• الصليب وحكاياته

المنهج المعكوس

Jun 07 2014 14:48:13

الكاتب : د.عماد الدين خليل

سيقف هذا المقال قليلاً لمناقشة المنهج المعكوس الذي يعتمده بعض الباحثين(1) في دراسة الحضارة الإسلامية، والذي يبدأ من الحديث عن اقتباسات المسلمين عن الآخرين، ثم يستنتج ، أو يوحي، بأن الحضارة الإسلامية لا تعدو أن تكون مجموعة من قطع الغيار استعيرت من الحضارات والثقافات الأخرى، وشُكّلت بها حضارة الإسلام، وكأن المسلمين خرجوا من جزيرتهم لا يحملون بذرة التحضر، أو أي شيء يمت إليها بصلة.

والخطأ الذي يقوم عليه هذا الافتراض هو أن أولئك الباحثين يغفلون حقيقة في غاية الأهمية وهي أن المسلمين خرجوا وهم يحملون رؤية جديدة قديرة إذا انصبت على الحضارات الأخرى، أن تصنع حضارة متميزة أصيلة، تعرف كيف تفيد من "الآخر"، ولكن بعد أن تخضع عناصر الأخذ للرؤية المتفردة بمواصفاتها الإيجابية التي لم تجتمع بهذا القدر من الغنى والتوافق في أي حضارة أخرى على الإطلاق.

لقد تأسست حضارة الإسلام في المجال الذي يعكس الشخصية الحضارية، والذي يبدأ بالعقيدة، ويمضي إلى الشريعة والنشاط المعرفي والثقافي عموماً (ولهذا ـ على سبيل المثال ـ تُرجمت فلسفة اليونان كأداة للجدل وليس كهدف معرفي، وفي المقابل فإن أدب اليونان القائم على الميثولوجيا الوثنية، لم يلق إقبالاً على ترجمته إلى العربية، وما تُرجم منه لم يلق رواجاً، وظل معزولا إلى حد كبير عن ذاكرة المسلمين ووجدانهم).

أما على مستوى العلوم الصرفة كالفلك والرياضيات والطبيعة والطب وعلوم الحياة .. الخ فإن الحضارات تنحو ـ بشكل عام ـ إلى اعتماد قانون تراكم الخبرة، والإضافة على ما قدمه الآخرون، وكان على الحضارة الإسلامية أن تعتمد القانون نفسه فحققت قفزات نوعية، بل إنها قدمت إضافة ذات قيمة بالغة في سياق مناهج العلوم وهي المختبر ..

 ومن ثم فإنها لم تكن مجرد "عالة" على الحضارات الأخرى بأي معيار من المعايير.والحالة نفسها تنطبق على النظم الإدارية حيث تجد الحضارات الناشئة ـ في البداية ـ أن لا وقت لديها لتسيير المؤسسات، فتقتبس عن الآخرين، لكنها لا تلبث أن تبدل وتحور وتنقص وتزيد، وتؤصل ـ في نهاية الأمر ـ نظمها الخاصة بها (ولنتذكرـ على سبيل المثال ـ ما حدث بالنسبة لنمو الدواوين وتوزيع تخصصاتها فضلاً عن حركة التعريب المعروفة التي استهدفت المؤسسة الإدارية بالدرجة الأولى).إن الباحثين المذكورين يعتمدون منهج الاستدلال بالجزئيات المنقولة عن الآخرين، ويعرضون منها حشوداً توحي للوهلة الأولى بأن حضارة الإسلام لا تعدو أن تكون ـ بالفعل ـ تجميعاً ميكانيكياً منقولاً عن الحضارات الأخرى. لكن هذا الأسلوب لا يلبث أن يتعرض للاهتزاز إذا تذكرنا مرة أخرى كيف أن هؤلاء الباحثين يتعمدون أو يغفلون الانطلاق من نقطة البداية الصحيحة، وهي الرؤية الشمولية للدين الجديد، والتي كان بمقدورها دائماً أن تخضع الجزئيات المقتبسة، بل تصهرها، من أجل إقامة الكيان الحضاري المتميز، الجديد.

 إن الذي حدث لم يكن ـ بأي صيغة من الصيغ ـ مجرد محاولة ميكانيكية، وإنما كان الأمر أعمق من هذا بكثير، إنه إعادة تركيب الجزئيات المقتبسة في كل حضاري يملك ملامحه المتميزة، ورؤيته المستقلة للكون والعالم والظواهر والأشياء.إن الإسلام كدين، بخلاف النصرانية، كان تأسيساً حضارياً بمعنى الكلمة، وبالتالي فإن انتصاره وتفرده في القيادة كان يعني بالضرورة قيام حضارة متفردة جديدة. وإن بمقدور المرء أن يمضي إلى أبعد من هذا فيرى كيف أن الإسلام نظر إلى الحضارات الأخرى، أو ـ على الأقل ـ إلى أقسام واسعة منها، على أنها امتداد للجاهلية بشكل من الأشكال، وبالتالي فإن التعامل معها لم يكن بصيغة التقبل أو الانبهار، كما حدث للشرق الإسلامي في العصر الحديث، وإنما بصيغة فوقية تحمل أصالتها واعتدادها بالذات، دون أن يمس هذا البعد الإنساني المفتوح للحضارة الإسلامية التي تعاملت مع الإنسان حيثما كان، وكسرت حواجز الجغرافيا والطبقة والعرق واللون، بل إنها تجاوزت حتى حواجز المذاهب والأديان.والباحثون المذكورون يعكسون الحالة مرة أخرى بادعائهم أن المغلوب هزم الغالب حضارياً، والحال أن الغالب قدر في عقود معدودة على أن يطوي المغلوب على كل المستويات بدء من الدين والسياسة وانتهاء بمجمل المفردات الحضارية …

 وتمكّن من أن يأخذ ويدع، ويفكك ويذيب، إلى الحد الذي لم يبق معه للثقافات المحلية مقومات مستقلة اللهم إلاّ ما كان يتساوق منها مع معطيات الحضارة الناشئة.إن الحضارة التي تقوم على الأخذ ليس بمقدورها أن تعطي أو تؤثر في الحضارات الأخرى.

 والذي حدث بالنسبة لحضارة الإسلام هو العكس فإن تأثيرها كان عميقاً للغاية، ليس فقط بصيغة حماية التراث القديم، وإعادته منقحاً أو مضافاً عليه، وإنما أيضاً بصيغة تقديم معطيات أصيلة مبتكرة كان لها أبلغ الأثر في صيرورة الحضارات الأخرى، وبخاصة الغربية، ومهما يكن من أمر فإن انعكاس المبادئ والقيم الإسلامية الأساسية على النشاط الحضاري عبر نشوئه وتناميه، منحه خصائصه المتميزة.

وهذا الانعكاس أو الارتباط المؤكد بين العقيدة والحضارة يمثل -ولا ريب- نقطة البداية الصحيحة في منهج دراسة حضارة الإسلام، وليس العكس كما توهم بعض الباحثين، فأوقعهم الوهم في جملة أخطاء، وقادهم إلى استنتاجات مضللة...

ويكفي أن نؤشر هنا على بعض ما قاله الباحثون الغربيون لتأكيد هذا الانعكاس.وهذا التأكيد يُعدّ -ولا ريب- ضرورة علمية بسبب من صعوبة الفصل بين النشاط الحضاري الإسلامي عبر التاريخ وبين البيئة الإسلامية التي تشكّل فيها، وتلقى عنها مؤثراته وحوافزه ومكوناته. وما من ريب، استناداً إلى هذا، في أن أي محاولة لتوهم فصل أو تعارض كهذا، إنما هو أسلوب مضلل في دراسة تراثنا الحضاري، ولن تكون نتيجته سوى حشود من الأوهام والأخطاء التي تنافي روح البحث العلمي الجاد.فما الذي يقوله "الغير" بهذا الخصوص قبل أن يقوله المسلمون أنفسهم ويؤكدوه؟ يشير (روبرت برنشفك) أستاذ اللغة والحضارة العربيتين في جامعتي (بوردو) و(باريس) إلى "أن تأثير الدين الإسلامي تتجلى قوته في عدد كبير من عناصر الثقافة الإنسانية: في اللغة والفنون والآداب والأخلاق والسياسة والتركيب الاجتماعي ونشاطه والقانون، بحيث لا نستطيع إذا أخذنا الوضعية كلا، أن نلاحظ مدنية مستقلة فيها لا تتميز (بالعنصر الإسلامي) فحسب ، بل (بالعامل) الإسلامي أيضاً"(2)

 لقد "أصبحت العقيدة الإسلامية خلال القرنين الثاني والثالث (الهجريين) نظاماً نما بصورة واسعة في نواح مختلفة، وكان شديد الرغبة في إظهار تماسكه في كل مدرسة أو نزعة تتضح في نطاقه .. وهكذا أخذ الإسلام مكانة عملية قُدّرت له في عدة ميادين ثقافية، وهو دور المؤثر والمتأثر، وهو مظهر مزدوج لا يصح الفصل بين جزئيه غالباً إلاّ بطريقة مصطنعة "(3).

ويمضي (برنشفك) في تحليله إلى أن "من الأصح ـ دون ريب ـ أن نعتبر العقيدة الإسلامية عاملاً، لا في الحالات التي يحدث أن تستمد منها حلاً جديداً من مواردها الخاصة بها فحسب، أو تأتي بحل جديد بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، ولكن في كل حالة تستوعب فيها حلاً داخلياً أو أجنبياً في نظامه، ويلونه بطريقته الخاصة، وبذلك تساعد على اقتباسه أو الاحتفاظ به. فكم من عمل لم تكن به من ناحية المبدأ صبغة إسلامية، طبعه الإسلام بطابعه إلى الحد الذي أصبح فيه عملاً مميزاً للإسلام، وذلك بفضل إسناد التربية الإسلامية المأثورة. ومن الممكن أن الصفة الإسلامية الخاصة لعنصر ثقافي في أكثر من حالة واحدة لا يدين بشيء إلى الأصل الذي نشأت عنه بل يعبر فقط عن الحقيقة: أن الإسلام باقتباسه العنصر المذكور طبعه بطابعه أو أراد اقتباسه وتمثيله "(4).

ويشير رجل القانون الدولي الفرنسي المعاصر(مارسيل بوازار) إلى أن الإسلام "اقترض ولا ريب، لكنه عرف كيف يحقق، بفضل روحه التوفيقي بشكل أساسي، بناء يحمل طابعه. فجميع بنائه الثقافي قائم على التكافل والتوفيق: مصادفة، واكتشاف، وتقبل، وتمثل، وتنمية وتطوير. وقد أضاف إليه الدين تلويناً خاصاً به، صادراً عن شعور بالسمو والانسجام، كما أنه صادر عن نوع من الوحدة في الاستلهام. وكانت مساهمة العالم الإسلامي الثقافية ضخمة"(5).

ويقول (موريس بوكاي) المفكر الفرنسي المعروف بأن "الإسلام قد اعتبر دائماً أن الدين والعلم توأمان متلازمان. فمنذ البدء كانت العناية بالعلم جزءاً لا يتجزأ من الواجبات التي أمر بها الإسلام. وأن تطبيق هذا الأمر هو الذي أدى إلى ذلك الازدهار العظيم للعلوم في عصر الحضارة الإسلامية، تلك التي اقتات منها الغرب نفسه قبل عصر النهضة في أوربا"(6).

ويلحظ المؤرخ البريطاني المعاصر (أرنولد توينبي) كيف أن الإسلام "وفق فيما أخفق فيه سابقوه؛ لأنه استكمل عملية طرد الهلينية من العالم السوري. كما عاد فأدمج في الخلافة العربية، الدولة العالمية السورية التي اختزل اسكندر الأكبر حياتها بقسوة قبل أن تستكمل رسالتها .. وأخيراً منح الإسلام المجتمع السوري ـ بعد انقضاء قرون من توقف حيويته ـ على أن يسلم الروح، وهو متأكد أنه لن يزول دون أن يخلق عقباً؛ إذ غدت العقيدة الإسلامية اليرقة التي بزغت عنها في حينها الحضارتان العربية والإيرانية "(7).

ويعاين المستشرق الفرنسي (دومينيك سورديل): الفن الإسلامي من الوجهتين التاريخية والجغرافية، فيرى أنه يستحق" على الرغم من نزعته التجريدية، التي تدين للإسلام وللإسلام وحده بوحدته، أن يتوج الثقافة الإسلامية الضخمة، التي تتصف بدورها بالوحدة على الرغم من نزعاتها المتباينة. ومن ثم فلا يبدو لنا الإسلام دينا (فحسب) ولا أمة (فحسب)، بل ركنا لحضارة ينعش مظاهرها الدينية والفكرية والفنية ، أو يكيفها على الأقل"(8).

ويؤكد المفكر المجري ليوبولد فايس ( محمد أسد ) على " أن التاريخ يبرهن وراء كل إمكان للريب أنه ما من دين أبداً حث على التقدم العلمي كما حث عليه الإسلام، وأن التشجيع الذي لقيه العلم والبحث العلمي من الدين الإسلامي انتهى إلى ذلك الإنتاج الثقافي الباهر في أيام الأمويين والعباسيين وأيام دولة العرب في الأندلس. وأن أوروبة لتعرف ذلك حق المعرفة؛ لأن ثقافتها هي نفسها مدينة للإسلام بتلك النهضة على الأقل بعد قرون من الظلام الدامس"(9).

 "إنها القوة العجيبة التي تشع من العقيدة الجديدة" كما يقول (فرانشيسكو كابرييلي)، كبير أساتذة اللغة العربية وآدابها في جامعة روما "ومن الدولة التي إقامتها هذه العقيدة، والتي نمت في كل اتجاه، وأنتجت حضارة موحدة إلى حد يدعو إلى الدهشة، وذلك على رغم من الاختلاف الشديد بين البيئات والمستويات الثقافية التي ازدهرت عليها …"(10)

ويواصل (كابرييلي) "من الواضح أننا نعني بالإسلام هنا كل (الحضارة الإسلامية) التي تطورت بمالها من مظهر خاص، من آسيا الوسطى إلى المحيط الأطلسي، والتي قامت على الإيمان برسالة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم … ولا ريب أن العقيدة الدينية قد زودت هذه الحضارة ليس بعاملها المشترك. فحسب، بل بمحورها ومظهرها الأساسي أيضاً.

وأن كل مظاهر الحياة الأخرى من مادية وروحية، ومن سياسية وأدبية واقتصادية واجتماعية، تحمل طابع هذا العنصر الديني، وتنعكس عليها ألوانه، وتنمو وتتسع تحت تأثيره.

 وقد قال أحدهم: إن الإسلام دين (عالمي شامل) أكثر من أي دين آخر، ويشمل تأثيره الإنسان بأكمله وليس شعوره الديني وحده"(11)، ثم يخلص (كابرييلي) إلى القول بأن "الطابع الإسلامي إذا غلب على أمة من الأمم لا يمكن محوه البتة …"(12).

ويذكر المستشرق الأمريكي (أدوين كالفرلي) بأن "المسلمين قد هضموا العلم والفلسفة الهلينية ثم حوروا فيهما ليلائموا بين معرفتهم الجديدة وبين روح العقيدة القرآنية"(13).

أما المستشرق البريطاني المعروف (هاملتون جب) فيلحظ كيف أن البيئات الثقافية المتنوعة في عالم الإسلام من تخوم الصين وسهوب جنوبي روسيا وإندونيسيا وشبه القارة الهندية إلى غربي آسيا وشمالي إفريقية وأسبانيا ظلت تحتفظ" مجتمعة ومنفردة بطابع إسلامي معين مشترك يمكن تبينه بسهولة"(14)، والسبب فيما يراه (فون كرونباوم) المستشرق النمسوي يكمن في "أن ثقافة الإسلام العامة تملك تحت تصرفها وسائل متعددة تساعد على التوفيق بين الثقافات المحلية.

 ومن هذه الوسائل التي يتميز بها الإسلام في الأخص: الإجماع .. الذي له سلطة الفصل في شرعية أي عمل أو عقيدة أخذتها الجماعة"(15) وهو يلحظ بأنه "حينما تُوضّح وجهة النظر الأجنبية في داخل إطار إسلامي وبتعابير إسلامية، يكون الإحساس بها إسلامياً صادقاً. ومن جهة أخرى فإن التوضيح التدريجي بحقائق الدين الأولى، ولما تشتمل عليه من ملابسات ثقافية، أخذ يساعد على توسيع الأساس الذي يقوم عليه التبادل بين الحضارات.

وهكذا نجد أن ازدهار الحضارة العباسية إنما يمثل امتزاجاً ثانياً للحضارة الإسلامية، وقد فسحوا فيها المجال للتقاليد (المحلية) التي استمدوا جزءاً منها من الكتب، إلاّ أن معظمها دخل في التركيب الجديد عن سبيل حقائق التعايش الفعلي"(16).

ويذهب المفكر الفرنسي (غوستاف لوبون) إلى أن "العرب ذوو أثر بالغ في تمدين الأقطار التي خضعت لهم .. وأن كل بلد خفقت فوقه راية النبي الإسلام تحوّل بسرعة فازدهرت فيه العلوم والفنون والآداب والصناعة والزراعة أيّما ازدهار" (17) وأن "العرب أول من علم العالم كيف تتفق حرية الفكر مع استقامة الدين"(18).وتقارن الباحثة الألمانية (سيغريد هونكة) بين الأمية المتفشية في الغرب ـ يومها ـ والتي بلغت 95% بما في ذلك الأباطرة والأمراء وبين ملايين البنين والبنات الذين كانوا يبدؤون بكتاب الله، وهم يمضون قدماً في سلم المعرفة .. "وكان الدافع إلى كل هذا هو رغبتهم الصادقة في أن يكونوا مسلمين حقاً، كما يجب أن يكون المسلم. فلم يجبرهم أحد على ذلك بل اندفعوا إليه عن رغبة وإيمان؛ لأن من واجب كل مسلم أن يقرأ القرآن.

وهنا تتسع الهوة بين الشرق والغرب أيضاً، فالكتاب المقدس لا يجد الناس إليه سبيلاً إذا استثنينا الكهنة ورجال الدين.. ولم تكن هناك أي رغبة في تعليم الشعب أو تثقيفه"(19) وفي أسبانيا" كان أثر الإسلام على كل ناحية فكرية أو مادية هو الأساس الذي قامت عليه الحضارة هناك"(20).ويعرف (كويلريونغ)، رئيس قسم اللغات والآداب الشرقية في جامعة (برنستون) ، المدلول الثقافي للإسلام بأنه يستعمل "بالمعنى الواسع ليدل على تلك المدنية المتجانسة ـ على الرغم من تنوعها ـ والتي وجّهها وسيطر عليها الدين الإسلامي منذ أكثر من ثلاثة عشر قرناً "(21) .. وعندما ظهر الإسلام "تحول التيار (الثقافي) إلى عكس الاتجاه الذي كان يسير فيه.

وقد بدأ هذا التحوّل مفاجئاً في مظهره على الرغم من أنه يمكن للمؤرخ أن يتعرف على الأسباب التي تجمعت رويداً رويداً حتى أنتجت هذا الانعكاس في اتجاه التيار الثقافي. ومن جزيرة العرب اندفعت حماسة هؤلاء الساميين، ومعهم دينهم ولغتهم، إلى حدود الصين في الشرق وإلى جبال البرانس في الغرب .."(22).

ويفسر المستشرق البريطاني المعاصر (مونتجمري وات) قدرة المسلمين على احتواء الثقافات الأخرى والتفوق عليها، باعتقادهم العميق بأنهم أفضل من الآخرين ولقد "أرتبط بعض هذا الاعتداد بالنفس بالإسلام، الذي اعتبره المسلمون أعلى وأنقى صيغة من صيغ عبادة الله، ولم يؤكد هذا التعالي بصخب بحيث يثير شعوراً بشك، بل مضى بهدوء واستمرار" ولقد كانت "عملية استيعاب حكم وعلوم الآخرين عميقة جداً؛ إذ كان على الأناس الذين تعلموا في وقت ما التقاليد الفكرية السابقة، وأصبحوا مسلمين أن يصهروا بطريقتهم الخاصة معلوماتهم السابقة ضمن الدراسات القرآنية، وقد اندمجت مساهماتهم هذه في المجرى الرئيس للتفكير الإسلامي، وبهذا الأسلوب تكوّنت حضارة إسلامية مستقلة "(23) وهو يلحظ كيف أن المعرفة الإسلامية المستقلة هذه " أعطت أوروبا مفهوماً جديداً للعالم حيث حفز العلم الاهتمامات العلمية فانبثقت عنها نظرة كونية وميتافيزيقية أوسع. وعلى الرغم من أن الدراسات الدينية (النصرانية) لا تستند إلى الدراسات الكونية إلا أن الإنسان لا يستطيع ان يتحمل لفترة طويلة التناقض الجذري بين الكون الذي يحيا فيه وبين معتقده الديني، لذلك بدأ رجال الدين الأوربيون بالتوفيق بين الدين المسيحي والعلوم (الإسلامية) الجديدة "(24).

وثمة ـ أخيراً ـ تلك الملاحظات القيمة التي قدمها المفكر البريطاني (روم لاندو) بصدد الموضوع، فهو يقارن ـ مثلاً ـ بين حركة العلم الغربي والإسلامي، ويرى أن أولهما انفصل، منذ عصر النهضة، انفصالاً أشد وضوحاً عن الدين، أو بتعبير آخر، تابع العلم سبيله غير ملتفت إلا قليلاً إلى مطالب الأخلاق وعلم الأخلاق. ففيما كان الإنسان في الغرب يكتسب معرفة متنامية أبداً بالكون الطبيعي، وسيطرة متعاظمة عليه، كان تقدمه الأخلاقي يتخلف متلكئاً. وبتحرير العلم في القرون الوسطى من سلطان الكنيسة، لم يفصل الغرب العلم عن العقائد الدينية فحسب، بل فصله عن مفاهيم الإيمان والقيود الأخلاقية الملازمة لها أيضاً. أما العلم الإسلامي فلم ينفصل عن الدين قط. والواقع أن الدين كان هو ملهمه وقوته الدافعة الرئيسية. ففي الإسلام ظهرت الفلسفة والعلم معاً إلى الوجود .. لإقامة الدليل على (الألوهية) وتمجيدها.

ومن هنا فليس عجيباً أن يكون العلم الإسلامي لم يجرد في أيما يوم من الأيام من الصفات الإنسانية ـ كما حدث في الغرب ـ ولكنه كان دائماً في خدمة الإنسان(25).ويذكر (روم لاندو) بالمعرفة البدائية للعرب قبل الإسلام، وكيف أنهم أحرزوا خلال مئتي سنة انقضت على وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، ليس غير، ذلك التقدم الثقافي الشامل العميق الذي يدعو إلى الذهول حقاً. وهو يذكر كذلك بأن النصرانية احتاجت إلى نحو من ألف وخمسمائة سنة لكي تنشئ ما يمكن أن يُدعى حضارة (مسيحية).

ثم يتساءل عن الدوافع الرئيسة التي تكمن وراء الظاهرة فيجد من بينها: رغبة متقدة في اكتساب فهم أعمق للعالم كما خلقه الله .. قبول للعالم المادي، لا بوصفه دون العالم الروحي شأناً ومقاماً، ولكن بوصفه صنواً له في الصحة والرسوخ.. كان كل ما في الوجود صادراً عن الله .. كاشفاً عن قدرته، ومن هنا فهو جدير بالتأمل والدرس. ثم لا يلبث (لاندو) أن يخلص إلى النتيجة التالية: "في الإسلام لم يول كل من الدين والعلم ظهره للآخر ويتخذ طريقاً معاكسة. لا. والواقع أن الأول كان باعثاً من البواعث الرئيسية للثاني"(26).ومرة أخرى .. فإن "الحقيقة التاريخية التي لا ريب فيها هي أن المسلمين وفقوا، طوال خمسة قرون كاملة، إلى القيام بخطوات حاسمة في مختلف العلوم من غير أن يديروا ظهورهم للدين وحقائقه، وأنهم وجدوا في ذلك الانصهار عامل تسريع وإنجاح، لا عامل تعويق وإحباط"( 27) .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش

1 ـ ينظر على سبيل المثال: د. فيليب حتى ورفاقه: تاريخ العرب المطول، دار الكشاف، بيروت ـ 1965 م، الطبعة الرابعة.

ـ الوحدة والتنوع في الحضارة الإسلامية، تحرير فون غرونباوم، ترجمة د. صدقي حمدي، مكتب الدار المتنبي، بغداد ـ 1966 م، ص 74.

ـ المرجع نفسه، ص 79 ـ 80.

ـ المرجع نفسه، ص 80 ـ 81.

ـ إنسانية الإسلام، ترجمة د. عفيف دمشقية، دار الآداب، بيروت ـ 1980 م، ص 425.

ـ القرآن الكريم والتوراة والإنجيل (دراسة الكتب المقدسة في ضوء المعارك الحديثة)، دار المعارف، القاهرة ـ 1978 م، ص 14.

ـ مختصر دراسة للتاريخ، ترجمة فؤاد محمد شبل، لجنة التأليف والترجمة والنشر، القاهرة ـ 1960 ـ 1965 م ، 1 / 241.

ـ الإسلام، ترجمة د. خليل الجر، المنشورات العربية، بيروت ـ 1977 م، ص 102. (9) الإسلام على مفترق الطرق، ترجمة عمر فروخ، دار العلم للملايين، بيروت ـ 1965 م، الطبعة السادسة، ص 70 ـ 71.

ـ تراث الإسلام، تصنيف شاخت وبوزورث، ترجمة محمد زهير السمهوري ورفاقه، سلسلة عالم المعرفة، الكويت ـ 1978 م، 1 / 101.

ـ الوحدة والتنوع في الحضارة الإسلامية، ص 123.

ـ المرجع نفسه، ص 141.

ـ الشرق الأدنى: مجتمعه وثقافته، تحرير كويلر يونغ، ترجمة د. عبد الرحمن محمد أيوب، دار النشر المتحدة، القاهرة ـ بدون تاريخ، ص 174 ـ 175.

ـ دراسات في حضارة الإسلام، ترجمة د. إحسان عباس ورفاقه، دار العلم للملايين، بيروت ـ 1964 م ، ص 3 ـ 4.

ـ الوحدة والتنوع في الحضارة الإسلامية، ص 53.

ـ المرجع نفسه، ص 38 ـ 39.

ـ حضارة العرب، ترجمة عادل زعيتر، دار إحياء الكتب العربية، القاهرة ـ 1956 م، الطبعة الثالثة، ص 318.

ـ عن: محمد كرد علي: الإسلام والحضارة العربية، لجنة التأليف والترجمة والنشر، القاهرة ـ 1968 م، الطبعة الثالثة، 1 / 54.

ـ شمس العرب تسطع على الغرب، ترجمة فاروق بيضون وكمال الدسوقي، المكتب التجاري، بيروت ـ 1964 م، ص 393 ـ 394.

ـ المرجع نفسه، ص 530.

ـ الثقافة الإسلامية والحياة المعاصرة.. بحوث ودراسات إسلامية، تأليف جماعة من الباحثين، جمع وتقديم محمد خلف الله، القاهرة ـ 1962 م، الطبعة الثانية، ص 232.

ـ الشرق الأدنى: مجتمعه وثقافته، ص 7.

ـ تأثير الإسلام على أوروبا في العصور الوسطى، ترجمة د. عادل نجم عبو، دار الكتب، الموصل ـ 1982 م، ص 18.

ـ المرجع نفسه، ص 124.

ـ الإسلام والعرب ، ترجمة منير البعلبكي، دار العلم للملايين، بيروت ـ 1977 م، الطبعة الثانية، ص 280 ـ 281.

ـ المرجع نفسه، ص 246.

ـ المرجع نفسه، ص281

التعليقات مغلقة على هذه المقالة
جديد المقالات المزيد
نكران الجميل ( بين الفأس والشجرة )

نكران الجميل ( بين الفأس والشجرة )

كانت الفأس قطعة من حديد *  * *وحدها لا تطيق حزاً وقطعـــاً فرأت دوحة:...

علمية الكتابة التاريخية وإشكالية الموضوعية

علمية الكتابة التاريخية وإشكالية الموضوعية

د. عبد اللطيف الركيك تقديم: يهتم التاريخ بدراسة الماضي البشري بأبعاده...

المذابـح الصهيونيــة بين عامـي 1947 و1996

المذابـح الصهيونيــة بين عامـي 1947 و1996

مذبحة قريتيبلد الشيخ 31 ديسمبر عام 1947 انفجرت قنبلة خارج بناء شركة...

جديد الأخبار المزيد
إسرائيل تعتقل 4 من حراس الأقصى من منازلهم بالقدس‎

إسرائيل تعتقل 4 من حراس "الأقصى" من منازلهم بالقدس‎

اعتقلت الشرطة الإسرائيلية، مساء الإثنين، 4 فلسطينيين، من حراس المسجد...

تزايد جرائم خطف واغتصاب الأطفال في عهد الانقلاب بمصر

تزايد جرائم خطف واغتصاب الأطفال في عهد الانقلاب بمصر

تشهد مصر في الفترة الأخيرة انتشارا ملحوظا لجرائم اعتداء على الأطفال،...

حاخام لكل كتيبة إسرائيلية لماذا وما هي أدوارهم؟

حاخام لكل كتيبة إسرائيلية.. لماذا وما هي أدوارهم؟

سلطت وسائل إعلام إسرائيلية الأضواء على مظاهر تعاظم نفوذ الحاخامات...

  • أيام في سيلان والمالديف