• الصليب وحكاياته

العقَّادُ والأنذال

Jun 18 2013 09:32:04

الكاتب : محمد يوسف عدس

لا أظن أن الكثير من الناس الآن يعرفون شيئًا عن عباس محمود العقاد.. رغم أنه كان واحدًا من أكبر عمالقة الفكر والأدب فى العالم العربي.. لقد انتهت الأجيال التى قرأت عبقريات العقاد ودرست له كتاب "عبقرية عمر" عندما كان مقررًا على طلاب الثانوية العامة فى منتصف القرن العشرين..
كان العقاد موسوعيّ الفكر.. كرّس حياته للتأليف والكتابة والإبداع الأدبي فى الشعر والنثر؛ كتب ما يزيد على مئة كتاب فى شتى الموضوعات المتعلِّقة بالتاريخ الإنساني والفلسفة والدين والأدب وعلم النفس وعلم الاجتماع والسياسة، وله تسعة دواوين من الشعر.. يقول الدكتور زكي نجيب محمود في وصف شعره:
"شعر العقاد هو البصر الموحي إلى البصيرة، والحس المحرك لقوة الخيال، والمحدود الذي ينتهي إلى اللا محدود، هذا هو شعر العقاد وهو الشعر العظيم كائنًا من كان كاتبه... من حيث الشكل: شعر العقاد أقرب شيء إلى فن العمارة والنحت، فالقصيدة الكبرى من قصائده أقرب إلى هرم الجيزة أو معبد الكرنك منها إلى الزهرة أو جدول الماء، وتلك صفة الفن المصري الخالدة، فلو عرفت أن مصر قد تميزت في عالم الفن طوال عصور التاريخ بالنحت والعمارة عرفت أن في شعر العقاد الصلب القوي المتين جانبًا يتصل اتصالًا مباشرًا بجذور الفن الأصيل في مصر.."
من أبرز عناوين كتبه وأقربها إلى ذاكرة المثقفين الحقيقيين: "حقائق الإسلام وأباطيل خصومه" و"اللغة الشاعرة" و"التفكير فريضة دينية".. وكما دافع عن الإسلام دافع عن الحرية الإنسانية ضد الشيوعية والوجودية والفوضوية والإلحاد..
له أكثر من ١٥ألف مقالة تعكس أفكاره وآراءه.. كما تتضمن معاركه الفكرية والسياسية الواسعة مع خصومه والحاقدين عليه.. وله فى الصحافة والسياسة جولات مشهودة؛ فقد كان من أكبر من دافعوا عن حقوق الأمة فى الحرية والاستقلال ولم يتهيّب أن يدخل فى معارك حامية مع القصر الملكي فى عهد الملك فؤاد وحكم عليه بالسجن –بسبب هذا- تسعة أشهر.. ومع ذلك عندما أراد الملك سنة ١٩٣٠ حذف عبارتين من الدستور المصري تنص إحداهما على أن "الأمة مصدر السلطات" وأن "الوزارة مسئولة أمام البرلمان"... ارتفع صوت العقاد تحت قبة البرلمان -وكان حينذاك عضوًا فى مجلس النواب- فقال غاضبًا: "إن الأمة على استعداد لأن تسحق أكبر رأس في البلاد يخون الدستور ولا يصونه".
ونظرًا لانتماء العقاد الفكري الواضح.. القوي فى منطقه اتخذته النخب الشيوعية والمعادية للفكر الإسلامي عدوًّا.. وحاربته فى حياته وبعد موته حربًا ضروسًا لا هوادة فيها.. فى محاولة لطمس سيرته وآثاره الفكرية والإبداعية الرائعة.. ووقفت حائلًا بينه وبين أجيال من شباب الأمة عبر عقود طويلة هيمنت هذه النخب فيها على الصحافة وأجهزة الإعلام.. وتوارثتها جيلًا بعد جيل..
كان العقاد شامخًا لا يهاب ولا ينحنى ولا يَغُرُّه الثناء.. شاهدته فى قاعة الاجتماعات الكبرى بجامعة القاهرة - يتسلم جائزة الدولة التقديرية من الرئيس الأسبق جمال عبد الناصر فتناولها قائمًا بلا انحناء.. لم تتغيّر أسارير وجهه الجادة.. وكان عبد الناصر يتوقع أن يسمع آيات الشكر والتقريظ فى كلمة العقاد.. ولكن الرجل تحدث بثبات عجيب عن أهمية الثقافة والمعرفة والعلم فى تقدّم الأمم بصفة عامة.. ولم يذكر اسم عبد الناصر ولا نافقه بكلمة واحدة أو إشارة.. فلما انتهت كلمته حيَّاه الطلاب بعاصفة من التصفيق والاستحسان.. وبنفس هذا الإباء والشموخ رفض العقاد درجة الدكتوراه الفخرية من جامعة القاهرة.. لأنه كان يعتقد أن مانح الدكتوراه لا بد أن يكون فى مستوى أعلى من الممنوح له لكي يستطيع تقييمه.. وهذا ما لم يقبله العقاد...!
واضح أن مصر عرفت الديمقراطية فى وقت مبكر وكان فيها دستور وبرلمان وحكومات منتخبة ومعارضة قوية ومحترمة استطال عنقها لتتحدى الملك نفسه..
ولكنها لم تعرف هذا الصنف الخسيس من المعارضة بذيئة اللسان معدومة الضمير تستمرئ استخدام البلطجة وقطع الطريق وتخريب المؤسسات والمولوتوف والخرطوش والرصاص الحي والحرائق.. وتتوعد الرئيس المنتخب بحرق البلد..
ولو كان العقاد اليوم لا يزال حيًّا لهاله ما آلت إليه حال مصر ولوصف الأشياء بصفاتها الحقيقية فليس ما تفعله "تمرُّد" وأحزاب المعارضة على اختلاف أنواعها سوى انتكاسة واضح ورِدَّة عن الديمقراطية وخروج على القانون والدستور واستفزاز سافر وقح للقوى الإسلامية لجرجرتها إلى حرب أهلية تأكل الأخضر واليابس.. ثم جرجرة الجيش لإسقاط الرئيس المنتخب بالقوة.. يحلمون برئيس مدني أو مجلس رئاسة من قيادات المعارضة يعينه الجيش ويحميه.. ولا يفكرون أبدًا فى انتخابات رئاسية كما يزعمون.. وهم على يقين أنهم لن ينجحوا فى أي انتخابات قادمة الآن أو بعد الآن.. وبذلك تتم المؤامرة على الثورة وتسقط مصر مرة أخرى تحت دكتاتورية عسكرية يساندها الفلول فى الداخل وتساندها وتنفق عليها القوى الأمريكية الصهيونية وبعض الحكومات العربية التى تخدم المخططات الأمريكية الصهيونية فى المنطقة.. فكل هذه القوى الداخلية والخارجية مجمعة على هدف مشترك هو القضاء على الثورة والديمقراطية والتوجُّه الإسلامي فى مصر..
للعقاد كلام ينطبق على أخلاق المعارضة السياسية المصرية وخصال أصحابها كما ينطبق على كثير من السفهاء والكذّابين المشتغلين بالصحافة الهابطة والإعلام المنحطّ
يصف عباس محمود العقاد نماذج من بلطجية السياسة والثقافة والصحافة -كالتى نراها اليوم- وصفًا بليغًا إذ يقول: "إنهم كالمخاط إن أزحته تقززت وإن تركته تقززت، فهو مُقّزِّزٌعلى الحالين". ويتابعه صديقي الراحل الدكتور محمد على العريان فيزيد على ذلك بشيء من التفصيل حيث يقول: "إنهم يسيرون في الحياة بإرادات زائفة ولديهم مناعة مذهلة ضد إدراك البديهيات.. عرفتُ صنوفًا من هؤلاء الكذَّابين، لديهم مقدرة غريبة على أن يكذبوا حتى على أنفسهم ".. ويستشهد بأبيات من الشعر تقول:
"ألف وجــهٍ لـه فإن مـاتَ وجهٌ ** نشــر اللؤمُ أوْجُهًا كالجرادِ
يغضب الكذَّاب لو أقـول كَذُوبٌ ** رُبَّ كذْبٍ يجيئُ دونَ اجْتهادِ"
ثم يكشف لنا عن خلفيّاتهم الانتهازية النفعية التى لا تبالي إلا بمبدأ: "أنا آخذ.. أغلب.. أخْلِب.. أخْدع.. أنا أمثِّل الدور.. أنا أبيع نفسي طبقًا للمواصفات المطلوبة.. و سيجد أصحاب الأرْيحية والمبادئ الأخلاقية أنفسهم -لا مناص- في صدام مع نَذْل من هؤلاء الأنذال..".
ومن الحكم البليغة لعباس محمود العقاد فى الأنذال يقول:
"يشتمك النَّذْلُ ولا يليق بك أن تكشف نذالته؛ فيقول فيك الباطل وأنت لا تقول فيه الحقيقة، وهو الرابح فى الحالتين.. ويَدُسُّ لك النَّذْلُ فلا يليق بك أن تجزيه بالدَّسيسة فإن جَزَيْتَهُ بالعقاب الصريح لاح عليك أنك المعتدى وأنه هو المُعْتَدَى عليه.. وهو كذلك رابح فى الحالتين..؟!"
يعنى النذل كسبان كسبان على طول الخط.. فما بالك فى هذا الزمن: ولدينا إعلام يقلب الحقائق ويعادى الشرفاء و يُرَوِّج للأنذال..!
myades34@gmail.com عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

التعليقات مغلقة على هذه المقالة
جديد المقالات المزيد
حركة الشيخ رابح بن فضل الله ضد الاستعمار الفرنسي في تشاد

حركة الشيخ رابح بن فضل الله ضد الاستعمار الفرنسي في تشاد

  فرج كُندي مقدمة  تعتبر حركة المجاهد الكبير رابح من فضل...

لنتذكّر في ذكرى الهجرة

لنتذكّر في ذكرى الهجرة

لقد كان نجاح الإسلام في تأسيس وطن له وسط صحراء تموج بالكفر، أعظم كسْب...

غزة أمام امتحان جديد

غزة أمام امتحان جديد

محمد كريشان حيت حركة «حماس» السلطة الفلسطينية فردت عليها التحية...

جديد الأخبار المزيد
عكرمة صبري يحذر من مطامع الاحتلال في السيطرة على الأقصى

عكرمة صبري يحذر من مطامع الاحتلال في السيطرة على "الأقصى"

حذر الشيخ عكرمة صبري، إمام وخطيب المسجد الأقصى المبارك، من المطامع...

وسط رفض دولي وتلويح عسكري بدء استفتاء انفصال كردستان العراق

وسط رفض دولي وتلويح عسكري.. بدء استفتاء انفصال كردستان العراق

فتحت مراكز الاقتراع الخاصة بالاستفتاء على انفصال كردستان العراق...

الرئيس هادي يفجر مفاجأة  لهذه الأسباب سهلت الإدارة الأمريكية السابقة توسع الحوثيين

الرئيس هادي يفجر مفاجأة .. لهذه الأسباب سهلت الإدارة الأمريكية السابقة توسع الحوثيين

  كشف رئيس الجمهورية عبدربه منصور هادي، ان الادارة الامريكية السابقة،...

  • أيام في سيلان والمالديف