• الصليب وحكاياته

فرقة المسلمين بالشام وأثرها في نجاح حملات الصليبيين الأولى

Oct 22 2016 10:55:45

فرقة المسلمين بالشام وأثرها في نجاح حملات الصليبيين الأولى
فرقة المسلمين بالشام وأثرها في نجاح حملات الصليبيين الأولى

د / أحمد عبد الحميد عبد الحق

مع نهاية القرن الخامس الهجري دب الخلاف بين أمراء الشام وصار بأسهم شديد ، وزاد من البأس أن دخل العبيديون ( الفاطميون ) على الساحة فأشعلوها ، وفعلوا بالأهالي ما لا يقل بشاعة عما كان يفعله الروم عند احتلالهم لأي ثغر من ثغور الشام ، ووصل أنباء تلك الفرقة والانقسامات إلى أمراء  أوربا فتنفسوا الصعداء ، وعلموا أن تلك أنسب فرصة لاقتناص الشام ونهب خيراته ، فأسرعوا بالاجتماع للتشاور في جني ثمار هذا الصراع ، وتقاسموا " فيما بينهم على التعاون ضد المسلمين، وتم الاتفاق على أن يستردوا جميع الأقاليم والمدن التي كانت في حوزة الدولة البيزنطية قبل وقعة ملاذكرد، وذلك بعد إخراج الأتراك منها.. والمدن السورية مثل أنطاكية والرها وغيرها من المدن التي كانت تحت حكمها.." (1)

وفي سنة 488هـ وبالتحديد في الفترة من 18 ـ 28 تشرين الثاني سنة 1095م انعقد مجمع " كليرمونت وبحضور ثلاثمائة من رجال الدين المسيحي وترأسه البابا " أوربان الثاني " وفي نهاية جلسات المجمع ألقى البابا " أوربان " خطابه الذي دعا فيه المسيحيين لإعلان الحروب الصليبية على المسلمين، وقوبل خطابه بهتاف موحد من الحضور.. ووجدت دعوته هذه تأييداً ساحقاً من غالبية فقراء أوربا في ذلك الوقت، إذ وجدوا فيها فرصتهم للهرب والتخلص من التسلط الإقطاعي الذي يكرههم على زارعة الأراضي ويثقل أكتافهم بالديون،  ويرهق أجسامهم بالعمل الشاق، كما وجدت الدعوة تأييداً من الأمراء والنبلاء والإقطاعيين الذين رءوا فيها ما يحقق مكاسب وأطماعاً سياسية واقتصادية لهم في الشرق الإسلامي، وتجلى ذلك في مساهمة المدن التجارية في إيطاليا وغيرها بوضع أساطيلها البحرية  (2) تحت تصرف الأمراء الصليبيين، وذلك ليتمكنوا من تحسين مستواهم الاقتصادي في البلاد التي يكثر فيها الخير والعمل .

وبالفعل فقد أعدوا عدتهم، وجيشوا جيوشهم ثم زحفوا تجاه بلاد المسلمين، وفي سنة 489هـ نزل ميناء اللاذقية اثنان وعشرون سفينة حربية لهم في البحر المتوسط فهاجموا ما كان فيه من سفن للمسلمين، وأخذوا منه جميع ما كان للتجار، ونهبوا اللاذقية، وأخذوا منه جميع ما كان فيه  .

وفي سنة 491هـ وقيل سنة 490 هـ قصدوا أنطاكية ، فلما علم باغيسان أمير المدينة بوصلهم أمر بحفر خندق حول المدينة، وحال بينهم وبين دخول المدينة، فظلوا محاصرين له تسعة أشهر، ولم يقووا على أخذها ، حيث أظهر من الشجاعة وجودة الرأي والحذق والاحتياط ما لم يشاهد من غيره ، فهلك أكثر الفرنج موتاً ولو بقوا على كثرتهم التي خرجوا عليها لطبقوا بلاد الإسلام ، كما قال ابن كثير .

فلما طال مقامهم تعاقدوا سراً مع رجل يسمى " رزباه " حارس البرج الذي كان بجانب مخاضة كشكرون ووعدوه بذهبـ أي دنانير ذهبية ـ  وكان البرج مؤسساً على قضبان من حديد في الوادي، فلما تقرر الأمر بينهم وبين هذا الملعون ـ واللفظ لابن الأثير ـ جاءوا إلى الشباك ففتحوه ودخلوا منه، وصعد جماعة كثيرة بالحبال، فلما زادت عدتهم على خمسمائة ضربوا البوق، وذلك عند السحر، وقد تعب الناس من كثرة السهر والحراسة، فاستيقظ باغيسان فسأل عن الحال فقيل : إن هذا البوق من القلعة، ولاشك أنها قد ملكت، ولم يكن من القلعة، وإنما كان من ذلك البرج، فدخله الرعب، وفتح الباب وخرج هائماً على وجهه، وكان ذلك معونة لهم ، ولو ثبت ساعة لهلكوا(3)  فقد  تسبب خروجه ومن معه هارباً في دخول الصليبيين البلد ونهبها وقتل من فيها  .

وسلك الصليبيون مع أهل أنطاكية فور دخولهم سياسة الترهيب والتدمير حتى قال ابن الوردي: إنهم قتلوا وسبوا ما يزيد على مائة ألف ،  وقد بلغ من جشعهم أنهم كانوا ـ كما ذكر ريموندا جيل وكان مصاحباً لهم ـ  لا يأكلون إلا أحسن قطع اللحم كالفخذ والأكتاف، ويحتقرون لحوم الصدر ولا يفكرون بالمرة في القمح والنبيذ (4) .

وللقارئ أن يتصور جيشاً قوامه مئات الآلاف وبهذا الشره من الإقبال على الطعام " اللحوم " كيف يكون أثرهم ؟! وكم كان في هذه البلدة من الماشية حتى يأكلوا منها بهذه الطريقة.

وقد حاول هؤلاء الصليبيون أن يسلكوا مع الأمراء المحليين حول أنطاكية سياسة المكر والخداع قبل دخولهم أنطاكية، وهي السياسة التي دأبوا على اتباعها في كل وقت وحين ـ وما زالوا يسلكونها مع أمراء العرب ـ فكتبوا إلى صاحب حلب ودمشق بأننا " لا نريد قصد غير البلاد التي كانت بيد الروم لا نطلب سواها؛ مكراً منهم وخديعة ، لكن قوام الدولة  صاحب الموصل لما بلغه خبر سقوط أنطاكية وما حدث فيها  جمع عساكر كثيرة، واجتمع معه دقماق بن تتش صاحب دمشق، وجناح الدولة صاحب حمص ، واجتمعت معه عساكر الشام تركها وعربها سوى من كان بحلب.. وأرسلان تتش صاحب سنجار، وسليمان بن أرتق، وغيرهم ممن ليس مثلهم في العدد ، فلما سمعت بهم الفرنج عظمت عليهم المصيبة، وخافوا لما هم فيه من الوهن وقلة الأقوات ـ وذلك بعد نفاد الطعام بها نتيجة لكثرة العدد والإسراف وانعدام المدد ـ وأقاموا بأنطاكية اثني عشر يوماً ليس لهم ما يأكلونه، وتقوت الأقوياء بدوابهم، والضعفاء بالميتة وورق الشجر، فلما رءوا ذلك أرسلوا إلى كربوقا ( القائد العام للجيوش ) يطلبون منه الأمان، ليخرجوا من البلد فلم يعطهم ما طلبوا، وقال لا تخرجوا إلا بالسيف (5) .

لكن أمراء المسلمين المتواجدين ما لبثوا أن اختلفت كلمتهم بعد أن أساء فيهم كربوقا السيرة، مما ألجأهم ـ الأمراء ـ إلى التخاذل وترك ساحة القتال، فانهزموا كما يقول ابن الأثير دون أن يضرب أحد منهم بسيف ولا طعن برمح ولا رمى بسهم.

وضاعت بذلك الفرصة أمام المسلمين في وأْد ذلك الخطر الداهم قبل أن يستفحل، وكانت مؤاتية، وبعد ذلك حاز الصليبيون الأموال التي كانت مع المسلمين ، وغنموا ما في العسكر من الأقوات والأموال والأثاث والدواب والأسلحة، فصلحت حالهم وعادت إليهم قوتهم.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش :

1 ـ جوزيف نسيم: العرب والروم واللاتين ص189 بتصرف. 

2 ـ عمر عبد السلام تدمري: تاريخ طرابلس ص384 بتصرف. 

3 ـ وابن العديم: إعلام النبلاء بتاريخ حلب ص 140، 141.

4 ـ ريموندا جيل: تاريخ الفرنجة غزاة بيت المقدس ص86. 

5 ـ ابن الأثير: الكامل ج8 ص187. 

 

 

التعليقات مغلقة على هذه المقالة
جديد المقالات المزيد
التأريخ الهجري واستقلالية الأمة

التأريخ الهجري واستقلالية الأمة

د. أحمد عبد الحميد عبد الحق سيهل علينا بعد قليل العامُ الهجري الجديد...

أصحاب الأخدود عبر العصور والحدود

أصحاب الأخدود عبر العصور والحدود

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن اتبع...

مسار التجديد الثقافي والوعي بالتاريخ

مسار التجديد الثقافي والوعي بالتاريخ

هاشم الرفاعي في أوج عصر التنوير الأوروبي أشار هيغل "أن الفكر ينمو...

جديد الأخبار المزيد
أردوغان: استقرار أراكان يتم من خلال مراعاة حقوق الإنسان الأساسية

أردوغان: استقرار أراكان يتم من خلال مراعاة حقوق الإنسان الأساسية

قال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، إنه لا يمكن نهوض واستقرار إقليم...

 الهيئة العليا للمفاوضات تُرحّب بمواقف باريس بشأن مغادرة بشار الأسد

"الهيئة العليا للمفاوضات" تُرحّب بمواقف باريس بشأن مغادرة بشار الأسد

أثنى المنسق العام للهيئة العليا للمفاوضات السورية المعارضة رياض...

قيادي في حماس : إتمام المصالحة بانتظار خطوات من فتح والرئيس عباس

قيادي في "حماس": إتمام المصالحة بانتظار خطوات من "فتح" والرئيس عباس

  أكد القيادي في حركة المقاومة الإسلامية "حماس"...

  • أيام في سيلان والمالديف