• الصليب وحكاياته

قراءة في رحلة إلى الحجاز في النصف الثاني من القرن التاسع عشر

Aug 17 2016 12:23:24

قراءة في رحلة إلى الحجاز في النصف الثاني من القرن التاسع عشر
قراءة في رحلة إلى الحجاز في النصف الثاني من القرن التاسع عشر

قراءة في رحلة إلى الحجاز في النصف الثاني من القرن التاسع عشر عنوانها:

"إقامة في رحاب الشريف الأكبر - شريف مكة (1) المكرمة"

تأليف شارل ديدييه

قرأها وعلّق عليها

الدكتور محمد خير البقاعي (2)  

لم يَعُدْ من المشكوك فيه أنَّ الرحلات تُعَدُّ مصدرًا من المصادر التاريخيَّة، وإنْ كان هناك تفاوت في مدى صِحَّة المعلومات التي يوردها الرحَّالة، وتأثُّرها بالمهمَّات الموكلة إليهم، أو بالاتجاه السياسي والرؤية الأيديولوجية للكاتب.

إذا صحَّ كلُّ ذلك، فإنَّ معرفة هذه المعلومات ودراستها يظلُّ من الأعمال البحثية المهمَّة التي ينبغي على المؤسَّسات الثقافية والجامعات، وكل الجِهات التي تهتمُّ بتاريخ بلدٍ ما أن تنشرها، وتيسرها للباحثين (3) .

وشهدتِ المملكة العربية السعودية عَبْر رجال الثقافة ورُوَّادها فيها اهتمامًا بهذا الجانب، فَنُشِر كثير من الرحلات على اختلاف الجِهات الصادرة عنها، رحلات المسلمين إلى الحِجاز إبَّان الحج والعمرة، ورحلات غير المسلمين، سواء كانوا من العسكريين الذين رافقوا الحملاتِ العسكريةَ المختلفة، أم من المغامرين الذين يدفعهم حبُّ الاستطلاع (4) .

ولَمَّا تُرجمتِ الرحلات الأجنبية، وانتشرت بين الناس، ولقيتِ استقبالاً جيدًا من الباحثين، فسارعوا إلى الاقتباس منها، والاستشهاد بها، ودَحْض بعض ما فيها من معلومات خاطِئة، مقصودةً كانت أم غيرَ مقصودة، ولأسباب ليس هنا موضع الحديث عنها (5) .

ويلاحظ متتبِّع الحركة الثقافية في هذا المجال أنَّ الاهتمام انصبَّ على الرحالة البريطانيِّين في المقام الأول باعتبار أنهم كانوا السبَّاقين في ذلك، بحُكم وجودهم على سواحل الجزيرة العربية في الطريق إلى الهند، ولم يقتصرِ الاعتماد على المصادر البريطانية على الرحلات، بل إنَّ الذين كتبوا عن تاريخ المملكة العربية السعودية منذُ كانتْ مرحلة تأسيسها الأول، مع موحِّدها الملك عبدالعزيز آل سعود - طيَّب الله ثراه - هؤلاء كلُّهم، اعتمدوا على الوثائق القادِمة من الأرشيف البريطاني، ثم الأميركي، وأعْرضوا عن استخدام الوثائق الفرنسية، والمصادر الأخرى المكتوبة بالفرنسية، باستثناء كتاب جاكلين بيرين الذي تُرجِم إلى العربية، وصار مصدرًا من مصادر الحديث عن الرحَّالة الغربيِّين، ورحلاتهم إلى الجزيرة العربية (6) .

أمّا الرحلة التي نعرِضها اليوم لقرَّاء العربية، فهي رحلة شارل ديدييه: "إقامة في رحاب الشريف الأكبر - شريف مكة المكرمة" (7) Séuour Chez Le Grand-Chérif de la Mekke.

ونخلص من قراءة الرحلة: أنها بدأتْ (8)  في 16 يناير (كانون الثاني) 1854م / 1270هـ من القاهرة، وانتهت في 11 مارس (آذار) 1854م، تقع الرحلة في 311 صفحة، قسَّمها الكاتب إلى ثلاثة عشر قسمًا، عدَا المداخل، وجاءت عنواناتها كالتالي:

القسم الأول: من (1) إلى (22) صحراء السويس، من (23) إلى (32) السويس، من (33) إلى (54) الطور، من (46) إلى (92) جبل سيناء، من (93) إلى (120) البحر الأحمر، من (121) إلى (146) جدة، من (147) إلى (163) لوحة نابضة بالحياة، من (164) إلى (203) الأشراف والوهابيون، من (204) إلى (235) من جدة إلى الطائف، من (236) إلى (265) في الطائف، من (266) إلى (292) من الطائف إلى جدة، من (293) إلى (202) بعض التأملات، من (303) إلى (310) مغادرة جدة، وفي ص: (311) ثَبَت المحتويات.

وإنَّ أهم ما في هذه الرِّحلة مما يخصُّ الجزيرة العربية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر الميلادي، هو حديث المؤلِّف عن مجموعة من المدن الحِجازية، وهو حديث العارف؛ لأنَّ الرجل أقام فيها، واختلط بأهلها، واستقبلَه القائمون على الأمور فيها.

وإن كان حديثُه عن السويس والطُّور وجبل سيناء لا يخلو من أهميَّة نلمسها في ذلك الوصْف الرائع لدير "سانت كاترين"، ولغيره من الأماكن التي مَرَّ بها المؤلف.

إنَّ مؤلِّف هذه الرحلة ليس في مهمَّة سياسيَّة أو عسكريَّة، وإنما هو مسافِرٌ يسجل ملاحظاتِه، ويتمتَّع بإحساس مرهف يلتقط الأشياء، إنَّه أديب مثقَّف، تبدو براعتُه في تلك اللوحات الوصفية الرائعة التي رَسَمها بكلماته للطبيعة باختلاف أنواعها؛ البحر والبر، والجبل والسَّهْل، والصحراء والأراضي الخصبة، وللبَشَر؛ أمراء كانوا، أم أناسًا عاديين، أم خدمًا، أتراكًا وعربًا وأوربيين.

إنَّ هذه الرحلة لوحة تزخر بجوانبِ الحياة كلها إبَّان الأشهر التي قضاها المؤلِّف متنقلاً بين جَنَبات مصر وشِبه الجزيرة العربية.

إنَّ لغة المؤلف العالية، والقدرة الوصفية الهائلة التي تُذكِّرنا بالكاتب الفرنسي الكبير "إميل زولا" في أوصافه الرائعة، كلُّ ذلك يدلُّ على المستوى الثقافي الذي يمتلكه الكاتب، ويدْعونا إلى الاهتمام برحلته، تقول مقدِّمة الرحلة - التي يبدو أنَّ ناشر الكتاب وضعها في مدخله -: "إنَّ المؤلِّف الذي كره باريس وفرنسا وأوربا كلَّها بسبب ظروف خاصَّة وعامة، ذهب يبحث عن الطُّمأنينة والنِّسيان في الشرق الأقصى، في القاهرة فصْل شتاء فائق الجَمال لا زال يحتفظ بذكرياته الجميلة عنه، وبينما كان يستعدُّ للعودة إلى أوربا، وحصل على تأشيرة للذَّهَاب إلى أثينا جاءَه أحدُ البريطانيِّين، وعرض عليه أن يشتركَا في دفْع مصروفات رِحلة إلى جبل سيناء، مع إمكانية الذَّهاب إلى الجزيرة العربية، حتى جدَّة بهدف زيارة الشريف الأكبر، شريف مكَّة المكرَّمة، الذي كان يُقيم حينئذٍ في الطائف، فطلب مؤلِّف الرحلة مهلة 24 ساعة للتفكير، ولكنَّ طبعَه المحبَّ للترحُّل، والذي يدفعه إلى التنقُّلِ وحبِّ الحركة يحسم الأمرَ بعد ساعة، وكان جوابه بالإيجاب، وتحدَّد يوم الانطلاق في 16 يناير (كانون الثاني) 1854م، ووجد نفسه متجهًا إلى الجزيرة العربية بدلَ الذهاب إلى أوربا" (9) .

وتذكر المقدمة أنَّ المؤلِّف لا يطمح وهو ينشر هذه الرحلة إلى أن تكونَ وثيقةً تاريخيَّة، ولكنَّها مجرَّد وصْف رحلة، وهو يؤكِّد صادقًا أنه، كما هي الحال في كلِّ أعماله السابقة، لم يَسمحْ لأهوائه بالتدخُّل في وصْف الأشخاص والأشياء، وليس في عمله شيءٌ لا يتَّفق مع الحقيقة.

وتُشير المقدمة إلى الهدف من طباعة هذه الرحلة فتقول: "إنَّ الهدف من طباعة هذه الرحلة يتحقَّق إذا استطاعتْ أن تشدَّ انتباهَ العقلاء إلى الكوميديا التي مثلتها أوربا لصالح تركيا".

يذكر ديدييه في ص: 93 في حديثه عن البحر الأحمر (10) : أنَّه ركب السمبوك، ويقول: إنَّ طوله 60 قدمًا، وعَرْضه 15 قدمًا، وليس له إلاَّ جسر في الخَلْف، حيث يرتفع ضرب من الكوثل الذي تمَّ تحته تجهيزُ مقصورة لا تكاد تتسع إلاَّ لفراشين، ولا شيء غيرها، وكان المؤلِّف ورفيقُه ينامان فيها.

أما النهار فكانَا يقضيانه في الهواء الطَّلْق على الكوثل، ويسير السمبوك بالتجديف، وله شُرَّاعان يشبهان الأشرعة اللاتينية، أحدهما في المقدمة، ينتشر كاملاً عندما ينفخه الهواء، ويشكل أمامَ جؤجؤ السفينة بالونًا نِصفَ دائري، كما نرى ذلك في اللَّوْحات الجدارية، أو على الميداليات الأثرية، وأراهنَّ أنَّ شيئًا لم يتغيرْ في هذه الأنحاء منذ قرون عديدة، وأنَّ السُّفنَ والأشرعةَ والمجاديف هي نفسها قطعًا منذ أقدم الزمان، وأنَّ البحَّارة يمرُّون بالمرافئ نفسها، ويمارسون العاداتِ نفسَها، ولهم القناعات المسبقة نفسُها، ويتشاءمون من الأشيـاء نفسِها، التي كانت موجودةً في عهد سكَّان الكهوف.

كان "السمبوك" مصنوعًا من خَشَب الهند القاسي المسمَّى الساج، ويذكر المؤلِّف: أنه رأى في "ميناء مرسيليا" سفينةً قديمة من سُفن شركة الهند مصنوعة عام 1707م من الخشب نفسه.

ويتحدَّث بعدَ ذلك عن العاصفة التي واجهتْهم في البحر الأحمر، ودامتْ ليلة ويومًا، كان رُكَّاب "السمبوك" وبحَّارته خلالها مُعرَّضين لأخطار جسيمة، ولكن العاصفة أسهمتْ في دفع "السمبوك" بسرعة، حتى وصلوا إلى جزيرة نعمان التي يقول عنها: إنها قرية كبيرة من العربية الصخرية، المشهورة بآبارها العَذْبة.

ويذكر المؤلف: أنَّ المحطة التالية بعد جزيرة النعمان كانتِ الوجهَ التي تسكن أطرافها "قبيلة بلي"، ثم يتحدَّث المؤلِّف عن مدائن صالح الواقعة على طريق الحجِّ الشامي، الذي يعبرها في الذَّهاب والإياب.

ويصف المؤلِّف الطريق البحرية حتى جدَّة، وأهمَّ الموانئ التي كانوا ينزلون فيها، ويقضون بعض الوقت، كما حَدثَ في ينبع التي يقول عنها: إنَّها ميناء المدينة المنورة، وإنها تبعُد مسيرةَ خمسة أيام إلى الشَّرْق عنها، وهي مغلقة بجزيرة العبلات، وينبع - حسب المؤلف - ميناءٌ آمِن، واسع، يؤمُّه المسافرون كثيرًا، وترسو فيه كلُّ السفن المنطلقة من السويس إلى جدَّة، ومِن جدَّة إلى السويس، وهناك رحلاتٌ شِبه يوميَّة منه إلى مدينة القصير المصرية، التي تشكِّل نقطة اتِّصال بين البحر الأحمر والنيل عبرَ قنا.

ثم يورد المؤلِّف وصفًا مفصلاً لمدينة ينبع وأسواقها، وما يباع فيها من منتوجات، ويورد أيضًا كثيرًا من المعلومات عن البحر الأحمر، على أنَّ أهمَّ ما في الرحلة حديثُ المؤلف عن جدَّة، وعن الرحلة التي قام بها بدعوةٍ مِن شريف مكة حسين عبدالمطلب بن الشريف غالب (11)  مِن جدَّة إلى الطائف؛ إذ يورد كثيرًا من المعلومات عن الطريق ومحطَّاته، وعن المدينتَين (جدة والطائف)، وعن الأشخاص الذين الْتقاهم فيهما، أو الذين رافقوه في رِحْلته التي سَلَك فيها طريقَين مختلفين في الذَّهاب والإياب، وذلك تفاديًا للمرور في مكَّة المكرَّمة.

ويلاحظ قارئ الرحلة: أنَّ المؤلِّف حانقٌ على الأتراك عمومًا، وعلى محمَّد علي على وجه الخصوص، بسبب حرْبه في الجزيرة العربية، ويبدو تعاطفُه مع العرب وحبُّه لهم واضحًا في مواقفه، وفي وصْفه المستفيض لجوانب حياتهم.

ولم يكتفِ المؤلِّف بالحديث عن الأماكن ووصفها، ولكنَّه كان يقوم بما يُشبه الدِّراسةَ النفسيَّة للأشخاص الذين لَقِيهم عربًا كانوا أم أتراكًا، أم من جنسيات أخرى، ويتَّخذ حديثَه عن الرقيق منحًى واقعيًّا غير متأثِّر بإيديولوجية مسيطرة - كما نجد في الكتابات الأخرى عن الجزيرة العربية (انظر ص21).

ونذكر من الأشخاص الذين الْتقاهم صاحِبُ الرحلة الرحَّالةَ البريطاني بيرتون Burton، R. F، ويقول عنه: إنَّه ضابط بريطاني في جيش بومباي، واشتهرَ في بريطانيا بكُتبه عن المشرق:  أحدها: عن صيد الصقور في سورية، وكان بيرتون عندما الْتقاه صاحبُ الرحلة عائدًا للالتحاق بوحدته العسكرية بعدَ عُطْلة امتدتْ عددًا من الشهور، قضاها في أداء الحج إلى مكَّة المكرَّمة، شأنه شأن أيِّ مسلم حقيقي.

ويقول عن بيرتون: إنَّه يُتقن العربية كلَّ الإتقان، ويحفظ القرآن، ويرْتدي الثياب العربية على الدوام، وإنَّه تقمَّص الشخصية العربية والعاداتِ والتقاليدَ، حتى إنَّ ذلك غيَّر سحنته التي لم يَعُدْ لها شيء من السِّمات الأوربية، ولا يكاد أحدٌ يميِّزه من أيِّ عربي، حتى إنَّ أهل مكة وعلماءَها كانوا يظنُّون أنَّه هندي مسلم، وقد استطاع - بفضل كلِّ ذلك - أن يحجَّ إلى مكة دون أن يتعرَّض لأيِّ خطر.

ويقول شارل ديدييه: إنَّ بيرتون طبع رحلتَه إلى مكة بالإنجليزية، وإنَّ ديدييه لم يقرأِ الرحلة، ولكن الذين حدَّثوه عنها أخبروه أنَّها ستكون ذاتَ فائدة عظيمة، وأهمية فائقة، ويؤكِّد ديدييه صحةَ ما جاء في هذه الرِّحلة، ويُضيف أنَّ بيرتون زار بعض القبائل المتشدِّدة قربَ عدن، وأنه حاول مؤخرًا العبورَ من شاطئ زنجبار إلى النيل الأبيض عَبْرَ خطِّ الاستواء، ولكن كثرة مشاغله منعتْه من القيام بذلك (12)  (الرحلة ص12).

ويذكر في (ص19) أنَّه قابل أحدَ الألمان يقوم برحلة عبرَ الصحراء على جمل واحد، ومعه جمَّال واحد، ويتحدَّث ديدييه عن الخديوي عباس فيصف قسوتَه، وسوء سيرته، وإنهاكه الشَّعْب والدولة في سبيل تحقيق رغباته.

أمَّا الأشراف فقد ذكر ديدييه عددًا منهم أمثال الشريف حميد الذي رافق ديدييه في رحلته من جدَّة إلى الطائف، وأمثال الشريف سليم وغيره مِن الأعيان، الذين كانوا في خِدمة الشريف أمثال التُّرْكي طاهر أفندي، وإبراهيم بك خازن الشريف وغيرهم.

ويتحدَّث أيضًا في (ص: 148) عن حاكم جدَّة التركي حشمتْ عزت باشا، ويقول: إنَّه كان رجلاً حيويًّا مثقفًا مقارنة بغيره من الأتراك، وكان شاعرًا، ويستعرض ثقافتَه دون حرج.

إنَّ الفصْل الذي يخصِّصه ديدييه للحديث عن الأشراف والوهَّابيِّين يحتوي معلوماتٍ هامَّة استقاها من مصدر أصيل، هو أحد أفراد أسرة آل سعود، الذي حُمِل إلى مصر صغيرًا بعدَ أن قام إبراهيم باشا بدخول الدِّرعية، ويُسمِّيه ديدييه في (ص: 162) خالد بن عبدالله بن سعود (13) ، وعبدالله بن سعود هو آخِرُ حكَّام الدولة السعودية الأولى، التي انتهت (14) في عام 1233هـ / 1818م.

ويقول ديدييه: إنَّه قابل خالد بن عبدالله بن سعود في جدَّة عام 1854؛ أي: بعد 36 سنة من سقوط الدولة السعودية الأولى، ويذكر ديدييه: أنَّه ارتبط بعلاقة ودية مع خالد، وأعجب كلٌّ منهما بالآخر.

ويقول ديدييه عن خالد (ص: 163): إنَّه اقتيد صغيرًا إلى مصر، ونشأ في القاهرة برعاية محمَّد علي، ثم عاد بعدَ ذلك إلى الجزيرة العربية، وكان يعيش من المِنحة التي خصَّه بها الباب العالي.

ولم يكن له أيُّ مشاركة في الأحداث السياسيَّة، وكان محكومًا عليه بالعُزْلة، ويذكر ديدييه: أنَّه تردَّد إليه مرَّات، وكان يجد على الدوام في بيته عددًا من شيوخ العرب يأتون إليه من القبائل المجاورِة، وخصوصًا من قبيلة الهواري (15) الذين كانوا يَرَوْن فيه ابن عبدالله وحفيد سعود؛ وهُمَا أعظمُ زعماء الجزيرة العربية في ذلك الوقت.

ويضيف ديدييه قائلاً: إنَّ قصَّة خالد أحزنتْه، وأُعْجِب بشخصه؛ فقد كان محبَّبًا، مضيافًا، بَيِّنَ النُّبل والظرف، ويشعر الإنسان في حديثه وفي تصرفاته قلبًا كبيرًا، وتسيطر عليه مسحةٌ من الحزن الرقيق والنبيل، الذي لا يمسُّ أصوله الكريمة، ولا يضيره فيما آل إليه.

وعلى الرغم مِن أنَّه نشأ في الغُربة، وأكل من بصل مصر، فإنَّه لم يكن أقلَّ حنكةً من أبناء عقيدته، وربما كان المستقبل يخبِّئ له مآلاً عظيمًا في حالة الاضطراب التي تسود الشرق.

كان وضعُه يفرِض عليه الحذر والتحفُّظ في كلِّ أفعاله وأقواله، ويقول ديدييه: إنَّه لم يُرِدْ أن يعرِّضه للحَرَج بتردُّده على بيته، ولم يُرِد أن يلتقيَا في مسكن ديدييه؛ لأنَّ هذا لم يكن فيه وحيدًا، ولأنَّ الأتراك كانوا يرَوْن أنَّ لرحلته هدفًا سياسيًّا، مع أنها كانت بعيدةً كلَّ البعد عن ذلك.

وكان ديدييه يودُّ أن يتجاذبَ معه أطراف الحديث؛ ليحدثه خالدٌ عن الوهابية، وعن أسرته، وعنه شخصيًّا، فعرَض عليه أن يلتقيَا في منزل السيد دوكيه M. Dequié المترجِم، وموثِّق العقود في القنصلية الفرنسية في جدَّة (16) ؛ لينقل عنه معلومات عن الوهَّابيِّين، وعن الدَّوْر الذي كان لهم في الجزيرة العربية، ويذكر ديدييه: أنَّ اللقاء استمرَّ يومًا كاملاً، ويقول (ص: 164): إنَّه سيبدأ حديثه بإيراد بعض المعلومات عـن الأشـراف، الذي يرتبط تاريخهم المعاصِر ارتباطًا وثيقًا بتاريخ الوهَّابيِّين، ولأنَّ الأوربيِّين لا يملكون معلوماتٍ دقيقةً عن الطرفين.

إنَّ المعلوماتِ التي يُورِدها ديدييه عن الأشراف، وعن الدولة السعودية الأُولى قد لا يكون فيها جديد، ولكنَّها مصدر آخر يُضاف إلى المصادر التي تحدَّثتْ عن ذلك، وتأتي أهميةُ تلك المعلومات من مصدرها (خالد بن عبدالله بن سعود)، ويبدو أنَّ إعجاب المؤلِّف بشخصية خالد وأخلاقه جعل ديدييه يُركِّز على الخِصال الاجتماعية والقيادية، التي كان يتمتَّع بها أُمراءُ الدولة السعودية، ويظهر من حديثه إعجابه بهؤلاء الأمراء، وبأخلاقهم، وبتَخلِّيهم عن مستلذَّات الدنيا؛ لخِدمة دولتهم ودينهم.

يتحدَّث ديدييه عن الأشراف، وعن انتقال الحُكم من أسرة بركات إلى أسرة زيد، ومِن الأشراف الذين يذكُرُهم مساعِدٌ من ذوي زيد، ويقول: إنَّه كان شريفًا بين 1750م و1770م، وسرور بن مساعِد، الذي تَمَّ تنصيبه في عام 1773م، وغالب وغيرهم، ويتحدَّث ديدييه عن الأشراف وصراعاتهم، وموجبات مركزِهم الدِّيني والسياسي، وعلاقتهم بالسكَُّّان، وبالبدو في الحجاز (ص: 174 وما بعدها).

ويبدأ في (ص: 178) حديثَه عن الوهابيَّة، فيقول: إنَّ ظهورها كان في منتصف القرن الثامن عشر، ثم يتحدَّث عن مؤسِّسها وداعيتها الأول؛ الإمام محمَّد بن عبدالوهاب، وعن محمَّد بن سعود؛ رجل الدرعية الأوَّل وأميرها، الذي احتضن محمَّدَ بن عبدالوهاب وتزوَّج ابنته، وقد خَلَف عبدُالعزيز بن محمد بن سعود والدَه، إلاَّ أنه مات مقتولاً في عام 1803م، فخلفه ابنه سعود الذي توفِّي عام 1229هـ / 1814م، وخلفه ابنه عبدالله بن سعود.

ويوازن ديدييه في (ص: 183) بيْن الرُّوحانية الوهابية، والمادية التركية، فيقول: "إنَّ السِّمة الأساسية التي تميَّز الوهابية - كما جاءتْ في الكتب التي تتحدَّث عنها - هي: أنَّها لا تهتمُّ بالمظاهر الخارجية، ولا بكلِّ الممارسات الخرافية... ويضيف: أنَّ الوهابيين في ممارساتهم لم يأتوا بجديد، وإنما اتَّبعوا بإخلاصٍ ما جاء به القرآن الكريم، والنبيُّ محمد - صلَّى الله عليه وسلَّم...".

ويقول في (ص: 180): "إنَّ الإمام محمَّدَ بن عبدالوهاب لم يؤسِّس مذهبًا جديدًا، ولم يأتِ بممارسات جديدة، وإنِ ادَّعى عليه أعداؤه ذلك، بل إنَّه اتَّخذ القرآن مصدرًا لدعوته، ولكن الْتزامه بالإسلام الصافي لم يُعجِب الأتراكَ الذين كانوا يراقبونه، والذين استخدموا خطَّةَ تشويه دعوته للافتراء عليه.

وإنَّ علماء القاهرة الذين استفتاهم محمَّد علي بخصوص دعوته أعلنوا أنَّها دعوةٌ في صُلْب المذهب السُّنِّي، وأضافوا: أنَّه إذا كان ما عرض عليهم هو الدَّعوة الوهابية، فهم جميعًا وهَّابيُّون..".

ويمتاز ما يذكره ديدييه عن الوهابيِّين نقلاً عن خالد بن عبدالله بن سعود بمعلوماتٍ قد يكون بعضها مُكرَّرًا، ولكن قِدَم المصدر يُعطي هذه المعلوماتِ قيمةً تاريخيَّة؛ لنستمع إلى ما يقوله عن سعود الكبير، الذي توفي في الدرعية عام 1814م - كما يذكر ديدييه في (ص: 198) -: "كان سعود يسكن الدرعية مع عائلته الكبيرة والمتماسِكة، وكان من هناك يحكُم القبائلَ الخاضعة لحُكمه، وقد كانتْ سلطته السياسيَّة والدِّينية تفوق بمراحلَ سلطةَ شريف مكة المكرَّمة، وكان أكثرَ قوَّةً من هذا الأخير، وأكثرَ حزمًا ومهابة، كان بهيَّ الطلعة، ذا صوت رخيم، يجعل كلماتِه تأخذ طريقَها إلى قلْب محدِّثه، كما يشهد بذلك العرب كلُّهم.

كان متوافقًا مع مذهبه، يُطبِّق كلَّ مبادئه، كان هو وعائلته وأتباعه يلبسون عباءاتٍ بسيطةً من الصُّوف، لا يدخل في حياكتها أيُّ خيْط حرير، كان مثالاً يُحْتَذى في إيتاء الفضائل، ولم يَسمحْ لأيِّ امرأة من أسرته بالتبرُّج؛ التزامًا بما جاء في نص القرآن الكريم، كان يُقيم لأهل بيته صلاةً في كل مساء، وكانت الخَيْل أعظمَ متعةٍ يُروِّح بها عن نفسه، فقد كان يملك ألْفي رأس من الخيل الأصيلة، النادرة الأنساب في نجد، وكان ثَمنُ بعضها يصل إلى مبالغَ كبيرة، شأن تلك الفَرَس التي دفع ثمنها ما يقارب 15 ألف فرنك، وكان يهتمُّ أيضًا بتربية الجِمال التي تتمتَّع بسرعة عجيبة.

وكان كلُّ الناس يستطيعون رؤيتَه، وكان بيتُه يعجُّ على الدوام بالشيوخ والبدو العاديِّين، الذين يأتون إليه يستشيرونه في أمورهم، فيأكلون كما لو أنَّهم في بيوتهم، وكان الجميعُ يُحدِّثونه بحرية لا تتجاوز حدودَ اللِّياقة، ويُحيُّونه باسمه، ويأخذون يدَه، ويطلقون عليه لقبَ "أبو الشوارب"؛ لأنَّ له شاربين كبيرين، كان لطيفًا في تصرُّفاته، ويطلب من زائريه أن يظلُّوا جالسين أمامه.

كان متأنيًا في النُّصْح، ماهرًا وحازمًا في تنفيذ الأمور، وكان يَقضي بين الجميع بالعَدْل بتجرُّد وموضوعية، لا يعرف الانحيازُ إليهما سبيلاً، ومع ذلك فإنَّه نادرًا ما كان يُصْدِر حُكم الإعدام، وإنَّ العقوبة التي كانت أقسى من الموت ممَّا يمكن أن يصدر بحقِّ متهم، هي عقوبة "حِلاقة اللحية".

كان وهو الصادِق الوفيُّ بوَعْده، يمقت الكَذِب، ويأمر في بعض الأحيان بجَلْد الكاذبين، ولكنَّه بمجرَّد أن يشعر بأنَّ الغضب يشتعل في نفسه كان يطلب من الحاضرين أن يُهدِّئوا من رَوْعه، ويشكر ذلك لِمَن يقوم به.

 

كان فصيحًا ومتمكنًا من التراث الإسلامي، شأنه شأن صفوة العلماء، ويحبُّ أن يثير نقاشاتٍ دينية، ويدافع عن رأيه بحماسة، ويسمح لخصومه بالقِيام بالشيء نفسِه، وعندما ينتهي النِّقاش كان يختمه بجملة جوهريَّة "الله أعلم منَّا بحقيقة الأمور"، وهي جملة تُستخدم عادةً لإغلاق باب الحوار.." (17) .

أما حديث ديدييه عن جدَّة، فهو لوحةٌ أبْدع في رسمها، ولم يترُكْ جانبًا من جوانب المدينة بعمرانها وسكَّانها، وعاداتهم وتقاليدهم، وأبوابها.

فمِمَّا قاله - على سبيل المثال :

إنَّ عدد سكانها في سنة 1854م كان ما بيْن 15 إلى 20 ألف نَسَمة، وإنها تقسم إلى قسمين: حي اليمن، وحي الشام، وهي تسمية جغرافية، وهناك أحياء صغيرة تسكُنها أقليَّات متباينة ومتناحرة، شوارعها عريضة، نظيفة إلى حدٍّ مقبول، تنتهي عادةً بساحات واسعة تُشكِّل رئتي المدينة، وبيوتها متينة البنيان، وتتألَّف من عدة طوابق، وأبوابها على شَكْل أقواس، وهي مبنية من الحَجر، ولها مظهرٌ جميل، ولها نوافذ واسعة تطلُّ على الخارج، وهذا شيءٌ نادر في البلاد الإسلامية؛ لأنَّ الحياةَ المنزلية تتمُّ على الدوام داخلَ البيت، ولا تترك أيَّ شيء يمرُّ إلى الداخل، لا ضوء النهار، ولا الهواء، ولا الضوضاء، ولا الأنظار الفضولية، وليس لتلك النوافذ زُجاج، بل هي مُغطَّاة بسياج من الخَشَب المفرَّض بمهارة عجيبة؛ ليسمحَ بالرؤية من الداخل دون أن يتمكَّن مَن في الخارج رؤية مَن بالداخل... والنوافذ بارزة ومقوَّسة، كأنها مشربيات القاهرة أو شرفاتها.

وإنَّ تلك النوافذ المُتْقَنة الصُّنْع مطلية بألوان زاهية، وتتميَّز من الخلفية البيضاء، وهو اللون الذي تُطْلَى به الجدران، وإنَّ كثيرًا من السطوح محاطةٌ بحواجزَ مفرغة أنيقة، ونفليات، وبعض تلك السُّطوح كذلك الذي نجده في البيت الذي كان يسكُنُه آخِرُ أشراف مكة المكرَّمة المستقلِّين عندما كان حيًّا، أقيم عليها مظلاَّت خشبية منحوتة كالنوافذ، تُستنشق النساءُ الهواء الطَّلْق فيها دون أن يراهنَّ أحد، ويقضي أهلُ جدَّة وقتًا طويلاً على السُّطوح؛ لأنَّ نسيمَ البحر يُخفِّف من وطأة الحرِّ، الذي لا يكاد يحتمل في الصيف.

ويعرض ديدييه بعضَ ذلك إلى الحديث عن سُوق جدَّة، وعن بعض الصناعات الموسمية الخاصَّة بالحجَّاج، وعن كثير من العادات والتقاليد الخاصَّة بأهل جدَّة، وغير ذلك مما يشكِّل مادةً لا تُقدَّر بثمن لأولئك الذين يودُّون دراسةَ تاريخ جدَّة دراسةً أنتروبولوجية، أو دراسة الثقافة التقليدية فيها.

ولا يَكْتفي المؤلِّف بذِكْر الوجه الإيجابي، وإنما يتعرَّض أيضًا للوجه السلبي (ص: 129)، ويدخل في هذا الوجه قِلَّة الماء الجيِّد، وسوء الهواء الذي يكون خلالَ فصْل الصيف حارًّا، ومحمَّلاً بالرطوبة، وخصوصًا الريح الجنوبية، ثم يذكر بعضَ الأمراض التي تنتشر فيها، مثل "الزحار" و"الحمى المقلعة، والعفنية".

ولكن المؤلِّف يقول في (ص: 144): إنه لم يأتِ إلى جدَّة من أجْل جدَّة، وإنما بهدف الذَّهاب إلى الطائف التي يقول عنها: إنها مدينةٌ صغيرة تبعُد عن جدَّة مسيرةَ خمسة أيام إلى داخل الجزيرة العربية، وإنَّ الطائف مشهورةٌ بكثرة مياهها، وطِيبِ فواكهها، والظِّل الوارف في حدائقها وبساتينها، وهي دار سَكَن الشريف الأكبر؛ شريف مكة المكرمة وأميرها، الذي شَيَّد فيها قصرًا.

 

ويُضيف ديدييه: أنَّ كونهم نصارى كان يقتضي أن يحصلوا على موافقةِ الشريف للذَّهاب إلى الطائف، ويقول: إنَّ السيد كول M. Colex القنصل البريطاني في جدة أرسل يطلب من الشريف الأكبر إذنًا بالسَّماح لديدييه ومرافقيه بالقِيام بهذه الرحلة، وذلك عن طريق مصطفى أفندي وكيل الشريف الأكبر في جدَّة، ولم يتأخَّر جواب الشريف الأكبر الذي وافَق على استضافتهم، وقال: إنَّه سيرسل جِمالَه؛ لتحملَهم في الذهاب، وتعيدَهم في الإياب، وسينزلون في ضيافته، وقد وصَل الجواب في يوم 17 فبراير (شباط) 1854م على أن يكون الانطلاقُ في يوم 22 فبراير، وهذا يعني أنَّ عليهم أن ينتظروا أسبوعًا في جدَّة.

وقد حاول ديدييه خلالَ هذا الأسبوع الالْتقاءَ بنماذج إنسانية تَحدَّث عنها في الفصل الذي سمَّاه "لوحة نابضة بالحياة" (ص: 147 - 164)، وكان خالد بن عبدالله بن سعود أحد الذين الْتقاهم، واسْتقى منهم معلوماتٍ مهمَّةً عن الحياة في جدَّة خصوصًا، وفي الجزيرة العربية عمومًا، وقد ضمَّن المعلوماتِ التي استقاها من خالد بن عبدالله بن سعود في الفصل الثامن (ص: 164 - 204) وعَنْوَنه "الأشراف والوهابيُّون" - كما ذكرْنا.

أما في الفَصْل التاسع، فيتحدَّث عن الطريق من جدَّة إلى الطائف برفقة الشريف حميد حاكم مكَّة المدني، الذي كان حينئذٍ في السابعة والعشرين من العمر، وتمَّ تحديد الانطلاق في يوم 32 فبراير بعدَ صلاة العصر، وقد سَمَح القنصل الفرنسي في جدة للسيد دوكيه M. Cequié بمرافقة ديدييه ورفقاه في رحلتهم، وكانتِ القافلة تتألَّف من ديدييه ورفيقه البريطاني، الذي لم يذكر اسمه (18) أبدًا، والسيِّد دوكيه، وسِتَّة من الخَدَم، بَيْنهم أوربيَّان أحدهما بلجيكي، والآخر هو غاسبارو الطبَّاخ الإيطالي، ثم الشريف حميد، وأحد أقربائه، وأحمد عامودي رئيس جمالة الشريف الأكبر، وما يقارب عشرةً من عبيده وخَدَمِه يلبسون ثيابًا جديدة، وهم مسلَّحون بالرِّماح والخناجر.

وبعد أن يَصِفَ ديدييه الجِمال وعدتها، وكل شيء له علاقة بالقافلة، يذكر أنَّ السيد كول ومصطفى أفندي، والإخوة ساوة رافقوهم حتى الرغامة، وهي أوَّل المحطَّات الإحدى عشرة المنتشرة على الطريق من جدَّة إلى مكة، ثم يصف ديدييه تلك المحطات ويُسميها، ويصف الطريق، ومحطة هدية التي يقول: إنها تقع في منتصف الطريق بين جدَّة ومكة المكرمة، ويقول: إنَّ تلك الطريق تمرُّ عادةً عبْر مكة المكرَّمة، ولكن قافلتهم هذه لا تستطيع سلوكَ هذه الطريق بسبب وجود غير المسلمين بين أفرادها، ممَّا دفع بالقافلة إلى تحويل طريقها، والمرور ليلاً عَبْرَ طريق أخرى لم يعتدِ الجمالة عليها، مما جعلهم يَضيعون في الصحراء، ويرسلون أحدَهم للاستعلام عن الطريق، ثم تابعتِ القافلة مسيرتها، حتى وصلتْ إلى الطائف.

ويحتوي حديث ديدييه على كثير من المعلومات المهمَّة عن الأماكن، وخصوصًا حديثه عن جبل عرفات، وعين زبيدة، ووادي نعمان، ومحطَّة شداد، وجبل كرا الذي يستفيض في وصْفه، حتى ليذكرنا هذا الوصفُ بما نجده في كتاب عبدالله بن خميس "المجاز بين اليمامة والحجاز" (ص: 278 - 280).

ويتحدث ديدييه أيضًا عن جبل كبْكَبْ، ويقول: إنَّه أعْلى جبل في الحجاز، ويتحدَّث عن الكرِّ (رحبة الكر)، وهي متسع في حضن الجبل، ويكاد وصْفُه لهذه الرحبة يتطابق مع وصْف عبدالله بن خميس المذكور أعلاه (ص: 280 - 281)، ويذكر أنَّ جبل كبكب مشهور بكثرة الفهود التي تنزل إلى السُّهول لمهاجمة الجمال، أما جبل كرا، ففيه كثيرٌ من القرود التي تُحمَل إلى مكة المكرَّمة؛ ليحملَها الحُجَّاج معهم إما إلى القاهرة وإما إلى دمشق، ويذكر ديدييه: أنَّه رأى عددًا منها في القاهرة مع الحُجَّاج العائدين، ويذكر أيضًا الهدى التي في ديار هذيل، وهي أعْلى جبل كرا، ثم يتحدَّث عن وادي القرن، ومياهه الكثيرة، وبساتينه الوارفة.

وخصَّص ديدييه الفصل العاشر (ص: 236 - 266) للحديث عن الطائف، وضمنه معلوماتٍ هي في غاية الأهمية عن المدينة وأبنيتها، وآثارها وبساتينها، والأشخاص الذين قابلهم فيها، وأفاض في الحديث عن لِقائه بالشريف الأكبر، الذي يسكن على مسافة نِصف ساعة من المدينة في قصْرٍ بناه، ولا يكاد يغادره، ثم يَصِف ديدييه مرورَهم في السوق، وهم في طريقهم إلى قصْر الشريف، ويقول: إنهم خرجوا من باب الريع، ثم يصف بناءَ قصر الشريف، ويتحدَّث عنه وعن ثروته، التي وَرِثها عن أبيه الشريف غالب.

ثم يعرض ديدييه في (ص: 247) للحديث عن حسين عبد المطلب الشريف الأكبر ابن غالب، فيقول: إنَّه في الستين من العمر، طويل، نحيف، عليه سِمات النُّبْل، وتبدو عليه علامات التميُّز، ويميل لون بشرته إلى السَّمار الشديد الذي يكاد يكون أسودَ، تلحظ الحيوية في عينيه، وأنفه مستقيم، وله لِحْيَة خفيفة، وملامحه ناعِمة، وكان يتوشَّح بوشاح كشميري من الحرير، ويلبس ثوبًا طويلاً أزرقَ فاتحًا، ويزين خَصْرَه خِنْجرٌ رائع مطلي بالذهب، وتلتمع عليه الأحجارُ الكريمة التي يخطف لَمَعانها الأبصار، ويذكر أنَّه قضي أربعًا وعشرين سَنَة من عمره في إستانبول قبلَ أن يسمح له الباب العالي العُثماني بالعودة إلى الجزيرة العربية، ويمنحه لقب أبيه غالب، وبعض ممتلكاته وسلطته، وإنَّ الفوائد التي يحملها هذا الفَصْل هي أكثرُ من أن نستطيع عَرْضها في مقالة واحدة.

وقد ظلَّ ديدييه على علاقة بإحدى الأسر التي كانتْ تسكن الطائف، وهي أسرةُ محمَّد سيد شمس الدين وابنه عبدالله، الذي أرسل رسالةً لديدييه من الطائف في 15 فبراير (شباط) 1855، وقد أثبت المؤلِّف نصَّ الرسالة في نهاية هذا الفصل عن الطائف.

ويتحدَّث ديدييه في الفصل الحادي عشر (ص: 266 - 293) عن طريق العودة من الطائف إلى جدَّة، فيقول في (ص: 266): إنهم غادروا الطائف في 2 مارس (آذار) 1854م، وإنهم سلكوا في العودة طريقًا أخرى غير طريق الذَّهاب، صالحة لسَيْر الجمال عليها في كلِّ مراحلها، وهي أكثر بُعدًا من الأخرى عن مكَّة المكرَّمة تمرُّ قرب قصر شُبْرا (ص: 276 - 277)، الذي يصفه بأنه قصرٌ كبير أبيض، تحيط به حديقةٌ خضراءُ كثيرةُ الأشجار، ثم يذكر عددًا من أسماء القُرى والأودية والأماكن التي مرَّ بها، مما لم أجدْه في كتاب ابن خميس، ويحتاج إلى تحقيق عند ترجمة الرِّحلة وهو ما ننويه بعون الله.

أما الفصْل الثاني عشر الذي خصَّصه ديدييه لبعض تأملاته (ص: 293 - 330)، فهو يفتتحه بالقول: إنَّه تحدَّث - دون مبالغة أو تهوين - عن الاستقبال الذي خصَّهم به الشريفُ الأكبر، وإنَّ الشريف لم يكن يهدفُ من ذلك إلى أيَّة غاية بعيدةً كانت أم قريبة، ثم يبدأ بتحليل الشخصية العربية وعاداتها وتقاليدها، ويُقارِنها بالشخصية التركية والأوربية في بعض الأحيان، فيقول في (ص: 295): "إنَّ العربَ حَذِرون بطبعهم، وخصوصًا من الأوربيِّين، وهم - العرب - يرَوْن بواعثَ سِرِّيَّة تكمن وراءَ تصرُّفات الأوربيين كلها، حتى لو كانتْ غيرَ مقصودة، وقد كان من الطبيعي في الحالة السياسية التي كانت الجزيرة العربية تعيشها في ذلك الوقت، أن يكونَ وجودُ بريطانيٍّ وفرنسي يجوبانِ الحجاز مدعاةً للشك، وأن يُظَنَّ أنَّ حكومة كلٍّ منهما أرسلتْ مواطنها لدِراسة الوضْع في البلد، وعلى الرغم من أنَّ ذلك غيرُ صحيح، فإنَّه غير مستبعَد، ولا مُبالَغ فيه بسبب الوضع السياسي الذي يَسودُ الجزيرةَ العربية".

ثم يُعدِّد ديدييه في (ص: 301) مناقِبَ العرب ومثالبَهم، ويقول: "إنَّ الأتراك لا يستطيعون أمامَ هذه المناقب والمثالِب أن يقدِّموا إلاَّ المثالب خالصة، ومناقِبَ لم يَعُدْ لها وجود، حتى الشجاعة التي كانتْ وراءَ نجاح أجدادهم لم تَعُدْ موجودةً لديهم، ولا يكاد أحدٌ يفلت من قسوتهم وعنفهم".

ويختم ديدييه هذا الفصْل بالإشارة إلى خروج الشريف عبد المطلب على الدولة العثمانية التي تغلبَّتْ عليه وجرَّدتْه من لقبه، وأرسلته إلى إستانبول، ثم نَفتْه إلى جزيرة سالونيك، التي نُفِي إليها قبلَه والده غالب، الذي مات هناك بالطاعون قبلَ أربعين سَنَة، ويرجو ديدييه أن تتحرَّر الأمَّة العربية من نِيرِ العثمانيِّين؛ لأنها إحدى أعظمِ الأمم التي أدَّتْ في التاريخ دورًا لا يستطيع أحدٌ إنكاره، وإنّه - ديدييه - يُكِنُّ لهذه الأمة - العرب - كلَّ الاحترام بعد أن خَبَر عاداتِها وتقاليدَها ومناقبها ومثالبها.

والفصل الأخير من هذه الرحلة مخصَّص للحديث عن مغادرة جدة إلى سواكن، ومن هناك إلى النوبة أو الخرطوم لركوب النِّيل إلى القاهرة.

وقد ذكرْنا أنَّ مغادرة ديدييه تأخَّرْت حتى يوم 12 مارس (آذار) بسبب وفاة القنصل الفرنسي روشيه ديريكرت Rochet d Hericourt، الذي يتحدَّث ديدييه في نهاية هذا الفصْل عنه، وعن علاقته السيِّئة بالقنصل البريطاني في جدَّة، ثم يتحدَّث عن جنازته ودَفْنه في يوم 10 مارس، ولم يستطعْ مغادرةَ جدَّة إلا في الساعة الثامنة من صباح يوم 12 مارس متجهًا إلى سواكن.

إنَّ هذه الرحلةَ تستمد أهميتَها من المعلومات التي يُورِدها كاتبُها عن الأماكن التي مَرَّ بها، وعن الأشخاص الذين قابلَهم، سواء كانوا من عِلْيَة القوم، أم مِن سواد الناس، لم يكن ديدييه مرتبطًا بمهمَّة تُلْهيه عن مراقبة الناس ودراسة سلوكهم، كان يُشير إلى المحاسن والمساوئ دون تعصُّب دِيني أو قومي، ودون الركون إلى الأفكار المسبَقة أو الآراء المتطرِّفة، إنَّ في رحلته دراساتٍ سلوكيةً سيجد فيه الإنتروبولوجيون مادةً خصْبةً لدراسة مجتمع الحجاز في النصف الثاني من القرن التاسع عشر.

ولا يسعني في الختام إلاَّ القول: إنَّ الحرية والاستقلال اللَّذَين كان يتمتَّع بهما ديدييه، فضلاً عن التعاطُف مع موضوعه، وحبه للسفر بعيدًا عمَّا كان يمرُّ به من مشكلات، كل ذلك يجعل من رحلته التي نرجو أن نقدِّمها للقارئ العربي في وقت قريب مترجمة ومحقَّقة، ومشروحة - وثيقةً مهمَّة، تضيف إلى معارفنا عن الحجاز معلوماتٍ لا تقدر بثمن، استقاها من احتكاكه بالناس، ومِن أفواه رِجالٍ ثقات كان لأُسرِهم ولهم دَورٌ في تاريخ الجزيرة العربية في تلك الفترة المضطربة مِن السيطرة العثمانية، التي كانتْ في مرحلة الاحتضار بعد أنِ انحرفت عن الأُسس التي قامتْ عليها، ودعت إليها في أَوْج ازدهارها.

إنَّ المعلومات التاريخيَّة التي يُوردها ديدييه عن الدولة السعودية الأولى تساعد في فَهْم أعمقِ للأحداث، وفي وصْفٍ أدقَّ للأمراء الذين تعاقبوا على رأس هذه الدولة خُلقِيًّا وخِلْقِيًّا، كما أنها تُلقي كثيرًا من الضَّوء على الأشراف، وخصوصًا على فترة تولِّي الشريف الأكبر عبد المطلب بن غالب، الذي زاره ديدييه في الطائف كما رأينا.

وإنَّ قدرة ديدييه على الوصْف جعلتْه يُقدِّم لنا عن الأماكن والأشياء والأشخاص لوحاتٍ كأنَّما رسمتْها ريشةُ فنَّان بارع.

وقد قال الدكتور أحمد عبدالرحيم نصْر في وصف الرحلة: "ويضمُّ الكتاب ذكرياتِه الشخصية، وملاحظاتِه التي دَوَّنها يوميًّا أثناءَ الرحلة بكلِّ أمانة وإخلاص"، ثم يقول: ورغم أهمية الكتاب في معرفة أحوال الحجاز في منتصف القرن التاسع عشر، فإنَّنا لا نجد له ذِكْرًا في كتب الرحلات..."، ويقول: "وَصَف ديدييه في كتابه مسارَ الرحلة من صحراء السويس إلى جبل سيناء والبحر الأحمر، وينبع، وجدة، والطائف، حيث قابلاَ (ديدييه وصاحبه الإنجليزي) الشريفَ حسين عبد المطلب بن غالب، ثم العودة مرة أخرى إلى جدَّة، ومغادرتها إلى سواكن، وقد أفرد ديدييه فصلاً للحالة السياسية يومئذٍ، وتحدَّث فيه عن العلاقة بين الأشراف وأنْصار الدعوة السلفيَّة" (19) .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش :

 1 ـ Dider، Charles، Séjour Chez Le Grand-Chérif de la Mekke، Librairie de L. Hachette et Cie، Rue Pierre-Sarrazin، No. 14، Paris، 1857.

وقد تكرَّم الصديق الأستاذ الدكتور يحيى بن جنيد الساعاتي - حفظه الله - بإعطائي صورةً عن هذه الرحلة، وعن رحلة أخرى سنعرضها لقرَّاء العربية في مقالة لاحقة، وشجَّعني على تقديم هاتين الرحلتين، فالشكر موصول له.

2 ـ إجازة في اللغة العربية وآدابها من جامعة دمشق 1980م.

• دبلوم دراسات عليا (القسم اللغوي من جامعة دمشق 1981م).

• دبلوم دراسات معمقة (ماجستير) من جامعة ليون الثانية - فرنسا 1986م.

• دكتوراه في علوم اللغة من جامعة ليون الثانية - فرنسا 1992م.

• يعمل الآن عضوًا في هيئة التدريس قسم اللغة العربية كلية الآداب بجامعة الملك سعود.

3 ـ خصص الدكتور عبدالفتاح حسن أبو علية الفصلَ الرابع من كتابه "دراسة في مصادر تاريخ الجزيرة العربية الحديث والمعاصر"، ص: 397 - 458 للحديث عن المؤلفات الأجنبية المتعلقة بتاريخ البلاد السعودية، ومنها الرحلات التي ذكر عددًا منها مثل كتاب: بوركهارت: Travels In Arabia، London 1829 رحلات في جزيرة العرب، وكتاب بلجريف:

Narrative of A Years Journey through Central and Eastern Arabia، 1862 - 1863

رحلة عبر قلْب الجزيرة العربية وشرْقها، وغير ذلك من الرحلات المشار إليها هناك، وانظر كتاب الدكتور فهد بن عبدالله السماري "بيبليوجرافيا المملكة العربية السعودية في عهد الملك عبدالعزيز"، دار أراكان، الرياض 1414هـ/ 1993م، ص205 - 226، وانظر تعليق الشيخ أبي عبدالرحمن بن عقيل الظاهري على رحلة بلجريف في كتاب "مسائل من تاريخ الجزيرة العربية"، دار الأصالة، الرياض 1413هـ/ 1993م، ص196 - 212.

وانظر كتاب، "الرحالة الغربيين في الجزيرة العربية"، لروبين بدول، ترجمة عبدالله آدم نصيف، الرياض د.ن 1409هـ؛ وكتاب جاكلين بيرين "اكتشاف جزيرة العرب خمسة قرون من المغامرة والعلم"، ترجمة قدري قلعجي، بيروت دار الكاتب العربي 1383هـ ومقدمة الشيخ حمد الجاسر، وانظر في الحديث عن الرحلات المغربية والأندلسية كتاب السيدة عواطف محمد يوسف نوّاب بعنوان "الرحلات المغربية والأندلسية مصدر من مصادر تاريخ الحجاز في القرنين السابع والثامن الهجريين"، دراسة تحليلية مقارنة، مطبوعات مكتبة الملك فهد الوطنية، الرياض 1417هـ/ 1996م.

4 ـ صاحب الرحلة التي نقدم قراءة فيها: هو الأديب السويسري ذو الأصل الفرنسي، شارل ديدييه. ووجدت له ترجمة في معجم لاروس للقرن العشرين: Larousse du xxe Siécle Deuxiéme Tome، Paris، 1929، P. 854.

وفيه: أنه ولد في جنيف عام 1805م، ومات في باريس منتحرًا في عام 1864م، بعد أن أصيب بالعمى، له كتب عديدة، واشتهر بأنه رحَّالة، ونشر عددًا من رحلاته منها: سنة في إسبانيا (1873م)، جولة في المغرب (1844م)، ورحلته هذه (1857م)، وله رحلة أخرى وردتْ في معجم لاروس بعنوان: خمسون يومًا في الصحراء (1857م)، بينما أعلن في بداية رحلته عن صدور هذا الكتاب بعنوان "أربعون يومًا في الصحراء"، وله كتاب أخير بعنوان "خمسمائة فرسخ على النيل" (1858م).

وأفادني الأخ الأستاذ عبدالله المنيف: أن الرحلة موضوع المقالة مترجمة إلى الإنجليزية بعنوان:

Sojourn with the grand Sarif of Makkah/ Didier Charles ; Translated by Richard Boulindi ; with an introductory note by Philip Ward. Cambridge: Oleander Press، 1985. X، 157 P. 23 Cm. ISBNO- 906672-11-2.

وانظر مقالة بعنوان: أدب الرحلات إلى المملكة العربية السعودية (القسم الإنجليزي)، مجلة مكتبة الملك فهد الوطنية، مج4، ع2، رجب - ذو الحجة 1419هـ/ نوفمبر 1998م - أبريل 1999م.

وقد قام ديدييه بهذه الرحلة إبَّان قيام الدولة السعودية الثانية في فترة حُكم الأمير فيصل بن تركي في ولايته الثانية 1843 - 1865م/ 1259 - 1282هـ.

وانظر: كتاب "التراث الشعبي في أدب الرحلات"، أ. د. أحمد عبدالرحيم نصر، مركز التراث الشعبي لمجلس التعاون لدول الخليج العربية، الدوحة، 1995م، ص63.

5 ـ انظر: كتاب الشيخ ابن عقيل المذكور في الحاشية رقم (2) من هذا البحث، وفيه مقال بعنوان "رحلة بلجريف، رواية أدبية مادتها التاريخ"، وما يذكره الشيخ في حواشي ص201 من مقالات وردود بخصوص رحلة بلجريف.

6 ـ ذكر الدكتور فهد بن عبدالله السماري في كتابه "بيبليوجرافيا المملكة العربية السعودية في عهد الملك عبدالعزيز" كثيرًا من الكتب والأبحاث الفرنسية في جميع المجالات، التي تحدَّث عنها في كتابه، ولم تجدْ حتى الآن حظَّها من العناية، سواء بترجمتها إلى العربية، أم بإقامة دراسات حولها.

وأشار د. عبدالفتاح أبو علية في كتابه "دراسة في مصادر تاريخ الجزيرة العربية"، ص: 427 إلى الرحالة موريس تاميزييه Maurice Tamisier، رحلة إلى الجزيرة العربية:

Voyage en Arbie، Séjour dans Le Hedjaz-Campagne d Assi. r، 1840.

وقد قام الدكتور محمد بن عبدالله آل زلفة بنشر القسم الخاص بعسير مترجمًا وسماه "رحلة في بلاد العرب"، "الحملة المصرية على عسير 1249هـ/ 1834م"، تأليف موريس تاميزييه، ترجمه وعلق عليه د. محمد عبدالله آل زلفة، الرياض 1414هـ/ 1993م.

وأشار أبو علية في كتابه المذكور ص: 415 إلى رحالة فرنسي آخر هو شارل هوبير Charles Huber الذي قدم معلومات ممتازة عن حائل في كتابه:

Huber، Charles، 1837 - 1884، Journal dun voyage en Arabie، (1883 - 1884)، Publie par la Soeiété Asiatique et la Socitété de géographie، sous les auspices du ministére de lصinstruction publique، avec atlas، Paris، lmprimerie nationanle، 1891.

وأشار أبو علية أيضًا إلى كتاب كورانسيه Corancez، تاريخ الوهابيين Histoire de Wahabis، المطبوع في باريس 1810، وذلك في ص: 402 من كتابه.

وإن من الجهود الرائدة في مجال الاهتمام بالوثائق الفرنسية ما عمدتْ إليه دار الدائرة للنشر والتوثيق، عندما نشرت الوثائق الفرنسية في 5 مجلدات ضمن موسوعة: الملك عبدالعزيز آل سعود، سيرته وفترة حُكمه في الوثائق الأجنبية، ونشير أيضًا إلى جهود دارة الملك عبدالعزيز التي نشرتْ نص رحلة استكشافية إلى وسط الجزيرة العربية، للفرنسي فيليب ليبنز، ترجمها الدكتور محمد الحناش، وراجعها د. فهد بن عبدالله السماري، ونشرتها الدائرة 1419هـ/ 1999م. وللدكتور الحناش مقالة بعنوان: "المملكة في الكتابات الفرنسية في عهد الملك عبدالعزيز"، في مجلة " الحرس الوطني "، العددان 199 شوال 1419هـ/ يناير 1999م، و302، صفر 1420هـ/ مايو 1999م؛ وله مقالة أخرى بالعنوان نفسه في "مجلة كلية الملك خالد العسكرية"، العدد 57، شوال 1419هـ، يناير 1999م، وله كتاب مترجَم عن الفرنسية أيضًا بعنوان الحج إلى بيت الله الحرام، لناصر الدين دينيه، لا زال تحت الطبع في دارة الملك عبدالعزيز، راجعه الدكتور السماري، وانظر أيضًا مقالنا "موسوعة الملك عبدالعزيز آل سعود"، المنشور في مجلة عالم الكتب السعودية"، العددان الخامس والسادس، المجلد العشرون، 1420هـ/ 1999م.

7ـ أشارتْ نوال سراج ششة إلى ديدييه ضمن جدول زمني ملخص عن زُوَّار جدة من القرن الحادي عشر حتى القرن التاسع عشر الميلادي، وسمته (شارلز ديدير) 1854م، وذلك في كتابها "جدة في مطلع القرن العاشر الهجري/ السادس عشر الميلادي"، مكتبة الطالب الجامعي، مكة المكرمة، العزيزية 1406هـ/ 1986م، ص139، كما أشار إليه، وإلى رحلته، وترجم مقاطعَ منها الأستاذُ الدكتور أحمد عبدالرحيم نصر في كتابه "التراث الشعبي في أدب الرحلات"، مركز التراث الشعبي لمجلس التعاون لدول الخليج العربية، الدوحة، 1995م، ص: 61 - 69، وذكر في ص: 63: أنَّ ريتشارد بيرتون Richard Burtion أشار إلى ديدييه في حاشية من كتابه: قصَّة رحلة شخصية للحجِّ إلى مكة والمدينة، مج1، ص178 - 179 من النص الإنكليزي ط 1964، وعَلِمْنا من هذه الحاشية: أنَّ مرافق ديدييه الذي لم يذكر اسمه هو Abbé Hamiltion القس هاملتون البريطاني، وأنهما دفعَا 1000 قرش (ما يعادل 10 جنيهات استرلينية) أجرة السمبوك من من السويس إلى جدة.

ويقول بيرتون: إنهما من عِلية القوم، وإنَّه رافقهما من القاهرة إلى السويس؛ انظر "رحلة ديدييه" (ص: 32 – 33) من النص الفرنسي، ونقل ناصر الدين دينيه في الفصل الذي خصصه للوهابية من ملحق كتابه "الحج إلى بيت الله الحرام"، عن رحلة ديدييه - كما صرَّح بذلك في (ص: 199) من النص الفرنسي.

8 ـ انظر مقدمة الرحلة ص6، والمقدمة مؤرخة في باريس 20 أكتوبر (تشرين الأول) 1856.

ونستنتج مما ورد في الرحلة ص274، و305: أنَّ المؤلف كان خلال كتابة هذه المرحلة قد فَقَدَ بصره، الذي كان يشكو من ضعْفه، يقول في (ص: 247) ما ترجمته: "أرخيت العنان لبصري؛ ليجولَ في قبة السماء الواسعة المتلألئة التي لم تكنْ قدِ انطفأت بعدُ في نظري - كما هي الحال عليه اليوم..".

9 ـ انظر: كتاب "التراث الشعبي في أدب الرحلات"، للدكتور أحمد عبدالرحيم نصر، موثق سابقًا، ص: 6. وانظر النص الفرنسي ص: 5 من المقدمة .3.

10 ـ تذكر جاكلين بيرين في كتابه اكتشاف جزيرة العرب، (ص: 326): أنَّ الفرنسيين كانوا موجودين في البحر الأحمر اعتبارًا من عام 1830، ولم تكن غايتهم من ذلك رسم خرائط لسواحله، بل كانتِ الحبشة هي التي اجتذبتهم.. وتذكر أسماء عدد من الرحَّالة الفرنسيين بينهم تاميزييه وكومب وفيرّه وهيريكور (كذا)، وهو القنصل الفرنسي في جدة الذي ذكره ديدييه، وتحدَّث عن موته في عام 1854م - كما سنرى لاحقًا.

11 ـ ورد اسمه كذا في (ص: 247) من الرحلة، وتذكره المصادر العربية باسم عبدالمطلب، وقد أصبح شريف مكة في شهر رمضان سنة 1276هـ/ 1850م بعدَ أن رأت حكومة إستانبول استدعاء الشريف محمد بن عبدالمعين بن عون، وأقالته من منصبه شريفًا لمكة، وهذه هي المرة الثانية، إذ كان أحمد باشا يَكَن بن أخت محمد علي باشا، الذي تولَّى حكم الحجاز من قِبَل محمد علي عقبَ انسحاب ابنه إبراهيم باشا، ورجوعه إلى مصر قد عيَّن عبدالمطلب بن غالب شريفًا لمكة في عام 1243هـ، إلا أنَّ محمد علي لم يُقرَّ هذا التعيين.

انظر: "دراسات من تاريخ عسير الحديث"، د. محمد بن عبدالله آل زلفة، الطبعة الأولى، الرياض 1412هـ، ص45 - 62؛ وانظر كتاب "عسير من 1249هـ - 1833م إلى 1289هـ - 1872م، دراسة تاريخية"، تأليف علي أحمد عيسى عسيري، مطبوعات نادي أبها الأدبي 1407هـ/ 1987م، (ص: 272 وما بعدها).

وقد تميَّز عهد الشريف عبدالمطلب بن غالب بالخلاف الدائم المستمرِّ بينه وبين الولاة العثمانيين، الذين تولوا في الحجاز خلال فترة وجوده شريفًا من 1850م - 1856م، وقد لجأ الشريف عبدالمطلب إلى الطائف عندما صَدَر فرمان سلطاني يقضي بعَزْله، وتنصيب محمَّدِ بن عون - الذي كان يقيم في إستانبول - مكانه.

12 ـ انظر (ص: 18) من الرحلة، حيث يتحدَّث ديدييه عن أحد الهنود العائدين من الحج إلى القاهرة، ويقول: إنَّ الهندي تعرف إلى بيرتون؛ لأنَّه سبق له أن رآه في عرفات قبلَ عِدَّة أشهر إبَّان موسم الحج، ويُضيف ديدييه: أنَّ الهندي كان ينادي بيرتون باسم الشيخ عبدالله، وهو الاسم الذي يحمله في الشرق، وأنهما كانَا يتحدثان اللغة الهندية، ويذكر ديدييه في (ص: 144): أنَّ بيرتون حَمَّله رسالة إلى كول M. Cole القنصل البريطاني، والوكيل التجاري لشركة الهند في جدة.

13 ـ كذا سماه ديدييه، ويظن الباحثون: أنَّه خالد بن سعود، وأفادني الأستاذ عبدالله المنيف: أنَّ عبدالله بن سعود لم يورثْ، ولم يعرف له ولد باسم خالد، وأخبرني: أنَّ سعادة الصديق الدكتور محمد بن عبدالله آل زلفة يُعِدُّ ملفًّا عن خالد بن سعود، ولكن ديدييه يتحدَّث عن الرجل حديث الواثق، وقد لقيه، وقضى معه سحابة يوم كامل.

انظر: ترجمة خالد بن سعود في "الموسوعة العربية العالمية" (10/ 9)، وفيها: أنَّه تُوفي في مكة المكرمة 1276هـ/ 1859م.

وذكر الدكتور أبو علية في كتابه "تاريخ الدولة السعودية الثانية"، طبع دار المريخ - الرياض، الطبعة الرابعة 1411هـ/ 1991م، ص336: أنَّ خالد بن سعود تولَّى الحكم من 1837م إلى 1841م/ 1253 - 1257هـ.

وتجمع المصادر على أنَّه كان صنيعةَ محمد علي، وكانت سلطته سلطة اسمية محدودة في ظلِّ السيادة المصرية، وثارتْ في وجه خالد حركةُ مقاومة سعودية، قادها الأمير السعودي عبدالله بن ثنيان الذي رجحتْ كفته وأيَّده أهل نجد، وذهب خالد إلى الأحساء، ثم إلى الحجاز بعد أن فشِلَ في تجميع قوة تقف معه في وجه ابن ثنيان.

ويبدو لي مِن قراءة ما ذكره ديدييه عن خالد المذكور في الرحلة، واعتمادًا على ما يبديه ديدييه من كره للأتراك ولمحمَّد علي: أنَّ خالدًا المذكور ليس هو خالد بن سعود، ولكنَّه خالد بن عبدالله بن سعود الذي ربما كان رسميًّا لعمِّه، وحُمِلَ إلى مصر شأنه شأن الأسرة السعودية بعدَ سقوط الدرعية في عام 1233هـ/ 1818م؛ إذ لا يمكن أن يعجب بعد كلِّ ما يبديه من انتقاد لمحمَّد علي والأتراك برجل هو صنيعة محمد علي.

انظر ترجمة خالد بن سعود في "عنوان المجد في تاريخ نجد"، للشيخ عثمان بن عبدالله بن بشر النجدي الحنبلي، حققه وعلق عليه عبداللطيف بن عبدالله آل الشيخ ط4، دارة الملك عبدالعزيز، 1403هـ/ 1983م، مجلد 2، ص140. وانظر: "مثير الوجد في أنساب ملوك نجد"، للشيخ راشد بن علي الحنبلي، تحقيق محمد بن عمر بن عبدالرحمن العقيل، ط دارة الملك عبدالعزيز 1420هـ/ 1999م، ص: 127 - 128؛ وكتاب جبران شامية آل سعود ماضيهم ومستقبلهم، ص: 70 - 71.

14 ـ انظر: أبو علية، عبدالفتاح، محاضرات في تاريخ الدولة السعودية الأولى، دار المريخ، الرياض، الطبعة الثانية 1411هـ/ 1991م، ص: 78 - 79.

15 ـ يورد ديدييه هذا الاسم متلوًا بصيغة تمريض هي قوله: "... الهواري إن أسعفتني الذاكرة...".

16 ـ يذكر ديدييه (ص: 144): أنَّ فرنسا وبريطانيا هما الدولتان الأوربيتان الوحيدتان اللتان لهما تمثيل دبلوماسي (قنصلية) في جدة، وأنَّ القنصل أو نائب القنصل البريطاني هو السيد كول Cole، أما القنصل الفرنسي الذي كان مريضًا هو روشيه ديريكور Rochet d، Héricourt الذي توفي في 9 مارس (آذار) 1854م انظر (الصفحة 309) ولم يترك هذا القنصل انطباعًا جيدًا في نفس ديدييه على عكس القنصل البريطاني ودوكيه المترجِم وموثق العقود في القنصلية الفرنسية انظر (ص 306 - 310).

وقد شارَك ديدييه في مراسم دفن القُنصل، وأخَّر مغادرته جدة بسبب ذلك، وتذكر بيرين في كتابها (ص: 338): أن روشيه دي هيريكور قام برحلة على نفقته الخاصة؛ لارتياد مملكة خوا في القسم الجنوبي من بلاد الحبشة، ولدى عودته، قدَّرتِ الجمعية العلمية الفرنسية أنَّ بإمكانه القيام بعمل مثمِر، فيما إذا امتلك أدوات علمية، فقدَّمت إليه أجهزة دقيقة، وعلمته استعمالها، وأرسلته في رحلة ثانية سنة 1842م، فعاد منها بعدد وافر من المعلومات في مختلف نواحي المعرفة تتعلَّق ببلاد الحبشة بنوع خاص.

ومع هذا، لا تخلو قصَّة رحلته، ومروره بالقصيم، وجدة، والحديدة، والمخا، من المعلومات الشائقة، إذ كان قد طرأ تبدُّل عظيم في شؤون البحر الأحمر ما بيْن سنتي 1839 و1842، وذلك بتأثير السياسة الدولية.

وانظر ص: 340 - 341 من كتاب بيرين، وانظر حديث ديدييه عن دوكيه الذي رافقه في رحلته من جدة إلى الطائف في (ص: 206).

17 وقد اتَّضح لنا: أنَّ ديدييه استفاد في هذا الفصل من كتاب بوركهارت، وإن لم يصرِّح بذلك.

قارنْ بما تجده من معلومات في كتاب: مواد لتاريخ الوهابيين، ترجمة د. عبدالله الصالح العثيمين، الرياض 1412هـ/ 1991م.

18 ـ علمنا من حاشية كتاب بيرتون: قصة رحلة شخصية للحج إلى مكة والمدينة، مج1، ص178 - 179 من النص الإنجليزي، ط 1964، الحاشية (4): أنَّ اسمه القس هاملتون، وانظر المعلومات الواردة في الحاشية (6) من هذا البحث.

يقول عنه ديدييه في (ص: 33) من النص الفرنسي: "... إذًا غادرت السويس مع رفيق واحد، كان بريطانيًّا أيضًا، يتحدَّث العربية، ويكتبها عند الحاجة، وكان يتجوَّل منذ عدة سنين في الشرق، ولعلني أخصُّ فيما سيأتي من الحديث حياةَ المغامرة التي كان يعيشها بإشارة ليس فيها ما يشرف".

19ـ نصر، أحمد عبدالرحمن نصر "التراث الشعبي في أدب الرحلات"، موثق سابقًا، ص: 63.

المصدر : موقع الألوكة .


 

التعليقات مغلقة على هذه المقالة
جديد المقالات المزيد
النبي صلى الله عليه وسلم وفن صناعة الوحدة!

النبي " صلى الله عليه وسلم" وفن صناعة الوحدة!

محمد شعبان أيوب لا نكاد نجد في حضارة من الحضارات السابقة على الإسلام...

الفكر الإصلاحي وفلسفة التاريخ

الفكر الإصلاحي وفلسفة التاريخ

صبحي ودادي علم التاريخ ليس مجرد مطالعات في حوادث الأيام وتاريخ الإنسان،...

نكران الجميل ( بين الفأس والشجرة )

نكران الجميل ( بين الفأس والشجرة )

كانت الفأس قطعة من حديد *  * *وحدها لا تطيق حزاً وقطعـــاً فرأت دوحة:...

جديد الأخبار المزيد
مجلس المنظمات الإسلامية الأمريكية يعلن دعمه للتعديلات الدستورية بتركيا

مجلس المنظمات الإسلامية الأمريكية يعلن دعمه للتعديلات الدستورية بتركيا

أعرب أسامة جمال الأمين العام لمجلس المنظمات الإسلامية الأمريكية،...

المنظمات الدولية تتحدث عن انتهاكات وكوارث في الموصل

المنظمات الدولية تتحدث عن انتهاكات وكوارث في الموصل

أعلنت الأمم المتحدة عن مقتل أكثر من 300 مدني منذ بدء عملية استعادة...

الثوار يتقدمون بمعركة صدى الشام في ريف حماة

الثوار يتقدمون بمعركة "صدى الشام" في ريف حماة

أحرزت فصائل المعارضة تقدما في ريف حماة الشمالي الغربي،...

  • أيام في سيلان والمالديف