• الصليب وحكاياته

فتوح الشام

Nov 26 2012 08:34:30

جهز أبو بكر رضي الله عنه أربعة جيوش لفتح الشام وذلك بعد رجوعه من الحج سنة ثلاث عشرة على أحدهما عمرو بن العاص ووجهه إلى فلسطين وعلى ثانيهما شرحبيل بن حسنة ووجهه إلى الأردن وعلى الثالث يزيد بن أبي سفيان ووجهه إلى البلقاء وأتبعه بأخيه معاوية وعلى الرابع أمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح ووجهه إلى حمص ، فسارت الأمراء على بركة الله ، وكان أبو بكر يودعهم ماشياً ويوصيهم بما فيه صلاح دنياهم وأخراهم ، وكان مما قاله ليزيد : إني قد وليتك لأبلوك وأجربك ، فإن أحسنت رددتك إلى عملك وزدتك ، وإن أسأت عزلتك فعليك بتقوى الله ، فإنه يرى من باطنك مثل الذي يرى من ظاهرك ، وإذا قدمت على جندك فأحسن صحبتهم وابدأهم بالخير وعدهم إياه ، وإذا وعظت فأوجز ، فإنَّ كثير الكلام ينسي بعضه بعضاً ، وأصلح نفسك يصلح لك الناس ، وصل الصلاة لأوقاتها بإتمام ركوعها وسجودها والتخشع فيها ، وإذا قدم عليك رسل عدوك فأكرمهم ، وأقلل لبثهم حتى يخرجوا من عسكرك وهو جاهلون ، وأنزل في ثورة عسكرك ، وامنع من قبلك من محادثتهم ، وكن أنت المتولي لكلامهم ، وإذا استشرت ما صدق الحديث فصدق المشورة ، ولا تخزن عن المشير خبرك فتؤتى من قبلك ، واسمر الليل في أصحابك تأتك الأخبار ، وتنكشف عندك الأخبار ، وتنكشف عندك الأستار ، وأكثر حرسك وبددهم في عسكرك ، وأكثر مفاجأتهم في محارسهم بغير علم منهم بك ، فمن وجدته غفل عن محرسه فأحسن أدبه وعاقبه في غير إفراط ، ولا تخف من عقوبة المستحق ، ولا تلجنَّ فيها ، ولا تسرع إليها ، ولا تغفل عن أهل عسكرك فتفسده ، ولا تجسس عليهم فتفضحهم ، ولا تكشف الناس عن أسرارهم ، واكتف بعلانيتهم ، ولا تجالس العباثين وجالس أهل الصدق والوفاء ، ولا تجبن فيجبن الناس ، واجتنب الغلول فإنه يقرب الفقر ويدفع النصر ، وستجدون أقواماً حبسوا أنفسهم في الصوامع فدعوهم وما فرغوا أنفسهم له.

فلما وصل الأمراء إلى الشام نزل أبو عبيدة الجابية ويزيد البلقاء وشرحبيل الأردن وعمرو بن العاص العربة من أرض فلسطين ، فبلغ الروم ذلك فكتبوا إلى ملكهم هرقل وكان بالقدس فقال : أرى أن تصالحوا المسلمين فوالله لأن تصالحوهم على نصف ما يحصل من الشام ويبقى لكم نصفه مع بلاد الروم أحب إليكم من أن يغلبوكم على بلاد الشام ونصف بلاد الروم ، فعصوا أمره ، فسار حتى نزل حمص ، وأعدَّ الجيوش والعسكر ، وسير لكل أمير جيشاً يفوق جيشه عدة فهابهم المسلمون ، فشاوروا عمرو بن العاص فأشار عليهم بالاجتماع لكثرة عدوهم ، فكاتبوا أبا بكر بذلك فأشار عليهم بمثل رأي عمرو ، وقال : أن مثلكم لا يؤتى من قلة ، وإنما تؤتون من كثرة الذنوب فاحترسوا منها كلمة قالها خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم : سبحانه تكون النصرة له مهما كثف جيش العدو وتضاعف. والعاقبة للمتقين.

وقعة اليرموك

فاجتمع الأمراء باليرموك والروم أمامهم وبين الفريقين خندق فكان الروم يقاتلون ويحتجزون بالخندق ، فأقاموا كذلك ثلاثة أشهر حتى طلع عليهم خالد بن الوليد في ربيع الآخر بجيشه الذي جاء به من العراق وهو تسعة آلاف ، وكان جيش الأمراء سبعة وعشرين ألفاً فصاروا ستة وثلاثين ألفاً ، وصادف وصول ماهان أحد قواد الروم بجيش عظيم مدداً للروم فكان جيش الروم مائتين وأربعين ألف مقاتل منهم ثمانون ألفاً مقيد وأربعون ألفاً مسلسل للموت وأربعون ألفاً مربوطون بالعمائم لئلا يفروا ، وكان المسلمون يقاتلون متساندين أي كل أمير على أصحابه فجمعهم خالد وخطبهم وبين لهم الخطأ في قتال كل أمير على حدة وأشار عليهم أن يتأمر كل يوم واحد منهم على الجيش كله وأنه يكون الأمير عليهم أول يوم فأطاعوه وأمروه فخرجت الروم في تعبية لم ير الراؤون مثلها وخرج خالد في تعبية لم تعبها العرب قبل ذلك فإنه جعل الجيش كراديس (أي كتائب) كل كردوس ألف رجل وقال : أن العدو كثير وليس تعبية أكثر في نظر العين من الكراديس فقال له رجل ما أكثر الروم وأقل المسلمين فقال له خالد ما أكثر المسلمين وأقل الروم إنما تكثر الجنود بالنصر وتقل بالخذلان والله لوددت أن الأشقر (يعني فرسه) براء من توجيه ، وأنهم أضعفوا في العدد ، وكان قد حفي في سيره من العراق إلى الشام ..

ثم أنشب خالد القتال فاقتتل الناس والتحم الفريقان ، وأظهر خالد في ذلك اليوم من الشجاعة الإسلامية ما يعجب منه ، ثم إن الروم حملوا حملة أزالوا بها المسلمين عن مراكزهم ،فنادى عكرمة من يبايع على الموت فبايعه أربعماية من وجوه المسلمين وقاتلوا قتلاً شديداً ،وخاض خالد بالقلب حتى حال بين خيل المشركين ورجلهم فانهزم الفرسان ،ففتح لهم المسلمون طريقاً للمرور ليبعدوهم عن الرجالة ،وهجموا على الرجالة فهزموهم وقتلوا منهم خلقاً كثيراً ،وكانت هذه الموقعة من أشد المواقع اشترك فيها نساء المسلمين فقاتلوا قتال الأبطال ،وانتهى الأمر بهزيمة المشركين ،وفي أثناء القتال حضر بريد المدينة فأخذته الخيول وسألوه الخبر فأخبرهم بسلامة وإمداد والحال أنه جاء بموت أبي بكر رضي الله عنه وتولية عمر بن الخطاب الخلافة وعزل خالد بن الوليد وتولية عبيدة رضي الله عنه رئاسة الجيوش فأصلوه إلى خالد فأخبره الخبر سراً وبين له ما أخبر به الجند فقال : أحسنت وأخذ الكتاب فخبأه ولم يبلغ الخبر إلى الجيش إلاَّ بعد أن انتهت الموقعة.

وفاة أبي بكر واستخلافه عمر رضي الله عنهما

حم أبو بكر رضي الله عنه لثمان ليال بقين من جمادى الآخرة ليلة الثلاثاء سنة ثلاثة عشرة فمكث خمسة عشر يوماً لا يخرج إلى صلاة فلما ثقل عليه المرض استشار الصحابة في استخلافه عمر فدعا عبد الرحمن بن عوف فقال : أخبرني عن عمر فقال : إنه أفضل من رأيك إلاَّ أنه فيه غلظة فقال أبو بكر ذلك لأنه يراني رقيقاً ، ولو أفضي الأمر إليه لترك كثيراً مما هو عليه ، وقد رمقته فكنت إذا غضبت على الرجل أراني الرضا عنه ، وإذا لنت له أراني الشدة عليه ، ودعا عثمان بن عفان وقال له أخبرني عن عمر فقال : سريرته خير من علانيته ، وليس فينا مثله ، فقال أبو بكر : لا تذكرا مما قلت لكما شيئاً ولو تركته ما عدوت عثمان والخيرة له أن لايلي من أموركم شيئاً ، ولوددت أني كنت من أموركم خلوا ..

ودخل طلحة بن عبيد الله على أبي بكر فقال استخلفت على الناس عمر وقد رأيت ما يلقى الناس منه وأنت معه فكيف به إذا خلا بهم وأنت لاق ربك فسائلك عن رعيتك فقال أبو بكر أجلسوني فأجلسوه فقال أبا لله تخوفني ، خاب من استزاد من أمركم بظلم ، إذا لقيت ربي فسألني قلت : اللهم إني استخلفت عليهم خير أهلك ، أبلغ عني ما قلت لك من وراءك ثم أحضر عثمان وأملى عليه:

(بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما عهد أبو بكر خليفة محمد صلى الله عليه وسلم عند آخر عهده بالدنيا وأول عهده بالآخرة التي يؤمن فيها الكافر، ويوقن فيها الفاجر أني استخلفت عليكم عمر بن الخطاب ولم آلكم خيراً فإن صبر وعدل فذلك علمي به وإن جار وبدل فلا علم لي بالغيب والخير أردت، ولكل امرئ ما اكتسب، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون) ..

ثم ختمه بخاتم الرسول صلى الله عليه وسلم وأمر به فقرء على المسلمين وقد أطل عليهم فقال لهم : أترضون من أستخلف عليكم فإني والله ما ألوت من جهد الرأي ، ولا وليت ذا قرابة ، فاسمعوا وأطيعوا ، قالوا : سمعنا وأطعنا ثم دعا عمر وأوصاه ولما خرج من عنده رفع أبو بكر يديه وقال اللهم أني لم أرد إلا صلاحهم وخفت عليهم الفتنة فعملت فيهم بما أنت أعلم به واجتهدت لهم رأياً ، فوليت عليهم خيرهم وأقواهم عليهم وأحرصهم على ما أرشدهم ، وقد حضر لي من أمرك ما حضر فاخلفني فيهم ، فهم عبادك ونواصيهم بيدك ، أصلح اللهم ولاتهم ، واجعله من خلفائك الراشدين وأصلح له رعيته.

ثم أوصى عائشة أن يدفن إلى جنب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأن تغسله زوجته أسماء وابنه عبد الرحمن وكتب وصيته بخمس ماله ، ثم ترك الدنيا غير آسف عليها ، وكان آخر كلامه (رب توفني مسلماً وألحقني بالصالحين) وكانت خلافته سنتين وثلاثة أشهر.

المصدر : مجلة الحقائق (الدمشقية)ـ العدد 16ـ أصدرها عبد القادر بن محمد سليم الكيلاني الإسكندراني (المتوفى: 1362هـ)

التعليقات مغلقة على هذه المقالة
جديد المقالات المزيد
صفحة من تاريخ العلوم: أول كتاب في المدفعية

صفحة من تاريخ العلوم: أول كتاب في المدفعية

إن ظهور سلاح المدفعية واستخدامات البارود قد ترافق في أوروبا مع بداية...

حركة الشيخ رابح بن فضل الله ضد الاستعمار الفرنسي في تشاد

حركة الشيخ رابح بن فضل الله ضد الاستعمار الفرنسي في تشاد

  فرج كُندي مقدمة  تعتبر حركة المجاهد الكبير رابح من فضل...

لنتذكّر في ذكرى الهجرة

لنتذكّر في ذكرى الهجرة

لقد كان نجاح الإسلام في تأسيس وطن له وسط صحراء تموج بالكفر، أعظم كسْب...

جديد الأخبار المزيد
مجلس الأمن يعقد أول جلسة علنية حول ميانمار الخميس

مجلس الأمن يعقد أول جلسة علنية حول ميانمار الخميس

يعقد مجلس الأمن الدولي بعد غد الخميس، أول جلسة مفتوحة حول الانتهاكات...

مقتل ثلاثة جنود إسرائيليين إثر عملية إطلاق نار شمال القدس

مقتل ثلاثة جنود إسرائيليين إثر عملية إطلاق نار شمال القدس

أعلنت شرطة الاحتلال الإسرائيلي عن مقتل ثلاثة جنود وإصابة رابع إثر...

مناورات عسكرية مشتركة بين تركيا والعراق عقب استفتاء كردستان

مناورات عسكرية مشتركة بين تركيا والعراق عقب استفتاء كردستان

قالت رئاسة الأركان العامة التركية إن المرحلة الثالثة من المناورات...

  • أيام في سيلان والمالديف