• الصليب وحكاياته

حاجي خليفة وكشف الظنون

Jan 31 2015 10:04:00

حاجي خليفة وكشف الظنون
حاجي خليفة وكشف الظنون

يعتبر كتاب «كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون» ذخيرة نفيسة في المكتبة العربية وهو جدير بأن يكون موضوع عناية ودراسة.

وأول ما نلاحظ عند دراستنا «للكشف» هو أنه ألف في القرن الحادي عشر الهجري، أي السابع الميلادي، وهذه الفترة هي فترة جمود فكري إذا ما قيست بعهود الازدهار، ولكنها في الواقع امتداد لعصر تأليف الموسوعات ، في الأدب، واللغة. والفقه، والتراجم ... مثل نهاية الارب للنويري، وصبح الأعشى للقلقشندي ومؤلفات السيوطي..

وهذه الحركة النشيطة في التأليف والجمع في عصر الجمود كانت حركة مهمة عملت على إنقاذ التراث، وعلى جمع شتات ما يمكن جمعه، بعدما  تعرض له التراث العربي من ضياع واتلاف، وإغراق وإحراق، وتدمير، وتهريب، وقرصنة ..
وعمل حاجي خليفة في كتابه كشف الظنون .. هو حلقة من تلك الحلقات التي عملت على التعريف بتراثنا، ومحاولة إنقاذ ما يمكن إنقاذه ... وإذا كان عمله هذا من نوع خاص وفي ميدان معين فهو عمل هام يستوجب الوقوف عنده والتعرف عليه ..
اعتمد حاجي خليفة في عمله هذا على المؤلفين الذين سبقوه في نفس الميدان أي ميدان التعريف بالمؤلفات والمؤلفين، وهذا التعريف قد يكون عاما وشاملا لجميع ضروب العلوم والفنون، وقد يكون خاصا بضرب معين عن المعرفة، وبطبقة خاصة من طبقات ذلك الضرب المعين.

وحاجي خليفة في الكشف يقصد إلى العموم والشمول حيث أراد أن يضع فهرسا جامعا شاملا، ومعجما يضم ما في المكتبة العربية من مؤلفات، وهذا عمل شاق في حد ذاته، بالرغم من أن الخطوات السابقة تمهد الطريق، ومما يزيد في صعوبة هذا العمل مضي الزمن وامتداده، وكل من سبق في الميدان سوف يقف عند حد معين، وعلى اللاحق أن يبتدئ من حيث انتهى السابق ..
لقد تنبه المسلمون منذ العصور الأولى إلى ضرورة وضع فهرس جامع يسهل على طالب العلم قصده، ويكون له مفتاحا بين يديه ييسر عمله.

 الخطوات التي سبقت حاجي خليفة في هذا الميدان
من أهم الخطوات التي مهدت الطريق أمام مؤلف الكشف الخطوات التالية:
1 – خطوة ابن طيفور البغدادي المتوفي سنة 280 هـ صاحب كتاب « أخبار المؤلفين والمؤلفات» فهذه خطوة مبكرة تعتبر من الخطوات الأولى في هذا الميدان.
2 – ثم كانت خطوة أخرى، وهي عمل هام في هذا الميدان، تلك هي خطوة «فهرست ابن النديم» محمد بن اسحاق البغدادي المولد، وهذه الخطوة كانت في منتف القرن الرابع الهجري، فهي من الخطوات المبكرة، لأن ابن النديم هذا احتراف الوراقة، والكتابة، فأتاحت له ظروفه معرفة الكتب العديدة، ومؤلفيها، وأتاحت له الاطلاع على المعارف التي سادت في زمانه ..
وكتابه الفهرست يدل على إحاطة ابن النديم بمختلف علوم عصره، ويدل على وقته فيما قرأ، أو رأى، أو سمع، وكتابه مقسم إلى عشر مقالات في عشرة جوانب من جوانب الثقافة الإسلامية :
1) اللغات والكتب المقدسة وعلوم القرآن.
2) النحو واللغة.
3) الأخبار والأنساب.
4) الشعر.
5) الكلام.
6) الفقه والحديث.
7) الفلسفة والعلوم القديمة.
8) الأسماء والخرافات والسحر.
9) المذاهب والاعتقادات.
10) الكيمياء.
وكل مقال مقسم إلى عدة فنون يذكر فيها أسماء الكتب وأخبار مؤلفيها على اختلاف طبقاتهم وأصنافهم، كالنحاة، والرواة، والمترسلين، والمغنين،والمتكلمين والفقهاء والأطباء، والمشعوذين والمصورين والكيمائيين ..
فكتاب ابن النديم إذن يعطينا صورة واضحة عن الحصيلة العلمية الضخمة التي كانت بين يدي طلاب العلم بديار الإسلام في منتصف القرن الرابع الهجري.
3 – ومن الخطوات الهامة في هذا الميدان كتاب «مفتاح العلوم» لمحمد بن أحمد الخوارزمي من القرن الرابع الهجري أيضا عاش ببلاط السامانيين الذي ألف لوزيرهم العتبي أقدم دائرة معارف عربية.
وقسم الخوارزمي كتابه إلى قسمين هامين :
أ– العلوم العربية والإسلامية :
كالشريعة، والفقه، والكلام ، والعروض، والتاريخ ..
ب – العلوم المترجمة :
كالفلسفة والمنطق والطب والحساب والهندسة والفلك والموسيقى والحيل – ميكانيكا – والكيمياء .. ثم بين مصطلح كل علم.
4 – وهناك خطوات أخرى كثيرة في هذا الميدان منها كتاب «إحصاء العلوم» لأبي نصر الفارابي المتوفى سنة 339 هـ
5 - كتاب «موضوعات العلوم» الذي صنفه عبد الرحمن البسطامي وهو كتاب حافل في موضوعه.
6 - صنف الملا لطفي المقتول سنة 900 هـ كتابه «المطالب الإلهية» خدمة لخزانة بايزيد العثماني
7 – وألف معاصره السيوطي المشهور كتابه «النقابة وإتمام الدراية».
8 – وبعدهما ألف السيد محمد أمين بن صدر الدين الشرواني المتوفى سنة 1036 كتابه في هذا الميدان وهو : «الفوائد الخافانية» الذي أهداه للسلطان أحمد الأول العثماني.
9 – هذا ويعتبر كتاب «مفتاح السعادة ومصباح الزيادة» من أهم الكتب في هذا الموضوع، وهو من الكتب التي كانت نبراسا لمؤلف كشف الظنون. ومؤلف مفتاح السعادة هو عصام الدين أحمد طاشكبرى زادة المتوفى في 968 هـ سار في كتابه على منهج ابن النديم، وقسم العلوم إلى ست درجات ادخل في كل درجة منها طائفة من العلوم وزمرة منها، وأعطى الدرجة السادسة لعلوم الباطن وبها أنهى الكتاب، وكتاب مفتاح السعادة هذا يحتوي على مقدمات في فضيلة العلم والتعليم والتعلم وشروط ذلك ..

ويلاحظ أن مؤلف الكشف، اتكا على هذه المقدمات وانتفع بهذا الكتاب كثيرا، فهو قد استفاد من هذا الرصيد كله ومن غيره .. وهو يصرح في مواضع عديدة من كتابه بما استفاد من الذين سبقوه.

منهاج حاجي خليفة وطريقته
يقول مؤلف الكشف : أنه قام بعمله هذا بالهام من الله تعالى وأنه ابتدأ عمله بتحرير أسماء الكتب بحلب .. » ويلاحظ أن صاحب الكشف بالرغم من اعتماده على الكتب السالفة الذكر وغيرها كمصادر وكمادة لكتابه قد ابتدع لنفسه منهاجا خاصا به وهذا مما ينبغي اعتباره، أنه بهذا المنهاج سهل الرجوع إلى ما يقصده الباحث والطالب وذلك حيث رتب المؤلفات في كتابه على حروف المعجم التي ألفت قبله حسب عمله ويرتبها على حروف الهجاء ترتيبا معجميا.
وبهذا العمل أصبح كشف الظنون معجبا للمؤلفات بحيث يسهل على الباحث العثور على الكتب المؤلفة في أي موضوع من الموضوعات، وبهذا العمل أيضا أصبح الكتاب مرجعا هاما لا يستغني عنه طالب العلم، وخاصة في طبعاته الأخيرة ذات الذيول والتعاليق.
وفي ثنايا الكتاب يبدو المجهود الذي بذله المؤلف وهو مجهود سنتعرف عليه فيما بعد.
ومما يلفت النظر في كشف الظنون، مقدمة الكتاب، تلك المقدمة التي تبين مدى سعة إدراكه لحقائق  العلم، وتدل على ثقافته الواسعة وعلى ما بذله من جهد في سبيل العلم والمعرفة ..
فهو يتحدث في مقدمة الكتاب عن مختلف العلوم والفنون ويشرح فيها فائدة كل علم وكل فن، ويتعرض لنشأة العلم ومدارسه وإلى المشهورين من أربابه والمشتغلين به ..
وهي مقدمة حافلة تجسم الجهد المبذول من طرف المؤلف خلال عشرين سنة في جمع شتات هذا الكتاب الذي ضمنه في نهاية الأمر زهاء خمسة عشر ألفا من أسماء الكتب والمؤلفات لخمسمائة وتسعة آلاف من المؤلفين في نحو ثلاثمائة فرع من فروع المعرفة.

مؤلف كشف الظنون وحياته وظروفه
يتفق كل الذين ترجموا للمؤلف على أنه ولد في مدينة استانبول سنة 1017 هـ أي موافق 1608 م في مطلع القرنين الحادي عشر الهجري والسابع عشر الميلادي.
كانت استانبول خلال هذه الفترة عاصمة سلاطين آل عثمان وقد عرفت ازدهارا كبيرا، وتألق نجمها بعد أن أصبحت مركز الخلافة الإسلامية. فازدهرت بها حياة العمران بعد الفتور الذي أصابها بعد الفتح مباشرة، الذي كان سنة 1453 م فما هي إلا مدة قصيرة حتى أصبحت استانبول مدينة إسلامية بكل معاني الكلمة حيث أنشئت فيها المساجد الفسيحة البالغة في الروعة والجلال والجمال، وأخذ سلاطين آل عثمان يتنافسون في البناء والتشييد .. فيما شيد من مساجد وأضرحة ومدارس ومكتبات، وكتاتيب قرآنية، ودور للقراءة والقراء وللعلم وطلبته ...
فهذا المسجد السليماني أفسح مساجد البلد، أسس في عهد سليمان القانوني العظيم ما بين سنة 1550م و 1557 م ذلك السلطان الذي يمثل عصره العصر الذهبي للإمبراطورية العثمانية والذي ازدهرت في عهده الحياة العلمية، والأدبية والثقافية بصفة عامة.
ومسجد بايزيد (1501م- 1505 م) ومسجد أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه، والمسجد الجديد (ياني جامع) الذي شيد سنة 1597م ..
إلى غير ذلك من مظاهر الحضارة الإسلامية التي عرفتها المدينة مسقط رأس المؤلف.
فالمؤلف إذن ولد في أوج عظمة الدولة العثمانية حيث عرفت استانبول بدورها أوج عزها ومجدها، وحضارتها ...
إلا أن الأوج أحيانا يكون هو القمة التي يبدأ منها الانحدار، وإذا كان الصعود يحتاج- عادة – إلى بعض الفترات الطويلة فكثيرا ما يكون الانحدار بسرعة مذهلة ...!

فمؤلفنا قد فتح عينه على مدينته الجميلة عاصمة الخلافة الإسلامية، وهي زاهية بمآثرها وعمرانها وحضارتها الإسلامية، وبنظام بلاطها وبأنظمة الجيش فيها التي تتمثل في استعراضاته وقوته، وأسطوله وأسلحته وبنوده، وراياته وألبسته بذلات ضباطه وقواده .. وفي موسيقاه الصاخبة التي تردد صداها المدينة وضواحيها. ذلكم الجيش الذي كان مزهرا بانتصاراته في كل الجهات، وفي جميع ميادين الحروب.
فتح عينيه على هذا وأكثر من هذا في طفولته، وهو قد شب وترعرع في عهد السلطان مراد الرابع سابع عشر سلاطين بني عثمان، الذي تربع على عرش الخلافة العثمانية ما بين سنتي 1623م و 1640 م وهو آخر سلطان خرج إلى الحرب بنفسه.
وإذا كان مؤلفنا قد فتح عينيه على مظاهر الازدهار والعمران وقوة الجيش فإن تلك المظاهر سرعان ما بدأت تتخذ المظهر الصوري، وكانت نتيجة لقوة الدفع التي بدأت مع تأسيس الإمبراطورية ..
ومن المعروف أن عهد الضعف في الإمبراطورية العثمانية يبتدئ بعد موت السلطان سليمان القانوني في منتصف القرن عشر الميلادي سنة 1546 والذي خلفه ولده سليم الثاني. وفي عهد سليم هذا أصيب الأتراك بأول انهزام حربي مؤلم ومؤثر كان له ما بعده، وذلك في معركة ليبانتو الشهيرة سنة 1571 م بواسطة الأسطولين الإسباني والبندقي.
وفي عهد السلطان مراد الثالث ( 1574- 1595) بدأت سيطرة الحريم والمحظيات على شؤون الدولة.
أما في عهد مراد الرابع الذي عايشه مؤلفنا والذي سنرى أنه كان من بين مستخدميه في الجيش في هذا العام هجم الفرس على بغداد، وثار الأمراء لتحرير الأقاليم ومنهم الأمير فخر الدين « المعني» الذي أراد تحرير لبنان ...
واستطاع الفرس بزعامة عباس الأول شاه فارس أن يستولوا على بغداد لفترة من الوقت ...
وإذا كان مراد الرابع قد استطاع أن يسترجع بغداد بعد صعوبات جمة وحروب طاحنة ... فإننا سنرى أن نفسية الجيش كانت متضعضعة.
وفي الحروب مع عباس هذا وذاق مؤلفنا ويلات الحروب، وذاق مرارة الحصار تسعة أشهر كاملة.
ولتترك المؤلف يحدثنا بنفسه عن ذلك إذ يقول :
« سافرت سفرة مع والدي، وقاسيت الشدائد في المحاصرة تسعة أشهر من الحرب والقتال، وانقطاع الآمال باستيلاء القحط والغلاء وغلبة الأعداء، ولكن البلية إذا عمت طابت ذلك تقدير العزيز العليم، ولما رجعنا ميئوسين مخذولين ودخلنا الموصل مات والدي في يوم من أيام ذي القعدة سنة 1035 هـ وسنه في حدود السنين ودفن في مقابر الجامع الكبير ومات عمي بعد شهر ...»
وهذا نص يحمل في ثناياه ظلالا من الكآبة واليأس سواء بالنسبة لحال المؤلف أو بالنسبة للوضعية العامة للمشاركين في الحرب ..
تسعة من الحصار وانقطاع الآمال، واستيلاء القحط والغلاء وغلبة الأعداء ..!! ثم يقول : « ورجعنا ميئوسين مخذولين» وهذه وضعية عامة بالنسبة لجميع الجيش السلطاني وينفرد المؤلف بعد ذلك ببلاياه الخاصة وهي موت الأب ثم العم !!
وهكذا نرى أن المشاكل بدأت تتسرب إلى جسم الدولة العثمانية، وكانت عظمة مراد الرابع « كالهر يحكي انتفاخا صولة الأسد» بالرغم من أنه كان مفتول العضلات، شديد القسوة ...
والمؤلف قد شاهد حربا أخرى قبل هذه، وهو لا يزال طري العود صغير السن في بداية طور المراهقة لا يتجاوز عمره السادسة عشرة سنة، وإلى ذلك يشير بقوله : «لما خرجت العساكر إلى قتال ابزاه باشا سنة 1033 هـ سافرت مع أبي وشاهدت الحرب الواقعة في تلك السنة بناحية قيصرية ..»- قيصرية قرية بشمال سوريا- والمؤلف في ترجمته لنفسه يتعرض للأحداث التي يراها مؤثرة في حياته، والتي علقت بذهنه من اجل ذلك، ولا شك أن هذه الأحداث لها أهميتها في واقع الأمر..
وفي هذه السفرة بالذات قد نستعرض كيف أخذه أبوه معه في الحملة العسكرية وهو في هذه السن المبكرة .. ؟!

لكن يبدو أن أباه كان في حاجة إليه، ليساعده وليؤنسه ...
ويؤكد هذا الاحتمال موت أبيه في الحملة الموالية مباشرة والتي سبقت الإشارة إليها ... فكانت عاطفة الأب الشيخ متأججة نحو طفله، ولذلك فهو يريد أن يجعل منه رجلا صلب العود قبل الأوان، ويريد كذلك أن يتلذذ بمعاشرته إياه ... ويريد أن يدربه في نفس الوقت على شؤون الوظيفة.
ومهما يكن من أمر فإن هذه الحملة نفسها تصور لنا كذلك مقدار التضعضع الذي بدا يصيب هذا الكيان الضخم كيان الإمبراطورية العثمانية الواسعة الأرجاء.
فالمؤلف في هذا النص يشير إلى الحرب التي دارت رحاها في شمال سوريا واستغرقت حوالي سنة، والتي ثار فيها آبزاه باشا القبران حاكم مرعش (1) وارضروم (2) وبعد حرب طاحنة تغلب جيش السلطان مراد الرابع، على إبرازه باشا وأمر بقتله ولم يشفه لإبرازه باشا عند السلطان ما كان من حسن بلائه في حروب بولونيا .. !
وإذا ما استعرضنا الأحداث التاريخية التي عاشها مؤلف الكشف كمواطن وكموظف في الدولة، وكمثقف واع، فإننا سنرى فيما بعد كيف اعتملت هذه الأحداث في نفسه وأثرت في شعوره، وسنراه يرفض الوظيفة ويزهد فيها ليتفرغ إلى البحث والتأليف ..
ونشير هنا إلى بعض الأحداث الأخرى التي عاشها المؤلف لنعرف مقدار التعفن الإداري الذي كان من شانه أن يزهد بعض الأحرار في الأعمال الرسمية للدولة ...
فمراد الرابع الذي كان المؤلف من موظفيه في حسابات الجيش، خلفه أخوه السلطان إبراهيم من سنة 1640- 1648 م وإذا كنا قد عرفنا بعض الأحداث التي أترث في نفسية المؤلف والتي عاشها في عهد السلكان مراد الرابع فلا بأس أن نعطي نظرة وجيزة عن عهد إبراهيم السلطان العثماني الذي عاش المؤلف كذلك جزء من حياته في خدمته.
فالسلطان إبراهيم في أول عهده ترك أمر تصريف شؤون الدولة إلى وزيره (قرة مصطفى) وكان هذا الوزير مشهورا بالدهاء والقدرة على تسير الأمور إلا أنه مهما يكن من قدرته فإن إسناد التصرف المطلق لوزير مهما كان أمره يصبح مبعثا للدسائس والمؤامرات .. وهذا الذي حدث فعلا ففي سنة 1644م أمر السلطان إبراهيم بقطع رأس الوزير نتيجة للدسائس ..!!
وبعد ذلك وقع إبراهيم تحت نفوذ أمه ومحظياته ... وسيطر على السلطان إبراهيم وعلى شؤون الدولة شخص آخر لا يتسم بصفات الوزير الأول وهو (جنجي خوجة حسين)...
واستنفذت الملذات والشهوات كل موارد الدولة في عهد إبراهيم وساءت الحال، وانهزم أسطوله أمام أسطول البندقية مرة أخرى ففكر على إثر هذا الانهزام في ذبح المسيحيين إلا أنه استجاب لنهي علماء الإسلام له عن ذلك ، واستمر يحارب ربع قرن تقريبا، فأنهكت حروبه وشهواته خزينة الدولة وثارت عليه فرقة الإنكشارية (3) بمساندة العلماء فخلع وشنق سنة 1648م.

هذه الأحداث كلها كانت تحت سمع وبصر المؤلف عاشها وضميره ووجدانه.
وبعد شنق إبراهيم أصبح نفوذ الانكشارية قويا جدا في الدولة، حيث ظفرت هذه الفرقة من الجيش بسلطة كبيرة فكانت تنصب السلاطين وتخلعهم كما نشاء.
وفي عهد إبراهيم هذا قدم المؤلف استقالته من وظيفة الجيش، وهذه السنة التي استقال فيها هي السنة الانتقالية في عهد إبراهيم أي السنة التي قطع فيها السلطان إبراهيم رأس وزيره المقتدر) قره مصطفى) ومن ثم جد السلطان في تلبية شهواته.
وليس معنى هذا أننا نربط بين حادثة القتل وحادثة الاستقالة ولكننا نربط هذه الاستقالة وبين فساد الأوضاع في إدارة الدولة.
أما السبب المباشر لاستقالة المؤلف فهو يذكره بنفسه في ترجمته لحياته في آخر تأليفه : «ميزان الحق في اختبار الأحق» حيث يشير إلى نزاع وقع بينه وبين باشا خليفة الذي هضم حقوقه في الخدمة الرسمية وكان ذلك سنة 1055 هـ أي 1644م وفي هذه السنة كان المؤلف قد انتقل في عمله إلى قسم تخطيط الخرائط بالجيش، ولكنه على إثر بخس حقوقه الواجبة له، قرر أن يعتزل الخدمة نهائيا وأن يتفرغ للبحث والتأليف.
وهذه الحادثة التي يرويها لنا المؤلف كان من شأنها أن ترهق إحساسه بفساد الأوضاع.
وكانت هذه الأحداث بعامة، والأوضاع الإدارية في الدولة مما يشغل بال المؤلف. ولذلك حاول أن يدلي بدلوه في إصلاح الأوضاع أو على الأقل التنبيه لما هي من فساد فألف كتابه «دستور العمل، لإصلاح الخلل» - الذي سنذكر عند ذكر مؤلفاته – ولعل التأليف السالف الذكر «ميزان الحق في اختيار الأحق» هو مساهمة من المؤلف في محاولة التنبيه على ضرورة إصلاح الأوضاع. لكن الانحدار كان أقوى من أن يرده نداء مهما يكن صادقا ..!! .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش :

1 ـ  مرعش : مدينة في تركيا على حدود سوريا الشمالية فتحها صلحا أبو عبيدة .
2ـ  أرضروم- مدينة في تركيا تعلو عن سطح البحر بأكثر من 2000 م كانت تسمى قليلة عندما فتحها حبيب بن مسلمة سنة 23 هـ وبعدما استولى عليها السلاجقة في القرن الخامس هـ. سموها « أرضوم».
3 ) الإنكشارية فرقة من الجيش العثماني كان يؤخذ جنودها من الشبان المسيحيين الذين كان على المدن الخاضعة للأتراك أن ترسلهم سنويا لخدمة السلطان، وكان هؤلاء الشبان ينشؤون منذ حداثتهم على الولاء للسلطان ويدربون تدريبا عسكريا دقيقا، وفي القرن السابع عشر والثامن عشر ظفرت هذه الفرقة بسلطة كبيرة، فكانت تنصب السلاطين وتخلعها كما تشاء، وصار التجنيد لها وراثيا منذ القرن السابع عشر ثم توقف  تدريجيا تجنيد المسيحيين فيها، وبقيت هذه الفرقة ذات نفوذ إلى أن قضى عليها السلطان محمود الثاني في مذبحة الإستانة سنة 1826م.

المصدر : مجلة دعوة الحق ـ العدد 155

التعليقات مغلقة على هذه المقالة
جديد المقالات المزيد
صفحة من تاريخ العلوم: أول كتاب في المدفعية

صفحة من تاريخ العلوم: أول كتاب في المدفعية

إن ظهور سلاح المدفعية واستخدامات البارود قد ترافق في أوروبا مع بداية...

حركة الشيخ رابح بن فضل الله ضد الاستعمار الفرنسي في تشاد

حركة الشيخ رابح بن فضل الله ضد الاستعمار الفرنسي في تشاد

  فرج كُندي مقدمة  تعتبر حركة المجاهد الكبير رابح من فضل...

لنتذكّر في ذكرى الهجرة

لنتذكّر في ذكرى الهجرة

لقد كان نجاح الإسلام في تأسيس وطن له وسط صحراء تموج بالكفر، أعظم كسْب...

جديد الأخبار المزيد
مجلس الأمن يعقد أول جلسة علنية حول ميانمار الخميس

مجلس الأمن يعقد أول جلسة علنية حول ميانمار الخميس

يعقد مجلس الأمن الدولي بعد غد الخميس، أول جلسة مفتوحة حول الانتهاكات...

مقتل ثلاثة جنود إسرائيليين إثر عملية إطلاق نار شمال القدس

مقتل ثلاثة جنود إسرائيليين إثر عملية إطلاق نار شمال القدس

أعلنت شرطة الاحتلال الإسرائيلي عن مقتل ثلاثة جنود وإصابة رابع إثر...

مناورات عسكرية مشتركة بين تركيا والعراق عقب استفتاء كردستان

مناورات عسكرية مشتركة بين تركيا والعراق عقب استفتاء كردستان

قالت رئاسة الأركان العامة التركية إن المرحلة الثالثة من المناورات...

  • أيام في سيلان والمالديف