• الصليب وحكاياته

قضية فلسطين وجيل الألفية الجديد من العرب

Feb 7 2017 8:50:38

قضية فلسطين وجيل الألفية الجديد من العرب
قضية فلسطين وجيل الألفية الجديد من العرب

أسمهان الفاتح

ما هو الوطن؟ الوطن ليس سؤالاً تجيب عنه وتمضي، إنه حياتك وقضيتك معاً، هو الشوق إلى الموت من أجل أن تعيد الحق والأرض. ليس الوطن أرضاً، ولكنه الأرض والحق معاً. الحق معك والأرض معهم، هكذا عرف الراحل محمود درويش الوطن واختزل جوهر القضية الفلسطينية في بضع كلمات هي من السيف أحد، وأكثر مضاء، وأشد فتكاً. وتلك وظيفة أدب المقاومة، يكرس الطابع النضالي والفعل الثوري الذي تتوهج به القضية، لكن هل أصبح هذا اللون الأدبي يعاني الاختناق والضعف في ظل المتغيرات والظروف الدولية التي نمر بها؟ وهل صارت الدول العربية منشغلة بشأنها الداخلي إثر ما طرأ عليها من تحولات سياسية مما دفعها لطي قضية فلسطين من أجندة الهم العربي؟ وهل الجيل الجديد يعي مشكلة فلسطين ومكانتها لدى العرب؟ ثم هل بإمكاننا القول إن شتات 48 قد كون شتاتاً سياسياً لدى قادة فلسطين؟
عبر هذا الاستطلاع، أخذنا آراء مثقفين مطلعين على الوضع السياسي الراهن وخرجنا بالتالي:


القضية الفلسطينية في عالم متحول

بداية تحدث الناقد الأكاديمي د.فيصل الأحمر من الجزائر عن التهميش الذي باتت تعاني منه القضية الفلسطينية لاعتبارات عدة من بينها مسألة التعود والرتابة. يقول في هذا الصدد: مع فواتح كتابه «يوميات الحزن العادي» قال محمود درويش ما مفاده أن العدو الكبير للقضية الفلسطينية هو الملل، والتسمم بسم اللامبالاة، هو التعود عليها كفقرة عابرة فاترة في مسلسل الحياة، هو تحولها من قضية مصير إلى فقرة في شاشات التلفزيون تنتمي إلى التساؤل حول مصير قضية وكفى.


هذا ما يحدث على أيامنا، فالقضية الفلسطينية تعاني تفتيتاً كبيراً على مستوى الخطاب، إذ تتحول من القضية الإنسانية بامتياز إلى لقطة على شريط الأخبار، أخبار يتساوى فيها المصيري مع العرضي، وتفقد فيها الأشياء الجوهرية كهرباءها لفائدة انتعاش الأخبار الجديدة التي لا تُتعب القلب بقدر ما تستجلب ابتسامة التعجب. ابتسامة الخبر الغريب (المثير) الذي قلما يتساءل الناس: هو مثير لأي شيء بالضبط يا ترى؟

 

 لأن الإجابة التراجيدية هي أننا نعيش في زمن الإثارة العابرة، زمن الأخبار المثيرة للفضول وكفى.وهل يكفي الفضول لخدمة قضية إنسانية؟
قطعاً: لا!


ويضيف: يتم تدعيم هذا الفتور العام الذي تشهده القضية بجملة من الظروف والوقائع، من قبيل ميل العالم بصفة عامة صوب التخلص الفلسفي من أي صنف من أصناف الشعور بالذنب، عالم يضحك ويلعب ويتفرج على الشاشات، عالم واقعه ثقيل، يفضل استبداله بالفضاءات الافتراضية المتراوحة بين إقامة الحروب على أجهزة ألعاب الفيديو وبين التمتع بالفوز بالوكالة من خلال مشاهدة لاعبي كرة القدم يغنون: we are the champions، عالم يمزج بكل أريحية بين إنقاذ خمسين مهاجراً سورياً يفضلون الموت في ظل أمل الهجرة على الموت السلبي تحت رصاص متعدد الجنسيات، خمسين مهاجراً غرقت بهم سفن مهترئة يمتزجون بكل بساطة بإنقاذ حيوان «باندا» في أستراليا. والفحوى في ظل العولمة هي ثلاثون أو خمسون ثانية تحتلها أي مأساة أو أي ملهاة في شريط الأنباء حول العالم.


ليست القضية الفلسطينية بمعزل عن هذا السياق العالمي الذي اتخذ لنفسه كنية (العولمة) دون تحديد وتوضيح للمعنى الدقيق الخطير لهذه الكنية الفضفاضة.


لقد كبرت في قلوبنا القضية الفلسطينية كحالة معقدة من الوعي بهويتنا العربية الإسلامية، وتعقدت معانيها ونحن نتورط في العالم الجديد الذي تم رسم ملامحه مع بداية حرب الخليج، فقد تحول وعينا كشباب مثقف مناضل في الجامعة تحولاً عميقاً ونحن نستبدل صور أطفال الحجارة وهم يقاومون السلاح بالحجارة بصورة المصافحة المريرة بين الراحل ياسر عرفات وعدوه القديم رئيس وزراء إسرائيل إسحق رابين، ويشهد على انتقال وعينا من زمن أطفال الحجارة إلى المصافحة والقبلة المسمومة على خد العدو، شاهد من أهل إسرائيل: الرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون، بعد توقيع اتفاقيات السلام، كنا مع زملائنا الفلسطينيين في الجامعة الجزائرية نقول: خيراً إن شاء الله.. من عسر إلى عسر أقل ربما. وكنا نبكي داخلياً ونحن نتابع الآراء الرافضة لمن تعودنا عدهم مسبار الرأي فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية: محمود درويش، إدوارد سعيد، ليلى شهيد،
كانت صدمة كبيرة أن نرى (أبو عمار) الذي ظل في عرفنا الرمز الفلسطيني الأسمى للمقاومة يمارس التطبيع الذي يعلم الجميع بأنه كان وهمياً مع العدو الذي يكاد لا يغير خطابه، عدو سيعبر عن رأيه الصريح في السلام من خلال اغتيال مهندس عملية التطبيع مع فلسطين، اغتيال فصيح جداً سيعني كل شيء بالنسبة لتصور الإسرائيليين للسلام (المسلح).


الانتقال الرمزي من صورة المقاومة بالحجارة إلى صورة المصافحة، إلى صورة الصراع بين فتح وحماس، ثم إلى الصور التعيسة الأخيرة للرئيس محمود عباس وهو يبكي بـ(حرقة) مؤلمة في جنازة عدو فلسطين ومجرمها بامتياز.
نستفيق اليوم والقضية الفلسطينية قد تحولت إلى ما يشبه الشأن الداخلي، موضوع تساؤل قد قهره التعود الذي كان يرعب محمود درويش منذ أربعين سنة كاملة: أن تتحول القضية إلى موضوع ممل يثقل على الأذن الإنصات إليه.


وعن العوامل التي ساهمت في تقوية شوكة إسرائيل، وتقهقر الكيان الفلسطيني والعربي عموماً؛ يرى د.فيصل أن وضع إسرائيل في الإطار الدولي قد تحسن كثيراً بفضل التجارة العالمية، إذ أصبح لها عدد كبير من الشركاء الاقتصاديين الأصدقاء الذين كانوا بالأمس القريب يصوتون سياسياً ضدها. ووضع فلسطين يكاد يتحول إلى صراع حزبي داخلي. والبلدان العربية في تضعضع كبير يمنع الأغلبية الساحقة من الإدلاء برأي واضح فاضح ضد إسرائيل ولصالح فلسطين -وهنا تشكل الجزائر واحداً من الاستثناءات الجميلة على الخريطة العربية التي شوهتها الثورات التعيسة التي انتشرت بلا جدوى كبيرة وبخراب داخلي عميق ناتج عن انقشاع وهم الغد الأفضل-. رأي تقف مصالح العرب الجياع في كل مكان ضد إمكانية التفكير في التعبير عنه، وهو وضع بدأ محتشماً في الخليج مبكراً لكي يطال الجبهة التي لم يتصور أحد أن تختار المصلحة الصهيونية على جبهة الفلسطينيين: جمهورية مصر.
ويختم د.فيصل مداخلته برؤية استشرافية للمستقبل رغم ما يطفو على السطح من سوداوية وعتمة قائلاً: يبقى الأمل قائماً؛ لأن جل ما قلته وأوردته يظل آراء سياسية تجرها الضرورات السياسية، ويمليها الضغط السياسي على أجهزة حكم تقوم بتسيير الأزمات أكثر مما ترسم سياسات واضحة طويلة الأمد وممتلكة لأسباب البقاء، وهي حقيقة يؤشر عليها الطابع المقاوم الرافض للحيف والظلم والباطل الكثير المغلف لكل ما ذكرناه الذي تنطبع به خطابات المثقفين في البلدان العربية. وهي كلها خطابات فلسطينية الروح فاضحة للانبطاح السياسي العالمي أمام دولة إسرائيل وامتداداتها الأوروبية الأمريكية التي تعمل بجد على بسط هيمنة الخطاب الاستعماري في كل مكان بواسطة إرهابيي السياسة والمصالح الاقتصادية.


ما أراه واجباً اليوم هو تجديد خطاب القضية الفلسطينية بالرجوع إلى لغة العصر، ومحددات العصر الجيوإستراتيجية، خطاب يحتاج إلى نفض الغبار اللغوي عنه. خطاب يلتصق بجيوب المقاومتين: الفكرية والسياسية التي لا تزال -والحمد لله- موجودة في هذا الشرق الذي يمتهن الصفة الغريبة العجيبة للطائر الفلسطيني بامتياز: الفينيق، ذلك الكائن الغريب الذي ينبعث من رماده طوراً بعد طور، بعدما تقام جنازته ويوقن الجميع بأنه ذهب بلا رجعة ولا إمكانية رجوع.


أذكّر هنا بمقولة لرجل لو أنه قد عاش على أيامنا لكان كتب لصالح فلسطين ضد الصهاينة بلا ريب، أقصد الفيلسوف الألماني فريديريك نيتشه القائل: إن الحق لا ينتصر أبداً، ولكن محظوظ لأن أعداءه يموتون جميعاً الواحد تلو الآخر.


فلسطين والتراجيدية التاريخية


وعن إنزال القضية الفلسطينية من أقصى درجات الوعي الإنساني إلى مرتبة الشعاراتية والمنبرية؛ توضح الشاعرة العراقية ساجدة الموسوي: صحيح أن الدول العربية قد انشغلت بشأنها الداخلي عن القضية الفلسطينية لظروف قاهرة؛ ولكن هل دعتها هذه الظروف إلى طي قضية فلسطين من أجندتها؟ أقول لك لا، فقضية فلسطين من قضايا العرب المركزية، ومنذ ما يقرب من سبعة عقود وهي تلقي بظلالها على السياسة الدولية، وتشكل تحدياً ممضاً للعرب والغرب والصهاينة على حد السواء، ولعل أهميتها تكمن في تراجيديتها التاريخية، إذ تم احتلال أرض فلسطين بالقوة وتشريد شعبها بالقوة، ليحل محله اليهود الصهاينة الوافدون من كل أصقاع العالم، ويستمر اضطهاد الفلسطينيين وظلمهم في الأراضي الفلسطينية المحتلة حتى يومنا هذا.


فهي من حيث المنطق تستند إلى حق شرعي، وصاحب الحق لا يمكن أن يتنازل عن حقه أو يتجاهله مهما طال عليه الزمن.


وعن المخطط الغربي لتفكيك الدول العربية بهدف صرف اهتمامها عن فلسطين والانشغال بإيجاد حلول لقضاياها المستجدة؛ تقول (نخلة العراق): صحيح أيضاً أن الحكومات العربية تفاوتت في شدتها في التعامل مع هذا الحق، لكننا ووفق سياق التاريخ ندرك أن الدول التي تراخت في هذا الحق لم تجن غير وجع في القلب والضمير، وأدركت فيما بعد أن احتلال فلسطين ليس سوى بداية لأطماع الغرب في المنطقة العربية، ورأينا كيف استمرأت دول كبرى تدعي الديمقراطية احتلال العراق وإشعال وقود الحروب في بلدان عربية أخرى مباشرة أو بالنيابة لتفكيك هذه الدول وإضعافها، ولعل ضمن تلك الأهداف الخبيثة أن تنشغل الدول العربية بمشاكلها وتترك فلسطين لمصيرٍ مجهول ما زلنا ضمن المخطط، لكن أياً منا لا يمكن أن ينسى الحق الفلسطيني الذي ينتصب على سارية التاريخ منذ وطئت أقدام الصهاينة أرض فلسطين.


ولا تتوانى ساجدة الموسوي عن تحفيز الشباب العربي كي ينهض بالأمة ويقطع أشواطاً نحو المجد، تقول في ذلك: ورغم كل ما يقال عن الشباب العربي وما تظهره وسائل الإعلام المضللة للحقائق فأنا كلي ثقة بهذا الشباب الواعد الذي تكشفت له كل الحقائق بما يريده أعداء العرب للعرب من تراجع وذل. الشباب العربي ناهض لا محالة، وهو في طور بناء قدراته الذاتية وتحصين نفسه من سموم التيارات الإعلامية والطائفية والانشقاقية التي يبذل عليها الغرب المليارات لتضليل الشباب العربي وخرق اتجاهاته العروبية والإسلامية المعتدلة، فتلك الدوائر الاستعمارية تدرك أن الأمة لا تنهض إلا بشبابها.


شباب اليوم لا يمثلهم القلة الذين انحرفوا عن جادة الصواب والذين تظهرهم الدوائر الإعلامية الصهيونية والغربية بأبشع الصور. وتعمم: أنا أراهم في المدارس والجامعات ومراكز البحث العلمي والأندية الرياضية وفي المسابقات الثقافية والعلمية، وفي المناسبات الاجتماعية والوطنية وفي حملات التطوع لمساعدة الجرحى في الحروب وإطعام اللاجئين وكسوتهم، أراهم في مواقع التواصل الاجتماعي يتحدثون بألم عما أصاب بغداد ودمشق من خراب، وعما سفكته داعش من دماء، أراهم يتحدثون عن فلسطين وعاصمتها القدس وتاريخ العرب فيها وعن هموم العرب والثقافة وعن الكتب التي يقرؤونها والمجالات العلمية التي يحبونها.
إن أية مباراة لكرة القدم على سبيل المثال ترينا حماس الشباب العربي لنصرة وطنه، فكيف لو كان الهدف تحرير الأرض العربية من الغاصبين؟ هؤلاء هم شباب أمتنا العربية الذين أرى فيهم مستقبل الأمة.


إن الله قد وضع رسالته في أمتنا العربية ولا يمكن لأي قوة أن تنال منها، وإن كبت الخيل هنا وهناك فلا بد أن تنهض وتواصل الجري نحو أهدافها السامية.
وتسترسل الموسوي في تصوير العلاقة الحميمية بين الشعبين العراقي والفلسطيني فتقول: في بيتنا وأنا صغيرة استضفنا عائلة فلسطينية من العوائل التي تم تهجيرها بعد احتلال فلسطين، حيث استمر التهجير، كنت صغيرة وأنا أجد في بيتنا صديقة فلسطينية، تكبرني بالسن لكنها صارت صديقتي حيث كثيراً ما أدخل حجرتها لتحدثني عن فلسطين وجمالها وأهلها ومرابع الصبا هناك، وتريني ألبومات الصور فتبهرني بجمال الوجوه وأناقة المظهر وجمال البيوت والشوارع والحدائق، أحببت صديقتي الفلسطينية (سهام)، وما زلت أتذكرها رغم مرور عشرات السنين.
بعد نكسة الخامس من حزيران المشؤومة كنت طالبة في الثانوية (ثانوية الجمهورية للبنات)، وهي من كبريات الثانويات ببغداد، وكنت في حينها من الناشطات في الجوانب الثقافية ومهرجانات الثانوية، فاستدعتني المديرة (مكارم الكيلاني رحمها الله) وقالت سيزورنا وفد فلسطيني وأريدك أن تشجعي الطالبات على التبرع لفلسطين، وفعلاً حضر الوفد الفلسطيني برئاسة البطلة ليلى خالد، وجمعنا الطالبات في الساحة، ألقت المديرة كلمة، وألقت ليلى خالد كلمتها، ثم تكلمت أنا، وفتحنا باب التبرع، فلم تبق طالبة إلا ووضعت مصروفها أو ساعتها أو قطعة حلي كانت تحملها، والذي لا أنساه آنذاك أن صديقتي (صباح) كانت مخطوبة فقامت بنزع خاتم خطوبتها وهي تقول (فلسطين أعز..)، وجاء الوفد لليوم الثاني ومعه بعض الأطباء والأجهزة الطبية فقمنا بحملة تبرع بالدم لجرحى فلسطين، وكنت أول المتبرعات في حينها.


الحنين لكهوف التراث


بشيء من المرارة والأسى يصور الكاتب التونسي المنجي بن خليفة قصور العقل العربي عن فهم الواقع واستيعاب تحولاته، نظراً لانطلاقه من قوالب فكرية جاهزة وتطبيقها بشكل تعسفي على قضايا تعد وليدة عصرها. يقول في هذا الإطار: قدر علينا أن نكون شهود عصر لهذه المرحلة التاريخية، التي كانت بحق نتيجة منطقية لما حملته القرون الماضية، من تخلف، وجهل، وعصبية، واعتقادات فكرية فاسدة، بُنيتْ على أساس طائفي، وعرقي، ووطنية مقسمة تقسيماً (شطرنجياً) متنافراً. ولولا هذه المقدمات المذكورة لما كانت القضية الفلسطينية، وهي القضية التاريخية الحاضرة في واقعنا، والغائبة في عمق تفكيرنا؛ قضية كاشفة لحقيقة ضعفنا، ومساحة جهلنا بواقعنا، وعجزنا عن تحريك بيدق في تقسيم اللعبة التي تقام على صدر وطننا، فالعجز أصابنا قبل ضياع القدس، فالقرون الماضية التي مرت علينا وما حملته من دماء في السيوف، وتنافر في الأفكار، والتي مازال صداها حاضراً بكل قوة في حاضرنا، وربما فاقت إرهاصات الماضي وزادت عليه في حدة التناحر والتنافر؛ ساهمت في تشكيل عقليتنا الجديدة، التي تخالف عقلية الجذور، فالعقلية التي نواجه بها هذا الزخم الهائل من المتغيرات التي تتطلب منا عقلية جديدة تستطيع أن تواكب هذا التقدم الماراثوني، عقلية ما زالت لم تتخلص من سلبيات ورواسب الماضي، فزادُها القوالب الفكرية الجامدة، والنمطية اللفظية، والجنوح من الموضوعية إلى الشخصانية، وبقدر عجزها عن فهم الواقع والتأثير فيه يكون هروبها بالحنين المرضي لكهوف التراث المظلمة، فيصبح هذا التراث واقعاً جديداً غير حقيقي، يدخل في تفاصيل حياتنا: الدينية، والفكرية، والاجتماعية.. ويزودنا بثقافة كلامية تخفف عنا آلام الهزيمة التي نتجرعها، وليس للعاجز إلا الكلام مهرباً.


هذه الشخصية العربية التي حاول البعض الإعلاء من شأنها، وإلباسها مصوغ السلف الصالح، وإضفاء على ذاتيتها الكثير من القيم المستخرجة من كتب التراث؛ كانت بحق شخصية يسهل قيادتها، وتشكيلها، وتحميلها ما يود المسيطر عليها أن تحمله من أفكار جديدة، لدرجة أن يجعلها تغير قناعاتها ومعتقداتها المقدسة، أو شبه المقدسة.
ويضيف مشيراً إلى ما تلعبه وسائل الإعلام من دور في تمييع القضية الفلسطينية: قد كانت وسائل الإعلام، وبخاصة التلفزيون خير مختبر لهذه الشعوب، تستطيع أن تقيس درجة وعيها، وجهلها، ودرجة تمسكها بأفكارها ومعتقداتها، ودرجة التسامح والتساهل فيها، فقد نجح الإعلام ذو الأجندة السياسية في كثير من الأحيان في توجيه الشعوب حيث ما أرادت لها، وتحميلها أفكاراً جديدة، بعد أن مسحت من أذهانها مواقف ومعتقدات لا تتلاءم مع ما تعتقده وتسعى لتحقيقه، وذلك من خلال معلومات مزيفة، ومغالطات فكرية. ومن أهم القضايا التي لعب فيها التلفزيون دوراً مهماً في تغيير عقلية التفكير فيها، والنظرة إليها هي: القضية الفلسطينية، قضية العرب والمسلمين الأولى، استعملت كل الأساليب والطرق العلمية، والنفسية، في زحزحة قدسية القضية، وإخراجها من قضية (الأرض قبل العرض) إلى قضية (ما لم نحققه بالسلاح نحققه بالتفاوض).


ونجد في مقدمة كتاب: (التلفزيون وآليات التلاعب بالعقول) للفرنسي بيير بورديو بأن الدور الخطير الذي يلعبه التلفزيون لا يقتصر في التأثير المباشر على المشاهدين، ولكن هذا التأثير يمتد إلى مجالات الإنتاج الثقافي الأخرى، فقد أثر هذا التلفزيون في عقلية الشاعر والكاتب والمخرج السينمائي.. فأخرجهم من دائرة: القضية الفلسطينية هي أم القضايا، إلى دائرة: هذه القضية قضية ثانوية أمام القضايا التي يعيشها المواطن العربي، فالمشاكل اليومية، والأزمات السياسية، والاقتصادية التي تؤرقه تجعله عاجزاً عن الخروج من ضيق قطريته التي يرى أنها تستحق الاهتمام الأوفر، والحل السريع، أما القضية الفلسطينية فأصبحت قضية ثانوية، ولا تستحق التقديم عن قضاياه التي تعايشه، وتؤثر فيه مباشرة، كقضايا الفقر، والبطالة، والصحة، والحرية، والديمقراطية.. أما القضية الفلسطينية فقد اعتادت طول الانتظار لحل يأتي من السماء لا من الأرض. ونتيجة هذه الثقافة التلفزيونية الهجينة، صرنا لا نستغرب وجوه دعاة السلام يملؤون الشاشات، يبشرون بمرحلة سلام مع العدو الغاصب، ومن ورائهم جيش من السينمائيين يمررون صورة العدو بصورة الصديق، أما أصحاب الكلمة الصحافية فكثير منهم يُظهِر القضية الفلسطينية بأنها قضية الفلسطينيين وحدهم، لا قضية كل العرب والمسلمين، والفلسطينيون وحدهم الموكل إليهم اختيار الحل المناسب لها، بالسلام مع محتل أرضهم، أو مواجهته بصدورهم العارية، وبظهورهم المكشوفة من كل من يحميها من العرب.


الكل تاجر بالقضية، فكثيرة هي الدول -عربية وإسلامية- التي رفعت صورة القدس كأيقونة تتمسح عليها، علها تضمن طول بقائها في حكم شعبها، بتعلة الممانعة والمواجهة، تمر العقود، والعدو يزداد قوة، وتزداد صورة الاستعداد للمواجهة والممانعة ضعفاً وترهلاً، حتى عادت مثل هذه الخطابية مثيرة للتقزز.
أما المنظمات والأحزاب فكثير منها من تاجر بالقضية، وجعلها بضاعته الوحيدة التي يغري بها زبائنه، ترتفع أسعارها وتهبط حسب العرض والطلب. ولكن في السنوات الأخيرة، بعد سقوط بعض الأنظمة التي هبت عليها رياح الربيع العربي، واختيار بعضها المواجهة العنيفة مع شعبها؛ انكشفت حقيقة الصورة المزيفة التي كانت ترفعها بعض الدول والمنظمات والأحزاب، سقطت أقنعة الوجوه الكاذبة التي كانت تخدعنا بالعروبة والقومية والوحدة الدينية.


وينتقد ابن خليفة هذا التمشي الإقصائي المتعمد للقضية الفلسطينية من جل المناهج التعليمية العربية قائلاً: والطعنة الموجعة الأكثر إيلاماً لهذه القضية، هي في تغييبها من المناهج التعليمية في عدة دول عربية، وحتى لو ذكرت فبشكل محتشم، لا يمكن أن تكوّن للناشئة صورة حقيقية عن قضيتهم، ولا يحيطون بتاريخيتها، فصورتها في أذهانهم صورة ضبابية، متداخلة الخطوط، مهزوزة الأركان، لدرجة أنه يصعب عليهم تحديد صاحب الحق، هل هو المغتصِب أو المغتصَب! ومن يكون بتماس مع الجيل الجديد، يدرك حجم الكارثة التي يمر بها أولادنا، فهم شعب المستقبل، وحاملو لوائه، وبأيديهم مفاتيح مستقبله؛ ولكن كل الظروف المذكورة، والظروف التي لم نذكرها خوفاً من الإطالة؛ ستجعل منه مواطناً مُنْبَتّاً عن جذوره، وثقافته، وقضيته الأم.


فأدب القضية الفلسطينية كان يتغنى به شباب الهزيمة والنكسة، يجدون فيه متنفساً، ومهرباً، يرممون به حالتهم النفسية المتصدعة، بسبب انهيار هَرَم وَهْمهم بوحدتهم العربية، وانتصارهم الأكيد على جيش الكيان الدخيل، جنحوا لهذا الأدب لعلهم يجدون فيه ترياق الهزائم، وشفاء جراح الخيبة، فالمثقف في السابق لا يكون مثقفاً، وصاحب فكر ومبدأ، بدون أن يحمل هم القضية، ويطلع على تاريخها، وآدابها، أما في السنوات الأخيرة فالصورة تغيرت، فمثقف اليوم لا تُستهجن دعوته للتطبيع، ولا يُنكر عليه جهله بأدب القضية.


بعد كل هذا ألا نتساءل كيف لا تخمد نيران قضيتنا في داخلنا؟ أبعد هذه الشخصية العربية المتصدعة، وهذه الدول المخادعة وهذه المنظمات والأحزاب المتاجرة نستهجن من ضياع فلسطين في دهاليز اجتماعات الأمم المتحدة؟ أ بعد سعي وسائل الإعلام لطمس قضيتنا من داخلنا؟ وبعد تهميشها من برامج التعليم أبنائنا نستغرب من جهلهم بها؟


ولا يستبعد المنجي بن خليفة تغير الراهن العربي متكئاً على عنصر الفجائية والإعجاز، يقول في ذلك: هذا واقعنا، وهذه قضيتنا خمدت نيرانها في داخلنا، ولكن للزمن القادم قانون آخر، نجهله، ونجهل مفاجآته، فأرض فلسطين أرض المعجزات، أليس لهذا الشعب معجزات!

 
يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَتِي عَلَى الْحَقِ ظَاهِرِينَ لَعَدُوِهِمْ قَاهِرِينَ لَا يَضُرُهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ إِلَا مَا أَصَابَهُمْ مِنْ لَأْوَاءَ حَتَى يَأْتِيَهُمْ أَمْرُ اللَهِ وَهُمْ كَذَلِكَ). قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَهِ، وَأَيْنَ هُمْ؟ قَالَ: (بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ وَأَكْنَافِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ).


قلب الصراع ولب النزاع


أما الكاتبة الفلسطينية نجاح العالم السرطاوي فتشجب ما يحصل في الأراضي المحتلة من انتهاك سافر للمقدسات، وتعدٍّ على الحرمات، متغنية من جهة ثانية بالبطولات والأمجاد العربية الآفلة.


تقول: يا له من موضوع متشعب متشابك، يهم الجميع، بات يلمُ به الصغير والكبير، والعالم والجاهل، تتآلف فيه القلوب وتتفق فيه المشاعر. تاريخ أمة العرب المعاصر أو الحديث لا شك مليء، مليء بكلمات من بطولة وحروف من تضحيات، وأسطر من دموع وصفحات من دماء وكتب من مآسٍ.


إن كنتَ لتقرأَه لن تعرفَ من أين لتبتدئ؟ وأين تنتهي؟ ومتى تتوقف لتأخذ هنيهة لتبكي أو تبتسم؟ تبكي لِما تقرؤه عن مأساة أو نكبة، وتبتسم عندما تقع عيناك على بطولة أو تضحية.


إن كنت لتقرأه لترى وتقرأ عن الملمات والنكبات والنكسات والتضحيات والبطولات، وليكن زادك الصبر عند قراءتك ومصبرك الإيمان وإيمانك عظيم.

 
إن كنتَ لتقرأه فإنك سترى شريطاً يبدأ بسايكس بيكو، ويعرج بوعد بلفور، ويمر بحلف بغداد، ويذكر قمةَ الخرطوم، واتفاق الطائف، ومؤتمر مدريد، ومعاهدة أوسلو، واتفاقات جنيف. ولتمر بشريط ما أَلَمَّ بأقطارنا من التقسيم والاحتلال والتهويد والتشريد؛ وعندما تصل لآخره ستكون صورته: احتلال ونكبة فلسطين وتفتت العراق ومأساة سوريا ودمار ليبيا ومحنة مصر وحرب اليمن، وعديد من دول يجمعها شعب واحد ولغة واحدة ودين واحد وتطلعات واحدة؛ لكنها أقطار عديدة وحكام كثر.


كثيرة هي الأسئلة وعديدة هي التأملات لِما نرى في واقعنا،
هل غابت فلسطين عن وجداننا لما كبرت محنتنا؟ وهل هي قضية العرب الأولى في ظل ما نرى من تكالب المطبعين وتكاثف التطبيع؟

 
وبخصوص الانشغال عن القضية الفلسطينية ترى نجاح السرطاوي أن فلسطين تبقى قلب الصراع ولب النزاع، وما كانت لتكون مآسٍ للعرب لو ما كانت مأساة فلسطين، ولا تستطيع فصل وعد بلفور عن معاهدة سايكس بيكو. وبرأيي أنه إِنْ كثر المطبعون فإن الشرفاء لهم أضعاف أضعافهم، وإن كثرت أبواقهم وصار لهم سامع ومؤيد.
ولتسألني إن كانت الدول العربية انشغلت بشأنها الداخلي بعد التغيرات السياسية الجديدة، وهل طُويت قضية فلسطين؟ ولأُجيبك ومتى استتبت لها الأمور لكي لا تنشغل عن فلسطين؟ أما احتلت البلاد واستُرق العباد ودخلت جيوش المستعمرين لتحتل بلادنا وعواصمنا ومدننا وقرانا؟ أتركت العراق لحالها ومصر لشأنها وسوريا لتطورها؟ أوَ لم تنشغلْ بمؤامرات الغرب والاشتباك مع العدو وما أكثر الأرقام بتاريخنا، وهي: ثمانية وأربعون وستة وخمسون وسبعة وستون وثلاثة وسبعون واثنان وثمانون وتسعون وألفان وثلاثة.. وتتتالى الأرقام وتزدحم الكتب ويكتب الكاتبون.


أَمَا شُغل العرب بصراعات وحروب وويلات ولتشغلهم أحداث الدهر جُل القرن الفائت وكل سنوات قرننا هذا؟ أوَ تُذكر سنة وما بها حرب أو نكبة أو نكسة؟ إن كان هذا الجيل يرى بزماننا مآسيَ ويعيش سنوات ويلات، ويرى أيام انحدار، ويتساءل إن كانت لتشغل العرب عن فلسطين وقضيتها، وهل ليراها قلب نزاعه ولب صراعه؟ أعود وأتذكر أننا ما تغير علينا شيء فمن أربعينات الاستعمار لخمسينات الثورات لستينات الصراع للسبعينات والثمانينات.. وليستمر تكرار السنين والأيام وأيامنا لا تهدأ وصراعنا لا يستكين وقلب الصراع لا زال وسبب النزاع لا زال. وإني لأرى عربنا وما خفت عليهم وطأة المآسي وتكاثُرِ المحن في يوم من الأيام. فإن كان قد صبر جيلُ مَنْ قبلِنا وما نسي؛ فظني أن هذا الجيل وما بعده سيصبر وسيتذكر. وإن كان جيل مَنْ قبلنا ما باع؛ فجيلنا وجيل مَن بعدنا لن يبيع. وإن كان الجيل السابق والحالي قد حملا الرسالة والسلاح؛ فسيحمله الجيل اللاحق حتى النصر والتحرير، (فالخير في أمتنا باقٍ ما بقِيَت وبقينا).

 
هذا وتؤكد السرطاوي أن الجيل الحالي وإن أسأنا به الظنون فهو جيل واعٍ، وإن زادت وطأة التحديات عليه وبتطور تكنولوجيا المعلومات، وإن رأينا إعلاماً جديداً ووسائل جديدة للتواصل الاجتماعي تتيح لأصوات تنعق للتطبيع مع كيان الاحتلال الصهيوني ونتساءل إن كان أدب المقاومة قد اندثر؟


إن أمةً أنجبت محمود درويش وسميح القاسم وغسان الكنفاني فإنَ رحمَها لينجب مثلهم وغيرهم، وأمة قاومت المستعمر لترفض التطبيع ولو نعق مروجو التطبيع بوسائل الإعلام قديمه وجديده. وثورة المعلومات ووسائل التواصل الاجتماعي أراها مقربةً شعوبنا، وأرى عيون أبناء شعوبنا بها متلاقية وقلوبهم بها متقاربة، وإن شاء الله سينقلب السحر على الساحر، لتكون وسيلة لنبذ التطبيع مع الكيان المحتل لا مروج له، وكما يقال: الشمس لا تُغطى بغربال.

 
فشبابنا واعٍ بأمور أمتنا وبمكانة فلسطين عند العرب وإن تبدى لنا غير ذلك، ويذكرني بقول أبي سُلمى:


ستبدي لك الأيام ما كنتَ جاهلاً

ويأتيك بالأخبار من لم تُزوِدِ


ولآخذ من شعبنا البطل الصامد بفلسطين العبرَ، ولأعلمك منه الخبَر. ويطمئن قلبي وأنا أذكره، أضحَى مواطنَ عديدة وما زال رافضاً التهويد والتوطين والتسكين والاستسلام والتسليم. أرى شعبنا بالداخل وما زال متمسكاً بعروبته رافضاً للتهويد رغم قساوة المشهد وضآلة المسند. قائماً بدوره بدعم باقي امتداده الطبيعي بالضفة وغزة، ممن هو واقع تحت الاحتلال، شعب واحد بظرفين وإن اختلفا يبقى جوهرهما واحداً. احتلال واحد وإن اختلفت التسميات. وما قلَّ عنها امتداد شعبنا في مخيماته في لبنان والأردن وسوريا وباقي شتات شعبنا بأنحاء المعمورة عزماً وصموداً.


إني عندما أرى شعباً ما هزمته قوى احتلال لعقود فإن خسر الأرض فما خسر الوطن. وإن اشتد الظرفُ فما فقد العزم.

 
إني عندما أرى شعبنا وقد مر قرنٌ على محنته وما كلَّ وما انحنى وما استسلم وما هاود وما داهن وهو متشتت بين الداخل والضفة وغزة ومخيماته وشتاته وما زالت فلسطين قائمة به؛ فإني لأرى التحرير قادماً وأرى شعبنا عائداً لا محالة لمدنه وقراه وسهوله وجباله، وإني لأرى التحرير وإن قنطت القلوب، وإنّا والله لعائدون عائدون عائدون.


الربيع العربي وتفجر الوضع في المنطقة


ويرى الروائي السعودي د.عبد الله الوصالي أن تراجع الاهتمام بالقضية الفلسطينية مرده ظهور ما يعرف بثورات الربيع العربي. يقول: شكراً للمجلة العربية الرائدة في طرحها لهذه القضية القومية الأولى في وجدان الأمة العربية، ومحاولة بعث الاهتمام بها وإعادتها إلى بؤرة الضوء من جديد بعد ما اعتراها من غبش جراء الأحداث المتسارعة في الشرق الأوسط، وبالأخص بعد تفجر الربيع العربي أوائل سنة 2011م.


لا شك أن للأحداث الكبيرة التي وقعت بعد عام الربيع العربي وانهيار أنظمة عربية وصعود قوى متطرفة إلى المشهد السياسي، ومن ثم تفجر الحروب العرقية والمذهبية في المنطقة؛ أكبر الأثر في تراجع القضية الفلسطينية إلى مرتبة متأخرة في سلم اهتمام المواطن العربي. فالمواطن في العراق أو سوريا أو مصر واليمن وغيرها من الدول العربية والتي تشهد حروباً تقترب جداً من مكان سكنه وبين ظهراني مواطنيها، ويجد نفسه في بعض الأحيان مضطراً للانخراط فيها، ولو حتى بمشاعره؛ لن يفكر كثيراً في قضية فلسطين التي طال عليها الأمد وأصبحت من القضايا المزمنة في المنطقة، وتحولت مع الوقت ولعدة عوامل إلى قضية باردة تتجاذبها صوالين وكواليس السياسة بين العواصم الغربية النافذة وبين عواصم المنطقة العربية المعنية.


ويبين الوصالي أن بروز وسائل التواصل الاجتماعي على السطح، وظهورها كإعلام بديل هو في حد ذاته، وبصفتها مجرد وسائل أو أدوات للتواصل؛ لا يحمل تأثيراً من أي نوع في القضية، فهذه الوسائل لا تعدو عن كونها وسائل يمكن توظيفها لهذا الحدث أو تلك القضية بالشكل الذي يستخدمه صاحب القضية أو الفكرة. وفي الحقيقة إن وسائل التواصل الاجتماعي يمكنها تعزيز مكانة قضايانا ومن بينها القضية الأم القضية الفلسطينية، وبإمكاننا أن نصل إلى الجمهور الأعرض والأكبر في جميع أصقاع الدنيا، لكن حتى تلك الوسائل الجديدة لا يمكنها أن تعمل من تلقاء نفسها، بل يلزمنا إتقان لكيفية التعامل معها، فهي قادرة على نقل المعاناة التي يشهدها الفلسطينيون بالصوت والصورة في اللحظة إلى أصقاع العالم، ويمكن لهذه الوسائل كسر احتكار وسائل الإعلام التقليدية المغيبة لآلام الشعوب وتمتعها بامتلاك الحقيقة. أما ما صدر أخيراً من محاولة البعض الدفع بهذه القضية بعيداً عن اهتمام الجمهور الأشمل وإحلال عدو إقليمي آخر، ومن ثم تضخيم هذا العدو المفتعل؛ فهي لا شك عملية ستعود بالفشل على داعميها وخالقيها، وكل الأصوات المشبوهة التي ظهرت تدعو للتطبيع مع عدو الأمة الأول (الكيان الصهيوني الغاصب) ما هي إلا صنيعة بعض الأصوات المأجورة والقليلة، بينما السواد الأعظم ما يزال متمسكاً بتلك القضية مهما طال أمدها.


ويضيف قائلاً: لقد مر على المأساة الفلسطينية سبعة عقود تقريباً، وكوّن المهاجرون الفلسطينيون في بلاد المهجر الكثير من بؤر التأثير على الرأي العام العالمي؛ لكن ذلك التأثير لم يصل إلى التأثير المطلوب، وكان لدخول الفلسطينيين ممثلين في منظمة التحرير الفلسطينية في صراعات الشرق الأوسط واضطراب الأنظمة العربية وعجزها عن الدفاع عن قضيتها المحورية؛ أكبر الأثر في عدم نجاح الممثل السياسي للفلسطينيين والذي يضم الكثير من الفصائل والحركات الفلسطينية، وأقصد به منظمة التحرير الفلسطينية في تحرير أرضها أو على الأقل موازنة الحالة السياسية للكيان الصهيوني في عواصم الغرب والعالم المؤثرة.


أخيراً لا شك أن القضية الفلسطينية تشهد تراجعاً إلى حد ما، هذه الأيام؛ لكنها أبداً لن تموت وستظهر إلى المقدمة من جديد، وتستمر في ذلك عندما تملك الجماهير العربية زمام أمرها.


الفتن شوكة في خاصرة الأمة العربية

وتؤكد القاصة الأردنية هيفاء مجدلاوي أن هم العرب الأوحد هو قضية فلسطين، ولكن ظهور ما يسمى بالربيع العربي، وخلق الفوضى العارمة، وتشتت الدول العربية وشعوبها، والنكبات التي توالت على شعوب المنطقة العربية من هدم ودمار وقصف وتشريد وتهجير، وتناحر قوى وصراعات دامية على المصالح والكراسي؛ جميعها ساهمت في قطع أوصال الدول العربية بسكين باردة، بل أيضاً بتر أجزاء الوطن الواحد. فالصراعات الدامية الطائفية والعرقية والدينية سلبت الكثير من دول الوطن العربي قوته ونهبت ثرواته وأنهكت قدراته، بل الأخطر من ذلك إبادة القوى البشرية والصناعية في تلك الدول وهدم البنى التحتية لتعود لمئة عام من التراجع بعد التقدم الذي كانت تحرزه، لكن للأسف التراجع والتقهقر الواضح وزراعة الفتن كلها كانت شوكة في خاصرة الأمة العربية لتشتت الانتباه عن قضية العرب الأولى وهي قضية تحرير الأقصى المحتل. علم العدو أن سر قوة العرب يكمن في توحيد صفوفهم وتوحدهم تحت ظل راية خفاقة تسعى لتحرير القدس، ولذلك سعى إلى تقطيع أوصال الدول العربية ومحاولة تقسيم الدولة الواحدة إلى عدة دويلات متناحرة، منشغلة بهمومها الداخلية ومصالحها ومكاسبها الاقتصادية.


وتخلص المجدلاوي إلى أمر على غاية من الأهمية وهو أن التمزق الذي أصاب الدول العربية جعلها دولاً بأكملها منهزمة، التناحر بات واضح التأثير في إضعاف القوة البشرية العربية والاقتصادية وإنهاكها عسكرياً، ولكن حتماً تظل العيون مترقبة، وهي تنشد الخلاص، وتتجه نحو شباب المستقبل، تراهن عبر وعيهم الثقافي وفكرهم الحضاري. ورغم ضبابية المشهد السياسي العام اليوم إلا أن الأمل المنشود ما يزال عالقاً لا يغيب عن ذهن المواطن العربي، نعم الكل يعلم باستهداف الجيل الجديد، فهو أمل المستقبل، وضربه بعوامل القتل والتشريد والتهجير، بل في بعض الدول العربية محاولة إغراقه بالمخدرات حتى يتأكد ضياعه للأبد، وضعفه واستكانته، ومحاولة غسيل دماغه بالكامل نحو قضايا أمته عبر كل وسائل الإعلام والتكنولوجيا المتاحة وعبر وسائل الاتصالات من فيس بوك، وواتس أب، وتويتر..

 

وغيرها؛ إلا أن الشمس لن تغطى بغربال، ففي الجهة المقابلة تظهر صحوة تدق أجراس الخطر على الأعداء، وتنذر برفض للتغييب والغيبوبة التي تفرض على شباب اليوم، فالبعض يعي تماماً حجم ومقدار ما يحاك من مؤامرات لأمته ووطنه لسلبه هويته ووطنه ودينه، فما زال مقاوماً متمسكاً بعروبته وحقه في تحرير تراب وطنه العربي وتحرير الأقصى السليب.


وتطرح الكاتبة جملة من الأسئلة الاستشرافية تطلعاً إلى غد أفضل يمحو معالم الهزيمة والانكسار: فهل يبقى هذا حلماً في عالم الواقع؟ هل تبقى الصلاة في ساحة الأقصى وهو محرر لكل عربي ومسلم حلماً؟ ربما في العصر الحالي والزمن الذي نعاصره الآن نقول نعم، حلم؛ ولكن لا بد أن يأتي يوم ما لتحقيقه، ولا بد من أن يأتي يوم يتمسك فيه العربي بعروبته وهويته ولن يفرط فيها أبداً ولن يستسلم برغم ما يتعرض له من مؤامرات لطمس معالم قوميته وضربه في دينه وعروبته، فحتماً سينبت من الحرب ومن الشتات ومن الدمار إصرار ومقاومة وعزم وقوة وإرادة لاسترداد الحق الشرعي لكل مسلم وعربي في فلسطين وتحرير الأقصى المحتل، عندما تكون الراية واحدة راية الحق وراية الإسلام راية القلب الواحد العربي المسلم، وما زلنا نرى بأم أعيننا كيف بقي فلسطينيو الداخل متمسكين بتراب أرضهم وحريصين على عدم التفريط في بذرة من ترابه برغم التجويع والذل وسياسة التركيع التي يتبعها العدو إزاء شباب فلسطين حتى يجعلهم ينشدون مغادرة الوطن وترك ترابه. ولكن هيهات ما تحقق ذلك أبداً، فما زال الكل يعي أهمية صموده وجهاده على أرضه، أما عن الشتات فالصمود أقوى والصرخة نابضة وحارقة، فمازال الفلسطينيون بعد مرور أعوام وأعوام، بل خلق أجيال لم تعاصر فلسطين وتولد على أرضها؛ ثابتين مؤمنين بقضيتهم. فهل استطاع العدو طمس هويتهم؟ هل استطاع أن يجعلهم ينسون فلسطين في غربتهم في كل يوم نراهم يحملون صورة الأقصى وفلسطين يحملونها في أذهانهم ونرى حلمهم بالعودة ماثلاً في أعينهم، يعلمون أنهم أبناء فلسطين ولهم الحق بالعودة لتراب وطنهم، جيل الشتات، جيل اللجوء في الدول العربية، لاجئو 48 هذه الورقة التي حاول العدو اللعب بها وإخفاءها وإنكار حق العودة لهم وحاولوا شراء ذممهم بالأموال ليبيعوا أرضهم، وكي لا يطالبوا بحق عودتهم المشروع؛ فإصرار هؤلاء وحملهم الراية من جيل إلى جيل جعلت فلسطين تبقى جذوة مشتعلة في قلوبهم على مدى الدهر ومرور الزمن، ودوماً وأبداً تعلو الأصوات مطالبة بحق العودة لأرض أجدادهم، نعم سنعود يوماً ما سنعود.. فلنا وطن ولنا أرض، ولنا تراب لن يتنازل الرضيع عنه، وسيظلون يحملون راية تشتعل وتتقد في قلوبهم رغم الغربة والشتات، هكذا لسان حالهم يقول.


أما عن التطبيع مع الصهاينة فلا ترى مجدلاوي مانعاً من ذلك في إطار نوع من المهادنة. تقول: في الخارج ورغم وجود بعض الأصوات التي تطالب بالسلام والتطبيع مع الكيان الصهيوني مستندة إلى الضعف الذي يعاني منه الوطن العربي وإلى الاستسلام لواقع القوة الاقتصادية والمادية والعسكرية المهيمن عليها الجانب الإسرائيلي؛ فلا بد إذن من الركون والموافقة على التطبيع مع العدو المحتل لحين ميسرة، وعلى الأقل حتى نقلل من حجم الخسائر الإستراتيجية في الوقت الحالي، وتأييد السلام مع إسرائيل والتعايش كدولتين على أرض واحدة تخضع لاحتلال إسرائيل وهيمنتها؛ نجد أن التقهقر العربي هو من رسم خارطة الطريق تلك، والتراجع والضعف العربي هو من أدى إلى تنامي خطر العدو الذي يستمد قوته ويحكم سيطرته كلما سقطت دولة عربية وتناحر أبناؤها. نسأل الله أن يعم الأمن والأمان في كافة دولنا العربية، وأن تتوحد صفوفهم، وأن يفقهوا أن تحرير القدس سيكون في قبضتهم فقط عندما تصبح فلسطين هي همهم الأول والأخير، والأقصى هو مبتغاهم ومنبع جهادهم.


في مهب السقوط

أما الشاعر والصحفي المصري سامح محجوب فيرى أننا نعيش تبعات تخلينا عن فلسطين، كل ما حدث وما سيحدث من انهيار وتهديم في الجسد والعقل العربي هو ابن القضية الفلسطينية بامتياز، وكل الحروب التي خاضتها مصر ومعها بعض العرب كانت من أجل فلسطين حتى تحريرها لسيناء. عندما سقط الاتحاد السوفياتي في بداية تسعينات القرن المنصرم، ووقع العالم بأسره تحت الهيمنة الأمريكية؛ صدر كتاب (فلسفة الديمقراطية) لشارانسكي، وهو الكتاب الذي اعتمدته الخارجية الأمريكية حتى الآن إستراتيجيةً لها تسعى لتنفيذها في المنطقة العربية، وهي إحداث اقتتال عربي/عربي أو إسلامي/إسلامي، على خلفية إثارة ما كمن لسنوات طويلة في الشخصية العربية من نعرات ونزعات عرقية وقومية وطائفية ومذهبية، وذلك لتفتيت المنطقة العربية لدويلات صغيرة وضعيفة يسهل قيادتها واستعمارها فكرياً وإعلامياً، ومن ثم تفريغ الجغرافيا العربية بكل زخمها التاريخي والسياسي من حول إسرائيل لإتاحة الفرصة لها للتجذر والتمدد في الأرض العربية لتكون إحدى الولايات الأمريكية الكبرى الحارسة لمنطقة النفط والغذاء والنفوذ. ويتابع سامح محجوب: كان أن نفذ العرب ما ذهب إليه (شارانسكي)، بل ذهبوا في التشرذم والسقوط إلى ما لم يحلم به أي مخرب في التاريخ، فلا عراق ولا سوريا ولا يمن ولا ليبيا، ومن ثم ولا فلسطين، حيث يستعد الفلسطينيون لإعلان القدس عاصمة موحدة للكيان الصهيوني بمباركة عالمية. ويؤكد محجوب أن كل هذا ابن تخلينا طيلة هذه العقود عن القضية الفلسطينية التي هي جوهر الصراع الذي تحول من صراع عربي إسرائيلي إلى صراع عربي عربي يخطط له ويموله وينفذه العرب، ولا عزاء لكل أناشيد الشعراء والحالمين بالحرية والإنسان والأرض، كلنا في مهب العاصفة، كلنا في مهب السقوط، كل القصائد في مهب القصف ما دامت فلسطين ليست عربية، وما دام هؤلاء اللقطاء الصهاينة يعيشون بيننا ومادام بعض العرب يدفعون فاتورة بقائه على دست الملك من نفطه ودماء أهله

 

جديد المقالات المزيد
التأريخ الهجري واستقلالية الأمة

التأريخ الهجري واستقلالية الأمة

د. أحمد عبد الحميد عبد الحق سيهل علينا بعد قليل العامُ الهجري الجديد...

أصحاب الأخدود عبر العصور والحدود

أصحاب الأخدود عبر العصور والحدود

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن اتبع...

مسار التجديد الثقافي والوعي بالتاريخ

مسار التجديد الثقافي والوعي بالتاريخ

هاشم الرفاعي في أوج عصر التنوير الأوروبي أشار هيغل "أن الفكر ينمو...

جديد الأخبار المزيد
أردوغان: استقرار أراكان يتم من خلال مراعاة حقوق الإنسان الأساسية

أردوغان: استقرار أراكان يتم من خلال مراعاة حقوق الإنسان الأساسية

قال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، إنه لا يمكن نهوض واستقرار إقليم...

 الهيئة العليا للمفاوضات تُرحّب بمواقف باريس بشأن مغادرة بشار الأسد

"الهيئة العليا للمفاوضات" تُرحّب بمواقف باريس بشأن مغادرة بشار الأسد

أثنى المنسق العام للهيئة العليا للمفاوضات السورية المعارضة رياض...

قيادي في حماس : إتمام المصالحة بانتظار خطوات من فتح والرئيس عباس

قيادي في "حماس": إتمام المصالحة بانتظار خطوات من "فتح" والرئيس عباس

  أكد القيادي في حركة المقاومة الإسلامية "حماس"...

  • أيام في سيلان والمالديف