• الصليب وحكاياته

النبي " صلى الله عليه وسلم" وفن صناعة الوحدة!

Mar 29 2017 7:49:52

النبي صلى الله عليه وسلم وفن صناعة الوحدة!
النبي " صلى الله عليه وسلم" وفن صناعة الوحدة!

محمد شعبان أيوب

لا نكاد نجد في حضارة من الحضارات السابقة على الإسلام مبدأ كالوحدة في فلسفته وغايته؛ ذلك أن الإمبراطورية الفارسية والرومانية أقامتا دولتيهما على البطش والجبروت والقهر لجنودها والشعوب التي أرهقتها ذلا واستعبادا؛ لكن الإسلام أعلنها صريحة مذ نزل الوحي على نبينا الكريم: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ } (آل عمران: 159).

أعلنها صريحة حين قال: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } (الحجرات:10).

وحدة في البلاء

لقد تجلت مظاهر هذه الوحدة منذ بداية الدعوة الإسلامية، وحين واجهت أكبر العقبات في مرحلة ضعفها في مكة، تجلى ذلك في الأسوة التي وجدها الصحابة رضوان الله عليهم في رسول الله أولا، في تمسكه وعزته بدينه، وفي تضحيته وحبه الشديد لأصحابه، بل حرصه العظيم على أن يدخل أكابر المجرمين في مكة في دين الله، حتى نزل الوحي يهدئ من هذا الحرص: {لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ } (الشعراء:3).

ورغم هذا الحرص النبوي على هداية هؤلاء؛ فقد تجردت قريش من إنسانيتها؛ فأذاقت المسلمين العذاب في وقت كان المسلمون فيه قلة، فعن عمار بن ياسر أنه قال: «رأيت رسول الله وما معه إلا خمسة أعبد وامرأتان وأبو بكر». (1)

وهذا ما يؤكده حديث ابن مسعود، فقد روي عنه أنه قال: «كان أول من أظهر إسلامه سبعة: رسول الله، وأبو بكر، وعمار، وأمه سمية، وصهيب، وبلال والمقداد؛ فأما رسول الله فمنعه الله بعمـــه أبي طالب، وأمــــا أبو بكر فمنعه الله بقومه، وأما سائرهم فأخذهم المشركون، وألبسوهم أدراع الحديد وصهروهم في الشمس، فما منهم من أحد إلا وقد وأتاهم على ما أرادوا، إلا بلالا فإنه هانت عليه نفسه في الله، وهان على قومه، فأخذوه فأعطوه الولدان، فجعلوا يطوفون به في شعاب مكة، وهو يقول: أحد أحد». (2)

ووسط هذه الأهوال كان لابد من التحرك لإنقاذ هذا المجتمع المسلم الناشئ من الهلاك، فتحرك -الموسر الوحيد في هذا المجتمع- أبو بكر الصديق، وبذل ماله في سبيل شراء هؤلاء الضعفاء من العبيد في بوادر عملية على هذه الوحدة التي غرسها الإسلام في نفس هؤلاء الكبار!.

لذلك روي عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال: «أسلم أبو بكر "رضي الله عنه" يوم أسلم وفي منزله أربعون ألف درهم، فخرج إلى المدينة في الهجرة وما له غير خمسة آلاف، كل ذلك ينفقه في الرقاب والعون على الإسلام». (3)

ومع ذلك، اشتد البلاء بالصحابة الكرام، فقد روي عن عتبة بن غزوان: «لقد رأيتني سابع سبعة مع رسول الله ما لنا طعام إلا ورق الشجر حتى قرحت أشداقنا... (4)
وهذا ما يؤكده سعد بن أبي وقاص "رضي الله عنه" قائلا: «كنا قوما يصيبنا ظلف العيش بمكة مع رسول الله " صلى الله عليه وسلم" وشدته، فلما أصابنا البلاء اعترفنا لذلك ومرنا عليه وصبرنا له، ولقد رأيتني مع رسول الله " صلى الله عليه وسلم" بمكة خرجت من الليل أبول، وإذا أنا أسمع بقعقعة شيء تحت بولي، فإذا قطعة جلد بعير فأخذتها فغسلتها، ثم أحرقتها فوضعتها بين حجرين ثم أستفها، وشربت عليها من الماء، فقويت عليها ثلاثا». (5)

ولذلك «كانت أحداث المحاصرة في الشعب عاملا من عوامل تزايد التلاحم المادي والمعنوي بين هذا العدد القليل من المؤمنين، وكان صاحب الرسالة ينفق من مال خديجة، وكانت الآيات المكية تزيد وتوجه المسلمين على إيجاد روح التكافل بينهم». (6)

وحدة المجتمع الإسلامي الأول

جاء المهاجرون من مكة للمدينة وهم مثقلون بالمشاق والآلام، لعل أشدها على النفس ترك الوطن والأهل؛ جاؤوا إلى مجتمع كان يهتم بالزراعة والصناعة، بخلاف مكة التي اعتادوا فيها على التجارة وإدارة الأعمال، كل هذه الصعوبات ما كان لهم أن يتلافوها ويتغلبوا عليها دون وجود يد حانية امتدت إليهم منذ اللحظة الأولى.
أما مدى علاقة المهاجرين بالمجتمع الجديد فكانت علاقة حديثة؛ فقد ترك المهاجرون أهليهم ومعارفهم بمكة وقطعت صلتهم بهم؛ مما ولد لديهم إحساسا بالوحشة والحنين إلى بلدتهم مكة، إضافة إلى اختلاف مناخ مكة عن المدينة وإصابة المهاجرين بالحمى، إلا أن الأنصار قد بلغوا حدا عاليا من الكرم، ومد العون للمهاجرين المستضعفين، فاقترحوا على النبي " صلى الله عليه وسلم" أن يقسم نخلهم بينهم وبين المهاجرين؛ لأن النخل مصدر معيشة الكثيرين منهم، على أن الرسول " صلى الله عليه وسلم" طلب من الأنصار أن يقوموا بإدارة بساتين النخيل ويحتفظوا بها لأنفسهم، على أن يشركوا المهاجرين في التمر. (7)

كانت عواطف الإيثار والمواساة والمؤانسة تمتزج في هذه الأخوة، وتملأ المجتمع الجديد بأروع الأمثال (8)، فقد روى البخاري: أنهم لما قدموا المدينة آخى رسول الله " صلى الله عليه وسلم" بين عبد الرحمن بن عوف وسعد بن الربيع، فقال سعد لعبدالرحمن: أقاسمك مالي نصفين وأزوجك. قال: بارك الله لك في أهلك ومالك، دلوني على السوق. فما رجع حتى استفضل أقطا وسمنا، فأتى به أهل منزله، فمكثنا يسيرا أو ما شاء الله فجاء وعليه وضر من صفرة، فقال له النبي: «مهيم» (9) قال: يا رسول الله، تزوجت امرأة من الأنصار قال: «ما سقت إليها؟» قال: نواة من ذهب أو وزن نواة من ذهب. قال: «أولم ولو بشاة». (10)

إزاء هذا النموذج الراقي من المعاملة الكريمة من الأنصار لإخوانهم المهاجرين؛ فقد لهجت ألسنتهم بكرم الأنصار، وهذا ما يرويه أنس قائلا: قال المهاجرون: يا رسول الله، ما رأينا مثل قوم قدمنا عليهم أحسن مواساة في قليل، ولا أحسن بذلا في كثير، لقد كفونا المئونة، وأشركونا في المهنأ، حتى لقد خشينا أن يذهبوا بالأجر كله. قال: «لا ما أثنيتم عليهم ودعـــوتم الله عز وجل لهم». (11)

ولم يقف المجتمع الإسلامي الجديد عند حد الإخاء العابر القائم على الوازع النفسي والأخلاقي فقط، بل شرع النبي " صلى الله عليه وسلم" في تقنين العلاقة بين المؤمنين في إطار مرجعية أعلى، فعد مشروعا تكافليا وحدويا عظيما يحدد العلاقة بين المؤمنين أنفسهم، وبين المؤمنين واليهود؛ ليرفع الدولة الإسلامية الجديدة من طور الضعف إلى القوة والنظام والدقة في ظل بيئة تعج بالجهل وتحرص عليه.

لقد ذكر ابن سيد الناس في عيون الأثر، أن ابن إسحاق قال: كتب رسول الله " صلى الله عليه وسلم" كتابا بين المهاجرين والأنصار، ووادع فيه يهود وعاهدهم وأقرهم على دينهم وأموالهم وشرط لهم واشترط عليهم: «بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب من محمد النبي " صلى الله عليه وسلم" بين المؤمنين والمسلمين من قريش ويثرب ومن تبعهم فلحق بهم وجاهد معهم، أنهم أمة واحدة من دون الناس... وأن المؤمنين لا يتركون مفرحا (12) بينهم أن يعطوه بالمعروف في فداء أو عقل، ولا يحالف مؤمن مولى مؤمن دونه، وأن المؤمنين المتقين أيديهم على كل من بغى منهم أو ابتغى دسيعة (13) ظلم أو إثم أو عدوان أو فساد بين المؤمنين، وأن أيديهم عليه جميعا ولو كان ولد أحدهم..». (14)

لقد كان إصدار هذه مثل هذه الوثيقة تطورا كبيرا في مفاهيم الاجتماع السياسية، فهذه جماعة تقوم لأول مرة في الجزيرة العربية على غير نظام القبيلة، وعلى غير أساس رابطة الدم، حيث انصهرت طائفتا الأوس والخزرج في جماعة الأنصار، والمهاجرون في جماعة المسلمين، ثم ترابطت هذه الجماعة المسلمة مع اليهود الذين يشاركونهم الحياة في المدينة إلى أمد، ومن خلال تغيير شامل وتحول سريع، وفتح صفحة جديدة أكثر إيجابية، وأقرب إلى الترابط والتكافل والوحدة الفكرية (15)، التي لم يعرفها العرب في تاريخهم قبل الإسلام. (16)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش

1- البخاري: كتاب فضائل الصحابة، باب إسلام أبي بكر، رقم: (3644).

2- رواه ابن ماجه في سننه، رقم: (150).

3- السيوطي: تاريخ الخلفاء (ص39).

4- مسلم: كتاب الزهد والرقائق، رقم: (2967).

5- الأصبهاني: حلية الأولياء (1/93).

6- حافظ عجاج: الإدارة في عصر الرسول (ص145).

7- المرجع السابق (ص242).

8- محمد الغزالي: فقه السيرة (ص138).

9- أي: ما حالك؟

10- البخاري: كتاب فضائل الصحابة، باب إخاء النبي بين المهاجرين والأنصار، رقم: (3570).

11- رواه الترمذي، رقم: (2487)، وأحمد، رقم: (13097)، وقال شعيب الأرناؤوط: «إسناده صحيح على شرط الشيخين».

12- المفرح: المثقل بالدين والكثير العيال.

13- أي: طلب دفعا على سبيل الظلم، ويجوز أن يراد بها العطية.

14- ابن سيد الناس: عيون الأثر (1/ 261، 262).

15- أنور الجندي: الإسلام وحركة التاريخ (ص33، 34).

16- راغب السرجاني: رحماء بينهم قصة التكافل والإغاثة في الحضارة الإسلامية (ص147- 150).

جديد المقالات المزيد
التاريخ وأثره في تربية الأجيال

التاريخ وأثره في تربية الأجيال

د / محمد حاج عيسى الجزائري الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام...

الفاتح الذي اشتقنا لعودة أيامه (12)

الفاتح الذي اشتقنا لعودة أيامه (12)

د / أحمد عبد الحميد عبد الحق الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام...

صقلية حضارة المسلمين المنسية

صقلية حضارة المسلمين المنسية

شريف عبد العزيز في أواخر القرن الثاني الهجري بدأت القوى العالمية...

جديد الأخبار المزيد
زعيم سني يطالب بالسماح للسنة بالترشح للرئاسة بإيران

زعيم سني يطالب بالسماح للسنة بالترشح للرئاسة بإيران

في ظل تهميش بارز للقاعدة السنية بإيران وحرمانها من المشاركة السياسية...

مستوطنون يشنون اعتداءات حرق وضرب وإطلاق نار بالضفة

مستوطنون يشنون اعتداءات حرق وضرب وإطلاق نار بالضفة

أصيب العديد من الفلسطينيين في الضفة الغربية المحتلة اليوم، خلال...

أهل العلوم ينتفضون في وجه ترامب بمظاهرات عارمة

أهل العلوم ينتفضون في وجه ترامب بمظاهرات عارمة

في سابقة تاريخية، خرج أمس، آلاف العلماء والمناصرين للعلم، في...

  • أيام في سيلان والمالديف