• الصليب وحكاياته

أهمية دراسة التاريخ

Mar 13 2017 7:30:51

أهمية دراسة التاريخ
أهمية دراسة التاريخ

د / عبد العزيز بن سعد الدغيثر

يعرف علم التاريخ بأنه معرفة أحوال الطوائف وبلدانهم ورسومهم وعاداتهم وصنائع أشخاصهم وأنسابهم ووفياتهم، إلى غير ذلك.

وقال السخاوي: "والحاصل أنه فن يبحث عن وقائع الزمان من حيثية التعيين والتوقيت بل عما كان في العالم".

وقد يكون تعلم التاريخ فرضاً على الكفاية كتعلم سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وما صح من سير الأنبياء والصحابة ورجال الحديث.

ومنه ما هو محرم، وذلك في أربعة مجالات ذكرها السخاوي رحمه الله وهي:

1. ذكر الخرافات المنسوبة إلى الأنبياء

2. البحث فيما جرى بين الصحابة رضي الله عنهم لأن ذلك مفضٍ إلى الوقوع فيهم.

3. البحث فيما جرى من الأكابر من شرب للخمور واقتراف للمحرمات وذلك لأنها من إشاعة الفاحشة في الذين آمنوا والكذب فيها كثير.

4. ذكر مساوئ السابقين ومثالبهم لحديث "اذكروا محاسن موتاكم" وحديث" لا تسبوا الأموات فتؤذوا الأحياء".

 

ولا بد لطالب التاريخ أن يراعي الأهم فالمهم في تعلمه، وقد قال ابن عباس القطان للإمام أحمد رحم الله الجميع: أشتهي أن أجمع حديث الأنبياء فقال لي: حتى تفرغ من حديث نبينا صلى الله عليه وسلم.

وسأل رجل الإمام مالك عن زبور داود فقال له: ما أجهلك ما أفرغك!  أما لنا في نافع عن ابن عمر عن نبينا صلى الله عليه وسلم ما يشغلنا بصحيحه عما بيننا وبين داود.

وقال ابن الجوزي رحمه الله: قال الإمام أحمد: الاشتغال بالأخبار القديمة تقطع عن العلم الذي فرض علينا طلبه.

 

فوائد القصص التاريخية:

إن للقصص التاريخية فوائد جمة من أهمها:

1- تثبيت قلوب المؤمنين:

قال تعالى: ﴿ وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ [هود: 120].

وقال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ ﴾ [الأنعام: 34].

قال الجنيد رحمه الله: " الحكايات جند من جند الله عز وجل يقوي بها إيمان المريدين".

اقرؤوا التاريخ إذ فيه العبر *** ضل قوم ليس يدرون الخبر

2- أنها سبيل إلى معرفة سير أهل الصلاح والاقتداء بهم:

قال تعالى: ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ ﴾ [الأنعام: 90]، قال أبو حنيفة رحمه الله: "الحكايات عن العلماء ومحاسنهم أحب إلي من كثير من الفقه لأنها آداب القوم".

3- أنها سبيل إلى أخذ العبر والدروس من السابقين:

قال تعالى: ﴿ لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى ﴾ [يوسف: 111].

4- معرفة السنن الكونية من سنن التمكين والنصر ونهاية الظالم ونصر المؤمنين الصادقين ولو بعد حين:

كما قال تعالى: ﴿ أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ ﴾ [القمر: 43]، وقال سبحانه: ﴿ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ ﴾ [الأنبياء: 88]، وقال جل وعلا: ﴿ وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ ﴾ [سبأ: 17].

قال الحافظ ابن كثير رحمه الله: "وقد قص الله على نبيه صلى الله عليه وسلم خبر ما مضى من خلق المخلوقات وذكر الأمم الماضين وكيف فعل بأوليائه وما ذا حل بأعدائه وبين ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم بيانا شافيا".

ولما في القصص التاريخي من فوائد وعبر فإن الله سبحانه قص في كتابه كثيرا من القصص للأنبياء وغيرهم.

قال تعالى: ﴿ كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا ﴾ [طه: 99].

وقال سبحانه: ﴿ ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ ﴾ [هود: 100].

والقصص القرآني أحسن القصص كما قال جل وعلا: ﴿ نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ ﴾ [يوسف: 3].

 

أما سبب كونه أحسن القصص فلأسباب ثلاثة أشار إليها القرآن وهي:

1- أنها حق وصدق وليست من نسج الخيال

قال تعالى: ﴿ نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ ﴾ [الكهف: 13]. وقال سبحانه: ﴿ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ ﴾ [آل عمران: 62].

 

2- لأن المخبر بهذه القصص عالم بتفاصيلها ودقائقها لكما علمه وإحاطته سبحانه، قال تعالى: ﴿ فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ ﴾ [الأعراف: 7].

 

3- أن لا يذكر في هذه القصص شيء إلا لفائدة وما أهمل فلعدم الانتفاع بذكره، ولذا لما ذكر سبحانه اختلاف أهل التاريخ من أهل الكتاب في عدد أهل الكهف.

قال سبحانه: ﴿ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا ﴾ [الكهف: 22].

ولذا يجد المتأمل في الطريقة القرآنية في تزكية النفوس باستخدام القصص التاريخي السبيل الناجح المحبب إلى النفوس لإصلاحهم.

وقد أمر سبحانه نبيه باستخدام هذه الطريقة فقال جل وعلا: ﴿ فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ [الأعراف: 176].

 

تنبيهات لطالب علم التاريخ:

1- من كمال العقل حسن اختيار مجال الدراسة التاريخية ونقل ما جاء فيها من أخبار.

قال ابن الجوزي رحمه الله: "وإنما أنقل عن القوم محاسن ما نقل ولا أنقل كل ما نقل إذ لكل شيء صناعته وصناعة العقل حسن الاختيار".

 

2- لا بد من معرفة كلام العلماء الثقات في المراجع التاريخية قبل الاعتماد عليها والنقل منها.

فمن ذلك ما قاله السخاوي رحمه الله عن كتاب التوابين لابن قدامة رحمه الله: "فيه أشياء ما كنت أحب له إيرادها خصوصا وأسانيدها مختلة".

ونقل عن النووي رحمه الله أنه أثنى على الاستيعاب لابن عبدالبر رحمه الله لولا ما شانه من ذكر كثير مما شجر بين الصحابة رضي الله عنهم وحكايته عن الإخباريين والغالب عليهم الإكثار والتخليط".

3- من كمال الأدب مع أعلامنا أن نترحم عليهم عند ذكرهم:

وقد قال رزق الله التميمي الحنبلي رحمه الله (ت 488هـ): "يقبح بكم أن تستفيدوا منا ثم تذكرونا ولا تترحموا علينا".

 

4- التثبت في ما يرد من قصص وأخبار فيما هو مخالف للشرع ممن عرف بالخير، وتطبيق المنهج الحديثي في سند الرواية؛ امتثالا لقوله سبحانه: ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ ﴾ [الحجرات: 6].

 

6- لا بد من حمل ما ثبت عن بعض الأعلام على أحسن المحامل، قال السخاوي رحمه اله:" ينبغي تأويل بعض الأخبار كقول علي رضي الله عنه في الإفك وغيره".

 

7- العصمة للأنبياء، وكلنا خطاء:

وقد قال سعيد بن المسيب رحمه الله:" ليس من شريف ولا عالم ولا ذي فضل – يعني من غير الأنبياء عليهم الصلاة والسلام - إلا وفيه عيب، ولكن من الناس من لا ينبغي أن تذكر عيوبه، فمن كان فضله أكثر من نقصه وهب نقصه لفضله".

وقد صح عن عائشة رضي الله عنها قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تذكروا هلكاكم إلا بخير".

 

8- ينبغي لمن يتصدى لتأريخ الأعلام من رجال الحديث وغيرهم أن يتجنب الألفاظ الجارحة:

قال المزني: سمعني الشافعي يوما وأنا أقول: فلان كذاب، فقال لي: أحسِنها، لا تقل كذاب، ولكن قل: حديثه ليس بشيء.

ونحوه عن البخاري وأيوب رحم الله الجميع. وذلك حتى لا يتعود لسانه على هذه الألفاظ. وإن قالها مجتهدا فلا شيء عليه.

والحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

أهم المراجع:

• أبجد العلوم لصديق حسن خان.

• الإعلان بالتوبيخ للسخاوي.

• الآداب الشرعية لابن مفلح.

• صحيح القصص النبوي للدكتور عمر الأشقر.

• صفحات من صبر العلماء للشيخ عبدالفتاح أبو غدة.

• صحيح الجامع للألباني.

• صفة الصفوة لابن الجوزي.

• البداية والنهاية لابن كثير.

• مشكلة الغلو في الدين لعبدالرحمن اللويحق، الطبعة الأولى 1419هـ، لم يذكر الناشر ولا مكان النشر.

التعليقات مغلقة على هذه المقالة
جديد المقالات المزيد
أفريقيا في الإستراتيجية الأمريكية في أعقاب الحرب العالمية الثانية

أفريقيا في الإستراتيجية الأمريكية في أعقاب الحرب العالمية الثانية

د / علي متولي أحمد احتلت أفريقيا مكانة مهمة في الاستراتيجية الأمريكية...

أعياد الميلاد وإشكالية التّأريخ لخلق المسيح بين النصّ والواقع

أعياد الميلاد وإشكالية التّأريخ لخلق المسيح بين النصّ والواقع

سعيد عيسى مقدمة: نافست المسيحية كلّ الأديان بكثرة أعيادها وتنوّعها...

الاستقلال السياسي لخطاب البلاغ الإسلامي

الاستقلال السياسي لخطاب البلاغ الإسلامي

مهنا الحبيل أكثر من 70 عاما فصلت بين دعوة المفتين للجهاد، لمساندة...

جديد الأخبار المزيد
خبير: سيناريو جنوب أفريقيا الطريقة الوحيدة لإنهاء الصراع الفلسطيني الإسرائيلي

خبير: سيناريو جنوب أفريقيا الطريقة الوحيدة لإنهاء الصراع الفلسطيني الإسرائيلي

رأى ريتشارد فولك؛ خبير يهودي أمريكي في القانون الدولي وحقوق الإنسان،...

العراق مركز حقوقي دولي يفصح عن شهادات لانتهاكات مروعة في سجن الناصرية

العراق.. مركز حقوقي دولي يفصح عن شهادات لانتهاكات مروعة في سجن "الناصرية"

حذر "المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان"، من التنامي الخطير في...

تونس داعية إسلامي يطالب بالحجر على الرئيس السبسي بسبب مخالفته لنصوص الشرع

تونس.. داعية إسلامي يطالب بالحجر على الرئيس السبسي بسبب "مخالفته لنصوص الشرع"

دعا داعية إسلامي تونسي إلى الحجر على الرئيس التونسي الباجي قايد السبسي،...

  • أيام في سيلان والمالديف