• الصليب وحكاياته

تحديد الزمن عند قدماء المصريين

Jun 16 2016 11:11:13

تحديد الزمن عند قدماء المصريين
تحديد الزمن عند قدماء المصريين

عبد الحميد محمود سماحة

لا شك في أن الكثير من الظواهر الفلكية كان من أهم العوامل الرئيسية في تكوين العقل البشري منذ أقدم العصور، ثم في بناء المدنيات المتعاقبة في التاريخ.

فظهور الشمس في ناحية ما من السماء، وارتفاعها عند الظهر نحو السمت، ثم انحدارها في الناحية المقابلة غرباً، واختفاؤها بعد ذلك كل يوم دون انقطاع، وما تجليه أثناء النهار من النور والدفء، وما يسببه اختفاؤها في أثناء الليل من الظلام والبرد؛ ثم ظهور القمر في ليال معدودة مبدداً حلكة الظلام؛ وشروق النجوم الثابتة من حيث تشرق الشمس، ومغيبها من حيث تغيب؛ وتلكم الكواكب السيارة التي تتحرك وسط النجوم الثابتة؛ وهذه المذنبات التي كانت تفاجئ الناس بظهورها ثم تفاجئهم ثانية باختفائها؛ وما كان يروعهم من كسوف الشمس وخسوف القمر؛ كل أولئك أو بعضه لا شك قد أيقظ انتباه (الإنسان الأول) كما تدل عليه آثار العصر الحجري.

وتاريخ أقدم المدنيات يدل على مقدار ما كان لهذه الظواهر الفلكية المتعددة من الأثر في بناء هذه المدنيات نفسها؛ فعلى ضفاف النيل - حيث أشرقت على العالم أولى المدنيات - نجد في آثار أجدادنا ما يؤيد هذا الزعم.

ولكي نستطيع أن نحكم بالدقة على مبلغ ما وصلوا إليه في هذه الناحية دون تورط في المديح أو مبالغة، لا نرى مندوحة من أن نذكر القارئ بالعقائد الرئيسية الثلاث عندهم، وهي التي صبغت بها مدنيتهم في جميع مظاهرها:

فالأولى - الشمس .

والثانية - النجوم - منازل المباركين.

والثالثة - النيل - النهر المقدس - الذي لم يزل يفيض على جوانبه الخير والبركات.

ولما كان أهل مصر منذ القدم يعيشون على فلاحة الأرض، كان لزاما عليهم معرفة الوقت الذي يفيض فيه النهر المقدس ليربطوا تبعاً لذلك أزمنة الحرث والبذر والري والحصاد. ومن المصادفات الموفقة أنهم لاحظوا أن فيضان النيل يأتيهم عندما يرون الكوكب الأ سوثيس (الشعري اليمانية) يشرق لأول مرة قبيل شروق الشمس؛ ومن ثم اتخذوا الفترة الواقعة بين فيضانين متتاليين يحددها تحديداً فلكياً رؤية هذا الكوكب مرتين متتاليتين قبيل شروق الشمس وحدة للزمن. ويقول الأستاذ برستيد إن أول سنة حددت في التاريخ على هذا الأساس الفلكي - بل إطلاقا - هي سنة 4241 قبل الميلاد. غير أنهم قاسوا هذه الفترة بخمسة وستين وثلاثمائة يوم. ذلك لأنهم فيما اتفق عليه أكثر المؤرخين كانوا رجالا عمليين أكثر منهم نظريين، فلم يأبهوا بأكثر من ذلك لدراسة حركة الشمس لاستنباط وحدة للزمن أدق من هذه التي كفتهم حاجتهم في تحديد أعيادهم الدينية ومواسمهم الزراعية؛ ولو أنهم فعلوا لوصلوا من غير شك إلى نتائج لا نستطيع أن نتكهن بمدى تأثيرها في المدنية، ولكننا نعتقد عند ذلك بإمكان تأسيس مدنية نظرية في مصر قبل اليونان حيث نشأت الفلسفة النظرية ومبادئ العلوم الحديثة.

دعت الحاجة بعد ذلك فيما اقتضته مرافق الحياة عندهم وما وصلوا إليه من درجة في المدنية أن يقسموا اليوم نفسه إلى اقسام، فاستخدموا الساعات الشمسية والمائية. وتدل آثارهم على أنهم استعملوا منها أنواعاً متعددة نقتصر هنا على وصف أهمها:

فالصورة (2) هي ساعة شمسية يرجع عهدها إلى القرن الخامس عشر قبل الميلاد، وتتكون من قضيبين متعامدين ب ب توضع بحيث يكون مواجهاً قبل المشرق قبل الظهر وقبل المغرب بعده وظل على ب ب يبين الوقت أثناء النهار. ولقد قسموا الفترة بين شروق الشمس حين يكون الظل أطول ما يمكن والظهر حين لا ظل إلى ست ساعات ومثلها بعد الظهر.

والصورة (3) هي نوع آخر من الساعات الشمسية استخدمت لتعين الوقت في القرن الثاني عشر قبل الميلاد. وهي لا تختلف كثيراً عن المزاول الشمسية المستعملة إلى وقتنا هذا. وقد اكتشفت ببلدة جيزار في جنوب فلسطين.

والصورة (4) هي إحدى أنواع الساعات المائية وجدت في معبد الكرنك، ويرجع تاريخها إلى عهد امنحت الثالث (1400 قبل الميلاد) وهي مصنوعة من المرمر ومزينة من الخارج برسوم الكوكبات والكواكب السيارة مع إلاهي الشمس والقمر، وصورة الملك بين آلهة الشهور الاثني عشر. وهذا النوع من الساعات عبارة عن إناء مملوء ماء ينصرف من ماسورة صغيرة في القاع. وقد جعل شكل الإناء بحيث يحدث تصرف كميات متساوية من الماء في أزمنة متساوية انخفاضات متساوية في سطح الماء.

وفي أنواع أخرى من الساعات المائية كان يصب الماء من مصدر خارجي، وفي هذه الحالة يبين الوقت ارتفاع سطح الماء في الإناء.

وربما كان أهم الاكتشافات العلمية في هذا الصدد تلك الآلة الزوالية الصغيرة التي ابتاعها الأستاذ برستيد من أحد تجار العاديات بلندن سنة 1923 لسببين:

الأول - إن الصانع الحقيقي لها هو الملك العظيم توت عنخ أمون نفسه كما تدل عليه الجملة الهيروغليفية المنقوشة على جانبيها (صنعتها بيدي) .

الثاني - لأنها أقدم آلة فلكية عرفت في التاريخ، فقد دلت أبحاث الأستاذ جورج هيل على أن تاريخ استعمالها يرجع إلى حوالي سنة 3000 قبل الميلاد.

وقد كانت تسمى هذه الآلة عندهم (مرخت) ومعناها آلة القياس، ولا يتسع المقام هنا لوصف طريقة استعمالها، ونكتفي بالإشارة إلى أنها تشبه - من هذه الناحية - الآلة الرئيسية في المراصد الحديثة المعروفة بالمنظار الزوالي. وبواسطتها يمكن تحديد الوقت برصد عبور النجوم على مزمار معلق من إحدى نهايتها.

ولا يفوتنا أيضاً أن نذكر أن آلة أخرى من هذا النوع أقدم من هذه التي ابتاعها برستيد توجد في ` متحف العاديات ببرلين

ويقول الأستاذ بورخات إن تاريخ استعمالها يرجع إلى عهد امنحتب الثالث

فليت شعري هل ترانا جديرين بهذا التراث العظيم. . . .؟؟!!

 

التعليقات مغلقة على هذه المقالة
جديد المقالات المزيد
صفحة من تاريخ العلوم: أول كتاب في المدفعية

صفحة من تاريخ العلوم: أول كتاب في المدفعية

إن ظهور سلاح المدفعية واستخدامات البارود قد ترافق في أوروبا مع بداية...

حركة الشيخ رابح بن فضل الله ضد الاستعمار الفرنسي في تشاد

حركة الشيخ رابح بن فضل الله ضد الاستعمار الفرنسي في تشاد

  فرج كُندي مقدمة  تعتبر حركة المجاهد الكبير رابح من فضل...

لنتذكّر في ذكرى الهجرة

لنتذكّر في ذكرى الهجرة

لقد كان نجاح الإسلام في تأسيس وطن له وسط صحراء تموج بالكفر، أعظم كسْب...

جديد الأخبار المزيد
مجلس الأمن يعقد أول جلسة علنية حول ميانمار الخميس

مجلس الأمن يعقد أول جلسة علنية حول ميانمار الخميس

يعقد مجلس الأمن الدولي بعد غد الخميس، أول جلسة مفتوحة حول الانتهاكات...

مقتل ثلاثة جنود إسرائيليين إثر عملية إطلاق نار شمال القدس

مقتل ثلاثة جنود إسرائيليين إثر عملية إطلاق نار شمال القدس

أعلنت شرطة الاحتلال الإسرائيلي عن مقتل ثلاثة جنود وإصابة رابع إثر...

مناورات عسكرية مشتركة بين تركيا والعراق عقب استفتاء كردستان

مناورات عسكرية مشتركة بين تركيا والعراق عقب استفتاء كردستان

قالت رئاسة الأركان العامة التركية إن المرحلة الثالثة من المناورات...

  • أيام في سيلان والمالديف