• الصليب وحكاياته

أبو النهضة التونسية خير الدين التونسي

May 05 2014 08:48:53

أبو النهضة التونسية خير الدين التونسي
أبو النهضة التونسية خير الدين التونسي

د / محمد موسى الشريف  

إن من أعظم ما قام به خير الدين التونسي تأليفه كتاب «أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك» الذي أودع فيه خلاصة تجاربه ومشاهداته، وألف خير الدين كتابه هذا في زمن عزلته التي امتدت سبع سنوات، قضاها في السفر والتأمل، وإذا كان في تونس بقي في بستانه منعزلاً عن الناس.

عانى العالم الإسلامي من انحطاط عام في كل الجوانب - تقريباً - منذ القرن الحادي عشر الهجري / السابع عشر الميلادي إلى القرن الرابع عشر الهجري/ العشرين الميلادي، وفي أثناء تلك القرون احتل الغرب جل العالم الإسلامي، وضعف الدين في نفوس الناس، وفرحوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها، ونسوا المعاني العلية إلا قليلاً، ورضوا بالدنية في دينهم ودنياهم معاً!!

ولم تسلم من بقاع العالم الإسلامي من هذا التعميم إلا القليل، وكانت تونس كأخواتها في العالم الإسلامي تئن تحت مطارق الاستبداد والجهل والفقر حتى غزاها الفرنسيون عام 1298هـ/1881م وقد كان غالب أهل تونس آنذاك أميين، وعدد السكان مليون ونصف المليون، موزعون بين المدن والريف والصحراء، حرفهم يسيرة، وتجارتهم الداخلية محدودة، والتجارة الخارجية بيد الأوروبيين الذين يستولون على المحاصيل بثمن بخس، ويعيدون تصديرها إلى تونس بعد تصنيعها بثمن مرتفع، والبدو يعيثون فساداً في البادية، والضرائب الثقيلة المفروضة على العامة يُعفى منها البدو لاعتراضهم عليها أو لاتفاقهم مع «الباي» - لقب لحاكم تونس - على استثنائهم منها مقابل خدمات لـ«الباي».

والبلاد تابعة اسمياً للسلطنة العثمانية التي كانت قد ضعفت آنذاك، بل شمل الضعف كل مناحي الحياة فيها، والموظفون في تونس غالبهم من الأتراك الذين يعملون لمصالحهم غالباً.

وأما التعليم فكان محدوداً ومعتمداً على الكُتَّاب (المكتب) وجامع الزيتونة تردى حاله، وصار ما يدرس فيه من علوم لا يعود على البلاد بكبير فائدة، وغالب المشايخ الزيتونيين ليس لهم أثر في حياة الناس.

نشأة خير الدين

في هذه الأوضاع الصعبة والأحوال الُمدْبِرة ولد خير الدين التونسي في قرية بجبال القوقاز عام 1235هـ/1820م، وهو أباظي شركسي.. وأُسر وهو صغير على إثر غارة في الحرب العثمانية الروسية، وبيع في سوق العبيد بإسطنبول، وتربى في بيت نقيب الأشراف تحسين بك، ثم اشتراه أحد سماسرة الباي أحمد باشا حاكم تونس، فانتقل إليها وعمره 17 عاماً، وأصبح مملوكاً للباشا الذي حرص على تعليمه الفنون العسكرية والسياسية والتاريخية، ووجد خير الدين عند الباشا مكتبة عظيمة، فأقبل يغترف منها قراءة وتدبراً وفهماً حتى حسنت معارفه وارتقت علومه، وعينه الباشا مشرفاً على مكتب العلوم الحربية، ثم رقاه إلى أمير لواء الخيالة سنة 1265هـ/1849م، وصار يستعمله في المهمات فأرسله عدة مرات إلى دول أوروبية (وسيأتي تفصيل هذا فيما بعد إن شاء الله تعالى).

تعيينه وزيراً للبحرية

ثم عُين خير الدين وزيراً للبحرية عام 1273هـ/1857م، فقام بإصلاح ميناء حلق الوادي - وهو أهم ميناء في تونس - وأصلح الوزارة، وأصلح لباس الجيش البحري، وعقد اتفاقات مع الأوروبيين لحفظ الأراضي التونسية من استغلالهم وجشعهم.

الفساد في تونس

بلغ الفساد في تونس آنذاك حداً يصعب معه الإصلاح، وقد حاول خير الدين صنع شيء لتقليل الفساد وآثاره، وعمل على هذا في مرحلتين: المرحلة الأولى: قبل توليه رئاسة الوزراء، والمرحلة الأخرى: بعد توليه المنصب.

أما المرحلة الأولى، فقد كان إصلاحه فيها على النحو التالي:

أولاً: مقاومة الفساد المالي:

كان رئيس الوزراء هو مصطفى الخزندار الذي ولغ في الفساد إلى حد أرهق الدولة وضاعف ديونها، وكان ذلك بعلم «الباي» للأسف الذي كان متواطئاً معه أيما تواطؤ، وكان لهذا الخزندار مساعداً لا يقل عنه فساداً اسمه محمود بن عياد، وله منصب رسمي، وهو ملتزم الضرائب.. فاختلس أموال الدولة وهرب إلى فرنسا، وطلب التجنس بالجنسية الفرنسية وادعى أنه مظلوم فحصل عليها، فأرسل «الباي» خير الدين إلى فرنسا ليتابع قضية هذا السارق، فمكث ما يزيد على أربع سنوات في مقاضاته حتى استطاع أن يثبت فساده ويعود للبلاد بخمسة وعشرين مليون قرشاً تونسياً تقريباً.

ثانياً: الوقوف إلى جانب «الباي» في الصواب ومعارضته في الخطأ:

كان خير الدين مقرباً من «الباي» فحاول إصلاحه، لكن الباي لم يكن - على التحقيق - مخلصاً في إقامة بلاده على دعائم سليمة قوية، فعانى خير الدين من هذا، فأيده في إصدار الدستور المسمى بـ«عهد الأمان» على اختلال في بعض جوانبه، وأنشأ «المجلس الأكبر» الذي يشبه مجلس الشورى مكوناً من ستين عضواً، وعُين خير الدين رئيساً له.

وقد طلب منه «الباي» إنقاذ الوضع المالي في تونس، وقد تردى إلى أسوأ حال حتى أن الخزينة أفلست تماماً، ولم تجد أسرة «الباي» مالاً في الخزينة يكفي لمخصصاتها، وحُجبت الرواتب عن الموظفين والجنود، فاستجاب له، ورأس لجنة وضعها الأوروبيون من ممثلين من فرنسا وإيطاليا وإنجلترا، واستطاع أن ينقذ بلاده من ورطة ضخمة بأن خفف من أطماع الأوروبيين الذين كانوا يريدون وضع تونس عملياً تحت مراقبتهم واستغلالهم بدعوى تحصيل الديون.

كما رفض خير الدين الاقتراض من الدول الأوروبية، وفضل الاقتراض الداخلي حتى لا تقع تونس فريسة للأطماع الغربية المتربصة بها خاصة الأطماع الفرنسية.

وكان خير الدين يعلم فساد «الباي» ومشاركته الفاسدين في فسادهم؛ لكنه كان يحاول تحييده وتقويمه قدر إمكانه، ولم يستطع ذلك كما سأذكر فيما بعد إن شاء الله تعالى.

ووضع خير الدين صندوقاً حديدياً في وسط ميدان في العاصمة، وجعل مفتاحه بيده، وخصصه للشكاوى.

اعتزل السياسة

ثم لما رأى خير الدين صعوبة الإصلاح فضل أن يستقيل، واعتزل السياسة سبع سنوات لكن ذلك لم يمنعه من الاستجابة لطلب «الباي» في إرساله مبعوثاً شخصياً له في بعض الدول الأوروبية، فساح فيها طويلاً، أما في داخل تونس فقد اعتزل الناس في بستانه متأملاً متفكراً، ووضع أثناء ذلك كله كتابه المعروف «أقوم المسالك في أحوال الممالك»، وسيأتي الحديث عنه فيما بعد إن شاء الله تعالى.

إصلاحاته

ثم انتهت عزلته لما احتاج إليه «الباي» في تنفيذ بعض الإصلاحات المالية.

أما المرحلة الأخرى، فقد كانت عقب توليه الوزارة العظمى، وذلك سنة 1290هـ/1873م، فقد عزل «الباي» رئيس الوزراء مصطفى الخزندار عقب محاكمة كان سببها خير الدين الذي تمكن من عزله وتغريمه 25 مليون فرنك فرنسي وولي خير الدين رئاسة الوزراء، فعمل على تخفيف الفساد والضرب على يد المفسدين، وشجع على زراعة الزيتون والنخيل بإسقاط الضرائب عن الأرضي الزراعية لمدة 20عاماً، فارتفعت مساحة الأرض المزروعة إلى مليون هكتار - مليون متر مربع - بعد أن كانت ستين ألفاً يوم تسلم الحكم، وحدد ضريبة الاستيراد بخمسة في المائة فقط، وألغى الضرائب التي أثقلت كاهل الناس، وألغى الحملات العسكرية التي تهدف لجمع الضرائب من البدو الذين لا يدفعونها إلا عنوة، وقد كانت تلك الحملات تثقل خزينة الدولة بمصروفاتها.

الاهتمام بالتعليم

واهتم بالتعليم، فأنشأ المدرسة الصادقية نسبة إلى «الباي» محمد الصادق، حاكم تونس آنذاك، وأدخل فيها تعليم اللغات والعلوم الحديثة ليدرسها الطالب مع دراسة علوم الدين واللغة العربية، وأصدر قانوناً منظماً للدراسة سنة 1292هـ/1876م، وطور التعليم في جامع الزيتونة، وأنشأ المكتبة العبدلية على هيئة مشابهة للمكتبات الحديثة آنذاك لتضم ما تفرق من المخطوطات، وأنشأ مطبعة واستقدم بعض المصريين واللبنانيين للعمل فيها، وطور الصحافة، وطور نظام الأوقاف، وأنشأ له جمعية جعل على رأسها محمد بيرم الخامس العالم التونسي المعروف.

وحاول إصلاح القضاء، وأنشأ لجنة لوضع قوانين مستمدة من قانون السلطنة العثمانية والقانون المصري والقانون الأوروبي بما لا يتعارض مع الشريعة الإسلامية.

استقالته من رئاسة الوزراء: حاول خير الدين أن يصلح ما استطاع أن تصل إليه يد الإصلاح، وتوثيق الصلة بالدولة العثمانية حتى أنه نجح في استصدار فرمان من السلطان بأن تونس ولاية عثمانية ولحاكمها سيادة داخلية لكن «الباي» (الحاكم) لم يعجبه ما قام به خير الدين من إصلاحات، إضافة إلى مراجعة أهل الفساد لـ«الباي» في شأن خير الدين، وبعض القناصل الأوروبيين أنفسهم - وأشدهم قنصل فرنسا - عملوا على الوشاية والدس لدى «الباي» ليعزل خير الدين، فأصبح «الباي» معرضاً عن خير الدين وفترت العلاقة بينهما، فرأى خير الدين أن الاستقالة أولى به، فاستقال عام 1294هـ/1877م، وعاش في قصره بعيداً عن المشاركة السياسية.

الصدارة العظمى: فلما سمع ذلك السلطان عبدالحميد - يرحمه الله تعالى - طلب من خير الدين أن يرحل إليه في إسطنبول، فلم يسمح له «الباي»، ثم العجب أن بعض قناصل أوروبا طلبوا من «الباي» أن يسمح له بالسفر - ربما ليتخلصوا منه - فسمح له، فلما اجتمع بالسلطان طلب منه أن يكون وزيراً للعدل فأبى، ثم بعد مدة عرض عليه الصدارة العظمى - رئاسة وزراء الدولة العثمانية - فوافق، وهو أعلى منصب تنفيذي في السلطنة، وكان ذلك عام 1295هـ/1878م، فقام خير الدين بما استطاع من مهام منصبه، ونجح في إجلاء الجيوش الروسية عن أراضي السلطنة، وساهم في خلع الخديو إسماعيل من ملك مصر؛ لما كان عليه من سوء في إدارة البلاد، وحاول أن يصلح النظام السياسي في السلطنة، ويجدد نظام الحكم فيها، فرأى السلطان عبدالحميد أن ذلك يقلل من صلاحياته فلم يوافق، فاضطر خير الدين للاستقالة، ولم يمض في منصبه سوى عشرة أشهر تقريباً، وعينه السلطان عضواً في مجلس الأعيان، وبقي كذلك إلى أن وافاه أجله سنة 1307هـ/1890م، يرحمه الله تعالى.

وقد وقعت الحملة الصليبية الهمجية الفرنسية لاحتلال تونس وخير الدين في إسطنبول لكنه - كما يبدو - لم يستطع فعل شيء، والدولة العثمانية كانت أضعف من أن تصد الحملة، وإنا لله وإنا إليه راجعون.

وفي سنة 1388هـ/1968م نقل رفات خير الدين إلى تونس؛ ليدفن فيها.

إن من أعظم ما قام به خير الدين التونسي تأليفه كتاب «أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك» الذي أودع فيه خلاصة تجاربه ومشاهداته، وألف خير الدين كتابه هذا في زمن عزلته التي امتدت سبع سنوات، قضاها في السفر والتأمل، وإذا كان في تونس بقي في بستانه منعزلاً عن الناس.

وقد بلغ الكتاب شأواً كبيراً وعلت منزلته، وقسم خير الدين كتابه إلى مقدمة وموضوع أساس، وذلك كما صنع ابن خلدون من قبله، ونالت المقدمة شيئاً من الإجلال والاحترام الذي نالته المقدمة الخلدونية الشهيرة، ووضع في المقدمة تصوره للإصلاح في تونس والعالم الإسلامي، وحصر أسباب تخلفه، وركز على الخلل السياسي، وبين أن بعض السياسيين وعلماء الإسلام كانوا قليلي الوعي بما يحصل في العالم آنذاك.

وقد بين خير الدين أن تأليفه الكتاب كان لسببين:

الأول: حث السياسيين وأهل العلم على تغيير الواقع السيئ وتحسين حال الأمة.

الآخر: تحذير من سماهم «أهل الغفلة» من الإعراض عن محاسن الغرب بدعوى كفره وضلاله.

ولا شك أن خير الدين عاش في مدة لم يتبين فيها لأكثر أهل العلم القاعدة التي يسير عليها علماء العالم الإسلاميّ اليوم، وهي أننا نأخذ من غيرنا أحسن ما عنده، ونترك فساده وكفره وشره، هذا لم يكن واضحاً آنذاك لأسباب كثيرة لا مجال لسردها في هذه العجالة، لكن خير الدين تمكن من تقريب هذه القاعدة - التي تبدو سهلة ومفهومة اليوم - إلى القراء في كتابه، وضرب الأمثال من شرعنا وتراثنا على هذا، وكتابه دال على أن الرجل قد نال حظاً وافراً من علوم الشرع واللغة والاجتماع.

وكان خير الدين في كتابه حسن الجمع بين أمور الشرع ولوازم الارتقاء بالاستفادة من النافع من الحضارة بدون انبهار ولا تكلف، ومكّنه من نقل أكثر أفكاره إلى الواقع أنه جمع بين كونه مفكراً وسياسياً وتنفيذياً أيضاً، وتقلب في أكبر المناصب، وفهم واقع البلاد تماماً.

إصلاح ونهضة

ومن المهم أن نعلم أن خير الدين في كتابه ذاك كان مريداً لإصلاح الولايات الإسلامية المختلفة وبث النهضة فيها لكن مع التمسك بالإسلام والخلافة، وعدم التفريط في الأصول الشرعية، مع المطالبة الملحة بالحرية والعدل والشورى.

وأشاد بكتابه هذا المصري رفاعة الطهطاوي، والشامي عبدالرحمن الكواكبي وكلاهما من زعماء الإصلاح، وأشاد به مستشرق ألماني وعَدّه أفضل كتاب ظهر في القرن التاسع عشر في العالم الإسلامي، وطُبع الكتاب في المطبعة الرسمية في تونس عام 1284هـ/1868م، وترجمت المقدمة - قبل طبعه في تونس - إلى الفرنسية، وانتشر أمره، وذاع صيته، ثم طبعت المقدمة في تركيا باللغة العربية عام 1294هـ/1876م، وترجمت إلى التركية وطبعت عام 1292هـ/1878م، وترجمت إلى الإنجليزية عام 1387هـ/1967م.

فأولى بمن يريد معرفة التطور التاريخي والحضاري والثقافي للمجتمعات الإسلامية أن يُعنى بالكتاب، ويدرسه دراسة واعية منصفة، تنظر إليه في سياقه الزمني التاريخي، ولا يحاكمه بما استقر من المفاهيم اليوم، ويخرج كنوزه ودرره إلى المهتمين بالإصلاح في أيامنا هذه.

صفات خير الدين:

اشتهر خير الدين بالشجاعة والإقدام والجرأة في معالجة الأمور مع الحكمة والأخذ بالتدرج والتفطن للسنن.

وكان ذكياً مثقفاً، مجيداً للعربية والتركية والفرنسية كتابة وقراءة ومحادثة.

وكان دمث الخلق، عفيفاً عن الأموال والفروج، مبتعداً عن الصغائر، حسن التدين، فأحبه الناس وتعلقوا به، وأحبه الأوروبيون على ضيقهم منه بسبب تضييقه على مطامعهم في الاستيلاء على اقتصاد البلاد التونسية بدعوى استيفاء الديون.

وكان قوياً في حكمه حتى لُقب بالمستبد العادل، لكن أحوال البلاد آنذاك كانت تسوغ هذه القوة والشدة في الحكم بسبب تعود الناس على هذه الطريقة، والأمور آنذاك ما كانت لتستقيم إلا بذلك، لكنه لم ينقل عنه ظلم لأحد ولا تعسف في الحكم.

ومن أهم خلاله ولاؤه للسلطنة العثمانية، فقد كان يرى أن العثمانيين مخلصون في حكمهم ولا بد من الانضواء تحت لوائهم ومساندتهم، ومن هذا الباب فقد ساند العثمانيين في حربهم مع الروس لما رفض «الباي» معونتهم بالمال، فدعا خير الدين الناس إلى اكتتاب عام في المال والرجال، فاستجاب الناس له.

وقفات لا بد منها

- يُعدّ خير الدين أحد كبار رجال الإصلاح في العالم الإسلامي لكنه - لسبب أو لآخر - لم تنتشر أفكاره، ولم يعُرف على نطاق واسع بين دعاة عصرنا هذا ومثقفيه، ولم يُستشهد بآرائه كما استشهد بآراء إخوانه من المصلحين، ولعل لكونه من المغرب العربي الكبير أثراً في هذا، فقد ظل المغرب الكبير وأهله في عزلة عن المشرق دهراً طويلاً امتد إلى يوم الناس هذا.

- جاء خير الدين في وقت عظم فيه الفساد والخلل سواء في تونس أو في الدولة العثمانية، فلم يستطع خير الدين أن يجري قواعد الإصلاح على ما أحب، ولا أن يرسخ آثاره في المجتمع، على أن إصلاحاته أوجدت تحسناً لا ينكر، لكنه يظل ترميماً لجسد متهالك بلغ الغاية في الفساد والخلل، ولم يجد على الخير أعواناً أكفاء بل كان يعمل ويحاول بلا نُصراء ولا معاونين كفاة كافين، وهذا هو - على التحقيق عندي - ما افتقده خير الدين في محاولاته الإصلاحية.

- استفاد خير الدين من جولاته الأوروبية، فقد مكث في فرنسا قرابة خمس سنوات، وطاف مبعوثاً لـ«الباي» في عدة دول أوروبية، فاستفاد من كل ذلك اطلاعاً على الواقع الغربي بتفاصيله، وأودع ملاحظاته في كتابه «أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك»، ولما كان صاحب غيرة على دينه وأمته فقد أراد أن ينقل تجربة الإصلاح إلى بلاده وإلى غيرها من بلاد الإسلام، فوفق كثيراً في الجمع بين قواعد الإسلام ومقتضيات النهضة الأوروبية، ولم يوفق في بعض ما ذهب إليه، وهذا من طبائع أي عمل إصلاحي أن يكون فيه الصواب والخطأ، ولابد لمحاولات الإصلاح المبكرة التي قام بها خير الدين أن يكون فيها بعض الخطأ الناتج عن ضعف المفاهيم الإسلامية الصحيحة في تقويم النهضة الأوروبية آنذاك، وسأزيد هذا توضيحاً فيما سيأتي.

- كان لبعض آراء خير الدين غرابة أو خروج عن بعض قواعد المنهج الإسلامي المعلوم المستقر في يومنا هذا، ولكن القواعد والضوابط في الجمع بين الإسلام والحضارة الغربية لم تكن مستقرة آنذاك، بل لم تكن معروفة، أو لنقل لم تكن نالت ولو حظاً يسيراً من الدراسة الجادة والبحث العميق الذي نالته بعد ذلك، فلهذا لا بد من التماس العذر لرجل مثل خير الدين في بعض ما ذهب إليه من قواعد ونتائج، فقد عاش زماناً اختلطت فيه المفاهيم، وغبشت فيه الصورة، ولم يظهر من العلماء من بحث في هذه المسائل بحثاً عميقاً كما ظهر من بعد، ومن أمثلة ذلك أن خير الدين كان يرى أن النظام الرأسمالي هو الأفضل والأحسن لتونس، وفي ذاك الوقت المبكر لم يكن هناك ما يسمى بالاقتصاد الإسلامي حتى يدعو إليه، لكنه بالغ في دعوته تلك وأتى بها بدون ضوابط، وكذلك في قضية الحريات كان من المناسب أن يوردها بضوابط تضبطها وتقومها لكنه أرسلها إرسالاً متأثراً بالحضارة الغربية المادية التي رآها في أوروبا طويلاً، وبعض الباحثين يتهمه بالدعوة إلى فصل الدولة عن الدين، وإذا صح هذا فتكون سقطة من خير الدين يخففها ما ذكرته سابقاً من عدم استقرار المفاهيم في العصر الذي عاش فيه خير الدين.

- وعلى كل حال، فقد كان خير الدين رجلاً من رجال الإصلاح من الطراز الأول، وعلماً من أعلام الإسلام في زمن قَلّ فيه الرجال والأعلام، يرحمه الله تعالى رحمة واسعة.

جديد المقالات المزيد
صفحة من تاريخ العلوم: أول كتاب في المدفعية

صفحة من تاريخ العلوم: أول كتاب في المدفعية

إن ظهور سلاح المدفعية واستخدامات البارود قد ترافق في أوروبا مع بداية...

حركة الشيخ رابح بن فضل الله ضد الاستعمار الفرنسي في تشاد

حركة الشيخ رابح بن فضل الله ضد الاستعمار الفرنسي في تشاد

  فرج كُندي مقدمة  تعتبر حركة المجاهد الكبير رابح من فضل...

لنتذكّر في ذكرى الهجرة

لنتذكّر في ذكرى الهجرة

لقد كان نجاح الإسلام في تأسيس وطن له وسط صحراء تموج بالكفر، أعظم كسْب...

جديد الأخبار المزيد
مجلس الأمن يعقد أول جلسة علنية حول ميانمار الخميس

مجلس الأمن يعقد أول جلسة علنية حول ميانمار الخميس

يعقد مجلس الأمن الدولي بعد غد الخميس، أول جلسة مفتوحة حول الانتهاكات...

مقتل ثلاثة جنود إسرائيليين إثر عملية إطلاق نار شمال القدس

مقتل ثلاثة جنود إسرائيليين إثر عملية إطلاق نار شمال القدس

أعلنت شرطة الاحتلال الإسرائيلي عن مقتل ثلاثة جنود وإصابة رابع إثر...

مناورات عسكرية مشتركة بين تركيا والعراق عقب استفتاء كردستان

مناورات عسكرية مشتركة بين تركيا والعراق عقب استفتاء كردستان

قالت رئاسة الأركان العامة التركية إن المرحلة الثالثة من المناورات...

  • أيام في سيلان والمالديف