعَلَى الْأَقْبَاضِ ( حفظ الغنائم ) عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ .

ورغم قلة عدد المسلمين وعتادهم بالنسبة لعدوهم ، وأنهم يقاتلون داخل أرضه إلا أن ثقتهم بالله كانت عالية ، فقد قال رَجُلٌ لِخَالِدٍ: مَا أَكْثَرَ الرُّومَ وَأَقَلَّ الْمُسْلِمِينَ! فَقَالَ خَالِدٌ: مَا أَكْثَرَ الْمُسْلِمِينَ وَأَقَلَّ الرُّومِ، إِنَّمَا تَكْثُرُ الْجُنُودُ بِالنَّصْرِ وَتَقِلُّ بِالْخِذْلَانِ، وَاللَّهِ لَوَدِدْتُ أَنَّ الْأَشْقَرَ - يَعْنِي فَرَسَهُ - بَرَاءٌ مِنْ تَوَجِّيهِ ( إصابته ) وَأَنَّهُمْ أُضْعِفُوا فِي الْعَدَدِ.

وبعد إتمام الاستعداد والتحام الفريقين أَمر خَالِد عِكْرِمَةَ بْنَ أَبِي جَهْلٍ وَالْقَعْقَاعَ بْنَ عَمْرٍو فَأَنْشَبَا الْقِتَالَ، وَالْتَحَمَ النَّاسُ وَتَطَارَدَ الْفُرْسَانُ وَتَقَاتَلُوا، وبينما هم كذلك إذ بأحد أمراء الروم واسمه " خرجة " يتقدم الصفوف وينادى خالدا ويطلب الأمان حتى يحادثه ، ثم قال له : يَا خَالِدُ اصْدُقْنِي وَلَا تَكْذِبْنِي، فَإِنَّ الْحُرَّ لَا يَكْذِبُ، وَلَا تُخَادِعْنِي، فَإِنَّ الْكَرِيمَ لَا يُخَادِعُ الْمُسْتَرْسِلَ، هَلْ أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى نَبِيِّكُمْ سَيْفًا مِنَ السَّمَاءِ فَأَعْطَاكَهُ، فَلَا تَسُلَّهُ عَلَى قَوْمٍ إِلَّا هَزَمْتَهُمْ؟( قال له ذلك لأن صيت خالد قد عم الفرس والروم )  قَالَ: لَا. قَالَ: فَفِيمَ سُمِّيتَ سَيْفَ اللَّهِ؟ فَقَالَ لَهُ: إِنَّ اللَّهَ بَعَثَ فِينَا نَبِيَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَكُنْتُ فِيمَنْ كَذَّبَهُ وَقَاتَلَهُ، ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ هَدَانِي فَتَابَعْتُهُ، فَقَالَ: أَنْتَ سَيْفُ اللَّهِ، سَلَّهُ اللَّهُ عَلَى الْمُشْرِكِينَ، وَدَعَا لِي بِالنَّصْرِ. قَالَ: فَأَخْبِرْنِي إِلَى مَا تَدْعُونِي. قَالَ خَالِدٌ: إِلَى الْإِسْلَامِ أَوِ الْجِزْيَةِ أَوِ الْحَرْبِ. قَالَ: فَمَا مَنْزِلَةُ الَّذِي يُجِيبُكُمْ وَيَدْخُلُ فِيكُمْ؟ قَالَ: مَنْزِلَتُنَا وَاحِدَةٌ. قَالَ: فَهَلْ لَهُ مِثْلُكُمْ مِنَ الْأَجْرِ وَالذُّخْرِ؟ قَالَ: نَعَمْ وَأَفْضَلُ؛ لِأَنَّنَا اتَّبَعْنَا نَبِيَّنَا وَهُوَ حَيٌّ، يُخْبِرُنَا بِالْغَيْبِ وَنَرَى مِنْهُ الْعَجَائِبَ وَالْآيَاتِ، وَحُقَّ لِمَنْ رَأَى مَا رَأَيْنَا وَسَمِعَ مَا سَمِعْنَا أَنْ يُسْلِمَ، وَأَنْتُمْ لَمْ تَرَوْا مِثْلَنَا وَلَمْ تَسْمَعُوا مِثْلَنَا، فَمَنْ دَخَلَ بِنِيَّةٍ وَصِدْقٍ كَانَ أَفْضَلَ مِنَّا. فَقَلَبَ جَرَجَةُ تُرْسَهُ وَمَالَ مَعَ خَالِدٍ وَأَسْلَمَ، وَعَلَّمَهُ الْإِسْلَامَ وَاغْتَسَلَ وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ خَرَجَ مَعَ خَالِدٍ فَقَاتَلَ الرُّومَ.

وَحَمَلَتِ الرُّومُ حَمْلَةً أَزَالُوا الْمُسْلِمِينَ عَنْ مَوَاقِفِهِمْ إِلَّا الْمُحَامِيَةَ، عَلَيْهِمْ عِكْرِمَةُ وَعَمُّهُ الْحَارِثُ بْنُ هِشَامٍ، فَقَالَ عِكْرِمَةُ يَوْمَئِذٍ: قَاتَلْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي كُلِّ مَوْطِنٍ، ثُمَّ أَفِرُّ الْيَوْمَ؟ ! .

 ثُمَّ نَادَى: مَنْ يُبَايِعُ عَلَى الْمَوْتِ؟ فَبَايَعَهُ الْحَارِثُ بْنُ هِشَامٍ وَضِرَارُ بْنُ الْأَزْوَرِ فِي أَرْبَعِمِائَةٍ مِنْ وُجُوهِ الْمُسْلِمِينَ وَفُرْسَانِهِمْ، فَقَاتَلُوا قُدَّامَ فُسْطَاطِ خَالِدٍ حَتَّى أُثْبِتُوا جَمِيعًا جِرَاحًا، فَمِنْهُمْ مَنْ بَرَأَ وَمِنْهُمْ مَنْ قُتِلَ. وَقَاتَلَ خَالِدٌ وَجَرَجَةُ قِتَالًا شَدِيدًا، فَقُتِلَ جَرَجَةُ عِنْدَ آخِرِ النَّهَارِ..

 وبلغ من اشتداد القتال أن صَلَّى النَّاسُ الظهر وَالْعَصْرَ إِيمَاءً، فتَضَعْضَعَ الرُّومُ في النهاية  أمام بسالة المسلمين الذي تقدم الصفوف حتى كان بين خيله ورَجلهم ليحجزه عنهم شيء ،  فَانْهَزَمَ الْفُرْسَانُ فارين وَتَرَكُوا الرَّجَّالَةَ.

وَلَمَّا رَأَى الْمُسْلِمُونَ خَيْلَ الرُّومِ قَدْ تَوَجَّهَتْ لِلْمَهْرَبِ أَفْرَجُوا لَهَا ؛ حتى لا يصمدوا في قتالهم ويستبسلوا إذا يئسوا من النجاة ؛ فَتَفَرَّقَتْ وَقُتِلَ الرَّجَّالَةُ، وَاقْتَحَمُوا فِي خَنْدَقِهِمْ، فَاقْتَحَمَهُ عَلَيْهِمْ المسلمون ، فَعَمَدُوا إِلَى الْوَاقُوصَةِ حَتَّى هَوَى فِيهَا الْمُقْتَرِنُونَ وَغَيْرُهُمْ، ثَمَانُونَ أَلْفًا مِنَ الْمُقْتَرِنِينَ، وَأَرْبَعُونَ أَلْفَ مُطْلَقٍ، سِوَى مَنْ قُتِلَ فِي الْمَعْرَكَةِ، وَتَجَلَّلَ الْفَيْقَارُ وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَشْرَافِ الرُّومِ بَرَانِسَهُمْ وَجَلَسُوا، فَقُتِلُوا مُتَزَمِّلِينَ. فَدَخَلَ خَالِدٌ عليهم الْخَنْدَقَ وَنَزَلَ فِي رِوَاقِ تَذَارِقَ.

وانتهت المعركة التي سميت باليرموك بهذا النصر العظيم ، وَكَانَ مَنْ أُصِيبُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ثَلَاثَةُ آلَافٍ، مِنْهُمْ عِكْرِمَةُ وَابْنُهُ عَمْرٌو، وَسَلَمَةُ بْنُ هِشَامٍ، وَعَمْرُو بْنُ سَعِيدٍ، وَأَبَانُ بْنُ سَعِيدٍ، وَجُنْدُبُ بْنُ عَمْرٍو، وَالطُّفَيْلُ بْنُ عَمْرٍو، وَطُلَيْبُ بْنُ عُمَيْرٍ، وَهِشَامُ بْنُ الْعَاصِ، وَعِيَاشُ بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ.

وكان هرقل وقتها بحمص فلماء جاءته أنباء هزيمة جيشه نَادَى بِالرَّحِيلِ عَنْهَا ، وَجَعَلَهَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُسْلِمِينَ.

وبعد الفراغ من وقعة اليرموك وانكسار الروم توجه عمرو بن العاص لاستكمال افتتاح فلسطين ، فتسابق الروم للدفاع عنها وجمعوا إليهم العرب المتنصرة ليحافظوا على مكانتهم الدينية بين النصارى  ، فطلب المدد من قادة المسلمين الذين توزعوا على بلاد الشام بعد اليرموك ،  فسَارُوا جَمِيعًا إِلَى فِلَسْطِينَ مَدَدًا لِه وَهُوَ مُقِيمٌ بِالْعَرَبَاتِ، وَاجْتَمَعَتِ الرُّومُ بِأَجْنَادَيْنِ (وهي موقع بين الرملة وبيت جبرين، تقع عند وادٍ يسمى وادي الصمت (السنط) ويمتد من بيت لحم ) وَعَلَيْهِمْ تَذَارِقُ أَخُو هِرَقْلَ لِأَبَوَيْهِ، وَقِيلَ كَانَ عَلَى الرُّومِ الْقُبُقْلَارُ، وَسَارَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ حِينَ سَمِعَ بِالرومَ فَلَقِيَهُمْ، وَنَزَلُوا بِأَجْنَادَيْنِ وَعَسْكَرُوا عَلَيْهِمْ ..

 فَبَعَثَ الْقُبُقْلَارُ عَرَبِيًّا إِلَى الْمُسْلِمِينَ يَأْتِيهِ بِخَبَرِهِمْ، فَدَخَلَ فِيهِمْ وَأَقَامَ يَوْمًا وَلَيْلَةً ثُمَّ عَادَ إِلَيْهِ، فَقَالَ: مَا وَرَاءَكَ؟ فَقَالَ: بِاللَّيْلِ رُهْبَانٌ وَبِالنَّهَارِ فُرْسَانٌ، وَلَوْ سَرَقَ ابْنُ مَلِكِهِمْ قَطَعُوهُ، وَلَوْ زَنَى رُجِمَ لِإِقَامَةِ الْحَقِّ فِيهِمْ. فَقَالَ: إِنْ كُنْتَ صَدَقْتَنِي لَبَطْنُ الْأَرْضِ خَيْرٌ مِنْ لِقَاءِ هَؤُلَاءِ عَلَى ظَهْرِهَا.

وَالْتَقَوْا يَوْمَ السَّبْتِ لِلَيْلَتَيْنِ بَقِيَتَا مِنْ جُمَادَى الْأُولَى سَنَةَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ، فَظَهَرَ الْمُسْلِمُونَ وَهُزِمَ الروم، وَقُتِلَ الْقُبُقْلَارُ وَتَذَارِقُ، وَاسْتُشْهِدَ رِجَالٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، مِنْهُمْ: سَلَمَةُ بْنُ هِشَامِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، وَهَبَّارُ بْنُ الْأَسْوَدِ، وَنُعَيْمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّحَامُ، وَهِشَامُ بْنُ الْعَاصِ بْنِ وَائِلٍ.

وبعد أجنادين سَارَ أَبُو عُبَيْدَةَ إِلَى فِحْلٍ في شهر ذي القعدة 13/يناير ( وهي وتقع على مسافة اثني عشر كيلومتراً إلى الجنوب الشرقي من بيسان، عبر الأردن إلى الشرق)  وَاسْتَخْلَفَ عَلَى دِمَشْقَ يَزِيدَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ، فلما اقترب منها وجد الروم قد أغرقوا حولها بالمياه وحولوها إلى وحل لمنع وصول المسلمين إليها ، فكتب إلى الفارق عمر ـ رضي الله عنه ـ يستشيرونه في الأمر ، وبينما هم كذلك إذا فاجأهم الروم بغارتهم ظانين أنهم غير مستعدين لقتال ، فَأَتَوْهُمْ وَالْمُسْلِمُونَ حَذِرُونَ، وَكَانَ أحد أمرائهم وهو شُرَحْبِيلُ لَا يَبِيتُ وَلَا يُصْبِحُ إِلَّا عَلَى تَعْبِيَةٍ، فخاض معهم معركة شديدة ، فما جن عليهم الليل إلا وهم محاصرون بين سيوف المسلمين والوحلة التي أوحلوها ، فَأُصِيبَ منهم ثَمَانُونَ أَلْفًا، لَمْ يُفْلِتْ مِنْهُمْ إِلَّا الشَّرِيدُ، يقول ابن الأثير معلقا على تلك المعركة :" وَقَدْ كَانَ اللَّهُ يَصْنَعُ لِلْمُسْلِمِينَ وَهُمْ كَارِهُونَ، كَرِهُوا الْبُثُوقَ وَالْوَحْلَ، فَكَانَتْ عَوْنًا لَهُمْ عَلَى عَدُوِّهِمْ، وَغَنِمُوا أَمْوَالَهُمْ فَاقْتَسَمُوهَا" .

هذا وقد ذكر الطبري أن عمرو بن العاص هو الذي تولى القيادة العليا للجيش في أجنادين ، وقد ولى على مجنبتيه عبد الله بن عمرو وجنادة بن تميم المالكي ومالك بن كنانة ، فخرج حتى نزل على الروم بأجنادين والروم في حصونهم وخنادقهم وعليهم الأرطبون ، وكان الأرطبون أدهى الروم وأبعدها غورا وأنكاها فعلا ، وقد كان وضع بالرملة جندا عظيما وبإيلياء جندا عظيما ، وكتب عمرو إلى عمر ـ رضي الله عنهما ـ بالخبر ، فلما جاءه كتاب عمرو قال : قد رمينا أرطبون الروم بأرطبون العرب ، فانظروا عم تتفرج ، وجعل عمر ـ رضي الله عنه ـ من لدن وجه أمراء الشام يمد كل أمير جند ويرميه بالأمداد ، حتى إذا أتاه كتاب عمرو بتفريق الروم كتب إلى يزيد أن يبعث معاوية في خيله إلى قيسارية ، وكتب إلى معاوية بإمرته على قتال أهل قيسارية ، وليشغلهم عن عمرو ..

وكان عمرو قد استعمل علقمة بن حكيم الفراسي ومسروق بن فلان العكي على قتال أهل إيلياء فساروا بإزاء أهل إيلياء فشغلوهم عن عمرو ، وبعث أبا أيوب المالكي إلى الرملة وعليها التذارق ، وكان بإزائهما ..

 ولما تتابعت الأمداد على عمرو بعث محمد بن عمرو مددا لعلقمة ومسروق ، وبعث عمارة بن عمرو بن أمية الضمري مددا لأبي أيوب ، وأقام هو على أجنادين لا يقدر من الأرطبون على سقطة ولا تشفيه الرسل ، فوليه بنفسه فدخل عليه كأنه رسول ، فأبلغه ما يريد ، وسمع كلامه ، وتأمل حصونه حتى عرف ما أراد ، وقال أرطبون في نفسه : والله إن هذا لعمرو أو إنه للذي يأخذ عمرو برأيه ، وما كنت لأصيب القوم بأمر أعظم عليهم من قتله ..

ثم دعا حارسا فساره بقتله فقال اخرج فقم مكان كذا وكذا فإذا مر بك فاقتله ، وفطن له عمرو فقال : قد سمعت مني وسمعت منك ، فأما ما قلته فقد وقع مني موقعا ، وأنا واحد من عشرة بعثنا عمر بن الخطاب مع هذا الوالي لنكانفه ويشهدنا أموره فأرجع فآتيك بهم الآن ، فإن رأوا في الذي عرضت مثل الذي أرى فقد رآه أهل العسكر والأمير ، وإن لم يروه رددتهم إلى مأمنهم ، وكنت على رأس أمرك ، فقال : نعم ودعا رجلا فساره وقال اذهب إلى فلان فرده إلي فرجع إليه الرجل ، وقال لعمرو انطلق فجيء بأصحابك ، فخرج عمرو ورأى ألا يعود لمثلها ، وعلم الرومي بأنه قد خدعه ، فقال خدعني الرجل هذا أدهى الخلق ، فبلغت عمر فقال غلبه عمرو ! لله عمرو !..

وقد عرف مأخذ الأرطبون وعاقبته والتقوا ، ولم يجد من ذلك بدا ، فالتقوا بأجنادين فاقتتلوا قتالا شديدا كقتال اليرموك حتى كثرت القتلى بينهم ، وَانْهَزَمَ أَرْطَبُونُ إِلَى إِيلِيَاءَ، وَنَزَلَ عَمْرٌو أَجْنَادَيْنِ.

وبعد فرار الأرطبون إلى إيليا تو عمرو ـ رضي الله عنه ـ لفَتَحَ سَبَسْطِيَةَ، وَفَتَحَ نَابُلُسَ بِأَمَانٍ، وَفَتَحَ مَدِينَةَ لُدٍّ، ثُمَّ فَتَحَ يُبْنَى وَعَمَوَاسَ وَبَيْتَ جِبْرِينَ، وَفَتَحَ يَافَا ورفح.

وبعد ذلك اتجه المسلمون لفتح بيت المقدس ،  والذي سنخصص له الحلقة القادمة إن شاء الله إن كان في العمر بقية وفي الصحة متسع .

التعليقات مغلقة على هذه المقالة
جديد المقالات المزيد
صفحة من تاريخ العلوم: أول كتاب في المدفعية

صفحة من تاريخ العلوم: أول كتاب في المدفعية

إن ظهور سلاح المدفعية واستخدامات البارود قد ترافق في أوروبا مع بداية...

حركة الشيخ رابح بن فضل الله ضد الاستعمار الفرنسي في تشاد

حركة الشيخ رابح بن فضل الله ضد الاستعمار الفرنسي في تشاد

  فرج كُندي مقدمة  تعتبر حركة المجاهد الكبير رابح من فضل...

لنتذكّر في ذكرى الهجرة

لنتذكّر في ذكرى الهجرة

لقد كان نجاح الإسلام في تأسيس وطن له وسط صحراء تموج بالكفر، أعظم كسْب...

جديد الأخبار المزيد
مجلس الأمن يعقد أول جلسة علنية حول ميانمار الخميس

مجلس الأمن يعقد أول جلسة علنية حول ميانمار الخميس

يعقد مجلس الأمن الدولي بعد غد الخميس، أول جلسة مفتوحة حول الانتهاكات...

مقتل ثلاثة جنود إسرائيليين إثر عملية إطلاق نار شمال القدس

مقتل ثلاثة جنود إسرائيليين إثر عملية إطلاق نار شمال القدس

أعلنت شرطة الاحتلال الإسرائيلي عن مقتل ثلاثة جنود وإصابة رابع إثر...

مناورات عسكرية مشتركة بين تركيا والعراق عقب استفتاء كردستان

مناورات عسكرية مشتركة بين تركيا والعراق عقب استفتاء كردستان

قالت رئاسة الأركان العامة التركية إن المرحلة الثالثة من المناورات...

  • أيام في سيلان والمالديف