• الصليب وحكاياته

عرض لكتاب «الوافي بالوفيات»..

Jan 27 2015 07:12:39

عرض لكتاب «الوافي بالوفيات»
عرض لكتاب «الوافي بالوفيات»..

هو المؤرخ الأديب: خليل بن أيبك صلاح الدين الصفدي، ولد في صفد (بفلسطين)، وإليها نسبته، وكانت ولادته سنة ست وتسعين وستمائة (696هـ)، قرأ علوم الشريعة وعلوم الآلة، وبرع في الأدب نظما ونثرا وكتابة وجمعا، وعني بعلم الحديث، وصنف الكثير في التاريخ والأدب؛ حتى قال عنه تاج الدين السبكي: «قال لي: إنه كتب أزيد من ستمائة مجلد تصنيفا، وكانت له همة عالية في التحصيل»، وتولى ديوان الإنشاء في صفد ومصر وحلب، ثم وكالة بيت المال في دمشق، وتوفي فيها.

ذكر عن نفسه أن أباه لم يمكنه من الاشتغال بالعلم وتحصيله، حتى استوفى عشرين سنة وطلب بنفسه، فطاف مع الطلبة، وكتب عن أهل العلم، وقال الشعر الحسن، وأكثر منه جدا، وترسل وألف كتبا كثيرة؛ منها: التاريخ الكبير الذي سماه «الوافي بالوفيات»، وشرح «لامية العجم»، وله: «ألحان السواجع بين المبادئ والمراجع»، و«جر الذيل في وصف الخيل»، و«كشف الحال في وصف الخال».

كان -رحمه الله- حسن المعاشرة جميل المروءة، وكان إليه المنتهى في مكارم الأخلاق ومحاسن الشيم.

قيمة «الوافي بالوفيات» للصفدي مجموعة كبيرة من الكتب التاريخية والأدبية وغيرها، وتعتبر في جملتها دررا في عالم التأليف، غير أن كتابه «الوافي بالوفيات» يعتبر رأس هذه المؤلفات وأجودها، فهو بحق موسوعة تاريخية وسياسية وأدبية ونقدية، ولم يقتصر «الوافي بالوفيات» على طائفة محددة من الأعلام، بل شمل بالترجمة الجاهليين، والصحابة الكرام، وتابعيهم، والملوك والأمراء والسلاطين، والقضاة والعمال والوزراء، والقراء والمحدثين والفقهاء، والنحاة واللغويين والأدباء، والحكماء والفلاسفة والأطباء، بل تطرق بالترجمة للمبتدعة وأهل الأهواء..

وهو كتاب يترجم لمن حدثت وفاته قبل سنة 764هـ، وهي سنة وفاة المؤلف، وهذا في الغالب، وليس شرطا دائما، بل إنه يتخلف أحيانا في بعض التراجم.. إنه كتاب مهم في بابه, لأنه يضم أكثر من أربعة عشر ألف ترجمة، وكثير منها لا يعرف لها مصدر آخر غيره، كما يضم الكتاب الكثير من النكت العلمية والأدبية؛ في التاريخ, والنحو، والبلاغة, والفقه, والطب, وتعتبر مادة خصبة لدراسة جديرة بالتبويب.

وقد اشتمل الكتاب على مقدمة نفيسة، لا يليق بباحث في التاريخ أو الأدب أو العلوم الإنسانية عموما أن يهملها، فهي ديباجة رصينة حوت من المعارف رؤوسا لا يستغنى عنها، وهي معدودة في الأعلاق النفيسة الممتعة، وهي من أشهر المقدمات النافعة في علم التاريخ، إذ صرح فيها الصفدي برؤية المؤرخ، وقيمة التاريخ، وأهمية كتابته، وتتبع أخباره.

وقد بين - رحمه الله - في صدر كتابه منهجه الذي سار عليه في جمع المادة، وطريقة بثها في ثناياه، وقد جاءت تراجمه ممتدة زمانيا، إذ تبدأ بما قبل الإسلام، وتنتهي ببعض من عاش في القرن الثامن الهجري، أي من الذين عاصرهم الصفدي، كما استوعبت التراجم مساحات مكانية واسعة، من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب.

وقد أورد الصفدي - رحمه الله - في هذه المقدمة النفيسة أحد عشر فصلا، تناول فيها علم التاريخ، فتحدث عن طريقة تأريخ العرب في الجاهلية، وأقدم التواريخ التي بين أيدينا وأصولها، وبيان كيفية كتابة التاريخ، وترتيب المؤرخين لكتبهم، وطريقتهم في النقد التحليلي للنصوص التاريخية، ويذكر جردا مطولا للكتب التاريخية؛ وقد صنفها حسب التراجم التي اختصت بها، فمنها: كتب تاريخية مصرية، وأخرى شامية وثالثة مغربية وأندلسية ويمنية وغير ذلك.

كما قدم الصفدي طائفة من القضايا اللغوية والإملائية التي لا يسع المؤرخ جهلها؛ منها دراسة كلمتي التاريخ والوفاة وجذريهما اللغويين، وطريقة المؤرخين في ضبط الأسماء بالعبارة وحروف الهجاء، وإذا وقفنا عند مصادره التي استمد منها مادته وجدناه قد اعتمد على مجموعة من كتب التاريخ والسير والتراجم والطبقات، المطبوعة والمخطوطة والمفقودة، كما اعتمد الصفدي في بعض تراجمه ومادته التاريخية على من عاصرهم، فقد ترجم لمئات منهم، وسرد فصولا من أخبارهم، ومن أهم ما ذكره مما عاصره أخبار الدولة المملوكية التي تخفى تفاصيلها على الكثيرين ممن لم يقتربوا من البلاط قربه، فقد كان، رحمه الله، من كتاب الإنشاء، وكانت له منزلة عالية عند الأمراء، مما خوله من الاطلاع على المكاتبات المملوكية وشؤونها السياسية والاقتصادية والعسكرية وغيرها.

كما أن لكتاب «الوافي بالوفيات» قيمة أدبية راقية، تتمثل في الانتخاب الشعري الذي جعل من الكتاب خزانة أدبية ثرية لكثير مما حفلت به دواوين الشعراء، فالصفدي شاعر ناقد ذواق، له اطلاع واسع على الموروث الشعري المتقدم عنه والمعاصر له، وعنده حس نقدي بليغ.

فصول المقدمة ومحتوياتها:

الفصل الأول: ذكر الصفدي فيه أن العرب كانت تؤرخ فـي بنـي كنانة من موت كعب بن لؤي، فلـما كان عام الفـيل أرخت منه، وكانت الـمدة بـينهما مائة وعشرين سنة، وأرخ بنو إسماعيل - علـيه السلام - من نار إبراهيم علـيه السلام إلـى بنائه البـيت، ومن بنائه البـيت إلـى تفرق معد، ومن تفرق معد إلـى موت كعب بن لؤي.. ومن عادة الناس أن يؤرخوا بالواقع الـمشهور والأمر العظيم، وقد وقع خلاف كبير في أقدم التواريخ التـي بأيدي الناس: فزعم بعضهم أن أقدم التواريخ تاريخ القبط؛ لأنه بعد انقضاء الطوفان.

وأقرب التواريخ الـمعروفة تاريخ يزدجرد بن شهريار الـملك الفارسي، وهو تاريخ أرخه الـمسلـمون عند افتتاحهم بلاد الأكاسرة، وهي البلاد التـي تسمى اليوم «إيران»، وأما التاريخ الـمعتضدي فلم يتـجاوز بلاد العراق، وفـيما بـين هذه التواريخ، تواريخ القبط والروم والفرس وبنـي إسرائيل، وتاريخ عام الفـيل.

وأرخ الناس بعد ذلك من عام الهجرة، وأول من أرخ الكتب من الهجرة عمر بن الـخطاب  "رضي الله عنه"  فـي شهر ربـيع الأول سنة ست عشرة، وكان سبب ذلك أن أبا موسى الأشعري  "رضي الله عنه"  كتب إلـى عمر أنه يأتـينا من قبل أمير الـمؤمنـين كتب لا ندري علـى أيها نعمل، فقد قرأنا صكا منها مـحله شعبان؛ فما ندري أي الشعبانـين الـماضي أو الآتـي؟! فعمل عمر  "رضي الله عنه"  علـى كتب التاريخ؛ فأراد أن يجعل أوله رمضان، فرأى أن الأشهر الـحرم تقع حينئذ فـي سنتـين؛ فجعله من الـمـحرم، وهو آخرها فصيره أولا لتـجتمع فـي سنة واحدة، وكان قد هاجر  " صلى الله عليه وسلم"  يوم الـخميس لأيام من الـمـحرم؛ فمكث مهاجرا بـين سير ومقام، حتـى دخـل الـمدينة، شهرين وثمانـية أيام.

الفصل الثانـي: تقول العرب: أرخت وورّخت، فـيقلبون الهمزة واوا؛ لأن الهمزة نظير الواو فـي الـمخرج، فالهمزة من أقصى الـحلق والواو من آخر الفم، فهي مـحاذيتها، ولذلك قالوا فـي وعد: أعد، وفـي وجوه: أجوه، فعلـى ذلك يكون الـمصدر: تأريخا وتوريخا بمعنى.

وقاعدة التأريخ عند أهل العربـية: أن يؤرخوا باللـيالـي دون الأيام؛ لأن الهلال إنما يرى لـيلا، ثم إنهم يؤنثون الذكر، ويذكرون الـمؤنث، علـى قاعدة العدد، لأنك تقول: ثلاثة غلـمان وأربع جوار.. إذا عرفت ذلك، فإنك تقول فـي اللـيالـي ما بـين الثلاث إلـى العشر: ثلاث لـيال إلـى بابه، وتقول فـي الأيام ما بـين الثلاثة إلـى العشرة: ثلاثة أيام وأربعة أيام وبابه.

الفصل الثالث: فـي كيفـية كتابة التاريخ: تقول للعشرة وما دونها: خـلون، لأن الـمـميز جمع، والـجمع مؤنث، وقالوا لـما فوق العشرة: خـلت ومضت لأنهم يريدون أن مـميزه واحد، وتقول من بعد العشرين لتسع إن بقـين وثمان إن بقـين تأتـي بلفظ الشك لاحتمال أن يكون الشهر ناقصا أو كاملا.

وقد منع أبوعلـي الفارسي -رحمه الله- أن يكتب للـيلة خـلت، كما منع من صبـيحتها أن يقال الـمستهل، لأن الاستهلال قد مضى، ونص علـى أن يؤرخ بأول الشهر فـي الـيوم أو بلـيلة خـلت منه.

وقال الـحريري فـي «درة الغواص» والعرب تـختار أن تـجعل النون للقلـيل والتاء للكثـير لأربع خـلون، ولأربع عشرة لـيلة خـلت. قال: ولهم اختـيار آخر، وهو أن تـجعل ضمير الـجمع للكثـير الهاء والألف، وضمير الـجمع القلـيل الهاء والنون الـمشددة؛ كما نطق القرآن: {إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ ۚ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ} (التوبة: 36) فجعل ضمير الأشهر الـحرم بالهاء والنون لقلتهن، وضمير شهور السنة الهاء والألف لكثرتها.

فائدة: رأيت الفضلاء قد كتبوا بعض الشهور بشهر كذا، وبعضها لـم يذكروا معه شهرا، وطلبت الـخاصة فـي ذلك، فلـم أجدهم أتوا بشهر إلا مع شهر يكون أوله حرف راء، مثل شهري ربـيع وشهري رجب ورمضان، ولـم أدر العلة فـي ذلك ما هي؟ ولا وجه الـمناسبة؟ لأنه كان ينبغي أن يحذف لفظ شهر من هذه الـمواضع؛ لأنه يجتمع فـي ذلك راءان وهم قد فروا من ذلك، وكتبوا داود وناوس وطاوس بواو واحدة؛ كراهية الـجمع بـين الـمثلـين، وجرت العادة بأن يقولوا فـي شهر الـمـحرم شهر الله، وفـي شهر رجب شهر رجب الفرد أو الأصم أو الأصب، وفـي شعبان شعبان الـمكرم، وفـي رمضان رمضان الـمعظم، وفـي شوال شوال الـمبارك، ويؤرخوا أول شوال بعيد الفطر، وثامن ذي الـحجة بـيوم التروية، وتاسعه بـيوم عرفة، وعاشره بعيد النـحر، وتاسع الـمـحرم بـيوم تاسوعاء، وعاشره بـيوم عاشوراء؛ فلا يحتاجون أن يذكروا الشهر، ولكن لابد من ذكر السنة.

وقد يجيء فـي بعض الـمواضع نيف وبضع، مثل قولهم نـيف وعشرين، وهو بتشديد الـياء، ومن قال نيف بسكونها فذلك لـحن، وهذا اللفظ مشتق من أناف علـى الشيء إذا أشرف علـيه، فكأنه لـما زاد علـى العشرين كان بمثابة الـمشرف علـيها.

الفصل الرابع: النسب مـما يضطر إلـيه الـمؤرخ: النسب هو الإضافة، لأن النسب إضافة شيء إلـى بلد أو قرية أو صناعة أو مذهب أو عقـيدة أو علم أو قبـيلة أو والد، كقولك مصري أو مزي أو منـجنـيقـي أو شافعي أو معتزلـي أو نـحوي أو زهري أو خالدي؛ فهذا الـمعنى إنما هو إضافة.

ولهذا كان النـحاة الأقدمون يترجمونه بباب الإضافة، وإنما سميته نسبا، لأنك عرفته بذلك كما تعرف الإنسان بآبائه، وإنما زيد علـيه حرف لنقله إلـى الـمعنى الـحادث علـيه، طردا للقاعدة في التأنـيث والتثنـية والـجمع.

 

المصدر : مجلة الوعي الإسلامي الكويتية

التعليقات مغلقة على هذه المقالة
جديد المقالات المزيد
صفحة من تاريخ العلوم: أول كتاب في المدفعية

صفحة من تاريخ العلوم: أول كتاب في المدفعية

إن ظهور سلاح المدفعية واستخدامات البارود قد ترافق في أوروبا مع بداية...

حركة الشيخ رابح بن فضل الله ضد الاستعمار الفرنسي في تشاد

حركة الشيخ رابح بن فضل الله ضد الاستعمار الفرنسي في تشاد

  فرج كُندي مقدمة  تعتبر حركة المجاهد الكبير رابح من فضل...

لنتذكّر في ذكرى الهجرة

لنتذكّر في ذكرى الهجرة

لقد كان نجاح الإسلام في تأسيس وطن له وسط صحراء تموج بالكفر، أعظم كسْب...

جديد الأخبار المزيد
مجلس الأمن يعقد أول جلسة علنية حول ميانمار الخميس

مجلس الأمن يعقد أول جلسة علنية حول ميانمار الخميس

يعقد مجلس الأمن الدولي بعد غد الخميس، أول جلسة مفتوحة حول الانتهاكات...

مقتل ثلاثة جنود إسرائيليين إثر عملية إطلاق نار شمال القدس

مقتل ثلاثة جنود إسرائيليين إثر عملية إطلاق نار شمال القدس

أعلنت شرطة الاحتلال الإسرائيلي عن مقتل ثلاثة جنود وإصابة رابع إثر...

مناورات عسكرية مشتركة بين تركيا والعراق عقب استفتاء كردستان

مناورات عسكرية مشتركة بين تركيا والعراق عقب استفتاء كردستان

قالت رئاسة الأركان العامة التركية إن المرحلة الثالثة من المناورات...

  • أيام في سيلان والمالديف