• الصليب وحكاياته

البحث العربي في تاريخ العثمانيين

Apr 8 2017 8:54:55

البحث العربي في تاريخ العثمانيين
البحث العربي في تاريخ العثمانيين

د / حاتم الطحاوي

لنرجع إلى الوراء قليلاً: ففي مطلع القرن التاسع الهجري، ونهاية القرن الرابع عشر الميلادي، قام الفقيه ابن خلدون بتحذير السلطان المملوكي برقوق من عواقب قبول التحالف مع العثمانيين، مردداً قولته الشهيرة: “لا تخشوا على ملك مصر إلا من أولاد عثمان”.

ووحده المؤرخ ابن تغري بردي المثقف بحسه العالي، الذي دعا إلى تحالف عثماني مملوكي ضد تيمورلنك، غير أنه في ظل حال الالتباس والتوجس، تم تجاهل رأيه، مما أدى في النهاية إلى تحقيق نبوءة المثقف ، فاجتاح المغول أراضي المماليك والعثمانيين في الشام والأناضول.

وفي تصوري أنه لا بد من النظر أولاً في العلاقة المبكرة بين العثمانيين والعالم العربي تحت حكم المماليك، من أجل المساعدة على تفسير واستجلاء بدايات الموقف السلبي للمؤرخ العربي تجاه الدولة العثمانية، فقد حفلت المصادر التاريخية العربية في مصر والشام، بحال من التوجس والعداء للعثمانيين.

وحينما تناول المؤرخون العرب، ربما لثلاثة أرباع القرن العشرين، تاريخ الدولة العثمانية وعلاقاتها بالعالم العربي، ظل بعضهم أسرى لنظرة المصادر المملوكية للغزاة العثمانيين، بينما اعتبر البعض الآخر أن الأتراك العثمانيين الغزاة ما هم إلا امتداد للأتراك المماليك المحتلين للأراضي العربية في مصر والشام.

بينما تأثر معظم المؤرخين العرب بالمدارس التاريخية الأوروبية الاستشراقية، حيث كان من الطبيعي أن ينظر المؤرخون الأوروبيون إلى الدولة العثمانية نظرة سلبية لأسباب عدة، أهمها إسلامية الدولة، وانقضاضها على أراضي البلقان المسيحية، قبل إسقاطها لمدينة القسطنطينية، عاصمة المسيحية الأرثوذكسية في العصور الوسطى، ومحاولة العثمانيين إسقاط مدينة فيينا، ثم قيامهم بضم معظم البلاد العربية تحت راية الخلافة العثمانية الإسلامية، كذلك فضلاً عن وقوف العثمانيين في وجه الهجمة الاستعمارية الأوروبية التي هدفت إلى تقسيم العالم العربي.

واستقى الباحثون الأوروبيون معلوماتهم عن التاريخ العثماني من تقارير وكتب القناصل الأجانب والرحالة وهي مصادر تاريخية سطحية وثانوية، فضلاً عن كونها تعبر عن آراء الموظفين الأوروبيين التابعين لدول محكومة بعدائها للعثمانيين ورغبتها في التوسع على حساب الدول العربية.

ولعله كان من الطبيعي أن يترسم المؤرخون العرب خطى المؤرخين الغربيين نتيجة للبعثات العلمية إلى أوروبا، فضلاً عن فقر المدرسة التاريخية العربية آنذاك، في مقابل تقدم مناهج البحث في أوروبا، وتوظيفها لأجل المشروع الاستشراقي.

كما لا يمكن إغفال حقيقة تنامي الشعور العربي: والظهور المبكر لفكرة القومية العربية، حيث عانى المؤرخون العرب من سطوة “الإيديولوجيا” مع فقر المعرفة التاريخية الحقة عن العثمانيين، فراحوا يهاجمون تاريخ الدولة العثمانية، والحكم العسكري العـثماني للعالم العربي.

وهنا يجدر التذكير بأن المؤرخ الحقيقي يختلف عن الإيديولوجي الذي يقوم بالتنظير والدعوة لفكرة معينة، أن المؤرخ لا يجب أن تحكمه الاعتبارات الفكرية، إذ إن ميدان عمله الحقيقي هو الدراسة المتأنية والصارمة للحدث التاريخي.

وهكذا خلط المؤرخ العربي، منذ أوائل القرن العشرين، بين دوره التاريخي كمؤرخ محايد، وبين دور المفكر المتطلع إلى الدفاع عن الفكرة القومية العربية، بحيث سمح لنصفه الثاني أن يطغى على الأول، الأمر الذي ساهم في تكريس خلق صورة سلبية عن الدولة العثمانية في العالم العربي.

وإذا كان معظم المؤرخين العرب آنذاك قد سقطوا في فخ “الإيديولوجية” على هذا النحو، فينبغي الإشارة إلى أن بعضهم مارس الفعل نفسه من زاوية أخرى، عبر التأثر بالمؤثرات الدينية، فلجأ بعض المؤرخين إلى النظر للدولة العثمانية باعتبارها دولة الخلافة الإسلامية التي أعادت إلى الحياة الحنين إلى فترة المد الإسلامي الأول، والخلافات الإسلامية المتعاقبة. فلجأ هؤلاء إلى تناول التاريخ العثماني بعبارة ملؤها المديح والاستحسان، مما ساهم في صوغ صورة ايجابية، ذات خلفية دينية، وغير موضوعية بالضرورة عن العثمانيين.

ومن المثير أن ذلك حدث أيضا في الوقت نفسه الذي هاجم المؤرخون الأتراك في تركيا الكمالية مسلحين بأفكارهم العلمانية الجديدة، الدولة العثمانية وصبغتها الإسلامية، مما أدى إلى ابتعادهم أيضا عن التأريخ الموضوعي للدولة العثمانية.

ويرى رؤوف عباس أن ثمة أسبابا أكاديمية محضة ساهمت أيضا في إغفال دراسة الفترة العثمانية في مصر والشام، ويعزى ذلك بسبب وقوع الفترة العثمانية العربية في مسافة زمنية تقع على تخوم العصور الوسطى والتاريخ الحديث. فاعتبر دارسو العصور الوسطى أن مجال بحثهم ينتهي عند سقوط دولة المماليك الثانية 1517م، بينما اعتقد دارسو التاريخ الحديث أن ميدان بحثهم يبدأ حيث وصلت الحملة الفرنسية على مصر 1789م، وهكذا شغل معظم المؤرخين بدراسة الفترة المملوكية الثرية بأحداثها، وكذلك بدراسة النهضة المصرية في عهد محمد علي وتداعياتها، عن الاهتمام بدراسة تـاريخ مصر في العـصر العـثماني.

وبعيداً من نزعات التحرر القومية العربية، وغيرها من الأفكار التي يمكن أن تسهم بإسقاطاتها في تفسير الأحداث التاريخية في شكل متعسف بدأ جمع من المؤرخين المصريين في تناول تاريخ بلادهم تحت الحكم العثماني في شكل يتصف بالجدية والصرامة العلمية. وبعد أن كان المؤرخون الأوروبيون يعتمدون في تأريخهم للدولة العثمانية على مصادر تاريخية ثانوية، وضع المؤرخون المصريون تلك المصادر في حجمها الطبيعي الذي لا يسمح لها بحيز علمي كبير، وحدثت نقلة نوعية في مناهج البحث التاريخي، فبدأ الاعتماد على الوثائق العثمانية والسجلات العربية الموثقة، التي سجلت – في شكل دقيق للغاية – تفاصيل الحياة الاجتماعية والاقتصادية والفكرية في مصر العثمانية.

وبدأ الباحثون المصريون في التاريخ العثماني، منذ العام 1970 تقريباً، في استخدام أساليب ومناهج بحثية جديدة، وهكذا تم الاعتماد في شكل واسع على المخطوطات والوثائق. وعلى سجلات المحاكم الشرعية، وحجج الأوقاف والدفاتر المالية، وسجلات المواني، وسجلات الروزنامة، فضلاً عن العقود التجارية المحفوظة كلها، ولجميع تلك المصادر التاريخية أهمية قصوى ،فهي تسجل حياة المصريين في شكل يومي تحت الحكم العثماني.

وفضلاً عن ذلك جرى الاعتماد في شكل كبير على وثائق الأرشيف العثماني باسطنبول، الذي احتوى على آلاف الوثائق الخاصة بولاية مصر العثمانية.

وأدى التمكن من المصادر التاريخية الأصلية والأولية، واستخدام مناهج البحث التاريخي الحديثة إلى توسيع أطر البحث في التاريخ العثماني كله، مما سمح بإعادة النظر في الفكرة السلبية السائدة عن العثمانيين، وكذلك إلى تصحيح الأفكار التي سبق ترويجها من قبل حول التاريخ العثماني.

وهكذا نجحت الدراسات التاريخية المصرية الحديثة في إزالـة الغـبـار عـن حـقـيـقـة الـواقـع الاجتماعي والاقتصادي والثقافي لمصر تحت الحكم العثماني، مما ساهم في إعادة النظر، بل ودحض فكرة تخلف العثمانيين ومصر تحت الحكم العثماني.

ولعل أعمال احمد عبدالرحيم مصطفى وعبدالرحيم عبدالرحمن ورؤوف عباس، وكذلك محمد عفيفي ثم نيللي حنا بدراساتها المميزة عن التجار في مصر وثقافة الطبقة المتوسطة في مصر العثمانية في علامات بارزة في طريق التناول الجاد والموضوعي لتاريخ العثمانيين ومصر بعيداً من الأفكار الكلاسيكية التي روجها الاستشراق الأوروبي عن الفترة العثمانية بكاملها.

التعليقات مغلقة على هذه المقالة
جديد المقالات المزيد
غزة أمام امتحان جديد

غزة أمام امتحان جديد

محمد كريشان حيت حركة «حماس» السلطة الفلسطينية فردت عليها التحية...

التأريخ الهجري واستقلالية الأمة

التأريخ الهجري واستقلالية الأمة

د. أحمد عبد الحميد عبد الحق سيهل علينا بعد قليل العامُ الهجري الجديد...

أصحاب الأخدود عبر العصور والحدود

أصحاب الأخدود عبر العصور والحدود

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن اتبع...

جديد الأخبار المزيد
 هيومن رايتس ووتش تدعو السلطات اللبنانية إلى احترام حقوق اللاجئين السوريين

"هيومن رايتس ووتش" تدعو السلطات اللبنانية إلى احترام حقوق اللاجئين السوريين

كشفت منظمة "هيومن رايتس ووتش" النقاب عن أن العديد من اللاجئين...

خبراء عرب ينتقدون دعوة السيسي للفلسطينيين للقبول بالتعايش مع الاحتلال

خبراء عرب ينتقدون دعوة السيسي للفلسطينيين للقبول بالتعايش مع الاحتلال

انتقد أكاديميون وخبراء عرب، دعوة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي...

4 منظمات حقوقية تقدم بلاغاً لـ الجنائية الدولية حول جرائم الاحتلال بالضفة

4 منظمات حقوقية تقدم بلاغاً لـ "الجنائية الدولية" حول جرائم الاحتلال بالضفة

اتهمت أربع منظمات حقوقية فلسطينية مسئولين مدنيين وعسكريين...

  • أيام في سيلان والمالديف