• الصليب وحكاياته

عمرو بن العاص وفتح مصر

Oct 16 2016 7:40:26

عمرو بن العاص وفتح مصر
عمرو بن العاص وفتح مصر

د / محمد عبد المعطي محمد

ها هو عمرو بن العاص الفاتح المؤمن العظيم رضي الله عنه يقف مع أبطاله على أبواب مصر.. وعظيم مصر يخشاه، ويرهب صولته.. يتمنى لو يتاح له بعض الوقت، أو يستطيع أن يغرى هؤلاء الأبطال بالانصراف عنه... ولنترك التاريخ يحدثنا من كتاب فتوح مصر:  " أرسل المقوقس إلى عمرو بن العاص يقول: إنكم قوم قد ولجتم في بلادنا، وألححتم على قتالنا، وطال مقامكم في أرضنا، وإنما أنتم عصبة يسيرة، وقد أظلّتكم الروم وجهّزوا إليكم ومعهم من العدّة والسلاح، وقد أحاط بكم هذا النيل، وإنما أنتم أسارى في أيدينا، فابعثوا إلينا رجالاً منكم نسمع من كلامهم، فلعلّه أن يأتي الأمر فيما بيننا وبينكم على ما تحبّون ونحبّ، وينقطع عنّا وعنكم هذا القتال قبل أن تغشاكم جموع الروم فلا ينفعنا الكلام ولا نقدر عليه، ولعلّكم أن تندموا إن كان الأمر مخالفا لطلبتكم ورجائكم، فابعث إلينا رجالا من أصحابكم نعاملهم على ما نرضى نحن وهم به من شيء" . هم الآن يحاولون التوصل إلى صلح أو وقت يرحمهم من هؤلاء الفاتحين المصرين على إزالة ظلمهم وبغيهم على المصريين سنين..." فلما أتت عمرو بن العاص رسل المقوقس حبسهم عنده يومين وليلتين حتى خاف عليهم المقوقس، فقال لأصحابه: أترون أنهم يقتلون الرسل، ويحبسونهم، ويستحلّون ذلك في دينهم؟ وإنما أراد عمرو بذلك أن يروا حال المسلمين (هكذا كانت الرجال في الإسلام تفصح عن رجولتها وبطولتها بالحال والفعل؛ لا بالادعاء والقول... )، فردّ عليهم عمرو مع رسله، أنه ليس بيني وبينكم إلّا إحدى ثلاث خصال: إمّا أن دخلتم في الإسلام فكنتم إخواننا وكان لكم ما لنا، وإن أبيتم فأعطيتم الجزية عن يد وأنتم صاغرون، وإمّا أن جاهدناكم بالصبر والقتال حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين ".

هم دائما وأبدا على نهج الرسول صلى الله عليه وسلم في الدعوة يسيرون.. ما كان الجهاد أبدا في الإسلام إلا إعلاءً لراية النور في وجه كل ظلام في العالم إلى يوم الدين... فماذا تساوى كنوز الأرض مقابل أرواح تزهق وأطراف تقطع... " فلما جاءت رسل المقوقس إليه، قال: لهم كيف رأيتموهم؟ قالوا (اسمع معي جيداً.. هذا المعنى الأرقى للحياة.. وهذه صفات الرجولة الحقة): "رأينا قوما الموت أحبّ إلى أحدهم من الحياة، والتواضع أحبّ إليه من الرفعة، ليس لأحدهم في الدنيا رغبة ولا نهمة، إنما جلوسهم على التراب، وأكلهم على ركبهم، وأميرهم كواحد منهم، ما يُعرف رفيعُهم من وضيعهم، ولا السيّد فيهم من العبد، وإذا حضرت الصلاة لم يتخلّف عنها منهم أحد، يغسلون أطرافهم بالماء، ويخشعون في صلاتهم".

فقال عند ذلك المقوقس  ( وقد أذهله وجود رجال في هذا العالم هكذا.. ولكنهم.. صناعة الاسلام!): والذي يحلف به لو أنّ هؤلاء استقبلوا الجبال لأزالوها، وما يقوى على قتال هؤلاء أحد، ولئن لم نغتنم صلحهم اليوم وهم محصورون بهذا النيل، لم يجيبونا بعد اليوم إذا أمكنتهم الأرض، وقووا على الخروج من موضعهم. فردّ إليهم المقوقس رسله ابعثوا إلينا رسلا منكم نعاملهم، ونتداعى نحن وهم إلى ما عساه أن يكون فيه صلاح لنا ولكم.

فبعث عمرو بن العاص عشرة نفر، أحدهم عبادة بن الصامت (أحد الأسود التي رباها رسول الله صلى الله عليه وسلم) .

حدثنا سعيد بن عفير، قال: أدرك الإسلام من العرب عشرة نفر طول كلّ رجل منهم عشرة أشبار( أي كانوا أطفالا، ولكن أطفال الإسلام أبطال!)، عبادة بن الصامت أحدهم.

 

قال: وأمره عمرو أن يكون متكلّم القوم، وألّا يجيبهم إلى شيء دعوه إليه إلّا إحدى هذه الثلاث خصال؛ فإن أمير المؤمنين قد تقدّم إلىّ في ذلك، وأمرني ألّا أقبل شيئًا سوى خصلة من هذه الثلاث خصال). (وكان عبادة بن الصامت أسود، فلما ركبوا السفن إلى المقوقس، ودخلوا عليه، تقدّم عبادة، فهابه المقوقس لسواده فقال: نحّوا عنّى هذا الأسود، وقدّموا غيره يكلمني (نفس العنصرية.. ورثوها كابراً عن كابر، ولذلك لم يتعب الإسلام أبداً - وهو دين العدل والمساواة بين كل البشر - في جمع القلوب حوله والعقول والأرواح النقية التي تريد للإنسان مكانه الطبيعي في سلسلة الرِقى، وفى درجات التكريم الإلهي)، فقالوا جميعاً: إنّ هذا الأسود أفضلنا رأياً وعلما، وهو سيّدنا وخيرنا والمقدّم علينا، وإنما نرجع جميعاً إلى قوله ورأيه، وقد أمره الأمير دوننا بما أمره به، وأمرنا بأن لا نخالف رأيه وقوله، قال: وكيف رضيتم أن يكون هذا الأسود أفضلكم؟ وإنما ينبغي أن يكون هو دونكم، قالوا: كلّا، إنه وإن كان أسود كما ترى فإنه من أفضلنا موضعاً، وأفضلنا سابقةً وعقلاً ورأياً، وليس ينكر السواد فينا (لأن المعيار الوحيد للتمييز بين البشر في الإسلام - وهو الأرِقى في أي فكر صحيح - هو التفاضل بالخيرية في القلوب وبالأعمال الصالحة النافعة).

فقال المقوقس لعبادة: تقدّم يا أسود، وكلمني برفق؛ فإني أهاب سوادك، وإن اشتدّ كلامك علي ازددت لذلك هيبة!  فتقدّم إليه عبادة، فقال: قد سمعت مقالتك، وإنّ فيمن خلّفت من أصحابي ألف رجل أسود، كلّهم أشدّ سوادا منى وأفظع منظراً ولو رأيتهم لكنت أهيب لهم منك لي، وأنا قد وليت، وأدبر شبابي، وإني مع ذلك بحمد الله ما أهاب مائة رجل من عدوّى لو استقبلوني جميعاً، وكذلك أصحابي، وذلك أنّا إنما رغبتنا وهمّتنا الجهاد في الله واتباع رضوانه، وليس غزونا عدوّنا ممّن حارب الله لرغبة في دنيا، ولا طلبا للاستكثار منها؛ إلا أن الله قد أحلّ ذلك لنا، وجعل ما غنمنا من ذلك حلالاً، وما يبالى أحدنا أكان له قنطار من ذهب، أم كان لا يملك إلّا درهما! لأن غاية أحدنا من الدنيا أكلة يأكلها يسدّ بها جوعته لليله ونهاره، وشملة يلتحفها، فإن كان أحدنا لا يملك إلا ذلك كفاه، وإن كان له قنطار من ذهب أنفقه في طاعة الله واقتصر على هذا الذي بيده ويبلغه ما كان في الدنيا، لأن نعيم الدنيا ليس بنعيم ورخاءها ليس برخاء، إنما النعيم والرخاء في الآخرة، وبذلك أمرنا ربنا، وأمرنا به نبيّنا، وعهد إلينا ألا تكون همّة أحدنا من الدنيا إلا ما يمسك جوعته، ويستر عورته، وتكون همّته وشغله في رضا ربّه وجهاد عدوّه. (هكذا كانوا يُرهبون.. لأنهم سموا في ذلك النهج الرباني حتى صاروا فوق الدنيا وأطماعها.. فداءً للنور والحق.. هل أدركنا الآن لماذا نزعت المهابة لنا من صدور أعدائنا).

 لما سمع المقوقس ذلك منه، قال لمن حوله: هل سمعتم مثل كلام هذا الرجل قطّ! لقد هبت منظره، وإنّ قوله لأهيب عندي من منظره؛ إنّ هذا وأصحابه أخرجهم الله لخراب الأرض (أو لعمارها يا منكوس البصيرة!) ما أظنّ ملكهم إلا سيغلب على الأرض كلّها.

ثم أقبل المقوقس على عبادة بن الصامت، فقال: أيّها الرجل الصالح، قد سمعت مقالتك، وما ذكرت عنك وعن أصحابك، ولعمري ما بلغتم ما بلغتم إلا بما ذكرت، وما ظهرتم على من ظهرتم عليه إلا لحبّهم الدنيا ورغبتهم فيها، وقد توجّه إلينا لقتالكم من جمع الروم ما لا يحصى عدده قوم معروفون بالنجدة والشدّة، ما يبالى أحدهم من لقي، ولا من قاتل، وإنّا لنعلم أنكم لن تقووا عليهم، ولن تطيقوهم لضعفكم وقلّتكم (دائما.. سلاحهم الأخير والأمكر.. حرب الأعصاب والإبهار الاعلامي لرمى الرعب في الصدور وتصوير جنودهم الشواذ بالأسود.. والتهويل والتهديد.. ووالله ما ينتصرون أبدا إلا بضعف قلوب أهل الحق، وانخذالهم عن نصرة عقيدتهم وتفرِقهم)، وقد أقمتم بين أظهرنا أشهرا، وأنتم في ضيق وشدّة من معاشكم وحالكم، ونحن نرِق عليكم لضعفكم وقلّتكم وقلّة ما بأيديكم؛ ونحن تطيب أنفسنا أن نصالحكم على أن نفرض لكلّ رجل منكم دينارين دينارين؛ ولأميركم مائة دينار، ولخليفتكم ألف دينار، فتقبضونها وتنصرفون إلى بلادكم قبل أن يغشاكم ما لا قوام لكم به (وإن لم تنفع العصا فمعهم الجزرة، هكذا يغرون القلوب الضعيفة بالدنيا فتلين فتُستعبد لهم) .

فقال عبادة بن الصامت: يا هذا؛ لا تغرنّ نفسك ولا أصحابك، أمّا ما تخوّفنا به من جمع الروم وعددهم وكثرتهم، وأنّا لا نقوى عليهم فلعمري ما هذا بالذي تخوّفنا به، ولا بالذي يكسرنا عمّا نحن فيه، إن كان ما قلتم حقّا فذلك والله أرغب ما يكون في قتالهم، وأشدّ لحرصنا عليهم؛ لأن ذلك أعذر لنا عند ربّنا إذا قدمنا عليه، إن قتلنا من آخرنا كان أمكن لنا في رضوانه وجنّته، وما من شيء أقرّ لأعيننا، ولا أحبّ إلينا من ذلك؛ وإنّا منكم حينئذ لعلى إحدى الحسنيين؛ إمّا أن تعظم لنا بذلك غنيمة الدنيا إن ظفرنا بكم، أو غنيمة الآخرة إن ظفرتم بنا، وإنها لأحبّ الخصلتين إلينا بعد الاجتهاد منّا، وإن الله عزّ وجلّ قال لنا في كتابه: ﴿ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ ﴾ [البقرة: 249]، وما منّا رجل إلا وهو يدعو ربّه صباحا ومساء أن يرزقه الشهادة، وألّا يردّه إلى بلده ولا إلى أرضه ولا إلى أهله وولده، وليس لأحد منا همّ فيما خلّفه، وقد استودع كلّ واحد منا ربّه أهله وولده؛ وإنما همّنا ما أمامنا. وأمّا قولك: إنا في ضيق وشدّة من معاشنا وحالنا؛ فنحن في أوسع السعة لو كانت الدنيا كلّها لنا ما أردنا منها لأنفسنا أكثر مما نحن عليه. (هكذا تكلمت العقيدة، وأجاب اليقين.. صوت الرجولة في الإسلام صوت الإيمان.. وحينما ضعف الإيمان وهنت الرجولة).. فانظر الذي تريد فبيّنه لنا، فليس بيننا وبينكم خصلة نقبلها منك، ولا نجيبك إليها إلّا خصلة من ثلاث، فاختر أيّها شئت، ولا تطمع نفسك في الباطل؛ بذلك أمرني الأمير، وبها أمره أمير المؤمنين، وهو عهد رسول الله صلّى الله عليه وسلم من قبل إلينا، إمّا أجبتم إلى الإسلام الذي هو الدين الذي لا يقبل الله غيره، وهو دين أنبيائه ورسله وملائكته، أمرنا الله أن نقاتل من خالفه ورغب عنه حتى يدخل فيه، فإن فعل كان له ما لنا وعليه ما علينا، وكان أخانا في دين الله؛ فإن قبلت ذلك أنت وأصحابك، فقد سعدتم في الدنيا والآخرة، ورجعنا عن قتالكم، ولم نستحلّ أذاكم، ولا التعرّض لكم، فإن أبيتم إلا الجزية فأدّوا إلينا الجزية عن يد وأنتم صاغرون، نعاملكم على شيء نرضى به نحن وأنتم في كل عام أبدا ما بقينا وبقيتم، ونقاتل عنكم من ناوأكم وعرض لكم في شيء من أرضكم ودمائكم وأموالكم، ونقوم بذلك عنكم، إذ كنتم في ذمّتنا، وكان لكم به عهد علينا، وإن أبيتم فليس بيننا وبينكم إلا المحاكمة بالسيف حتى نموت من آخرنا، أو نصيب ما نريد منكم؛ هذا ديننا الذي ندين الله به، ولا يجوز لنا فيما بيننا وبينه غيره، فانظروا لأنفسكم..(1)  ا.هـ.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش :

1 ـ من فتوح مصر والمغرب، لابن عبد الحكم، أبو القاسم المصري (م 257هـ)، مكتبة الثقافة الدينية، 1415 هـ، ص86-90. مع تعليقي ما بين القوسين.


 

التعليقات مغلقة على هذه المقالة
جديد المقالات المزيد
المفكر الإسلامي الراحل محمد إقبال

المفكر الإسلامي الراحل محمد إقبال

شاعر إسلامي عالمي وصفه الأستاذ عباس محمود العقّاد بأنه طراز العظمة...

صور من شجاعة النبي صلى الله عليه وسلم

صور من شجاعة النبي صلى الله عليه وسلم

د / أحمد عبد الحميد عبد الحق الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام...

الحضارة الإسلامية في الهند ، صفحة زاخرة في كل جيل

الحضارة الإسلامية في الهند ، صفحة زاخرة في كل جيل

د. صالح العطوان الحيالي دخل الإسلام الهند والسند أول ما دخل على يد...

جديد الأخبار المزيد
الجيش اليمني يشن هجومًا مباغتا على مواقع الحوثيين شرقي صنعاء

الجيش اليمني يشن هجومًا مباغتا على مواقع "الحوثيين" شرقي صنعاء

أفادت المقاومة الشعبية اليمنية الموالية للرئيس عبد ربه منصور هادي،...

تضامن واسع في تويتر مع حماس بعد هجوم ترامب عليها

تضامن واسع في "تويتر" مع "حماس" بعد هجوم ترامب عليها

أعرب ناشطون عبر موقع التواصل الاجتماعي "تويتر" عن تضامنهم...

إضراب شامل بفلسطين نصرة للأسرى وتعتيم إسرائيلي

إضراب شامل بفلسطين نصرة للأسرى.. وتعتيم إسرائيلي

عم الإضراب الشامل كافة الأراضي الفلسطينية المحتلة، تضامنا مع...

  • أيام في سيلان والمالديف