• الصليب وحكاياته

هذا نبي الإسلام .. الحلقة 27

Aug 7 2016 6:52:06

هذا نبي الإسلام  الحلقة 27
هذا نبي الإسلام .. الحلقة 27

د / أحمد عبد الحميد عبد الحق *

ـ آداب الاستئذان في الإسلام ودلالتها

وقد سن الله أيضا للمسلمين آداب الاستئذان ، ونهاهم أن يدخلوا بيوتا غير بيوتهم إلا بعد أن يؤذن لهم ، وقد جاء النهي أولا خاصا ببيوت النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال تعالى :" يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم إلى طعام غير ناظرين إناه ولكن إذا دعيتم فادخلوا فإذا طعمتم فانتشروا ولا مستأنسين لحديث إن ذلكم كان يؤذي النبي فيستحي منكم والله لا يستحي من الحق وإذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من وراء حجاب ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله "(1) .

وذلك لأن الناس كانوا كثيري التردد على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكان من عادتهم كما قال ابن عطية: إذا كان لهم طعام وليمة أو نحوه أن يبكر من شاء إلى الدعوة ينتظرون طبخ الطعام ونضجه ، وكذلك إذا فرغوا منه جلسوا كذلك ، فنهى الله المؤمنين عن أمثال ذلك في بيت النبي صلى الله عليه وسلم، ودخل في النهي سائر المؤمنين ، ومنعهم من الدخول إلا بإذن عند الأكل ، لا قبله لانتظار نضج الطعام ، وكان يأتيه من الأمور ما يتطلب خروجه من البيت ، فيستحي أن يطلب منهم الانصراف ، أو أن يخرج ويترك من عنده .

ثم جاء الأمر بضرورة الاستئذان عند دخول بيوت الآخرين في قوله تعالى : " يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها ذلكم خير لكم لعلكم تذكرون*فإن لم تجدوا فيها أحدا فلا تدخلوها حتى يؤذن لكم وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا هو أزكى لكم والله بما تعملون عليم " (2) وذلك صيانة لحرمات البيوت ، وحفاظا على أعراضها .

 وقد رفعت هذه الآية من ذوق المسلم ، بحيث يسمو على كل الدنايا التي تنتشر في المجتمعات الهمجية ، وزادت من حيائه بعد أن كان الرجل في الجاهلية إذا لقي صاحبه لا يسلم عليه ، وإنما يقول: حييت صباحا، وحييت مساء ، وكان ذلك تحية العرب فيما بينهم ، وكان أحدهم ينطلق إلى صاحبه فلا يستأذن حتى يقتحم  عليه بيته ويقول: قد دخلت، فيشق ذلك عليه، ولعله يكون مع أهله ، فغير الله ذلك كله في ستر وعفة .

وجعل النبي صلى الله عليه وسلم الالتزام بآداب هذه الآية من لوازم الإيمان ، فقال "من كان يشهد أني رسول الله ، فلا يدخل على أهل بيت حتى يستأنس ويسلم ، فإذا نظر في قعر البيت فقد دخل". وكان صلى الله عليه وسلم إذا أتى باب قوم، لم يستقبل الباب من تلقاء وجهه ، ولكن من ركنه الأيمن أو الأيسر، ويقول: السلام عليكم ، السلام عليكم.

وأرشد المسلمين إلى استخدام الألفاظ التي تدل على كمال الحياء ، فقد ورد أن رجلاً استأذن عليه صلى اللّه عليه وسلم فقال: أألج ؟ فقال صلى الله عليه وسلم لخادم له : "اخرج إلى هذا فعلمه الاستئذان  ، فقل له : قل السلام عليكم ! أأدخل؟" فسمعه الرجل فقال: السلام عليكم ! أأدخل؟ (3).

ونهى صلى الله عليه وسلم أن يقول المستأذن أنا دون ذكر اسمه ، يقول الصحابي جابر بن عبد الله: أتيت النبي صلى اللّه عليه وسلم في دين كان على أبي ، فدققت الباب ،  فقال: "من ذا؟" فقلت: أنا، قال : "أنا أنا"، كأنه كرهه ، وإنما كره ذلك لأن هذه اللفظة لا يعرف صاحبها حتى يفصح باسمه أو كنيته التي هو مشهور بها ، وإلا فكل أحد يعبر عن نفسه بأنا ، فلا يحصل بها المقصود من الاستئذان المأمور به في الآية.

وجاء الأمر الثالث بأن يستأذن المسلم في الدخول على  من يسكن معه في بيته عند الضرورة ، كأن يدخل الرجل على أخته أو أمه في مكان نومها ، فقد ورد أنه أن صلى اللّه عليه وسلم سأله رجلٌ، فقال: يا رسول اللّه أستأذِنُ على أمّي ؟ قال: نعم ، فقال الرجل : إني معها في البيت، فقال له: استأذِن عليها، قال: إني أخدِمُها، فقال صلى اللّه عليه وسلم: أتُحِبُّ أن تراها عريانة؟ قال: لا، قال: فاستَأذِنْ عليها، وكذلك ينبغي أن يستأذن الرجل على كل من يَحْرُم عليه النظر إلى عورته ونحوها.

وجاء الأمر الرابع في أن يستأذن الأطفال قبل سن البلوغ في الدخول على والديهم في الأوقات التي لا يصح أن يطلع عليهم أحد فيها ، فقال تعالى : " يا أيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم والذين لم يبلغوا الحلم منكم ثلاث مرات من قبل صلاة الفجر وحين تضعون ثيابكم من الظهيرة ومن بعد صلاة العشاء ثلاث عورات لكم ليس عليكم ولا عليهم جناح بعدهن طوافون عليكم بعضكم على بعض ..." (4) .

وقد ورد في سبب نزول هذه الآية أن امرأة من الأنصار تسمى " أسماء بنت مرثد دخل عليها غلام لها فقالت: يا رسول الله ما أقبح هذا! إنه ليدخل على المرأة وزوجها وهما في ثوب واحد كل منهما بغير إذن، فأنزلها الله (5).

وقيل : كان أناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يعجبهم أن يواقعوا نساءهم في هذه الساعات ليغتسلوا ثم يخرجوا إلى الصلاة، فأمرهم الله أن يأمروا أولادهم أن لا يدخلوا عليهم في تلك الساعات إلا بإذن(6)

وأما عن السن الذي يحجب فيه الطفل فقد سئل الأوزاعي عنه فقال: أربع سنين ، ففيها يستطيع الطفل أن يميز ما يرى ، وربما حكاه لغيره ، وقد يتسبب ذلك في نشأته نشأة غير سوية .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش :

*مدير موقع التاريخ الالكتروني

1 ـ   الأحزاب :  53

2 ـ   النور : 27 و28

3 ـ رواه أبو داود

4 ـ   سورة النور : الآية 58

5 ـ   تفسير ابن كثير : ج3 ص 378

 

جديد المقالات المزيد
التأريخ الهجري واستقلالية الأمة

التأريخ الهجري واستقلالية الأمة

د. أحمد عبد الحميد عبد الحق سيهل علينا بعد قليل العامُ الهجري الجديد...

أصحاب الأخدود عبر العصور والحدود

أصحاب الأخدود عبر العصور والحدود

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن اتبع...

مسار التجديد الثقافي والوعي بالتاريخ

مسار التجديد الثقافي والوعي بالتاريخ

هاشم الرفاعي في أوج عصر التنوير الأوروبي أشار هيغل "أن الفكر ينمو...

جديد الأخبار المزيد
أردوغان: استقرار أراكان يتم من خلال مراعاة حقوق الإنسان الأساسية

أردوغان: استقرار أراكان يتم من خلال مراعاة حقوق الإنسان الأساسية

قال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، إنه لا يمكن نهوض واستقرار إقليم...

 الهيئة العليا للمفاوضات تُرحّب بمواقف باريس بشأن مغادرة بشار الأسد

"الهيئة العليا للمفاوضات" تُرحّب بمواقف باريس بشأن مغادرة بشار الأسد

أثنى المنسق العام للهيئة العليا للمفاوضات السورية المعارضة رياض...

قيادي في حماس : إتمام المصالحة بانتظار خطوات من فتح والرئيس عباس

قيادي في "حماس": إتمام المصالحة بانتظار خطوات من "فتح" والرئيس عباس

  أكد القيادي في حركة المقاومة الإسلامية "حماس"...

  • أيام في سيلان والمالديف