• الصليب وحكاياته

مقاومة التوزونيني للاستعمار الفرنسي .. أحداث وظواهر

Nov 29 2016 15:41:01

مقاومة التوزونيني للاستعمار الفرنسي  أحداث وظواهر
مقاومة التوزونيني للاستعمار الفرنسي .. أحداث وظواهر

البشير أبرزاق

يكاد يجمع كل المؤرخين، مغاربة وأجانب، على أن الاستعمار الفرنسي والإسباني لم يستقر في المغرب عامة وفي جنوبه بشكل خاص، خلال النصف الأول من القرن العشرين، إلا بعد غزو عسكري، جوبه بمقاومة شعبية كلفته خسائر فادحة مادية ومعنوية. هذه المقاومة برجالها وزعاماتها شكلت "حقا تاريخيا مجهولا" مما يجعل الحاجة إلى إخراجها من زوايا النسيان أمرا ضروريا وملحا.

والمتأمل في ما ذكره مؤرخ سوس -محمد المختار السوسي- في مؤلفاته، خاصة في موسوعته "المعسول"، ليجد ما خصه من صفحات لرصد رجالات المقاومة هناك. وقد تراوحت أسماء المقاومين الذين ذكرهم بين المشهور والمغمور، ومن هؤلاء نذكر: الشيخ ماء العينين، المدني الاخصاصي، الطاهر الافراني، مبارك التوزونيني... إلخ.

وسنخص هذه الدراسة لمقاومة مبارك بن الحسن التوزونيني للاستعماالاستعمار ر الفرنسي في منطقة تافلالت. فمن هو التوزونيني؟ وما هي الظروف والملابسات التي جاءت فيها حركته؟، ما أهم المعالم الكبرى لهذه المقاومة؟.

أولا: نسبه

هو مبارك بن الحسن بن محمد بن حمد بداج، وهو ابن عم الفقيه محمد بن أحمد بداج، وهذا الجد الملقب بـ"بداح" هو الذي أسلم وكان يهوديا (19 ) . عاش حياة بذخ وترف حتى انخدع العطاويون بمجاله وآمنوا بأنه المهدي المنتظر فبايعوه...عاش بين 1884-1919.

ثانيا: السياق التاريخي لمقاومة التوزونيني

لقد تزامن احتلال المغرب عامة والمناطق الجنوبية الشرقية خاصة، مع أزمة عميقة عانت منها البلاد بسبب الضغوط الأوربية طوال القرن التاسع عشر، وخلخلة بنياتها بسبب تسرب التأثيرات الرأسمالية وانعكاساتها الاقتصادية والاجتماعية والمالية والقانونية والسياسية، وهو الوضع الذي مافتئت السلطات الاستعمارية تستغله لاغتصاب أجزاء واسعة من التراب المغربي طيلة النصف الثاني من القرن التاسع عشر والعقد الأول من القرن العشرين، الشيء الذي أدى إلى ظهور مقاومة القبائل التي رأت في نفسها القدرة على إنقاذ الموقف.

ومنذ وفاة السلطان الحسن الأول (1873-1894) كانت البلاد تنزلق إلى وضعية اتسمت بتسارع انهيار التوازنات التقليدية أمام التحديات الخطيرة، مما جعل المخزن يعجز عن القيام بمهمة الدفاع عن الأطراف الصحراوية الجنوبية الشرقية، ومن ثم أحست القبائل بضرورة مواجهة غزو الكفار فحاولت بل قامت بالجهاد، بقيادة زعامات وقيادات كفاحية محلية عديدة، وكان من أبرزها مبارك بن الحسن التوزونيني وبلقاسم النكادي وعسو باسلام......

إن احتلال الفرنسيين ل"تغمرت" في دجنبر 1917 أدى إلى شعور كافة القبائل المجاورة لتافيلالت بالخطر، مما مهد الظروف لعمل زعيمين للمقاومة ذاع صيت أحدهما على الأقل بفضل انتصارهما على الغزاة وطردهم من تافلالت لمدة أربعة عشر سنة، ويتعلق الأمر بمبارك التوزونيني وبلقاسم النكادي (2) .

ثالثا: مقاومة التوزونيني للاستعمار الفرنسي

قاد محمد بن الحسن التوزونيني مقاومة في منطقة تافيلالت مابين 1912-1919 م .

وقد صادفت المسيرة النضالية للتوزونيني حملة أحمد الهيبة على تيزنيت، كما أن مكانته وحسه الوطني دفعه للتوجه إلى مراكش للقاء هذا الأخير (أي أحمد الهيبة) (3) .

ابتدأ التوزونيني عمله متبعا أسلوب الوعظ والإرشاد (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر)، وقد مكنته ظروف المنطقة (الاستعمار، رفض الأجنبي...)، وكذا شعار الجهاد، وضرورة إحياء أمور الدين وإعلاء كلمته ... كل ذلك وغيره زاد حركة التوزونيني قوة على قوة.

كيف قاوم التوزونيني فرنسا ودخل تافيلالت؟

ذكر المختار السوسي أن التوزونيني اشترى فرسا وربطه بقبة على نية الجهاد، واعتبر (أي التوزونيني) أن من علامات الإذن بالجهاد أن يصبح الفرس ذات يوم مسرجا وملجما (4) . كما نهج أسلوب الاغتيال باغتيال القادة الفرنسيين، ومن ذلك قتل رئيس الحكومة الفرنسية في تافلالت "لوستري" على يد أحد العطاويين الذي بعثه التوزونيني لأداء هذه المهمة. بعد قتل "لوستري" أسرج الفرس، مما يدل على أن الأمر قد قضي ، وأن الإذن بالجهاد قد حصل، واستنفرت القبائل وتمت مهاجمة مركز تافيلالت، وكان الانتصار على الجيش الفرنسي في معركة البطحاء في 15 أكتوبر 1918 م.

وهكذا تمكن التوزونيني من تحرير منطقة تافلالت من الاستعمار، ونودي بلقب "السلطان" الذي كان يتشوق إليه منذ زمان -حسب محمد المختار السوسي- .

وقد عين التوزونيني محمد بن بلقاسم النكادي خليفة له ورئيسا على جيش مرابط قابل به حامية الحكومة الفرنسية في أرفود، لكن الخلاف الذي وقع بين الرجلين وضع حدا لحياة التوزونيني بعدما أطلق عليه النكادي ببندقيته وأرداه قتيلا، وذلك في يوم، 23 أكتوبر 1919م. فتمت مبايعة النكادي خلفا للمقتول، ليقود حركة التحرير في تافلالت إلى حدود 1930م.

والواقع أنه رغم ما شاب حركة التوزونيني من غموض من حيث الأهداف والنوايا جعلت البعض يصدر أحكاما قيمية عليها، فإنه "ثائر قاوم الاحتلال وأن فعله فعلة حسنة من الحسنات كيفما كانت أحواله ونيته، وأن للإنسان أن ينظر إليه بنظرة طيبة فيثمن كثيرا مما استهجنه غيره"

وأخيرا ونحن نستقرئ مقاومة مبارك التوزونيني برؤية محمد المختار السوسي، يمكن أن نخرج بجملة من الخلاصات:

- إن قوة السلاح والعزيمة الاستعمارية الفرنسية للاستيلاء على تافيلالت، لم تقف أمام صمود دار الإسلام وجهاد قبائل رفعت شعار "الدفاع عن دار الإسلام وتحريرها من يد الغزاة" شعارا أولا وأخيرا.

- إذا كان محمد المختار السوسي وهو يتحدث عن مقاومة التوزونيني، وخلص إلى أن مقاومته في تافيلالت استطاعت صد الاحتلال، فإن كتاب " نعت الغطريس الفسيس" للمهدي الناصري، يرى عكس ذلك، متحدثا بأسلوب المتحامل عليه متزلفا للاستعمار ولصنائعه، وهو كتاب مشحون بالأدبيات والفتاوى والحكايات الخارجة عن الموضوع على حد تعبير المختار السوسي.

- إن فكرة أن مبارك التوزونيني تسمى بمولاي أمحمد بن الحسن اقتداء ببوحمارة، تجعلنا نطرح السؤال حول الغاية والهدف وراء هذه التسمية.

- ويمكن ذكر جملة من التناقضات جعلت هذه المقاومة لم تستمر على المدى البعيد، ولعل أكبرها الصراع الحاصل بين قيادات المقاومة والذي انتهى بالغدر بالتوزونيني من قبل عقده الأيمن النكادي، بالإضافة إلى اختلاف منظور وسبل المقاومة بين قبائل الجنوب الشرقي متمثلا في قبيلتي أيت عطا وأيت خباش، إذ أن هذه الأخيرة كانت تناوئ تلك القبائل الضعيفة سواء أكانت تساند الاستعمار أم لا، وهذا ما جعل المقاومة تتضعضع، خاصة وأن الظرفية لا تقتضي ذلك، بل تقتضي التحالف على الاستعمار، فأصبح البأس الداخلي شديدا بين القبائل عوض أن يكون على غيرهم، إلا أن هذه الحادثة يصعب الحكم عليها وفق معايير أخلاقية مثل ما فعل المختار السوسي –حسب الباحث حسن المانوزي (5) كما أن السياسة الاستعمارية الفرنسية المتمثلة في استمالة بعض القبائل، حيث نسجل الاتفاقية المبرمة بين الفرنسيين وآيت باعمران لآيت خباش خير دليل على دورهم في زعزعة المخططات الاستعمارية، إذ جاء في البند الثاني من "شروط الهناء بين قبائل آيت باعمران والمخزن"ما يلي: "يخرجون آيت بعمران من بلادهم جميع القبائل التي هي عاصية للمخزن وخصوصا آيت خباش، ويمنعوهم من السكن ببلادهم"(6) .

ـــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش :

1 ـ محمد المختار الوصي، المعسول، ج16، مطبعة النجاح الدار البيضاء، ص 263.

2 ـ محمد بوكبوط، مقاومة الهوامش الصحراوية للاستعمار (1880-1938)، مطبعة دار أبي رقراق للطباعة والنشر، ط1، 2005، الرباط، ص 95.

3 ـ انظر: محمد المختار السوسي، المعسول، ج 16، ص 264.

4 ـ نفسه، ج 16، ص 267.

5 ـ راجع حسن المانوزي، وشم في ذاكرة الناس، جريدة الاتحاد الاشتراكي، العدد 6208، 8 غشت 2000.

6 ـ زكي مبارك، الحركة الوطنية في الأقاليم الصحراوية من الجهاد المسلح إلى النضال السياسي، مجلة الذاكرة الوطنية العدد 3، 2002، ملحق نص 240.

التعليقات مغلقة على هذه المقالة
جديد المقالات المزيد
صفحة من تاريخ العلوم: أول كتاب في المدفعية

صفحة من تاريخ العلوم: أول كتاب في المدفعية

إن ظهور سلاح المدفعية واستخدامات البارود قد ترافق في أوروبا مع بداية...

حركة الشيخ رابح بن فضل الله ضد الاستعمار الفرنسي في تشاد

حركة الشيخ رابح بن فضل الله ضد الاستعمار الفرنسي في تشاد

  فرج كُندي مقدمة  تعتبر حركة المجاهد الكبير رابح من فضل...

لنتذكّر في ذكرى الهجرة

لنتذكّر في ذكرى الهجرة

لقد كان نجاح الإسلام في تأسيس وطن له وسط صحراء تموج بالكفر، أعظم كسْب...

جديد الأخبار المزيد
مجلس الأمن يعقد أول جلسة علنية حول ميانمار الخميس

مجلس الأمن يعقد أول جلسة علنية حول ميانمار الخميس

يعقد مجلس الأمن الدولي بعد غد الخميس، أول جلسة مفتوحة حول الانتهاكات...

مقتل ثلاثة جنود إسرائيليين إثر عملية إطلاق نار شمال القدس

مقتل ثلاثة جنود إسرائيليين إثر عملية إطلاق نار شمال القدس

أعلنت شرطة الاحتلال الإسرائيلي عن مقتل ثلاثة جنود وإصابة رابع إثر...

مناورات عسكرية مشتركة بين تركيا والعراق عقب استفتاء كردستان

مناورات عسكرية مشتركة بين تركيا والعراق عقب استفتاء كردستان

قالت رئاسة الأركان العامة التركية إن المرحلة الثالثة من المناورات...

  • أيام في سيلان والمالديف