• الصليب وحكاياته

العالم المجاهد أحمد الشريف السنوسي 3/3

Sep 18 2013 07:20:37

العالم المجاهد أحمد الشريف السنوسي 3/3
العالم المجاهد أحمد الشريف السنوسي 3/3

بقلم الدكتور محمد موسى الشريف

ذكرت في الحلقتين الماضيتين بعض أحوال المجاهد الكبير السيد أحمد الشريف السنوسي داخل ليبيا وخارجها إلى أن توفاه الله – تعالى – وفي هذه الحلقة أذكر بعض صفاته وما قيل فيه.

صفات السيد :

"من أحسن من وصفه أمير البيان شكيب أرسلان فقد قال  فيه :

"قد رأيت في هذا السيد السند بالعيان ما كنت أتخيله عنه بالسماع ، وحُق لي والله أن أُنشد :

 

 

كانت محادثة الركبان تخبرنا         عن جعفر بن فلاح طيب الخبر

حتى التقينا فلا والله ما سمعت       أذني بأحسنَ مما قد رأى بصري

 

رأيت في الرجل حبراً جليلاً ، وسيداً غِطريفاً – أي حسناً  - وأستاذاً كبيراً ، من أنبل من وقع نظري عليهم مدة حياتي ، جلالةَ قدر ، وسراوة – أي مروءة وفضل – حال ، ورجاحة عقل ، وسجاحة – أي دماثة ولين – خلق ، وسرعة فهم ، وسداد رأي ، وقوة حافظة ، مع الوقار الذي لا تغض من جانبه الوداعة ، والورع الشديد في غير رياء ولا سمعة ، سمعت أنه لا يرقد في الليل أكثر من ثلاث ساعات ، ويقضي سائر ليله في العبادة والتلاوة ، والتهجد... وأكثر أحاديثه في قصص رجال الله وأحوالهم ورقائقهم ، وسير سلفه محمد بن علي السنوسي والسيد محمد المهدي وغيرهما من الأولياء  والصالحين ، وإذا تكلم في العلم قال قولاً سديداً ... وقد لاحظت منه صبراً قَلّ أن يوجد في غيره من الرجال ، وعزماً شديداً تلوح سيماؤه على وجهه... وقد بلغني أنه كان في حرب طرابلس – يعني ليبيا مع الإيطاليين – يشهد كثيراً من الوقائع بنفسه ، ويمتطي جواده بضع عشرة ساعة على التوالي بدون كلال ، وكثيراً ما كان يغامر نفسه ولا يقتدي بالأمراء وقواد الجيوش الذين يتأخرون عن ميدان الحرب مسافة كافية ألا تصل إليهم يد العدو فيما لو وقعت هزيمة".

وكانت صلته بالله حسنة ، وقد ذكرت في الحلقة الماضية قصة الغواصة الألمانية ، وكذلك من الدلائل على حسن تلك الصلة أنه في إحدى معاركه ضد الإنجليز عدم جيشه الماء ، فأمر بصلاة الاستسقاء ، فأنزل الله - تعالى – المطر ، وظل ينهمر يومين كاملين ، ولله الحمد والمنة.

وقد وصف الضابط العراقي العثماني جعفر العسكري الذي كان عضواً في تنظيم عسكري يُدعى "تشكيلات مخصوصة" وقد بينت حاله من قبل ، وصف معسكر المجاهدين حول السيد أحمد الشريف ، ووصف كتيبة خاضعة للقيادة المباشرة للسيد أحمد ، فكان مما قاله في هذه الكتيبة الخاصة :

"كانوا أربعمائة من طلبة العلم وحفظة القرآن ، وكانوا مسلحين بأحدث الأسلحة ، ووظيفتهم المحافظة على حياة السنوسي ، وإقامة الحرس في أطراف الزاوية السنوسية ، وكانوا يرتلون القرآن بصوت جَهْوَري مدة الحراسة ، ولم يخل ذلك من التأثير العظيم في كل من يشهد ذلك الخشوع والإجلال".

وقال الشيخ مصطفى المصراتي – فيما نقله عنه الأستاذ إبراهيم صهد – وكان أحد أفراد هذا المعسكر :

"كنا في معية السيد أحمد نتبادل نوبات الحراسة ، وكنا نقضي فترة الحراسة بتلاوة القرآن            الكريم ، وعندما كانت تتقضي نوبة أحدنا فإنه يسلم لمن يليه شيئين : سلاح الحراسة ، والآية التي وقف عندها ، فيتابع المناوب الجديد القراءة من حيث وقف سابقه ، وهكذا كان لكل نقطة حراسة ختمتها المنفصلة ، والله وحده يعلم كم مرة ختمنا القرآن".

وقال أيضاً :

"كنت مناوباً في إحدى ليالي الجبل الأخضر – منطقة قرب بنغازي – الشاتية ، وكان الجو شديد البرودة ، وكانت أمطار غزيرة قد هطلت ، فأحالت المنطقة إلى بِرَك وأوحال ، وكنت قد بلغت في تلاوتي آية سجدة ، فنظرت حولي : الأرض موحلة ، والبِرَك في كل مكان ، والبرد شديد فخملت نفسي وتكاسلت فلم أتوقف للسجود وواصلت التلاوة ، فإذا بصوت السيد أحمد يناديني من داخل الخيمة : اسجد أيها القارئ ، فسجدت ، العجيب أنني لم أجد في سجودي أثراً للوحل أو للبلل ، فقد قيض الله لي أرضاً جافة سجدت على أديمها ، وفي اليوم التالي بعد صلاة الفجر تحدث إلينا السيد أحمد عن حكم سجود التلاوة ، ووجوب طاعة الله في المنشط والمكره دون أن يذكر شيئاً عن سبب موعظته ، وقد اكتشفنا بعدئذ أن السيد أحمد كان يتابع قراءتنا ، ويصحح للمخطئ أو يفتح على الناسي ، فسألناه : كيف تبقى مستيقظاً دون أن تنام ؟ فقال لنا : كيف أنام والقرآن يتلى على مسمعي ؟.

مؤلفاته  :

ألف كتاباً كبيراً في تاريخ السادة السنوسية وأخبار أتباعهم.

وله كتاب "الشموس البرهانية النورانية العرفانية".

وألف كتاباً سماه  "السراج الوهاج في رحلة السيد السنوسي من الجغبوب إلى التاج" والتاج زاوية في الكُفْرة ، وقد دون في هذا الكتاب رحلاته مع عمه المهدي السنوسى زعيم الحركة السنوسية الثاني من الجغبوب إلى الكفرة ثم إلى غرو في تشاد.

وله ثَبَت – أي فهرست – اسمه "الفيوضات الربانية".

وله كتاب اسمه "الأنوار القدسية  في مقدمة الطريقة السنوسية".

وقد أجاز الكثيرين إجازة خاصة وعامة في الرواية وغيرها ، في الحجاز والشام وليبيا وغيرها ، رحمه الله تعالى.

وله كتاب "المساعد في أحكام المجاهد".

مناصبه :

بالإضافة إلى زعامة الحركة السنوسية ورئاسة الحكومة الليبية الأولى عينه السلطان العثماني سنة 13/ 1915 نائباً له على افريقيا ، ومنحه منصب وزير ، ولقب باشا ، فصار بإمكان السيد أحمد منح الألقاب العلية لقادة المجاهدين.

ما قيل في السيد :

قال فيه أمير البيان شكيب أرسلان في كتابه الجليل "حاضر العالم الإسلامي" :

"اتحاد الكلمة على نزاهة هذا الرجل ، وتجرده من المآرب الشخصية ، وعزوفه عن حظوظ الدنيا ، وانصراف همه كله إلى الذبّ عن بيضة الإسلام بدون غرض سوى مرضاة الله وحفظ استقلال المسلمين".

وقال فيه أمير البيان شكيب أرسلان – أيضاً – قولاً عظيماً معبراً بقوة عن حياة المجاهد العظيم أحمد الشريف :

"إن هذا الفقيد العظيم لو عاش في زمن السلف الصالح ، وأيام الغزوات والفتوحات العُمرية لما كان مكانه في ذلك الوقت ليقصر عن مكان أحد من أولئك الأبطال الذين نشروا الإسلام في الخافقين".

وقال فيه شكيب أيضاً :

"كان يقضي سائر الليل في العبادة والتهجد ، وأكثر أحاديثه في سِيرَ رجال الله ، وكان كثير الاهتمام بالجهاد ، والتدريب على فنون الطراد ، لأنه تلميذ مدرسة أعطت لمبدأ الجهاد في سبيل الله المقام الأول من اهتماماتها يريد المدرسة السنوسية" - ولقد وصف طول قيامه في تراويح رمضان ، وكيف كان يصلي كل يوم بأصحابه بخمس القرآن حتى أنه لم يعد يستطيع أن يجاريه.

وقال فيه النمساوي محمد أسد الذي اهتدى إلى الإسلام بعد أن كان يهودياً واسمه ليوبولد فايس ، في كتابه  "الطريق إلى الإسلام" :

"ليس في الأمة العربية كلها شخص أحببته كما أحببت السيد أحمد ، ما من رجل ضحى بنفسه تضحية كاملة مجردة من كل غاية في سبيل مثل أعلى كما فعل هو ، ولقد وقف حياته كلها – عالماً ومحارباً – على بعث المجتمع الإسلامي بعثاً روحياً ، وعلى نضاله في سبيل استقلاله السياسي".

وقال فيه محمد أسد أيضاً :

"لم يكن اهتمامي البالغ بمصير السنوسيين ناشئاً عن إعجابي ببطولتهم المتناهية في قضية عادلة مُقسطة فحسب ، بل إن ما كان يهمني أكثر من ذلك هو ما كان يحدثه انتصار السنوسيين من تأثير على العالم العربي بأكمله ؛ إذ إنني لم أستطع أن أرى في العالم الإسلامي كله إلا حركة واحدة كانت تسعى صادقة إلى تحقيق المجتمع الإسلامي المثال : الحركة السنوسية التي تحارب الآن معركتها الأخيرة في سبيل الحياة" وكلامه هذا رائع.

وقال فيه محمد أسد - أيضاً  - رحمهما الله تعالى :

"كان يحمل اسماً مشهوراً في طوال العالم الإسلامي وعرضه : السيد أحمد الشريف إمام السنوسية ، ما من اسم آخر أقضّ مضاجع الحكام الاستعماريين (الاستخرابيين) ذلك العدد الكبير من الليالي في شمالي افريقيا حتى اسم عبدالقادر الجزائري في القرن التاسع عشر أو عبدالكريم الريفي (الخطابي) الذي كان شوكة قوية في جانب الفرنسيين ، ذانك الاسمان مهما كانا خالدين عند المسلمين كافة لم يكن لهما إلا معنى سياسي ، في حين أن السيد أحمد طريقته كانت قوة روحية عظيمة".

نعم إن هذا الذي قاله محمد أسد – رحمه الله تعالى – هو سر صمود السيد أحمد الشريف وجهاده الطويل أكثر من أربعين سنة ، رحمه الله تعالى.

وقال فيه الشيخ الطاهر الزاوي العالم الليبي المعروف :

"السيد أحمد الشريف صقله العلم ، وهذبته العبادة فعفّت نفسه ، وكبرت همته ، وأخلص عمله لله فتولى توفيقه ، وأطلق ألسنة الناس بمدحه والثناء عليه".

وختاماً أقول :

لقد كان السيد أحمد الشريف السنوسي آية من آيات الله تعالى في الجهاد ، فقد جاهد ضد ثلاث دول كبرى : فرنسا وإيطاليا وانجلترا ، ولم يكن له نصير أو مساعد إلا قليلاً ، ولو سوعد الرجل لتغير وجه التاريخ ، لكن أنى ذلك وديار الإسلام كلها - تقريباً - كانت ترزح تحت احتلال بغيض طويل ، وإنا لله وإنا إليه راجعون ، وربما اختلفت الأنظار في تقويم صنيع السيد أحمد الشريف وجهاده الطويل ، لكن الكلمة اتفقت على عظم وجلال ما قام به ، رحمه الله تعالى.

المصدر : موقع التاريخ (عند النقل ذكر المصدر)

 

التعليقات مغلقة على هذه المقالة
جديد المقالات المزيد
التاريخ وأثره في تربية الأجيال

التاريخ وأثره في تربية الأجيال

د / محمد حاج عيسى الجزائري الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام...

الفاتح الذي اشتقنا لعودة أيامه (12)

الفاتح الذي اشتقنا لعودة أيامه (12)

د / أحمد عبد الحميد عبد الحق الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام...

صقلية حضارة المسلمين المنسية

صقلية حضارة المسلمين المنسية

شريف عبد العزيز في أواخر القرن الثاني الهجري بدأت القوى العالمية...

جديد الأخبار المزيد
زعيم سني يطالب بالسماح للسنة بالترشح للرئاسة بإيران

زعيم سني يطالب بالسماح للسنة بالترشح للرئاسة بإيران

في ظل تهميش بارز للقاعدة السنية بإيران وحرمانها من المشاركة السياسية...

مستوطنون يشنون اعتداءات حرق وضرب وإطلاق نار بالضفة

مستوطنون يشنون اعتداءات حرق وضرب وإطلاق نار بالضفة

أصيب العديد من الفلسطينيين في الضفة الغربية المحتلة اليوم، خلال...

أهل العلوم ينتفضون في وجه ترامب بمظاهرات عارمة

أهل العلوم ينتفضون في وجه ترامب بمظاهرات عارمة

في سابقة تاريخية، خرج أمس، آلاف العلماء والمناصرين للعلم، في...

  • أيام في سيلان والمالديف