• الصليب وحكاياته

التفسير الواقعي لانتصار المسلمين السريع في فتوحاتهم الأولى

May 31 2011 22:51:43

الكاتب : د.فهمي عبد الجليل

إن إدراك العوامل التي أدت إلى انتصار المسلمين علي عدوهم أهم بكثير من إلمامنا بأخبار الفتوحات ، ومعرفتنا بتفاصيل المعارك التي خاضها المسلمون ، التي أفاض فيها الرواة ونقلوا إلينا كثيرا من وثائقها ، وهذه الانتصارات ليست شبيهة بأي انتصارات أخرى شهدها تاريخ البشرية قديما أو حديثا ، فقد شهد الناس أو سمعوا أخبار هذه الانتصارات التي حققها جيوش تفوقت في العدد ، أو تفوقت في العدة والسلاح ، ونجحت في الاستيلاء على مناطق واسعة ، وشيدت إمبراطوريات كبرى ؛ لأن هذه الانتصارات الأخيرة كان لها قانون يحكمها هو قانون التفوق العسكري عدداً أو عتاداً ، وبتأثير هذا القانون حققت هذه الجيوش كل ما حققته من نصر ، فاستولت علي البلاد ، ووسعت حدود نفوذها وسيطرتها ، وبسطت إمبراطورياتها إلى حيث تطمح وتريد ، ولعل أبرز الأمثلة أمامنا لمثل هذه الانتصارات انتصارات الإسكندر المقدوني ، وانتصارات القادة الرومان ثم الروم ، وانتصارات قبائل المغول الذين زحفوا من أواسط آسيا .
فالفتوح الإسلامية لم تكن أبدا شبيهة بغزوات هؤلاء الغزاة ، والنصر الذي تحقق علي أيدي الفاتحين المسلمين لم يجر علي سنن القانون الذي ضبط أمر هذه الانتصارات التاريخية الكثيرة ؛ لأن العرب المسلمين لم يكونوا متفوقين علي أعدائهم في العدد أو في العدة والسلاح ، ولم يكونوا أكثر قوة من الفرس أو من الروم ، بل كانت كل مقاييس القوي عددا وعتادا في جانب عدوهم من الفرس أو الروم الذين كانوا يمثلون أقوى وأعظم دولتين في العالم وقتئذ .
وهذا رستم قائد الفرس يخاطب رسل المسلمين عندما بعثهم إليه سعد بن مالك قبيل معركة القادسية قائلا : ما دعاكم إلى ما صنعتم ، ولا أرى لكم عددا ولا عدة (1)
وفي كل المعارك التي خاضها المسلمون ضد الفرس بقيادة خالد بن الوليد أو المثنى بن حارثة أو غيرهم من القواد كان العرب دون الفرس عددا وعدة ، وكانوا مع ذلك يبلغون منهم ، ويركبون أكتافهم (2) .
وقد كان الفرس – بخاصة – يتميزون على المقاتلين المسلمين بألوان من العتاد وعدة الحرب ، ليست في أيدي المسلمين ، وكانوا أكثر مهارة وقدرة علي استخدام السهام وتسديدها إلى نحور عدوهم ، فليس هناك أي ريب في تفوق الفرس على العرب المسلمين ، مما يجعلنا نرفض تفسير انتصار المسلمين بأي عامل من العوامل المادية المحسوسة .
والعامل الوحيد الذي تفوقت به جيوش المسلمين على جيوش أعدائهم من الفرس والروم وغيرهم هو إيمانهم بالله ، وامتلاء نفوسهم وقلوبهم بهذا الإيمان ، وقد وصف سعد جماعة من هذا الجيش من الذين استشهدوا في معركة القادسية ، وحققوا النصر المؤزر للإسلام والمسلمين ، بأنهم كانوا يدوون بالقرآن إذا جن الليل دوي النحل " (3)  مما جعلهم يقدمون علي الموت في سبيل الله بنفس راضية مطمئنة .
وكان المسلمون في قتال عدوهم لا يرهبون الموت ، ولا يترددون في خوض المعركة مهما كانت عدة العدو وعدده ، فقد خرج المسلمون إلى قتال الروم في مؤتة وعددهم ثلاثة آلاف ، يقودهم زيد بن حارثة ، فلما نزلوا معان من أرض الشام بلغهم أن هرقل قد حشد جنوده في أرض البلقاء وعددهم مائة ألف ، وانضمت إليهم المستعربة من لخم وجذام وبلقين وبهراء في مائة ألف أخرى ، فأقاموا ليلتين ينظرون في أمرهم ، وقالوا : نكتب لرسول الله ونخبره بعدد عدونا ، فإما أن يمدنا برجال ، وإما أن يأمرنا بأمره فنمضي له ، فشجع الناس عبدُ الله بن رواحة وقال : يا قوم إن الذين تكرهون للذي خرجتم تطلبون .. الشهادة ، وما نقاتل الناس بعدد ولا قوة ولا كثرة ، ما نقاتلهم إلا بهذا الدين الذي أكرمنا الله به ، فانطلقوا فإنما هي إحدى الحسنين ، إما ظهورا وإما شهادة (4).
وكان هناك كثيرون من جنود المسلمين يستنكرون علي أنفسهم أن يكونوا أقل جرأة على الموت وإقداما عليه من عدوهم ، وقد تحدث عن ذلك الأشعث بن قيس حين أراد أن يحث قومه على قتال الفرس في القادسية فقال مشيراً إلى الفرس : إنه لا ينبغي أن يكون هؤلاء أجرأ علي الموت ، ولا أسخى نفسا عن الدنيا (5) ..
وعندما نادى عكرمة بن أبي جهل يوم اليرموك " من يبايع علي الموت " بادر إلى بيعته أربعمائة من المسلمين ، وخاض بهم في غمرات القتال ، حتى استشهدوا أو أصيبوا .
وكما دفع الإيمان الجندي المسلم إلى الإقدام على الموت في جرأة ، دفعه أيضا إلى الثقة التامة في نصر الله وتأييده ، وأن هذا النصر آت – لا شك فيه – على أيديهم ، أو على أيدي آخرين من إخوانهم ، ويتضح هذا من رد أحد جنود المسلمين الذي وقع أسيرا في أيدي الفرس قبل القادسية ، فسأله رستم قائلا : ما جاء بكم ؟ وماذا تطلبون ؟ قال : جئنا نطلب موعود الله ، قال : وما هو ؟ قال: أرضكم وأبناؤكم ودماؤكم إن أبيتم أن تسلموا ، فقال رستم : فإن قُتلتم قبل ذلك ؟ قال : في موعود الله أن من قتل منا أدخله الجنة ، وأنجز لمن بقي منا ما قلت لك (6 ).
وقد شهد أحد كبار القادة الألمان في الحرب العالمية الثانية بأن قوة الجنود المسلمين الذين قاموا بالفتوحات الإسلامية لم تكن إلا نتيجة لقوتهم الروحية ، فقال : إن الإسلام في القرن السادس الميلادي بدأ كقوة ثقافية وروحية وإصلاحية أمام فساد العالم والبشرية ، ولم تأت قوة المسلمين العسكرية بعد ذلك إلا نتيجة لقوتهم الروحية (7) .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
 الهوامش :
1 ـ تاريخ الطبري : 3 / 527  .
2 ـ د / محمد حسين هيكل – الفاروق عمر 1 / 154  .
3 ـ  تاريخ الطبري : 3 / 583 .
   المصدر السابق  : 3 / 37 ، 38 .
5 ـ المصدر السابق : 3 / 560 .
6 ـ   المصدر السابق:3 / 508 .
7 ـ قائل هذه العبارة هو القائد الألماني إرنست ريمر أحد مساعدي القائد الألماني [ هتلر ] وقد عمل بعد ذلك مستشاراً عسكرياً للرئيس جمال عبد الناصر ، ورد ذلك في الحوار الذي أجراه معه مندوب جريدة الشعب المصرية في 234 / 7 / 93.
التعليقات مغلقة على هذه المقالة
جديد المقالات المزيد
مؤرخ إسرائيلي يوضح كيف سلب الصهاينة ممتلكات العرب وأراضيهم خلال نكبة 48

مؤرخ إسرائيلي يوضح كيف سلب الصهاينة ممتلكات العرب وأراضيهم خلال نكبة 48

معتز بالله محمد بدون “رتوش” أو تجميل، يدحض المؤرخ والباحث الإسرائيلي...

الأمة الإسلامية بين عوامل السقوط وعوامل الارتقاء

الأمة الإسلامية بين عوامل السقوط وعوامل الارتقاء

د / عمر بن سليمان الأشقر أوسع ما تطلق عليه الأمة في لغة العرب الجماعة...

وظيفة وواجبات الحكومة الإسلامية

وظيفة وواجبات الحكومة الإسلامية

شيخ الإسلام ابن تيمية الحمد لله نستعينه، ونستهديه، ونستغفره ونتوب...

جديد الأخبار المزيد
 علماء المسلمين بالعراق: جرائم الإبادة بالموصل دليل سقوط أكذوبة حقوق الإنسان

"علماء المسلمين" بالعراق: جرائم الإبادة بالموصل دليل سقوط أكذوبة حقوق الإنسان

أكدت "هيئة علماء المسلمين" في العراق؛ أن القصف الجوي والمدفعي...

أمين عام ناتو : تركيا مفتاح أمن أوروبا والحلف سيكون ضعيفًا بدونها

أمين عام "ناتو": تركيا مفتاح أمن أوروبا والحلف سيكون ضعيفًا بدونها

أكد الأمين العام لحلف شمال الأطلسي "ناتو"، ينس ستولتنبرغ، أن...

إصابة عشرات المتضامنين مع الأسرى بالضفة والقدس

إصابة عشرات المتضامنين مع الأسرى بالضفة والقدس

أصيب العشرات من الشبان الفلسطينيين، الجمعة، في المواجهات التي...

  • أيام في سيلان والمالديف