• الصليب وحكاياته

معالم المدرسة النبوية في تعليم الأطفال

Feb 4 2017 8:33:28

معالم المدرسة النبوية في تعليم الأطفال
معالم المدرسة النبوية في تعليم الأطفال

محمد شعبان أيوب

لم يكن من المستغرب أن يعترف كثير من الغربيين ممن اطلعوا على سيرة النبي " صلى الله عليه وسلم" اطلاعًا منصفًا أنه فريد وعظيم بمقاييس العلم والتاريخ المادي المجردة، التي لا يرون غيرها، ولعل الأميركي مايكل هارت صاحب كتاب «الخالدون مائة أعظمهم محمد " صلى الله عليه وسلم" » قد لخص هذه الرؤية المنصفة في مستهل كتابه ذلك بقوله: «لقد اخترت محمدًا " صلى الله عليه وسلم" في أول هذه القائمة، ولابد أن يندهش كثيرون لهذا الاختيار، ومعهم حق في ذلك، ولكن محمدًا " صلى الله عليه وسلم" هو الإنسان الوحيد في التاريخ الذي نجح نجاحًا مطلقا على المستوى الديني والدنيوي» (1).

ولسنا هنا بصدد تعميم مقولة هارت على كل المستشرقين أو الغربيين ممن كتبوا عن نبينا " صلى الله عليه وسلم" ، فهم ليسوا سواء بطبيعة الحال، لكن مقولة هارت لخصت كل ما يمكن أن يقال عن النبي " صلى الله عليه وسلم" ، وفي هذا المقال الموجز نقف مع المعلم الرحيم الذي لم يغب عنه في إطار النبوة وبناء الدولة ومهامه الجسام ما يلزم للنشء من عنايته واهتمامه " صلى الله عليه وسلم" .

الرحمة أولًا

كان نهج النبي " صلى الله عليه وسلم" التربوي مع الكبير والصغير يتكئ على دعامة الرحمة والرأفة والرفق، وصدق أنس "رضي الله عنه" حينما قال: «كان رسول الله " صلى الله عليه وسلم" أرحم الناس بالصبيان» (مسند البزار)، فهذه شهادة من غلام عايش النبي " صلى الله عليه وسلم" عشر سنين متصلة.

هذه الرحمة المتدفقة ما كان النبي " صلى الله عليه وسلم" يكتمها، بل يحرص على إظهارها وإجلائها، فعن أنس "رضي الله عنه" قال: رأى النبي " صلى الله عليه وسلم" النساء والصبيان مقبلين من عرس فقام " صلى الله عليه وسلم" قائلًا: «اللهم أنتم من أحب الناس إلي» قالها ثلاث مرات (رواه البخاري).

هذه رؤيته لأضعف الناس في هذه الأمة.. الأطفال والنساء، رؤية تقوم على الرحمة والرأفة المتدفقة التي لا تنحصر معانيها أو مشاعرها بين جنبات نفسه، وفي طيات صدره، ولذلك كان نهجه في التعامل مع الأولاد الصغار قائمًا على المداعبة والتبسم، بل والحنو الزائد، وإن كان في صلاته!

فهذه حفيدته أمامة بنت زينب- رضي الله عنهما- كان " صلى الله عليه وسلم" يصلي وهو حاملها، «فإذا سجد وضعها، وإذا قام حملها» (رواه البخاري).

وهذا لعبه " صلى الله عليه وسلم" مع الحسين بن علي- رضي الله عنهما- على مرأى ومسمع من الصحابة، وفي مجتمع المدينة الذي كانت تحوطه قبل الإسلام النزعة الرجولية المتشددة، فعن يعلى العامري أنه خرج مع رسول الله " صلى الله عليه وسلم" إلى طعام دعوا له، قال: فاستقبل رسول الله " صلى الله عليه وسلم" أمام القوم، وحسين مع غلمان يلعب، فأراد رسول الله " صلى الله عليه وسلم" أن يأخذه. قال: فطفق الصبي ههنا مرة وههنا مرة، فجعل رسول الله " صلى الله عليه وسلم" يضاحكه حتى أخذه. قال: فوضع إحدى يديه تحت قفاه والأخرى تحت ذقنه فقبله، وقال: «حسين مني، وأنا من حسين، أحب الله من أحب حسينًا، حسين سبط من الأسباط» (رواه أحمد).

ولقد تجلت هذه الرحمة النبوية في أبسط الأشياء وأدقها، فعن أنس "رضي الله عنه" أن النبي " صلى الله عليه وسلم" قال: «خير ما تداويتم به الحجامة والقسط البحري، ولا تعذبوا صبيانكم بالغمز» (رواه البخاري). قال الإمام المناوي في شرح هذا الحديث: ولا تعذبوهم بالغمز، الغمز هو عصر الأصابع وشدتها على الشيء(2). ومنها ما رواه ابن عمر عن النبي " صلى الله عليه وسلم" «أنه كره القزع(3) للصبيان» (رواه أحمد).

الإيمان بالله قاعدة التعليم

أساس العلم ومداره الإيمان بالله وعدم الإشراك به، فلقد حرص النبي " صلى الله عليه وسلم" على زرع الإيمان في نفوس أولئك الصغار؛ بغية إشراكهم في النهضة والقيام بالدين الجديد، ولم يكن نوم علي بن أبي طالب "رضي الله عنه" - وهو فتى لم يتجاوز الثانية عشرة من عمره- في فراش النبي " صلى الله عليه وسلم" في عملية فدائية لم يكن من المستبعد فيها موته واستشهاده، إلا ثمرة من ثمرات التربية النبوية الإيمانية، التي لم تعرف في الوجود إلا الله ربًّا معبودًا خالقًا وحده لا شريك له.

الإيمان إذن كان أولى درجات النهضة المنشودة، والتربية المستهدفة في ذلك الجيل، ولقد أمدتنا كتب الحديث الشريف وسيرة النبي " صلى الله عليه وسلم" بمعلومات ومواقف وحوادث كثيرة، يضيق المقام عن استيعابها.

لم يكن النبي " صلى الله عليه وسلم" ينتظر كثيرًا، فحينما يصل الولد إلى مرحلة «الإفصاح» والكلام والفهم يسرع " صلى الله عليه وسلم" في بنائه إيمانيًّا بناء جديدًا، وهذا ما يرويه التابعي الجليل عمرو بن شعيب (ت118هـ) بقوله: «كان الغلام إذا أفصح من بني عبد المطلب علمه النبي " صلى الله عليه وسلم" هذه الآية سبع مراتٍ؛ وهي قوله تعالى: {وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُن لَّهُ وَلِيٌّ مِّنَ الذُّلِّ ? وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا } (الإسراء: 111) (مصنف ابن أبي شيبة).

فالنبي " صلى الله عليه وسلم" يخاف على هؤلاء الأشبال أن يربوا على ما ربي عليه آباؤهم وأجدادهم من قبل في الجاهلية، بل يسرع " صلى الله عليه وسلم" ليعلمهم آية من كتاب الله- عز وجل- فيها معاني الوحدانية المطلقة لله سبحانه وتعالى، والكبرياء والعظمة والإحاطة.

وهذا ما يؤكده أحد الصحابة ممن عاصروا منهج التربية النبوية صغيرًا في إحكام العقيدة الصحيحة في قلوب الأطفال، وهم صغار لا يفقهون من الإسلام والحياة شيئًا، وهو جندب بن عبدالله البجلي الذي قال: «كنا مع النبي " صلى الله عليه وسلم" ونحن فتيان حزاورة (4), فتعلمنا الإيمان قبل أن نتعلم القرآن، فازددنا به إيمانا» (سنن ابن ماجه).

وهذا دليل آخر على وجوب تعليم الفتى والفتاة الإيمان والتوحيد بصورة ميسرة مبسطة، فيها النقاش والعيش في عالم هذا الطفل الصغير، ثم تأتي مرحلة حفظ كتاب الله عز وجل، وهي المرحلة التي قال عنها الصحابي الجليل جندب بن عبد الله: فازددنا به إيمانًا. أي: ارتقوا من مرحلة التعرف على الله- عز وجل- إلى مرحلة اليقين به والتوكل عليه.

ثم تأتي مرحلة الحوار الجاد الذي يكلل المرحلتين السابقتين بالغرس الصحيح، وهي مرحلة الاقتراب من هذا الصغير وإشراكه في العملية الإيمانية والعقدية بالنقاش والتوجيه من خلال القدوة والأسوة، وهذه المرحلة يمثلها بكل وضوح الصحابي الجليل عبدالله بن عباس-رضي الله عنهما- الذي يقول: قال لي رسول الله " صلى الله عليه وسلم" : «يا غلام, احفظ الله يحفظك، احفط الله تجده أمامك، تعرف بالله في الرخاء يعرفك في الشدة، واعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك، واعلم أن الخلائق لو اجتمعوا على أن يعطوك شيئًا لم يرد الله أن يعطيك لم يقدروا عليه، أو يصرفوا عنك شيئًا أراد أن يصيبك به لم يقدروا على ذلك، فإذا سألت فسل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسرًا، واعلم أن القلم قد جرى بما هو كائن» (رواه الطبراني).

فتى صغير يعلمه النبي " صلى الله عليه وسلم" هذا المعتقد الواضح الراسخ، يعلمه أن الكون كله بيد الله وحده، فهو النافع والضار، يردف الفتى حبر الأمة فيما بعد خلف النبي " صلى الله عليه وسلم" ليسمعه أساس العلم وقاعدته.. العقيدة الصحيحة الصافية، القائمة على توحيد الله والاستعانة به والرضا بقضائه، ليس من المستغرب أن هذه الكلمات قد صارت من أهم دعائم مؤلفات العقائد والأصول في تاريخ التراث الإسلامي فيما بعد.

إننا لا يمكن في هذا المقال المقتضب عن بعض معالم «المدرسة النبوية في تعليم النشء والأطفال» أن نستوعب إلا شيئًا قليلًا للغاية من هذه المدرسة النبوية العظيمة، العميقة القيم والمواقف، مدرسة لانزال نتعلم منها، وستظل الأمة كلها كبيرها وصغيرها تنهل منها مادام في الأرض إسلام وإيمان، فصل اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

هوامش

(1) مايكل هارت: الخالدون مائة أعظمهم محمد " صلى الله عليه وسلم" ، ترجمة أنيس منصور، ص13.

(2) المناوي: فيض القدير شرح الجامع الصغير 3/653.

(3) القزع: أن يحلق رأس الصبي، ويترك منه مواضع متفرقة غير محلوقة.

(4) جمع الحزور: وهو الغلام إذا اشتد وقوي

 

جديد المقالات المزيد
صفحة من تاريخ العلوم: أول كتاب في المدفعية

صفحة من تاريخ العلوم: أول كتاب في المدفعية

إن ظهور سلاح المدفعية واستخدامات البارود قد ترافق في أوروبا مع بداية...

حركة الشيخ رابح بن فضل الله ضد الاستعمار الفرنسي في تشاد

حركة الشيخ رابح بن فضل الله ضد الاستعمار الفرنسي في تشاد

  فرج كُندي مقدمة  تعتبر حركة المجاهد الكبير رابح من فضل...

لنتذكّر في ذكرى الهجرة

لنتذكّر في ذكرى الهجرة

لقد كان نجاح الإسلام في تأسيس وطن له وسط صحراء تموج بالكفر، أعظم كسْب...

جديد الأخبار المزيد
مجلس الأمن يعقد أول جلسة علنية حول ميانمار الخميس

مجلس الأمن يعقد أول جلسة علنية حول ميانمار الخميس

يعقد مجلس الأمن الدولي بعد غد الخميس، أول جلسة مفتوحة حول الانتهاكات...

مقتل ثلاثة جنود إسرائيليين إثر عملية إطلاق نار شمال القدس

مقتل ثلاثة جنود إسرائيليين إثر عملية إطلاق نار شمال القدس

أعلنت شرطة الاحتلال الإسرائيلي عن مقتل ثلاثة جنود وإصابة رابع إثر...

مناورات عسكرية مشتركة بين تركيا والعراق عقب استفتاء كردستان

مناورات عسكرية مشتركة بين تركيا والعراق عقب استفتاء كردستان

قالت رئاسة الأركان العامة التركية إن المرحلة الثالثة من المناورات...

  • أيام في سيلان والمالديف