• الصليب وحكاياته

التفسير الموضوعي لحركة الفتوح الإسلامية

May 31 2011 22:52:10

الكاتب : د.فهمي عبد الجليل

يرجع التفسير الحقيقي لحركة الفتوح الإسلامية إلى بواعث كلها نابعة من الإسلام عقيدة ورسالة ذات اتجاه عالمي وإنساني ، كما يرجع إلى طبيعة الدولة في الإسلام من حيث واجباتها ومسئولياتها ، فالإسلام لم ينزل ليكون دينا للعرب وحدهم ، وإنما ليكون عقيدة باقية مع بقاء الحياة ، عقيدة شاملة لكافة البشر ، " وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ " (1) .
وكما ارتبطت حركة الفتوح بعقيدة الإسلام ورسالته العالمية الإنسانية ارتبطت أيضا بنظرة الإسلام إلى الحياة الدنيا ، وأنها ليست غاية للبشر ، وإنما هي وسيلة إلى حياة أسمى وأبقى ، هي الحياة الآخرة الباقية ، فليس هناك ما يدعو إلى الحرص عليها والتشبث بها ، فعقيدة الإسلام تفرض على المسلمين أن يحملوا رسالته إلى سائر البشر ، حيثما كانوا ، وأينما وجدوا ؛ ليبلغوا لهم دينهم كما بلغهم رسول الله ، ويقيموا عليهم الحجة حتى لا يحاجوا الله سبحانه حين ينزل بهم العذاب  " ربَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إلينَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آَيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ " (2) .
ولدولة الإسلام كما عرفها المسلمون الأوائل علي عهد رسول الله – صلى الله عليه وسلم – واجبات ومسئوليات ، على رأسها العمل على تعريف الناس بالإسلام ومُثُله بين البشر ، وحماية الدعاة إليه حيثما بلغت بهم ركائبهم ، وقد شغل النبي عليه السلام نفسه وصحبه بهذا الأمر حتى قبل أن يحسم الخلاف بينه وبين قومه من قريش وحلفائهم من القبائل الوثنية ، وانتهز أول فرصة أتيحت له لإعلان دعوته داخل الجزيرة العربية وخارجها ، وهي فرصة صلح الحديبية ، فبادر بإرسال رسله وكتبه إلى الأمراء والملوك يدعوهم إلى الإسلام ، ويعرفهم بمبادئه ، كما قال رسول الله لأصحابه : " إني بعثت رحمة وكافة ، فأدوا عني يرحمكم الله (3).
فما كان لأبي بكر ولا لصحابة رسول الله أن يتخلوا عن المهمة الأولى للدولة الإسلامية ، وهي الدعوة إلى الله ، وما كان أمامهم من سبيل آمن ومثمر لهذه الدعوة في ظروف هذا العصر ، وبعد إعلان دينهم ومبادئهم إلى الأمراء والملوك داخل الجزيرة العربية وخارجها ، إلا أن يبدءوا عملياتهم العسكرية ضد الحكام الرافضين للإسلام المعادين لأتباعه ، فهؤلاء لم يكتفوا برفض الدخول في الإسلام واعتناق مبادئه ، وإنما قاموا بأعمال عدوانية ضد الإسلام ودولته .
فالمنذر بن الحارث الغساني – صاحب دمشق – لما جاءه كتاب النبي عليه السلام قرأه ثم قال : " من ينزع عني ملكي ؟ أنا سائر إليه " (4) .
وكسرى بن هرمز لما جاءه كتاب النبي مزقه وقال : يكتب إلي وهو عبدي (5).
ولم تكن حروب الردة لتصرف المسلمين والدولة الإسلامية عن واجبها الذي بدأت به في حياة رسول صلى الله عليه وسلم ، فقد انتهت حروب الردة لصالح الإسلام ودولته ، وأخذت الجزيرة العربية كلها تستظل براية الإسلام وتدين لمبادئه ، فكان لابد من توجيه الدعوة الإسلامية إلى مناطق أخرى ، وكان لابد من تجديد دعوى الفرس والروم والبلاد الخاضعة لهم إلى الإسلام ، وبخاصة أن الدولة الإسلامية في عهد أبي بكر صارت لها حدود مشتركة متداخلة مع السيادة الفارسية والرومية ، وأصبحت لها مناطق غير آمنة بالقرب من هذه الحدود ، ولابد لها من أن توفر الأمن والسكينة لمن يعتنق الإسلام من سكان هذه المناطق التي كان بعض سكانها من رجال القبائل العربية لا يزالون على ولائهم السياسي وتبعيتهم للفرس والروم ؛ مما كان يدفعها أحياناً إلى التحرش بأولئك الذين اعتنقوا الإسلام بين قومهم ، ويبدو أن هذا التحرش من جانب العرب الموالين للفرس هو الذي جعل المثني بن حارثه الشيباني يذهب لأبي بكر في المدينة ؛ ليستأذنه في مواجهة المعتدين والصدام معهم ، وقد استجاب له أبو بكر وأمره على من أسلم من قومه (6).
لكن هذا لم يكن كافيا لتوفير الحماية في هذه المناطق النائية عن مركز الخلافة ، فكان لابد من تأييده بقوة أكبر تسانده وتشد من أزره في مواجهة عدوه ، بعد أن انتهى المسلمون من قتال المرتدين ، ومن ثم وجه إليه خالد بن الوليد فيمن تطوع معه من جنده أو انضم إليه من مسلمي القبائل العربية ، وينبغي أن نتنبه إلى أن النهوض بواجب الدعوة إلى الإسلام في البلاد الخاضعة للفرس أو للروم لم يكن بالإمكان أن يتحقق في ظل السلطة الغاشمة المستبدة لكل من الدولتين ، وخير شاهد على ذلك قيام حكام الروم باضطهاد اليعاقبة في بلاد الشام ومصر ، وتقديمهم إلى السجون ، وإنزال العذاب بهم لاتباعهم مذهباً مسيحيا مخالفا لمذهبهم الملكاني الذي ارتضاه لهم هرقل ، فهل يسمح هؤلاء الذين ضاقت صدورهم بمن يشاركونهم في الدين ، ويختلفون معهم في المذهب ، أن ينتشر في البلاد الخاضعة لهم دين ينتسب إلى نبي آخر غير نبيهم ؟ .
وقد كان جند الفتح عندما زحفوا بجموعهم إلى المواجهة الحربية مع جند الروم وجند الفرس وحلفائهم من العرب يدركون أنهم لن يدخلوا الناس في الإسلام فور تحقيق النصر على عدوهم ، ولكنهم بهذا النصر يفتحون للناس باب الحرية الدينية ، ويتركون لهم الفرصة الكاملة لحرية اختيار العقيدة التي يقتنعون بها ، وكانوا يعرفون جيدا أنهم أصحاب رسالة إنسانية لتحرير البشر من عبودية البشر والتخلص من الحكام الظالمين المستبدين بأقدار الناس ، وأنهم سيخلصون الرعية من ضيق الدنيا وضنك العيش ، إلى سعة الدنيا وبسطة الرزق ، بما ينشرون من العدل ، وما يحاربون من الجور والتسلط .
وهذا ما قاله ربعي بن عامر لرستم عندما سأله وأصحابه : ماذا جاء بكم ؟ فقال : الله جاء بنا ؛ لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله ، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها ، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام (7).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الهوامش :
* أستاذ التاريخ والحضارة الإسلامية بكلية دار العلوم
1 ـ الآية 28 من سورة سبأ .
2 ـ الآية 47 من سورة القصص.
3 ـ تاريخ الطبري 2 / 645.
4 ـ تاريخ الطبري 2 /652 – وابن الأثير – الكامل في التاريخ 2 / 145.
5 ـ تاريخ الطبري 22 / 655 – والكامل في التاريخ 2 / 145.
6 ـ تاريخ الطبري 3 / 344 .
7 ـ المصدر السابق 3/ 520
المصدر : موقع التاريخ
التعليقات مغلقة على هذه المقالة
جديد المقالات المزيد
صفحة من تاريخ العلوم: أول كتاب في المدفعية

صفحة من تاريخ العلوم: أول كتاب في المدفعية

إن ظهور سلاح المدفعية واستخدامات البارود قد ترافق في أوروبا مع بداية...

حركة الشيخ رابح بن فضل الله ضد الاستعمار الفرنسي في تشاد

حركة الشيخ رابح بن فضل الله ضد الاستعمار الفرنسي في تشاد

  فرج كُندي مقدمة  تعتبر حركة المجاهد الكبير رابح من فضل...

لنتذكّر في ذكرى الهجرة

لنتذكّر في ذكرى الهجرة

لقد كان نجاح الإسلام في تأسيس وطن له وسط صحراء تموج بالكفر، أعظم كسْب...

جديد الأخبار المزيد
مجلس الأمن يعقد أول جلسة علنية حول ميانمار الخميس

مجلس الأمن يعقد أول جلسة علنية حول ميانمار الخميس

يعقد مجلس الأمن الدولي بعد غد الخميس، أول جلسة مفتوحة حول الانتهاكات...

مقتل ثلاثة جنود إسرائيليين إثر عملية إطلاق نار شمال القدس

مقتل ثلاثة جنود إسرائيليين إثر عملية إطلاق نار شمال القدس

أعلنت شرطة الاحتلال الإسرائيلي عن مقتل ثلاثة جنود وإصابة رابع إثر...

مناورات عسكرية مشتركة بين تركيا والعراق عقب استفتاء كردستان

مناورات عسكرية مشتركة بين تركيا والعراق عقب استفتاء كردستان

قالت رئاسة الأركان العامة التركية إن المرحلة الثالثة من المناورات...

  • أيام في سيلان والمالديف