• الصليب وحكاياته

ضم العثمانيين للمنطقة العربية

Nov 12 2016 10:03:56

ضم العثمانيين للمنطقة العربية
ضم العثمانيين للمنطقة العربية

بدأت الدولة العثمانية إمارة صغيرة في غرب الأناضول في أواخر القرن الثالث عشر الميلادي، ولكنها توسعت بسرعة على حساب جارتها العجوز الدولة البيزنطية حتى عبرت المضائق إلى الجانب الأوروبي. وظل العثمانيون طيلة القرنين التاليين يتوسعون في شرق أوروبا حتى ضموا منطقة البلقان كلها. ولم يلتفت العثمانيون إلى المنطقة العربية إلا في أوائل القرن السادس عشر. إذ تجمعت عدة عوامل دعتهم لذلك منها:

1.    إدراكهم خطورة التحدي البرتغالي بشقّيه الإقتصادي والديني. فسعي البرتغاليين إلى احتكار التجارة الشرقية ونقل اتجاهها إلى رأس الرجاء الصالح لا يؤثر على اقتصاد الدولة المملوكية فقط بل يؤثر على اقتصاد كافة دول المنطقة ومنها الدولة العثمانية. كما أن الهدف البرتغالي المصاحب وهو تهديد سلامة الحرمين الشريفين كان يستثير رد فعلٍ طبيعياً لدى كافة المسلمين. ولذلك كله قدّم العثمانيون مساعدات للماليك في إعداد حملتهم البحرية ضد البرتغاليين. وأدركوا حين فشلت تلك الحملة أن العبء يقع عليهم الآن باعتبار السلطان العثماني أقوى الحكام المسلمين حينئذٍ ومحط أنظار السكان الذين يتوقعون منه أن ينجدهم.

2.    التحدي الصفوي بمضامينه السياسية والمذهبية، وطموحاته الكبيرة للتوسع في المنطقة. ومما زاد من تخوّف العثمانيين الأنباء التي تواترت عن مساع لإقامة تحالفٍ برتغالي ـ صفوي ضدهم.

3.    تبقى الدولة العثمانية مهما توسعت في أوروبا دولة شرقية لا بد أن تحن لجذورها،  وتطمح للسيطرة على المنطقة المجاورة التي تشكو من فراغٍ في القوة، فضلاً عن طموح السلطان للتميّز على بقية أقرانه من الحكام المسلمين بحمل لقب ”حامي الحرمين الشريفين“ الذي كان يحمله السلطان المملوكي حينئذ.

4.    غنى المنطقة العربية بثرواتها الزراعية والتجارية لا بد أن يستثير شهية دولة مثل الدولة العثمانية قائمة منذ نشوئها على مبدأ التوسع والضم.

كانت الخطوة الأولى في مسيرة الزحف العثماني باتجاه المنطقة العربية موجهة إلى جارتهم الدولة المملوكية. ففضلاً عن الأسباب الرئيسة أعلاه أسهم أمران في زيادة التوتر بين الدولتين، أولهما ذيول الصراع العثماني ـ الصفوي، حيث كان السلطان العثماني سليم الأول يتوقع من نظيره المملوكي قنصوه الغوري أن يقف إلى جانبه في زحفه نحو فارس سنة 1514م. ولكن الغوري خيّب ذلك التوقع حين جعل أتباعه يعرقلون زحف القوات العثمانية في أطراف أراضيه، ودفعه الخوف من جاره القوي للاتصال سراً بالشاه إسماعيل الصفوي لتنسيق جهودهما ضد الخطر المشترك. والأمر الآخر هو النزاع المألوف بين دولتين جارتين حول التخوم الفاصلة بينهما، في زمنٍ لم تكن فيه الحدود المرسومة على الخرائط بشكلٍ دقيق مألوفة بين الدول.

زحف قنصوه الغوري على رأس قواته نحو التخوم الشمالية من دولته خشية أن يأخذه خصمه سليم الأول على حين غرّة. واتخذ مدينة حلب قاعدةً له. وتحرك سليم الأول نحوه، وبعد مراسلاتٍ مخفقة بين الرجلين، نشبت المعركة الفاصلة في ”مرج دابق“ شمال حلب سنة 1516م. وأسفرت عن مقتل قنصوه الغوري وتشتت شمل المماليك، الذين فرّوا لا يلوون على شيء، والجيش العثماني يتعقبهم حتى أخرجهم من بلاد الشام كلها. وأخذت مدن الشام تخضع للسلطان سليم الأول تباعاً وسط ترحيب أغلبية سكانها الذين نظروا للعثمانيين باعتبارهم مخلّصين لهم من جور المماليك وفوضاهم. أما المماليك فتجمعوا في مصر، واختاروا من بينهم طومان باي سلطاناً جديداً. وقد حاول السلطان سليم الأول إقناعه بقبول السيادة العثمانية مقابل تعيينه نائباً عنه في القاهرة، ولكنه رفض مما جعل سليم الأول يسوق قواته من الشام نحو مصر. وجرت المعركة الفاصلة بين الجانبين في الريدانية سنة 1517م وانتهت بهزيمة قوات المماليك، ثم تمكن العثمانيون من إلقاء القبض على طومان باي وإعدامه ، وبذلك زالت الدولة المملوكية من الوجود وضم العثمانيون ممتلكاتها في مصر.

كان الحجاز خاضعاً للسيادة المملوكية ويتمتع باستقلالٍ ذاتي كبير تحت حكم الأشراف الذين ظلوا يتولون أمره معترفين بسيادة الدول التي تعاقبت على حكم مصر منذ القرن الرابع الهجري/ العاشر الميلادي. وما أن سمع حاكمه بما حدث لطومان باي حتى أرسل ابنه إلى السلطان سليم الأول في القاهرة حاملاً مفتاح الكعبة المشرفة. فاحتفى السلطان بالرسول احتفاءً كبيراً ، وأقر الأشراف على حكم الحجاز تحت ظل الدولة العثمانية، وقنع بحمل لقب ”حامي الحرمين الشريفين“ منذئذ.

وإلى الجنوب من الحجاز كانت سواحل اليمن خاضعة لسيطرة بعض المماليك التابعين للقاهرة ـ فقام كبيرهم بتقديم ولائه للسلطان العثماني سليم الأول الذي تقبّل طاعته ، وأقرّه على حكم ما في يده ، وبذا انضمت الحجاز وسواحل اليمن طوعاًَ إلى الدولة العثمانية.

وفي شمال أفريقيا، كانت قيادة مجاهدي الجزائر قد آلت بعد استشهاد بابا عروج لأخيه خير الدين بربروسا. وما أن سمع بالتطورات الجارية في الشرق حتى اغتنم الفرصة للحصول على دعم حليفٍ خارجيٍ قوي يسنده في جهاده ضد الأسبان. فكتب ومعه وجهاء الجزائر رسالةً إلى السلطان سليم الأول عارضين خضوعهم الطوعي للسيادة العثمانية. وقد تقبل السلطان سليم الأول ذلك العرض، وأقرّ خيرالدين في مركزه والياً على الجزائر وأمدّه بالمساعدات الحربية التي تمكنه من مواصلة الصراع مع الأسبان. وغدت تونس ساحة الصراع بين الجانبين، إذ لاحظ بربروسا ضعف بقايا الدولة الحفصية هناك وميل السلطان الحسن الحفصي للتسليم لإرادة الأسبان ووضع نفسه تحت تصرفهم. فاستأذن خيرالدين من السلطان سليمان القانوني بتوجيه حملة لإنقاذ تونس من ذلك الوضع الخطر. وأذِن السلطان له بقيادة حملة كبيرة نحوها، استطاعت سنة 1534م طرد الحسن الحفصي وضم تونس. ولكن الإمبراطور الأسباني شارل الخامس (شارلكان) قاد حملةً بحرية مضادة في السنة التالية استطاعت إزاحة القوات العثمانية من تونس وإعادة حليفه الحسن الحفصي إلى حكمها.

وظلت تونس بعد ذلك ساحة صراع بين الجانبين حتى استطاعت القوات العثمانية ضمها نهائياً للدولة العثمانية سنة 1574م.

أما في ليبيا فقد نجح الأسبان في احتلال ميناء طرابلس سنة 1515م واتخذوه قاعدة لعملياتهم الحربية في البحر المتوسط. ثم تنازلت أسبانيا عنه سنة 1535م لفرسان القديس يوحنا الأورشليمي وظل عرب ليبيا يقاومون ذلك الإحتلال حتى أنجدهم السلطان العثماني بحملةٍ بحرية تعاونت معهم في طرد أولئك الفرسان سنة 1551م ، وبذلك ضُمَّت ليبيا إلى أراضي الدولة العثمانية ، ولم يبق خارج أراضي الدولة العثمانية في شمال أفريقيا غير المغرب الأقصى الذي قاوم حكامه من الأشراف السعديين بكل عناد محاولات الولاة العثمانيين في الجزائر بسط النفوذ العثماني عليها، ونجحوا في إبقائها خارج نطاق الدولة العثمانية حتى النهاية.

وفي الشرق العربي تحولت الساحة العراقية إلى ساحة صراع بين الدولتين الجارتين المتعاديتين. فقد نجح السلطان العثماني سليم الأول بعد معركة تشالديران 1514م في انتزاع شمال العراق ومنطقة الجزيرة الفراتية من أيدي الصفويين. كما اغتنم حاكم بغداد الفارسي هزيمة سيده إسماعيل الصفوي في تلك المعركة للتخلص من خضوعه له، فأعلن انشقاقه وتبعيته الأسمية للسلطان العثماني. وظل الحال هكذا حتى نجح الشاه الصفوي طهماسب (تولى سنة 1524م خلفاً لأبيه إسماعيل) أن يدس له من يقتله غيلة ويعلن عودة بغداد للسيادة العثمانية سنة 1530م.

وقد أثار ذلك الأمر امتعاض عدد من علماء ووجهاء بغداد فاستنجدوا بالسلطان سليمان القانوني وكان ذلك من جملة عوامل تجدد الصراع الحربي بين الدولتين، حيث قاد السلطان سليمان قواته وتوغل في الأراضي الفارسية حتى دخل العاصمة الصفوية تبريز للمرة الثانية. وانحدر منها نحو بغداد فضمها لأملاكه سنة 1534م وسط ترحيب غالبية سكانها. وحين سمع حاكم البصرة حينئذٍ راشد بن مغامس أمير قبائل المنتفق بما جرى في بغداد قدّم خضوعه طوعاً للسلطان سليمان الذي أقرّه على حكمه.

التعليقات مغلقة على هذه المقالة
جديد المقالات المزيد
صفحة من تاريخ العلوم: أول كتاب في المدفعية

صفحة من تاريخ العلوم: أول كتاب في المدفعية

إن ظهور سلاح المدفعية واستخدامات البارود قد ترافق في أوروبا مع بداية...

حركة الشيخ رابح بن فضل الله ضد الاستعمار الفرنسي في تشاد

حركة الشيخ رابح بن فضل الله ضد الاستعمار الفرنسي في تشاد

  فرج كُندي مقدمة  تعتبر حركة المجاهد الكبير رابح من فضل...

لنتذكّر في ذكرى الهجرة

لنتذكّر في ذكرى الهجرة

لقد كان نجاح الإسلام في تأسيس وطن له وسط صحراء تموج بالكفر، أعظم كسْب...

جديد الأخبار المزيد
مجلس الأمن يعقد أول جلسة علنية حول ميانمار الخميس

مجلس الأمن يعقد أول جلسة علنية حول ميانمار الخميس

يعقد مجلس الأمن الدولي بعد غد الخميس، أول جلسة مفتوحة حول الانتهاكات...

مقتل ثلاثة جنود إسرائيليين إثر عملية إطلاق نار شمال القدس

مقتل ثلاثة جنود إسرائيليين إثر عملية إطلاق نار شمال القدس

أعلنت شرطة الاحتلال الإسرائيلي عن مقتل ثلاثة جنود وإصابة رابع إثر...

مناورات عسكرية مشتركة بين تركيا والعراق عقب استفتاء كردستان

مناورات عسكرية مشتركة بين تركيا والعراق عقب استفتاء كردستان

قالت رئاسة الأركان العامة التركية إن المرحلة الثالثة من المناورات...

  • أيام في سيلان والمالديف