• الصليب وحكاياته

عالم القيروان ومفتيها ابن تميم القيرواني

Sep 1 2016 12:00:35

عالم القيروان ومفتيها ابن تميم القيرواني
عالم القيروان ومفتيها ابن تميم القيرواني

د / أحمد عبد الحميد عبد الحق *

هو العلامة المفتي، ذو الفنون أبو العرب محمد بن أحمد بن تميم القيرواني الأغلبي المالكي ، ينتمي لأسرة بني الأغلب التي حكمت إفريقيا وما حولها وفتحت جزر صقلية ، مؤرخ مصنف جليل مشهور ، كان يتكسب بالتجارة ، ويتنقل بها بين البلاد ، رغم أن جده تمام بن تميم كان من أمراء إفريقية .. وكان شيخاً مسمتاً من أهل الفضل والثقة واسع الرواية ، من أهل الصدق والتحري فيما ينقله. الإكمال (1/ 490)..

وسمي بأبي العرب لأنه احترف تربية أولاد العرب ونسخ الكتب، حتى قيل إنه : كتب بيده ثلاثة آلاف كتاب وخمسمائة .

وهذا عدد يثير الذهول في نفس من يسمع به ، فالإنسان في عصرنا قد يحسب في مصاف كبار العلماء ، ولا يتمكن من قراءة نصف هذا العدد ولا ربعه ولا خمسه ، فكيف بأبي العرب وقد نسخها كلها بيده ؟!!!..

ميلاده ونشأته :

وكان مولده سنة سبع وثلاثين وثلاث مائة ، ونشأ في قرطبة فتلقى لعلم عن أبيه ، وعن كثير من شيوخ قرطبة ، ثم تجول كسائر طلاب العلم في عصره بين المدن لطلب العلم،  فلقي بالمشرق جلة من العلماء بالحجاز والشام، ومصر والقيروان ، ولكن أكثر سماعه كان من علماء تونس، فقد سمع  من جماعة أصحاب سحنون، وأكثر رجال إفريقية ، كأحمد بن عمر، وأبي داود العطار، وعيسى، ومحمد بن مسكين، وابن طالب، وعبد الجبار، وأبي العباس، وسهل القبرياني، وحماس، وحبيب بن نصر، وجبلة، وابن أبي سليمان، وسعيد بن إسحاق، وجماعة.

سبب إقباله على طلب العلم :

كان أبو العرب كما ذُكر من قبل من أبناء الأمراء الذين تختلف حياتهم عن حياة طلاب العلم ، ولكنه أتى يوماً إلى دار محمد بن يحيى بن سلام، فأعجبه ما رأى من الطلبة. فاختلف إليه أياماً، وهو في زي أبناء السلاطين ، فقال له رجل: لا تتزيا بهذا الزيّ، فليس بزي طلبة العلم ، فرجع لأمه فذكر ذلك لها، فأبت عليه ، وقالت : إنما تكون مثل آبائك السلاطين ، فلم يعبأ لها ، ولكنه لم يعصها ، واشترى ثياباً ورداء سرا ، وجعلهما عند صباغ ، وكان إذا أتى درس العلم لبس تلك الثياب  في حانوته ، فإذا مضى من عند  ابن سلام رجع إلى حانوت الصباغ، وكشف ما عليه، ولبس ثيابه التي جاء بها، ورجع إلى داره.

وفي مرة وأثناء  تلقيه الدرس قال له رجل: أراك تلازم وتسمع، ولا تكتب ، فقال له مواريا في حديث كي لا يعلم بشأنه : والديّ رغباني في هذا الأمر، والمعونة عليه، ولم يمكّناني من شيء ، فقال له : أعطيك جلداً تكتبه لنفسك ، وتكتب لي آخر. فرضي بذلك لتواضعه  بذلك، وفعله معه مدة ، ثم توغل في طلب العلم حتى صار من رءوس المالكية .

أبو العرب شاعرا :

وكان موهوبا في قول الشعر ، ولكنه سخره في الدعوة إلى الفضائل ، ومن ذلك قوله :

إذا ولى الصديق لغير عذر ..             . فزاد الله خلته انقطاع

إلى يوم التناد بلا رجوع ..      . فإن رام الرجوع فلا استطاعا

إذا ولى أخوك قفاه عنك .          .. فولّ قفاك عنه وزده باعا

وناد وراءه يا ربّ تمّم ..           . ولا تجعل لفرقته اجتماعا

وله:

ضعفت حيلتي وقلّ اصطباري .      .. والى الله التشكي كل ما بي

وهن العظم بعد أن كان صلباً ..        . وفقدت الشباب أي شباب

أقوال العلماء فيه :

قال أبو عبد الله الخراط: كان رجلاً صالحاً، ثقة عالماً بالسّنن، والرجال، من أبصر أهل وقته بها، كثير الكتب، حسن التقييد، كريم النفس والخُلق. كتب بخطه كثيراً في الحديث والفقه. يقال إنه كتب بيده ثلاثة آلاف كتاب وخمسمائة. وشيوخه تنيف على عشرين ومائة شيخ.

وقال ابن أبي دليم: وكان حافظاً للمذهب( المالكي ) معتنياً به. وغلب عليه الحديث والرجال، وتصنيف الكتب والرواية والأسماع.

وقال عياض: كان حافظا لمذهب مالك عالماً غلب عليه الحديث والرجال.

مصنفاته العلمية :

ترك أبو العرب كثيرة من المصنفات العلمية التي تعد هائلة بالنسبة لأوضاع عصره الذي لم يكن قد عرف التأليف الموسوعي ، فألّف طبقات علماء إفريقية، وكتاب عباد إفريقية، ومسند حديث مالك، وكتاب التاريخ، سبعة عشر جزءاً، وكتاب مناقب بني تميم، وجزأين في موت العلماء، وكتاب المحن، وكتاب فضائل مالك، وكتاب فضائل سحنون، وكتاب الوضوء والطهارة، وكتاب الجنائز، وذكر الموت، وعذاب القبر، وكتاب عوالي حديثه، وكتاب في الصلة، وغير ذلك.

وهي مصنفات قيمية في تأديب النفس البشرية كما يظهر من عناوينها .

ابتلاءاته :

كان أبو العرب من الصالحين الذين نالهم البلاء على يد العبيديين في بلاد المغرب العربي ،  ودارت عليه المحن فحبس وقيد هو وابنه  . ترتيب المدارك وتقريب المسالك (1/ 372) ولكن ذلك لم يثنه عن مجابهتهم ، فكان من الذين خرج لحربهم وحصارهم في المهدية ..

وفي هول الحرب والانشغال بالحصار لم يغفل عن العلم وتدريسه ، حيث ألقى على الطلاب كتابي "الإمامة " لمحمد بن سحنون  وكان يقول: سماع هذين الكتابين هنا علي أفضل من كل ما كتبت.

وفي رواية أخرى : كتبت بيدي ثلاثة آلاف وخمسمائة كتاب، فوالله لقراءة هذين الكتابين هنا أفضل عندي من جميع ما كتبت .

وفاته :

وقد توفي ـ رحمه الله ـ يوم الأحد لثمان بقين من ذي القعدة، سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة ، ولم يترك من الأولاد غير اثنين ، ولكنهما كانا له خيرا من العصبة من الرجال ، تولى أحدهما نشر علمه وهو أبو العباس تمام في بلاد إفريقية ، وتولى الآخر وهو أبو جعفر تميم نشر علمه في  الأندلس. .

ــــــــــــــــــــــــــــــ

*مدير موقع التاريخ الالكتروني

المصدر : موقع التاريخ الالكتروني 

التعليقات مغلقة على هذه المقالة
جديد المقالات المزيد
مبروك عليك العراق وسوريا ولبنان يا إيران!

مبروك عليك العراق وسوريا ولبنان يا إيران!

  د. فيصل القاسم قال لي ديبلوماسي وخبير إيراني قبل أشهر كلاماً...

التنظيـمات الصهيونية العسـكرية قـبل مايـو 1948 (2)

التنظيـمات الصهيونية العسـكرية قـبل مايـو 1948 (2)

د / عبد الوهاب المسيري الهاجاناه Haganah «الهاجاناه» كلمة عبرية...

شمس الدين السخاوي وإعادة الاعتبار لعلم التاريخ

شمس الدين السخاوي وإعادة الاعتبار لعلم التاريخ

عادة ما يكون الاهتمام بعلم التاريخ مقياسا لمدى تقدم الأمم والمجتمعات،...

جديد الأخبار المزيد
السعودية المصدر الأول لتمويل الحوثيين وغسيل أموالهم (حقائق تنشر لأول مرة)

السعودية المصدر الأول لتمويل الحوثيين وغسيل أموالهم (حقائق تنشر لأول مرة)

  أجرى موقع يمن برس تحقيقاً حول عمليات تمويل الحوثيين وكيف تتم...

اتهامات حقوقية لقوات حفتر بارتكاب انتهاكات ترقى لـ جرائم حرب

اتهامات حقوقية لقوات "حفتر" بارتكاب انتهاكات ترقى لـ"جرائم حرب"

اتهمت منظمة حقوقية ليبية قوات مجلس نواب طبرق، التي يقودها خلفية حفتر،...

مقاتلو المعارضة على أبواب حماة وطائرات روسية تستهدفهم

مقاتلو المعارضة على أبواب حماة.. وطائرات روسية تستهدفهم

قال مصدر عسكري من قوات النظام السوري، الجمعة، إن طائرات حربية...

  • أيام في سيلان والمالديف