• الصليب وحكاياته

النفوذ اليهودي العالمي

Mar 04 2014 15:12:02

الكاتب : د.محسن محمد صالح

د / محسن صالح

إن الحديث عن النفوذ اليهودي العالمي ودرجات تأثيره في ميادين السياسة والإعلام والاقتصاد هو من القضايا التي تشغل اهتمامات الكثير من العرب والمسلمين ، ويركّز الكثير من كتاب وأبناء الحركات الإسلامية على هذا الموضوع سعياً لتنبيه المسلمين على مخاطره، ودفعاً لهم للتحرك الفعال المضاد لمواجهته.

غير أن الحديث عن النفوذ اليهودي قد اتخذ أحياناً درجات من المبالغة تعتمد الانتقائية في الطرح وتُقدِّم اليهود وكأنهم "قدر الله الغالب"!! وكأنهم يتحكمون في كل شيء، ويديرون كل شيء، ضمن مؤامرة دولية متكاملة بدقة، وبعد ذلك يرتاح هؤلاء المسلمون إلى تحليلات وتعميمات وسوء تقدير تؤدي بهم وبكثير من المسلمين إلى أجواء من اليأس والإحباط من مواجهة تلك المؤامرة.

وهذا ما يطرب له اليهود فرحاً في النهاية، عندما تتضخم صورتهم إلى درجة تبعث اليأس والهزيمة في نفوس غيرهم.

ولسنا نريد أن نُهوِّن من شأن النفوذ اليهودي العالمي المعاصر، فهو حقيقة واقعية وهي تعبر بشكل عام عن حالة علوهم في الأرض التي وعدهم الله سبحانه وتعالى إياها، وهي تعبر بشكل طبيعي عما تيسر لهم في واقعنا المعاصر من قدرة عالية على التنظيم والتماسك والتعاون في رعاية مصالحهم والقدرة على اختراق المجتمعات التي يعيشون فيها، والنجاح في تحقيق درجات عالية من التعليم، وجمع الثروات واستخدامها سياسياً واقتصادياً وإعلامياً لرعاية مصالحهم وحمايتها.

وهذا الجهد البشري الذي قاموا به تنطبق عليه سنن الله سبحانه بإعطاء الناس في الدنيا على قدر جهودهم، وأنه يعطي من متاع الدنيا لمن يحب ومن لا يحب. إن اليهود لم يجلسوا متثائبين أو ناموا متعطلين، ولكنهم عملوا بدأب ليل نهار، ووفق كل الطرق الممكنة، بغض النظر عن حلها أو نظافتها، ليصلوا إلى ما يريدون. وعلا شأنهم بحبل من الله وحبل من الناس ، والله سبحانه يرى ذلك ويعلمه، ويقدر الأمور بلطفه وحكمته ليظهر علوهم وبروزهم.

 ولعل الله قدر في حكمته أن الكيان اليهودي الصهيوني في فلسطين، وأن هذا العلو سيكون "الحقنة المؤلمة" التي ستحفز المضادات الحيوية في جسم الأمة الإسلامية المنهوك، الذي رقد قروناً من التخلف والتمزق، لتبعث فيها روح التحدي والحيوية والنشاط، لتقوم بتحرير الأرض المقدسة، وتقوم بقيادة البشرية من جديد، في حضارة تسلم وجهها لله، وتقوم على معاني الإيمان، وتتكامل فيها الجوانب الروحية والمادية.

إن أفضل وسيلة لوضع الأمر في إطاره الصحيح هي فهمنا لجزء من آية في القرآن الكريم، فعندما ادعى اليهود أنهم أبناء الله وأحباؤه، رد الله عليهم مباشرة في تتمة الآية قائلاً: ﴿قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم بَلْ أَنتُم بَشَرٌ مِّمَّنْ خَلَقَ﴾، فاليهود في بداية الأمر ونهايته بشر ممن خلق. تنطبق عليهم سنن الله سبحانه ويعتريهم الضعف والقصور والنسيان والخلاف وسوء التقدير للأمور، بل ويتسببون لأنفسهم أحياناً بالكوارث والمشكلات وعداء الآخرين. ويُذكرنا القرآن ببعض جوانب قصورهم :

ـ  ﴿بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى﴾.

ـ  ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُواْ إِلاَّ بِحَبْلٍ مِّنْ اللّهِ وَحَبْلٍ مِّنَ النَّاسِ وَبَآؤُوا بِغَضَبٍ مِّنَ اللّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ﴾.

ـ  ﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾.

وهذه جوانب وصفات لا يمكن لأصحابها أن يُمكّنوا معها (وفق سنن الله سبحانه)، من قيادة البشرية وحضارتها. فالتفرق إيذان بذهاب الريح والقوة، والذليل المتمسكن لا يمكن أن يكون رائداً قائداً، والحريص على الحياة لا يستطيع دفع تكاليف الصراع والمغالبة حتى النهاية، وهناك جوانب أخرى ذكرها القرآن:

ـ  ﴿وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُواْ عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ﴾.

ـ  ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾.

ـ ﴿كُلَّمَا أَوْقَدُواْ نَارًا لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا﴾.

ـ  ﴿فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً﴾.

وهي صفات ومسلكيات تودي بمن يتبناها ويستخدمها، وتؤجج عداء الآخرين ضده، وتجعل الآخرين في حالة من الغضب والتحفز لاقتناص الفرصة للانتقام ممن امتص دماءهم بالربا، وأشعل الفتنة في أوساطهم، ونكث عهوده، وقسا عليهم. ولعل لهذا صلة بقوله تعالى: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَن يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ﴾، فكلما أفسدوا وأشعلوا الفتنة، كلما جاء من يقمعهم ويعذبهم.

وعلى ذلك فإن العلو اليهودي حالة مؤقتة وليس حالة دائمة، لأنها تحمل عناصر فسادها في ذاتها. ولأنها لا تملك مشروعاً حضارياً إنسانياً يخرج البشرية من تيهها وضياعها. ولأنها قائمة على الغصب والظلم، ودولة الظلم ساعة أما دولة الحق فإلى قيام الساعة. ولأن أمور الناس إنما تستقيم بالعدل، فإذا ذهب العدل فقد آذنت الدولة بالزوال.

ومن الناحية التاريخية نجد أن غالبية اليهود في أوروبا كانت تشتغل في الوظائف الهامشية غير الإنتاجية، وفي المهن البسيطة، فقد كان 86.5% من يهود روسيا يعملون تجاراً ومرابين، وسيطر اليهود على عملية الربا في أوروبا في الفترة من القرن الثاني عشر وحتى الخامس عشر، وكانت نسبة اليهوديات العاملات في الدعارة في مدن أوروبا أعلى بكثير من نسبة اليهود في المجتمعات الأوروبية. وقد جرّت عليهم مثل تلك الأعمال - فضلاً عن رؤية المسيحية التقليدية عنهم كقتلة للمسيح - بُغضَ عامة الناس، وفضلاً عما سبق فإن مشاركة نسب عالية من اليهود في الحركات الثورية في روسيا (فضلاً عن عوامل أخرى أشرنا إليها سابقاً)، قد جر عليهم غضب السلطات القيصرية في روسيا، فاتخذت إجراءات كثيرة ضدهم كانت إيذاناً بظهور المشكلة اليهودية في أوروبا.

وفي ألمانيا اعتقد هتلر وكثير من الألمان أن اليهود هم سبب خسارة الألمان في الحرب العالمية الأولى، و أنهم من خلال نفوذهم المالي والصناعي والإعلامي ومشاركتهم في الحركات الثورية قد امتصوا دماء الألمان، وجرُّوا عليهم الويلات. ولسنا نناقش ما إذا كان هتلر محقاً أم لا، ولكننا نذكر أن مهارة اليهود وحكمتهم وخبراتهم وتخطيطهم لم تنفعهم، وتعرضوا لعمليات تصفية بشعة نالت مئات الآلاف منهم.

وما أردنا أن نقوله من هذا الاستطراد أن اليهود بشر يخطئون ويصيبون ، وقد ينقلب كيدهم وتخطيطهم في نحرهم، كما أنهم ليسوا جميعاً على قلب رجل واحد، وعندهم كما عند غيرهم من عوامل الضعف و القصور ما ينبئ بدوران الدائرة على من يتآمر منهم على الإسلام وأهله.

وإذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما رأى حصون خيبر وقلاعها العشرين قد قال :"الله أكبر، خربت خيبر"، وهو يعلم أنها أقوى حصون الجزيرة العربية، فإن على المسلمين أن يقتدوا بنبيهم عليه السلام، ويكبروا مستبشرين خيراً وهم يرون العلو اليهودي الحالي في الأرض، فهم إن ساروا على طريق نبيهم وبذلوا الأسباب فإن هذا العلو إلى زوال، ثم إن شرط انتصار المسلمين عليهم كما في فواتح سورة الإسراء مرتبط بحصولهم على العلو، فيكون العلو نفسه بشارة لما هو قادم بإذن الله من اتحاد المسلمين وقوتهم وانتصارهم.

إن سر النجاح الكبير الذي حققه اليهود في دوائر النفوذ في العالم المعاصر لا يعود إلى طبيعة ذاتية، أو إلى تركيبة جينية خاصة باليهود. وإلا فلماذا تعرضت مجموعاتهم إلى الفشل والاستضعاف "والبهدلة"، طوال القرون الخمس والعشرين الماضية؟، كما أنه لا يعود بالضرورة إلى حجم الأموال والثروات التي امتلكوها، فقد كان هناك دائماً من هو أغنى منهم. إن الأمر الذي يبدو لنا، بعد تقدير الله مرتبط بقدرة العديد من جماعاتهم على العمل السري و العلني المنظم، ودرجة التنسيق العالية بينهم، وقدرتهم على استثمار ما لديهم من أموال في السيطرة على وسائل الإعلام والتأثير في القرار السياسي، ثم في نجاحهم في طرح قضاياهم ومصالحهم في ضوء مصالح الآخرين وبما يتوافق معها. كما أن حالة عداء أو استعداء الآخرين ضد اليهود جعلت الكثيرين منهم يشعرون بالخوف والقلق وفقدان الشعور بالأمان، وهذا أدى بدوره إلى حالة تماسك دفاعي في أوساطهم، مما أعانهم على تحقيق درجات أعلى من العمل المنظم.

التعليقات مغلقة على هذه المقالة
جديد المقالات المزيد
التاريخ وأثره في تربية الأجيال

التاريخ وأثره في تربية الأجيال

د / محمد حاج عيسى الجزائري الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام...

الفاتح الذي اشتقنا لعودة أيامه (12)

الفاتح الذي اشتقنا لعودة أيامه (12)

د / أحمد عبد الحميد عبد الحق الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام...

صقلية حضارة المسلمين المنسية

صقلية حضارة المسلمين المنسية

شريف عبد العزيز في أواخر القرن الثاني الهجري بدأت القوى العالمية...

جديد الأخبار المزيد
يلدريم: النظام الرئاسي سيُفعل رسمياً في الاستحقاق الانتخابي 2019

يلدريم: النظام الرئاسي سيُفعل رسمياً في الاستحقاق الانتخابي 2019

أعلن رئيس الوزراء التركي ابن علي يلدريم أنّ نظام الحكومة الجديد سيتم...

ضغوطات إسرائيلية تلغي فيلما عن الأسرى الفلسطينيين في لندن

ضغوطات إسرائيلية تلغي فيلما عن الأسرى الفلسطينيين في لندن

استجاب فندق تارا، الأحد، لضغوطات اللوبي الصهيوني ببريطانيا...

وزير يمني يتهم الحوثيين باحتجاز قوافل إغاثية في طريقها لتعز

وزير يمني يتهم الحوثيين باحتجاز قوافل إغاثية في طريقها لتعز

اتهم وزير في الحكومة اليمنية الشرعية، الأحد، جماعة الحوثيين وحلفائهم...

  • أيام في سيلان والمالديف