• الصليب وحكاياته

مأساة كامليا ومأزق الكنيسة

May 31 2011 11:32:07

الكاتب : محمد يوسف عدس

الحلقة الأولى:
(*) سألني بعض الأصدقاء قالوا: لماذا تنأى بقلمك بعيدا عن القضايا الساخنة.. قلت ليس هذا صحيحا بإطلاق.. وإذا فعله كاتب متعمدا فإني أشك في مصداقيته.. ولكنى حرصت دائما في كتاباتي على أن أتناول الموضوعات التي لا يتطرق إليها الكتاب الآخرون، وإذا تعرّضت لموضوعات متداولة، أو ساخنة كما تصفونها فإنني أتناولها من زاوية جديدة مختلفة .. وبغير هذا الاتجاه أشعر أنني لا أساهم في تطوير المعرفة ، ولا أضيف شيئا جديدا إلى رصيدها المتداول في الساحة الفكرية، كما أنني أعتقد أن كثيرا من هذه القضايا الساخنة سرعان ما تصبح باردة ثم تموت، ويتلاشى مع الوقت كل ما كُتب عنها ، فلا يبقى سوى الانطباعات العامة.. علاوة على ذلك لا أحب أن أنافس في موضوعات معينة أصبحت تخصّصا لكُتّاب آخرين مرموقين أشبعوها بحثا وتفصيلا.. كموضوع الكنيسة الأرثوذكسية ومأساة المسلمات المعتقلات في سجون الكنيسة...
قالوا : ولكنك تتحدث معنا في الموضوع نفسه ،ونرى لك وجهة نظر جديرة بالذكر ،فلماذا لا تعبر عن رؤيتك في مقالة كاملة..؟! قلت : أحاول أن أبرز أهم ملامح رؤيتي في هذا الموضوع ،.. فلا شك عندي أن السيدة المسلمة كامليا ووفاء قسطنطين وأخواتهما يتحملن أسوأ نوع من الطغيان الكنسي الذي أعاد إلى الذاكرة جرائم محاكم التفتيش في أوربا العصور الوسطى .. وأعتقد يقينا أن عدم التحرك لإنقاذ الأسيرات المسلمات جريمة دينية وأخلاقية وإنسانية.. يرتكبها الأفراد والجماعات..
ولكن ما ينبغي لفت النظر إليه هنا هو أن الضغوط الشعبية المستمرة من جانب المسلمين توشك أن تؤتي ثمارها... وقد يستغرب القارئ هذه الحقيقة...! ولكني أؤكّد له أن هذه الضغوط المتواصلة التي عبّر عنها المسلمون في مظاهرات متصاعدة، قد نجحت بالفعل في تفجير العقد الفكرية التي نمت وتراكمت في الظلام خلف جدران الكنائس عن الإسلام والمسلمين في مصر.. وأصبحت الكنيسة عارية.. فضحتها تصريحات كبار الكهنة ، الذين أصبحوا يعبرون بغباء غير مسبوق وبجاحة .. فينطقون كفرا ويشيعون كذبا وافتراء على الحقيقة والتاريخ.. يقول واحد منهم: "إن المسلمين ضيوف علينا في مصر...!" إلى آخر هذا الكلام الغبي..! والرد البديهيّ والمنطقي والواقعي على هذا الهراء هو: أن الثمانين مليونا من المصريين المسلمين اليوم ليسوا ضيوفا على أحد بل هم أصحاب الأرض والتاريخ الذي ينتمي إلى ما قبل وصول عمرو بن العاص .. وقبل انتشار الإسلام في مصر.. كانوا مصريين أو أٌقباطا إن شئت أبا عن جدّ .. امتزجوا بالأقلية القليلة من العرب الفاتحين والمهاجرين.. التي تم امتصاصها وتمصيرها بتلك الآلية العبقرية لمصر، كما عرضها وأشبعها تحليلا الدكتور جمال حمدان في كتابه (عبقرية مصر).. وكان هؤلاء المسلمون أعظم خلقا وأعظم تقوى وإنسانية من الغزاة الأوربيين الذين قضوا على أجناس بشرية بعشرات الملايين كانت تعيش، وتتمتع بحضارات قديمة في الأمريكتين واستراليا وفى مناطق أخرى من العالم .. أما المسيحيون في أوربا فقد قتلوا عشرات الملايين من إخوانهم المسيحيين المختلفين معهم في بعض معتقداتهم الدينية أو الأيديولوجية، وما مجازر الحرب العالمية الثانية منا ببعيد.. وقد رأينا بأعيننا حديثا حرب الإبادة الجماعية التي شنها الصرب الأرثوذكس على المسلمين في البوسنة وكوسوفا ..
(*)إن استمرار وجود المسيحيين الذين آثروا البقاء على دينهم في مصر ولم يعتنقوا الإسلام إلى اليوم لهو البرهان الدامغ على عظمة الأخلاق والتسامح لدى المصريين المسلمين.. فلم يحاولوا إكراه إخوانهم النصارى على الإسلام ، ولا مارسوا عليهم عمليات التعذيب التي تمارسها الكنيسة اليوم على الذين اعتنقوا الإسلام بالتواطؤ مع جهات أمنية.. [سوف تجد نفسها لا محالة في صدام مباشر مع الكنيسة التي تمادت في مسلكها ضد القانون وضد مشاعر الأغلبية المسلمة الغاضبة...!]
وكان الأولى بقيادات الكنيسة بدلا من هذه التصريحات الغبية ضد إخوانهم المسلمين أن يعترفوا بعظيم فضلهم وسموّ تسامحهم عبر التاريخ الطويل .. ففي أحلك الظروف وخلال الصدامات المسلحة الكبرى مع الغزاة المسيحيين الأجانب.. ورغم انحياز قلة من النصارى المحلّيّين مع هؤلاء الأجانب.. كما حدث إبان حملة نابليون على مصر.. فإن هذه الخيانة الوطنية من قلة مأجورة لم تؤثر على استمرار علاقات الأخوة والتسامح بين المسلمين والمسيحيين في مصر..
أقول: لو أن لدى بعض القيادات الكنسية المنحرفة (التي تصر على إطلاق التصريحات الغبية ضد المسلمين) بقية من حياء الرجال، لكفّوا عن هذا الهراء ، ولما تفاقمت الأوضاع الطائفية إلى حد الاحتقان .. ولكنهم للأسف لا يستطيعون (فيما أرى) لسبب واضح عندي وبسيط وهو: أن الإصرار على ترديد هذه التصريحات إنما يدل على حقيقة أكاد ألمسها في كلامهم ومواقفهم.. فهؤلاء يعبرون أقوى تعبير عن حالة مرضية؛ عن نوع من الاضطرابات العقلية تتميز بالانفصال التام عن الواقع، وعدم القدرة على رؤيته، أو فهم أبعاده، ولا استيعاب الآثار المدمرة التي ستترتب على هذا اللغو المنطوق والمنشور..

لذلك فأنا واثق أن هذا النوع من القادة غير مؤهلين عقليا ولا نفسيا ولا دينيا لإدارة صراع بأي مستوى من المنطق أو المعقولية .. ولهذا السبب أراهم خاسرين، إن لم يكن على المدى القريب، فهم بالتأكيد خاسرون على المدى المتوسط والبعيد: إنهم يخسرون اليوم كل العقلاء والوطنيين الحقيقيين من كلا الجانبين: المسيحيين قبل المسلمين.. وسوف تفشل كل أهدافهم ، وكل ما فكروا فيه وتآمروا لبلوغه في الظلام.. ولن يفلح في إيقاف تدهور الأمور.. بين الأغلبية المسلمة الساحقة والأقلية المسيحية أي محاولات مصطنعة تدبرها الكنيسة مع جهات أمنية لامتصاص الاحتقان   الطائفي ؛ لا أفلام مفبركة ولا تصريحات بلهاء من كلا الجانبين...!                    

 (*) لا شيء يمكن أن يهدئ الاحتقان ويعيد الأمور إلى نصابها إلا الاعتراف بالواقع، وعدم القفز على الحقائق أو التحليق في الأوهام والضلالات والأكاذيب.. وأن تكف الكنيسة عن إقحام نفسها في العمل السياسي الأحمق، والاستقواء بقوى أجنبية معادية.. والاغترار بضعف السلطة وتواطئها .. وأن تتخلى عن دور محاكم التفتيش.. وأن تطلق سراح المتحولين عن الكنيسة إلى الإسلام...! وأنا واثق أن ظهور قيادات كنسية وطنية رشيدة، على المدى القريب سوف يعيد الأمور إلى وضعها الصحيح .. فليس هناك وطني حقيقي في مصر يسعى إلى الفتنة الطافية أو يفكر فيها.. والذين يسعون إليها أو يدبرون لها هم قلّة مصابون بالجنون المطبق.. وعلى أي وجه هم الخاسرون لا محالة ، عاجلا أو آجلا ..
الحلقة الثانية:
(*) أوافق الناقدين الجادين على أن الهراء الذي ردّده الأنبا بيشوي وتابعه فيه بعض القيادات الكنسية يجب الاعتذار عنه، أو ردعه ومحاسبة أصحابه قانونيا، كما أوافق من ناحية أخرى على أن أسلوب الإنكار والتأّرجُح في التصريحات الكنسية الذي يمارسه البابا شنودة، مع إظهار المسكنة والنعومة المتلفزة، لن يجدي في إطفاء نار الأزمة المشتعلة بل سيؤجِّجها.. ولن يصرف الرأي العام عن القضية الحقيقية للسيدات: وفاء قسطنطين وكامليا شحاتة ومارى عبد الله، وأخواتهن اللاتي أسلمن ثم اختطفتهن الكنيسة لتأديبهن.. أو لتعذيبهن أو.. قتلهن .. فالله أعلم ماذا يحدث لهن وراء الأبواب المغلقة...! إن لب القضية كما لخصها أستاذ القانون الدكتور محمد سليم العوَّا ليس كما يحاول بعض قادة الكنيسة تصويرها في الإعلام بأنها مجرد إسلام امرأة كانت نصرانية أو تنصّر امرأة كانت مسلمة، وما قد يترتب على ذلك من اضطرابات عادية أسرية أو اجتماعية .. المشكلة في صميمها قانونية ودستورية وإنسانية وأخلاقية.. وفيها تجاوز واجتراء واضح على سلطة الدولة وقوانينها.. 
ما فعلته الكنيسة بهؤلاء الأسيرات المستضعفات جريمة لا يمكن تبريرها ولا الاستهانة بها.. ولا يمكن ولا يجب أن تمر بدون عقاب ووضع جميع المسئولين عنها أمام العدالة للاقتصاص منهم، وإعادة حقوق الأسيرات في الحرية والحياة الطبيعية .. فلا أحد يعرف مصيرهن في هذه اللحظة، وقد تتكشف الأوضاع عن جرائم قتل وعمليات تعذيب مروّعة لا يعلم مداها إلا الله ...!
 (*) لقد بلْور الدكتور محمد سليم العوّا (في برنامج متلفز على قناة الجزيرة) القضية وكشف عن أبعادها القانونية والدستورية وآثارها الخطيرة على الأمن القومي لمصر.. حيث أضاف إليها جريمة تهريب أسلحة من إسرائيل ، إشارة إلى السفينة التي تم اكتشافها والقبض على صاحبها ،وهو ابن قسيس في كنيسة.. مما يدعم الفكرة الشائعة منذ فترة من الزمن أن الكنائس والأديرة تحولت إلى معاقل مدججة بالسلاح استعدادا لحرب إبادة على المسلمين[ الضيوف..!] من مصر.. ولذلك طالب الدولة أن تنهض بمسئوليتها في فتح الكنائس والأديرة لتفتيشها، والتحقّق من الأمر قبل فوات الأوان...
(*) سأفترض افتراضا أن كل ما يقال عن تخزين الأسلحة وعن القتل والتعذيب الجاري على الأسيرات المسلمات كله غير صحيح.. فهل يكون الصحيح هو الموقف الكنسي المستعلي والمستخفّ، كما تعبر عنه تصريحات البابا ومساعديه، وإنكار مطلق لأي حق للرأي العام أن يعرف مصير أناس احتجزتهم الكنيسة ومارست عليهم سلطات لا يصح أن تملكها أو تدّعى ملكيّتها...؟! ومما يعزز شكوك الرأي العام في موقف الكنيسة ونواياها ذلك الرفض القاطع للبابا تنفيذ أحكام للمحكمة الإدارية العليا.. كأنه في دولة أخرى غير مصر ، إضافة إلى التصريحات الجاهلة لبعض قادة الكنيسة الذين لا يخجلون من ترديد أن المسلمين ضيوف على النصارى أصحاب البلد...! وكأن المسلمين هبطوا على مصر من كوكب المريخ، ولم يولدوا ويعيشوا في مصر منذ ألف وأربعمائة عام على الأقل...! ثم تصعيد الاستفزاز للأغلبية المسلمة في هذا البلد بالخوض في سلامة الآيات القرآنية والتشكيك في التنزيل وكتابة المصحف.. كما فعل الأنبا بيشوي (وهو جاهل بالتاريخ الإسلامي وجاهل بالعقيدة والشريعة ، وجاهل حتى باللغة العربية السليمة) حيث يتساءل مستنكرا : هل أضيفت آيات كذا وكذا في عهد عثمان لم تكن موجودة في القرآن عندما [ قالـه ] محمد ...؟!
 (*) وتأمّل بإمعان في تعبيره بكلمة [قاله] بدلا من: قرأه أو ألقاه ...! في كلمة واحدة يكشف الرجل عن حقيقة ما يدور في عقول هؤلاء الناس: إنكار نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، وإنكار الإسلام كدين منزّل، وإنكار القرآن ككلام لله ، وإنما مجرد كلام اخترعه محمد، وحتى عثمان الخليفة الثالث في نظر بيشوى لم يحترم كلام محمد فأضاف إليه من عنده آيات جديدة ..وما كان لبيشوي أو غيره من المسيحيين أن يخوضوا أصلا في شأن إسلاميّ خالص، يتعلق بالعقيدة، في صميمها، ويتناوله بهذه الخفّة والاستهتار، ثم يستغرب بعد ذلك كيف أن المسلمين يعتبرونه كافرا .. ألست كافرا بنبوة محمد وكافرا بالقرآن...؟! لقد حكمت على نفسك أنت بمنطوق عبارتك ، ولست في حاجة إلى من يصمك بالكفر، فقد وصمت نفسك بنفسك.. وكذلك يصف النصارى المسلمين بأنهم كفار، وتلك مسألة يمكن فهمها والتعايش معها بسلام في وطن واحد، [ لا أعبد ما تعبدون ولا أنتم عابدون ما أعبد لكم دينكم ولي دين].. أنا لا أومن بدينك ولكنى أحترمك ولا أسخر من دينك، وأنت لا تؤمن بديني ، ولكنى أتوقع منك أن تحترمني ، وألا تسخر من ديني أو تفتري عليه، وألا تقل لي أنى مجرد ضيف عندك، ولست مواطنا مثلك.. بهذه المعادلة عاش المسلمون والنصارى معا في مصر بسلام عبْر أربعة عشر قرن مضت من الزمن. 
ولكن الذي يحدث الآن من جانب القيادات الكنسية المستعلية هو عملية استقواء وتخريب لهذه العلاقات الوطنية والإنسانية العميقة الجذور .. ويبدو أن قضية الوطنية والمشاركة في المصير الواحد بين النصارى والمسلمين لم تعد قضية ذات اعتبار في ظل الأيديولوجية الجديدة التي يراد فرضها قهرا على النصارى قبل المسلمين.. وأكاد أشم فيها رائحة حرب تطهير عرقي للمسلمين في مصر، على غرار النموذج الذي شاهدناه في البوسنة وكوسوفا خلال تسعينات القرن العشرين.. فالأفكار التي يروّج لها اليوم بعض قادة متطرّفين في الكنيسة.. تشبه نفس الأفكار التي أشاعتها القيادات الدينية والسياسية الصربية المتطرفة في يوغسلافيا ضد المسلمين في ثمانينات القرن الماضي، وهى التي مهّدت لحرب الإبادة في التسعينات، ومن ثم تمزقت يوغسلافيا واندسرت إلى الأبد...!..وكان المحتوى الأساسي للرسالة الدعائية الصربية هو: شيطنة المسلمين والافتراء على دينهم بما ليس فيه.. وتزييف التهم إليهم.. ونشر قصص مفبركة عن جرائم وهمية .. والتحريض على الانتقام منهم لهذه الجرائم التي لم يرتكبوها.. كل ذلك كان تهيئة للعقل الصربيّ الأرثوذكثي لكراهية المسلمين.. وتمهيدا لشن حرب الإبادة والتطهير الديني والعرقي عليهم...!
 (*)ولكن الوضع برغم كل ما حصل لم يصل بعدُ إلى طريق اللاعودة، فلا يزال الحل ممكنا وواضحا .. وقد أشرت إليه في ختام الحلقة السابقة: رؤية الواقع السكانيّ في مصر على حقيقته ، وفى إطاره التاريخي الصحيح ، وليس كما يتبدى لبعض العقول في أوهامها وهلوساتها المرضية.. أخرجوا السيدة كامليا، والسيدة مارى عبد الله، والسيدة وفاء قسطنطين إلى النور إن كانت لا تزال حية .. فإن كانت قد قتلت فعلا فيجب أن يقدّم المسئول عن جريمة القتل للمحاكمة .. وليكفّ القساوسة المتطرفون عن تصريحاتهم الغبية حول الإسلام والنبي والقرآن، فهم لا يكشفون إلا عن جهلهم وعجزهم عن فهم التاريخ والحضارة الإنسانية التي بناها هذا الإسلام (بلا سابقة ولا لاحقة) على مبادئ الأخلاق والعدالة والمساواة بين جميع البشر الذين كرمهم الله في قرآنه، وعاشت في ظلها بحرية كل الأجناس والأعراق البشرية، والأديان كلها ما كان منها منسوبا إلى السماء أو إلى الأرض، لا فرق ولا تمييز ولا عبودية..
محاكم التفتيش: سألني بعض القراء ما هي حكاية محاكم التفتيش الكنسية التي ذكرتها من قبل .. وأحاول أن أوضح المسألة قدر الاستطاعة، فيما يلي:
كانت محاكم التفتيش هيئات أنشأتها الكنيسة الكاثوليكية للقبض على الأشخاص المشتبه في معارضتهم لتعاليم الكنيسة ومحاكمتهم، أقيمت هذه المحاكم في كثير من بلاد أوروبا، ولكن كان أكثرها شهرة محكمة التفتيش الأسبانية التي أقيمت بعد انهيار دولة المسلمين في الأندلس.. وبداية حكم الملك فرديناند الخامس وزوجته إيزابيللا، وكان عمل المحكمة هو التجسس على أهل الأندلس المسلمين الذين تم تنصيرهم قسرا، والتنكيل الوحشي بهم..
 ويجب أن نتذكر أن تعاليم الكنيسة منذ بدايتها في أوربا ابتداءً من حكم الإمبراطور الروماني قسطنطين (306-337م)، كانت هي أساس القانون والنظام في الإمبراطورية الرومانية، وكان الخروج عليها يعتبر جريمة ضد الدولة.. وفي عام 1231م أنشأ البابا جريجوري التاسع محكمة خاصة للتحقيق مع المتهمين وإجبار المهرطقين على تغيير معتقداتهم.. وبعد نحو قرنين من الزمن تولت لجنة الكرادلة التابعة للمكتب البابوي عمليات التحقيق.. وتكاثرت محاكم التفتيش في فرنسا وألمانيا وإيطاليا وأسبانيا، وكان التعذيب وسيلة اعتيادية جدا في تلك المحاكم، ومنه حرق المحكوم عليهم أحياءً.. إلا أن ما حدث للمسلمين في الأندلس قد بلغ من بشاعته حدا يصعب وصفه بالكلام .. فقد امتد تعذيبهم قرونا لا أياما ولا سنوات .. وتلك حقيقة تاريخية صادمة ..
الذين خضعوا لهذا التعذيب كان يطلق عليهم اسم (المورسكيون) وهى تسمية للمسلمين الذين أجبرتهم الكنيسة تحت إرهاب محاكم التفتيش على التنصّر، ومع ذلك كانت تشك في حقيقة تنصرهم ، وتعتقد أنهم يمارسون عبادتهم الإسلامية سرا .. ومن ثم لا يجب الوثوق في تظاهرهم بالمسيحية.. وترتّب على ذلك توالى صدور أوامر من الدولة للحد من حرية المورسكيين وتقييدهم بمزيد من القيود: منها حظر التحدث بالعربية في مجالسهم الخاصة ، وحظر الختان، وحظر الوقوف تجاه القبلة، وحظر الاستحمام والاغتسال، وحظر ارتداء الملابس العربية.. ولما وجدت محكمة تفتيش غرناطة بعض المخالفات لهذه اللوائح عمدت إلى إثبات تهديدها بالفعل، وأحرقت اثنين من المخالفين أمام الجمهور...      
وبعد مرور أربعة قرون على سقوط الأندلس أرسل نابليون حملته إلى أسبانيا ، وأصدر مرسوما سنة 1808 م بإلغاء دواوين التفتيش في المملكة الأسبانية.
 (**) ولنستمع إلى هذه القصة التي يرويها لنا أحد ضباط الجيش الفرنسي الذي دخل إلى أسبانيا بعد الثورة الفرنسية.. إنه الكولونيل ليموتسكي .. قال: "كنت سنة 1809 ملحقا بالجيش الفرنسي الذي يقاتل في إسبانيا، وكانت فرقتي ضمن فرق الجيش الذي احتل مدريد ... وقد دأب الرهبان الكاثوليك أصحاب ديوان التفتيش على قتل كل فرنسي يقع في أيديهم انتقاما من القرار الصادر ضدهم ، وبينما كنت أسير مرة في إحدى الليالي عابرا شارع من شوارع مدريد ، يقل المرور فيه إذ باثنين مسلحين يهجمان عليّ يريدان قتلي، فدافعت عن حياتي دفاعا شديدا، ولم ينجّني من القتل إلا قدوم سَرِيّة من جيشنا اعتادت أن تحمل المصابيح ، وتبيت الليل ساهرة على حفظ النظام.. فما إن شاهدها القاتلان حتى لاذا بالهرب.. وتبين من ملابسهما أنهما من جنود ديوان التفتيش.. فأسرعت إلى المارشال سولت الحاكم العسكري لمدريد وقصصت عليه النبأ، ققال: لا بد من معاقبة هؤلاء الأشرار ، وتنفيذ قرار الإمبراطور بحل ديوانهم.. والآن خذ معك ألف جندي وأربعة مدافع وهاجم دير الديوان واقبض على هؤلاء الرهبان الأبالسة".
ثم يتابع قائلا: "أصدرتُ الأمر لجنودي بالقبض على القساوسة جميعا ، وعلى الحراس من جنودهم   توطئةً لتقديمهم إلى مجلس عسكري، ثم أخذنا نبحث في غرف الدير بين كراسيّ هزازة وسجاجيد فارسية وصور ومكاتب كبيرة.. وقد لا حظنا أن أرض الغرف مصنوعة من الخشب المصقول المدهون بالشمع ، وكان شذى العطر يعبق في أرجائها فتبدو الساحة كلها أشبه بأبهاء القصور الفخمة التي لا يسكنها إلا ملوك قصروا حياتهم على الرفاهية واللهو...
وكادت جهودنا تذهب سدى ونحن نحاول العثور على قاعات التعذيب.. لقد فحصنا الدير وممراته وأقبيته كلها، فلم نجد شيئا يدل على وجود ديوان للتفتيش، فعزمنا على الخروج من المكان يائسين...
(*) كان الرهبان أثناء التفتيش يُقْسِمون ويؤكدون لنا أن ما شاع عن ديرهم ليس إلا تهما باطلة، [ وأنشأ زعيمهم يؤكد لنا براءته وبراءة أتباعه بصوت خافت ، وهو خاشع الرأس توشك عيناه أن تطفر بالدموع]، فأصدرت أوامري للجنود بالاستعداد لمغادرة الدير.. لكن اللفتنانت (دي لِيِلْ) استمهلني قائلا: أيسمح لي الكولونيل أن أخبره أن مهمتنا لم تنتهِ بعد ..؟! قلت له: فتشنا الدير كله، ولم نكتشف شيئا مريبا ، فماذا تريد يا لفتنانت..؟ قال: إنني أرغب في فحص أرضية هذه الغرف، فإن قلبي يحدثني بأن السر تحتها.. عند ذلك نظر الرهبان إلينا نظرات قلقة، فأذنت للضابط بالبحث، فأمر الجنود أن يرفعوا السجاجيد الفاخرة عن الأرض، ثم أمرهم أن يصبوا الماء بكثرة في أرض كل غرفة على حدة ، وكنا نرقب الماء، فإذا بالأرض في إحدى الغرف قد ابتلعته.. فصفق الضابط دي ليل من شدة الفرح وهتف قائلا: ها هو الباب، انظروا.. فنظرنا فإذا بباب قد انكشف.. كان قطعة من أرض الغرفة، يُفتح بطريقة ماكرة بواسطة حلقة صغيرة وضعت إلى جانب أحد قوائم مكتب رئيس الدير.. أخذ الجنود يكسرون الباب بكعوب البنادق، فاصفرت وجوه الرهبان، وعلتها غبرة.. ثم فُتح الباب، فظهر لنا سلم يؤدي إلى باطن الأرض، فأسرعت إلى شمعة كبيرة كانت تضيء أمام صورة أحد رؤساء محاكم التفتيش السابقين.. ولما هممت بالنزول وضع راهب يسوعي يده على كتفي متلطفا، وقال لي: يا بني.. لا تحمل هذه الشمعة بيدك الملوثة بدم القتال..إنها شمعة مقدسة...! فقلت له : يا هذا إنه لا يليق بيدي أن تتنجس بلمس شمعتكم الملطخة بدم الأبرياء.. وسنرى الآن من هو النّجس فينا، ومن القاتل السفاك...؟!
(*) هبطت على دَرَج السلم يتبعني سائر الضباط والجنود شاهرين سيوفهم حتى وصلنا إلى آخر الدرج، فإذا نحن في غرفة كبيرة مرعبة، يسمّونها قاعة المحكمة، في وسطها عمود من الرخام به حلقة حديدية ضخمة، رُبِطَتْ بها سلاسل مُعَدّة لتقييد المحاكمين بها.. وأمام هذا العمود كانت المصطبة التي يجلس عليها رئيس ديوان التفتيش والقضاة لمحاكمة الأبرياء.. ثم توجهنا إلى غرف التعذيب وتمزيق الأجسام البشرية التي امتدت على مسافات كبيرة تحت الأرض.. فرأيت فيها ما يستفز نفسي ويبعث فيّ القشعريرة والتـقزز طوال حياتي.
 رأينا غرفا صغيرةً في حجم جسم الإنسان، بعضها عمودي وبعضها أفقي، فيبقى سجين الغرف العمودية واقفا على رجليه مدة سجنه حتى يموت، ويبقى سجين الغرف الأفقية ممدا بها حتى الموت، وتبقى الجثث في السجن الضيق حتى تبلى، ويتساقط اللحم عن العظم، فتأكله الديدان... ولتصريف الروائح الكريهة المنبعثة من جثث الموتى فتحوا نافذة صغيرة إلى الفضاء الخارجي.. وقد عثرنا في هذه الغرف على هياكل بشرية ما زالت في أغلالها.. وكان السجناء رجالا ونساءً تتراوح أعمارهم ما بين الرابعة عشرة والسبعين.. استطعنا إنقاذ عدد من السجناء الأحياء وتحطيم أغلالهم، وهم في الرمق الأخير من الحياة.. كان بعضهم قد أصابه الجنون من كثرة ما صبوا عليه من عذاب.. وكان السجناء جميعا عرايا حتى اضْطُرّ جنودنا إلى أن يخلعوا أرديتهم ويستروا بها بعضهم .. أخرجنا السجناء إلى النور تدريجيا حتى لا تذهب أبصارهم.. كانوا يبكون فرحا، وهم يقبّلون أيدي وأرجل الجنود الذين أنقذوهم من العذاب الرهيب وأعادوهم إلى الحياة.. كان مشهدا يُبكي الصخور.
(*) انتقلنا إلى غرف أخرى فرأينا فيها ما تقشعر لهوله الأبدان.. عثرنا على آلات رهيبة للتعذيب منها آلات لتكسير العظام وسحق الجسم البشري ، كانوا يبدءون بسحق عظام الأرجل ،ثم عظام الصدر والرأس واليدين تدريجيا حتى يتهشم الجسم كله، ويخرج من الجانب الآخر كتلة من العظام المسحوقة والدماء الممزوجة باللحم المفروم.. وهكذا كانوا يفعلون بالسجناء الأبرياء المساكين.. ثم عثرنا على صندوقٍ في حجم جسم رأس الإنسان تماما يوضع فيه رأس المحكوم عليه بعد أن يربطوا يديه ورجليه بالسلاسل والأغلال حتى لا يتمكن من الحركة.. وفي أعلى الصندوق ثقب تتقاطر منه نقط الماء البارد على رأس المسكين بانتظام، نقطة في كل دقيقة.. وقد جُنّ الكثيرون من هذا اللون من العذاب، ويبقى المُعَذَّبُ على حاله تلك حتى يموت.. وآلة أخرى للتعذيب على شكل تابوت تثبت فيه سكاكين حادة.. كانوا يلقون الشاب المعذب في هذا التابوت، ثم يطبقون بابه بسكاكينه وخناجره.. فإذا تمّ إغلاقه مزق جسم المعذب المسكين، وقطعه إِرْبًا.. كما تم العثور على آلات كالخطاطيف تغرز في لسان المعذب ثم تُشد ليخرج اللسان معها، فيتم قصّه قطعة قطعة، وكلاليب تغرس في أثداء النساء وتسحب بعنفٍ حتى تتقطع الأثداء أو تبتر بالسكاكين.. وتم العثور على سياط من الحديد الشائك يُضرب بها المعذبون وهم عراة حتى تتفتت عظامهم، وتتناثر لحومهم"... [
اقرأ إن شئت المزيد عن هذه الأهوال كتاب محمد عبد الله عنان: نهاية الأندلس وتاريخ العرب المتنصّرين...] لتعرف حقيقة محاكم التفتيش التي تناولت بالعرض المختصر بعض جوانبها ثم اسأل نفسك: هل نحن بعيدين عن محاكم التفتيش...؟! أم أنها تعمل بين ظهرانينا ونحن لا ندرى..؟! من ينكر هذا عليه أن يثبت بالعمل لا بالمكابرة والادعاء، وإعلان التمرد على قوانين الدولة... فليفتح أبواب الأديرة للتفتيش.. وليثبت للدنيا كلها براءته.. ويثبت أن الأديرة خالية من الأسلحة ، وخالية من التعذيب ، وخالية من السجناء والمحتجزين .. وليطلق سراح المسلمات المحتجزات: وفاء قسطنطين وكامليا ومارى عبد الله وغيرهن...!                                            
الحلقة الثالثة:
 (*) رغم بشاعة الصورة التي عرضناها عن محاكم التفتيش التي أقيمت لتعذيب المسلمين في الأندلس بعد انهيار الدولة الإسلامية، إلا أننا تعمّدنا ألا نفيض في تفاصيل هذه القصة المروّعة، وقد حرصت على أن أتناول الجزء الأخير الباقي من مسلسل العذاب الجهنمي بعد أن تفشّت سيرته في أوربا ، وأصبح موضع استهجان من الحركات الثورية السياسية والدينية التي انقلبت على طغيان الكنسية الكاثوليكية وفسادها.. وأعنى بذلك الثورة الفرنسية، والبروتسطنطية مما أجبر محاكم التفتيش في أسبانيا أن تخفي ممارساتها الإجرامية تحت الأرض .. يمارسها القسس سرا وخفية، ولكن كالعادة يظهرون البراءة والمسكنة أمام الناس...! وقبل ذلك كانت تعقد حلقات التعذيب والقتل وحرق المسلمين أحياء في وضح النهار أمام جماهير المسيحيين في احتفالات ، كان يحضرها الملوك وكبار القوم، وكان قساوسة الكنيسة هم الذين يقومون بتنفيذ عمليات التعذيب...ّ!
أما القصة التالية فإنها تكشف شيئا من المناخ الذي كانت تعيش تحت وطأته الأسر المسلمة التي فُرضت المسيحية علي أفرادها قهرا.. ولكنهم فيما علمنا ظلوا يمارسون عقيدتهم الإسلامية في خفاء شديد ، وعاشوا على مضض يتجرعون الهوان والمذلة.. ويشاهدون أبناءهم وبناتهم يتم تنصيرهم وانتزاعهم من حضن الإسلام، بينما هم عاجزون عن حمايتهم أو حتى التحدث إليهم في أمر دينهم.....
(**) القصة التي أسوقها هنا لفت نظري إليها الدكتور إبراهيم عوض في مقالة له بعنوان: لماذا ترك برتراند رسل المسيحية، وهى قصة أوردها الشيخ على الطنطاوي في كتاب له بعنوان: "محمد الصغير"، تصوّر شيئا من الجو المروِّع الذي عاش فيه المسلمون في الأندلس في ظل محاكم التفتيش.. يروى القصة، بطلها الصغير فيقول: "كنت يومئذ صغيرا ، لا أفقه شيئا مما كان يجري في الخفاء ، ولكني كنت أجد أبي رحمه الله، يضطرب ويصفرّ لونه كلما عدت من المدرسة فتلوت عليه ما حفظت من "الكتاب المقدس" أو أخبرته بما تعلمت من اللغة الإسبانية، فيتركني ويمضي إلى غرفته التي كانت في أقصى الدار، والتي لم يكن يأذن لأحد بالدُّنُـوِّ من بابها، فيلبث فيها ساعات طويلة لا أدري ما يصنع فيها، ثم يخرج منها مُحمرّ العينين كأنه كان يبكي بكاءً طويلا.. ويبقى أياما ينظر إلي بلهفة وحزن ويحرك شفتيه، فِعْلَ من يهمّ بالكلام.. فإذا وقفت مصغيا إليه أدار ظهره ، وانصرف عني من غير أن يقول شيئا.    
 وكانت أمي تشيّعني كلما ذهبتُ إلى المدرسة حزينة دامعة العين، وتقبّلني بشوق وحرقة، ثم لا تشبع مني، فتدعوني فتقبلني مرة ثانية، ولا تفارقني إلا باكية، فأحس نهاري كله بحرارة دموعها على خدي، فأعجب من بكائها ولا أعرف له سببا.. ثم إذا عدت من المدرسة استقبلتني بلهفة واشتياق كأني كنت غائبا عنها عشرة أعوام.. وكنت أرى والديّ يبتعدان عني، ويتكلمان همسا بلغة غير اللغة الإسبانية لا أعرفها ولا أفهمها.. فإذا دَنَوْتُ منهما قطعا الحديث وحوّلاه، وأخذا يتكلمان بالإسبانية، فأعجب وأتألم، وتُساورنى الظنون.. حتى إني لأحسب أني لست ابنهما، وأني لقيط جاءا به من الطريق، فيشْتدّ ألمي، فآوي إلى ركن في الدار منعزل، فأبكي بكاءً مرًّا. 
وتوالت عليّ الآلام فأورثتني مِزاجا خاصا يختلف عن أمزجة الأطفال الذين كانوا في مثل سني، فلم أكن أشاركهم في شيء من لعبهم ولهوهم، بل أَعْتزِلُهم ،وأذهب فأجلس وحيدا أضع رأسي بين كفّيّ، وأستغرق في تفكيري، أحاول أن أجد حلا لهذه المشكلات حتى يجذبني الخورى من كم قميصي لأذهب إلى الصلاة في الكنيسة..
وقد حدث أن ولدت أمي طفلا، فلما بشّرت أبي بأنها قد جاءت بصبي جميل لم يبتهج، ولم تَلُحْ على شفتيه ابتسامة، ولكنه قام بجر رجليه حزينا ملتاعا، فذهب إلى الخوري، فدعاه ليعمّد الطفل.. وأقبل يمشي وراءه، وهو مطرق برأسه إلى الأرض، وعلى وجهه علائم الحزن المبرح واليأس القاتل، حتى جاء به إلى الدار ودخل به على أمي، فرأيت وجهها يشحب شحوبا هائلا، وعينيها تشخصان، ورأيتها تدفع إليه بالطفل خائفة حذرة، ثم تغمض عينيها.. فحِرت في تعليل هذه المظاهر، وازددت ألما على ألمي.. حتى إذا كانت ليلة عيد الفصح، وكانت غرناطة غارقة في النور، والحمراء تتلألأ بالمشاعل والأضواء، والصلبان تومض على شرفاتها ومآذنها، دعاني أبي في جوف الليل، وأهل الدار كلهم نيام، فقادني صامتا إلى غرفته.. إلى حرمه المقدّس، فخفق قلبي خفوقا شديدا واضطربتُ، لكني تماسكت وتجلّدت..
فلما توسّط بي الغرفة أحكم إغلاق الباب، وراح يبحث عن السراج، وبقيت واقفا في الظلام لحظات كانت أطول عليّ من أعوام، ثم أشعل سراجا صغيرا كان هناك، فتلفتُّ حولي فرأيت الغرفة خالية ليس فيها شيء مما كنت أتوقع رؤيته من العجائب، ما كان فيها إلا بساط وكتاب موضوع على رف، وسيف معلق بالجدار.. فأجلسني على هذا البساط، ولبث صامتا ينظر إليّ نظرات غريبة اجتمعت عليَّ هي ورهبة المكان وسكون الليل، فشعرت كأني انفصلت عن الدنيا التي تركتها وراء هذا الباب، وانتقلت إلى دنيا أخرى لا أستطيع وصف ما أحسست به منها.. ثم أخذ أبي يديَّ بين يديه بحنوّ وعطف، وقال لي بصوت خافت: يا بني، إنك الآن في العاشرة من عمرك، وقد صرت رجلا.. وإني سأطلعك على السر الذي طالما كتمْتُه عنك.. فهل تستطيع أن تحتفظ به في صدرك، وتحبسه عن أمك وأهلك وأصحابك والناس أجمعين..؟؟ إن إشارة منك واحدة إلى هذا السر تعرّض أباك لعذاب الجلادين من رجال ديوان التفتيش . فلما سمعت اسم ديوان التفتيش ارتجفتُ من مَفْرِق رأسي إلى أَخْمَص قدمي.. لقد كنت صغيرا حقا، ولكني أعرف ما هو ديوان التفتيش، وأرى ضحاياه كل يوم، وأنا غادٍ إلى المدرسة ورائحٌ منها ـ فمن رجال يُصْلَبون أو يُحْرَقون، ومن نساء يعلَّقْن من شعورهن حتى يمتن أو تُبْقَر بطونهن، فسكتُّ ولم أجب.. فقال لي أبي: مالك لا تجيب..؟ أتستطيع أن تكتم ما سأقوله لك..؟؟ قلت: نعم قال: تكتمه حتى عن أمك وأقرب الناس إليك..؟؟ قلت: نعم... قال: اقترب مني.. وأرْهفْ سمعك جيدا، فإني لا أقدر أن أرفع صوتي.. أخشى أن تكون للحيطان آذان فَتَشِيَ بى لدى ديوان التفتيش، فيحرقني حيا.. فاقتربت منه وقلت له: إني مُصْغٍ يا أبتِ.. فأشار إلى الكتاب الذي كان على الرف وقال: أتعرف هذا الكتاب يا بنيّ..؟؟ قلت: لا.. قال: هذا كتاب الله. قلت: الكتاب المقدس الذي جاء به يسوع بن الله..!؟
فاضطرب وقال: كلا، هذا هو القرآن الذي أنزله الله، الواحد الأحد، الفرد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد، على أفضل مخلوقاته، وسيد أنبيائه، سيدنا محمد بن عبد الله.. النبي العربي صلى الله عليه وسلم..
 ففتحت عينيَّ من الدهشة، ولم أكد أفهم شيئا.
قال: هذا كتاب الإسلام.. الإسلام الذي بعث الله به محمدا إلى الناس كافة، فظهر هناك وراء البحار والبوادي في الصحراء البعيدة القاحلة، في مكة.. في قوم بُداةٍ مختلفين مشركين جاهلين، فهداهم به إلى التوحيد، وأعطاهم به الاتحاد والقوة.. والعلم والحضارة، فخرجوا يفتحون به المشرق والمغرب، حتى وصلوا إلى هذه الجزيرة، إلى إسبانيا، فعدلوا بين الناس، وأحسنوا إليهم، وأمّنوهم على أرواحهم وأموالهم، ولبثوا فيها ثمانمائة سنة..
 ثمانمائة سنة.. جعلوها أرقى وأجمل بلاد الدنيا.. نعم يا بني نحن العرب المسلمين.
فلم أملك لساني من الدهشة والعجب والخوف، وصحت به: ماذا..؟ نحن..؟ العرب المسلمين..؟   قال: نعم يا بني.. هذا هو السر الذي سأفضي به إليك.. نعم نحن.. نحن أصحاب هذه البلاد.. نحن بنينا هذه القصور التي كانت لنا فصارت لعدونا.. نحن رفعنا هذه المآذن التي كان يرتفع فيها صوت المؤذن.. فصار يُقرع فيها الناقوس.. نحن أنشأنا هذه المساجد التي كان يقوم فيها المسلمون صفوفَا بين يدي الله، وأمامهم الأئمة يتلون في المحاريب كلام الله، فصارت كنائس يقوم فيها القسوس والرهبان يرتلون فيها الإنجيل.
نعم يا بني، نحن العرب المسلمون، لنا في كل بقعة من بقاع إسبانيا أثر، وتحت كل شبر منها رفاتِ جَـدٍّ من أجدادنا، أو شهيد من شهدائنا.. نعم نحن بنينا هذه المدن.. نحن أنشأنا هذه الجسور.. نحن مهّدنا هذه الطرق..
 نحن شققنا هذه الترع.. نحن زرعنا هذه الأشجار.
ولكن منذ أربعين سنة.. أسامع أنت..؟؟ منذ أربعين سنة.. خُـدِع الملك البائس أبو عبد الله الصغير، آخر ملوكنا في هذه الديار، بوعود الأسبان وعهودهم، فسلمهم مفاتيح غرناطة، وأباح لهم حِمَى أمّته ومدافن أجداده، وأخذ طريقه إلى بـرّ المغرب ليموت هناك وحيدا فريدا شريدا طريدا.. وكانوا قد تعهدوا لنا بالحرية والعدل والاستقلال، فلما ملكوا خانوا عهودهم كلها، فأنشئوا ديوان التفتيش، فأُدْخِلْنا في النصرانية قسرا، وأُجْبِرْنا على ترك لغتنا إجبارا، وأخذوا منا أولادنا لينشّئوهم على النصرانية.. فذلك سر ما ترى من استخفائنا بالعبادة، وحزننا على ما نرى من امتهان ديننا، وتكفير أولادنا...!
أربعون سنة يا بني، ونحن صابرون على هذا العذاب الذي لا تحتمله جلاميد الصخر، ننتظر فرج الله، لا نيأس لأن اليأس محرم في ديننا، دين القوة والصبر والجهاد.. هذا هو السر يا بني فاكْتمه، واعلم أن حياة أبيك معلقة بشفتيك، ولست والله أخشى الموت أو أكره لقاء الله.. ولكني أحب أن أبقى حيا حتى أعلّمك لغتك ودينك وأنقذك من ظلام الكفر إلى نور الإيمان، فقم الآن إلى فراشك يا بني.
صرت من بعد ذلك كلما رأيت شرف الحمراء أو مآذن غرناطة تعروني هزة عنيفة، وأحس بالشوق والحزن، والبغض والحب، يغمر فؤادي. وكثيرا ما ذهلت عن نفسي ساعات طويلة، فإذا تنبهت أطوف بالحمراء وأخاطبها وأعاتبها وأقول لها: أيتها الحمراء، أيتها الحبيبة الهاجرة، أنسيت بُناتَك وأصحابك الذين غذَّوْكِ بأرواحهم ومُهَجِهم، وسقَـوْكِ دماءهم ودموعهم، فتجاهلتِ عهدهم وأنكرتِ وُدّهم..؟؟ أنسيتِ الملوك الصِّيد الذين كانوا يجولون في أبهائك، ويتكئون على أساطينك، ويفيضون عليك ما شئت من المجد والجلال، والأبهة والجمال، أولئك الأعزّة الكرام الذين إن قالوا أصْغت الدنيا، وإن أمروا لبّى الدهر..؟؟ أألفْتِ النواقيس بعد الأذان..؟؟ أرضيتِ بعد الأئمة بالرهبان؟
ثم أخاف أن يسمعني بعض جواسيس الديوان، فأسرع الكرّة إلى الدار لأحفظ درس العربية، الذي كان يلقيه عليّ أبي، وكأني أراه الآن يأمرني أن أكتب له الحرف الأعجمي، فيكتب لي حذاءه [ يعنى بجانبه] الحرف العربي، ويقول لي: هذه حروفنا.. ويعلمني النطق بها ورسمها، ثم يلقي عليّ درس الدين، ويعلمني الوضوء والصلاة لأقوم وراءه نصلي خفية في هذه الغرفة الرهيبة.. وكان الخوف من أن أزلّ فأفشي السر لا يفارقه أبدا.. وكان يمتحنني فيدسّ أمي إليّ فتسألني: ماذا يعلمك أبوك؟ فأقول: لاشيء.. فتقول: إنْ عندك نبأ مما يعلمك، فلا تكتمه عني.
فأقول: إنه لا يعلمني شيئا.
حتى أتقنتُ العربية، وفهمت القرآن، وعرفت قواعد الدين، فعرّفني بأخٍ له في الله، نجتمع نحن الثلاثة على عبادتنا وقرآننا.
 واشتدت بعد ذلك قسوة ديوان التفتيش، وزاد في تنكيله بالبقية الباقية من العرب، فلم يكن يمضي يوم لا نرى فيه عشرين أو ثلاثين مصلوبا، أو مُحرقا بالنار حيا، ولا يمضي يوم لا نسمع فيه بالمئات يعذبون أشد العذاب وأفظعه، فتقلع أظافرهم، وهم يرون ذلك بأعينهم، ويُسْقَوْن الماء حتى تنقطع أنفاسهم، وتُكوى أرجهلم وجنوبهم بالنار، وتُقطع أصابعهم وتُشوى وتُوضع في أفواههم، ويُجلدون حتى يتناثر لحمهم.. واستمر ذلك مدة طويلة، فقال لي أبي ذات يوم: إني أحس يا بني كأن أجلي قد دنا، وإني لأهوى الشهادة على أيدي هؤلاء، لعل الله يرزقني الجنة فأفوز بها فوزا عظيما، ولم يبق لي مأْرب في الدنيا بعد أن أخرجتك من ظلمة الكفر، وحمّلتك الأمانة الكبرى، التي كدت أهوي تحت أثقالها.. فإذا أصابني أمر فأطِعْ عمك هذا ولا تخالفه في شيء..
ومرّت على ذلك أيام، وكانت ليلة سوداء، عندما جاء عمي هذا يدعوني ويأمرني أن أذهب معه، فقد يسّر الله لنا سبيل الفرار إلى المغرب بلد المسلمين فأقول له: وأبي وأمي..؟ فيعنُفُ عليّ ويشدُّني من يدي ويقول لي: ألم يأمرك أبوك بطاعتي..؟ فأمضي معه صاغرا كارها، حتى إذا ابتعدنا عن المدينة وشمِلَنا الظلام، قال لي: اصبر يا بُنيّ، فقد كتب الله لوالديك المؤمنيْن السعادة على يد ديوان التفتيش."...!


يخلص الغلام إلى بر المغرب ، ويكون منه العالم المصنف سيدي محمد بن عبد الرفيع الأندلسي، وينفع الله به وبتصانيفه... انتهت قصة محمد الصغير كما أوردها الشيخ على الطنطاوى فى كتابه... لا ليستدرّ بها الدموع إنما ليحذر المسلمين اليوم من مصير تدبّره لهم عصابات السوء وقطاع الطرق المتشحين بلباس الكهنوت..

 
(*) لقد شاء الله أن أستمع في حياتي الطويلة إلى قصص مشابهة بنفسي في الفلبين، واستمعت في بلاد أوربا قصصا على لسان ضحايا من البوسنة والهرسك وكوسوفا وصربيا، ومن الاتحاد السوفياتى.. وسمعت كثيرا من رجال ونساء يخفون إيمانهم بالإسلام، خشية التنكيل بهم وبأسرهم: في ألمانيا واستراليا وهنا في مصر.. لو بدأت في سردها لما انتهيت في مائة مقالة.. وما كنت أتصور أن يحدث هذا في مصر ، ولكنه للأسف يحدث..! إليك عينة واحدة مما صادفنى: حدث أن ذهبت مرة لصلاة العصر في مسجد صغير قريبٍ من مسكني.. وبعد أن انتهيت من الصلاة التفتّ إلى من كان يصلى بجواري فرأيت شابا أعرفه معرفة جيدة فهو صاحب محل لبيع الأدوات المدرسية ولديه ماكينة تصوير مستندات وجهاز كمبيوتر.. وقد اعتدت على مدى سنوات أن أصور عنده أصول مقالاتي وأستعين به في كتابتها على جهازه.. أعرف أنه مسيحي واسمه(ف.) ولكنه يتقن عمله بصمت.. ويحسن الحوار والكلام.. ويتطرق إلى موضوعات ثقافية جادة.. عجبت أن أراه في المسجد يصلى وقد أطلق لحية خفيفة .. قلت له ألست (فلانا) ..؟ قال نعم أنا هو..؟ قلت متى أسلمت ..؟ قال منذ خمس سنوات.. ٍسألته ولكنك لم تكن تأتى إلى المسجد, وحتى لم تكن تتطرق في الحديث معي إلى اعتناقك للإسلام .. قال: لم يكن الوقت قد حان بعد لإعلان إسلامي.. قلت وما الذي جـدّ..؟
قال لقد تُوُفّي أبى، وكان معتل الصحة لفترة من الوقت ..يعنى كان يمكن أن يموت بصدمة قلبية لو علم أنني أسلمت.. فأشفقت عليه وكتمت إسلامي عنه.. فلما توفاه الله أصبحت في حل من أمري، وأردت أن أصلى وأصوم مع إخواني المسلمين في العلن، وأَنْتهي من حالة التخفي والعبادة سرا بين جدران غرفتي الصغيرة .. ابتسمت وقلت له مازحا: ما الذي دهاك يا رجل لتسلم في هذا الزمن الذي أصبح فيه المسلمون ضعفاء ومضطهدين في كل مكان بالعالم..؟! قال ببساطة وجدية: أنا عندما اقتنعت بعقيدة التوحيد لم أكن أفكر في ضعف المسلمين أو قوتهم، ولم يكن هذا ليغير من اقتناعي في شيء.. فقد كنت أفكر فقط في رضاء الله والتقرب منه بالطريقة التي ارتضاها وبيّنها في كتابه، وبعث بها رسوله الكريم محمد صلى الله عليه وسلم...
سألته: ألم تصادف مضايقات أو مشكلات من الأسرة أو من أصدقائك.. وهل اضطررت إلى اللجوء للشرطة لحمايتك...؟ قال : لقد صادفت كثيرا من المشاكل وتجاوزتها والحمد لله.. ولكني لم أكن في حاجة للجوء إلى الشرطة لحمايتي.. سألته: ربما كان لك من سنك ونضج تجربتك في الحياة أنك استطعت مواجهة هذه المشكلات وتجاوزتها.. ولكنى سمعت أن رجال الأمن لا يرحبون بأمثالك قال: نعم ..أعرف ذلك وأستغربه ..! لقد حاول صديق لي مسيحي أسْلَم أن يلتمس لديهم الأمن من تهديدات وُجِّهت إليه من عصابة من الشباب المسيحي .. فهل تعلم ماذا فعل به ضابط القسم..؟! لقد أشبعه ضربا على وجه وركله بحذائه وهو يسبه بأقذع السباب.. ثم قال له: عُد إليهم يا ابن الـ[...] ولا تريني وجهك مرة أخرى .. لا تجلب علينا المصائب...! .. ثم أضاف الشاب: هذه عينة واحدة مما يفعله الأمن بمن يعتنق الإسلام من المسيحيين...! قلت له: هل تأكدت أن الضابط كان مسلما..؟ قال: أنا متأكد أنه مسلم على الأقل بالاسم...!
وإنا لله وإنا إليه راجعون...                    myades34@gmail.com         
المصدر : موقع التاريخ

التعليقات مغلقة على هذه المقالة
جديد المقالات المزيد
التاريخ وأثره في تربية الأجيال

التاريخ وأثره في تربية الأجيال

د / محمد حاج عيسى الجزائري الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام...

الفاتح الذي اشتقنا لعودة أيامه (12)

الفاتح الذي اشتقنا لعودة أيامه (12)

د / أحمد عبد الحميد عبد الحق الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام...

صقلية حضارة المسلمين المنسية

صقلية حضارة المسلمين المنسية

شريف عبد العزيز في أواخر القرن الثاني الهجري بدأت القوى العالمية...

جديد الأخبار المزيد
ضغوطات إسرائيلية تلغي فيلما عن الأسرى الفلسطينيين في لندن

ضغوطات إسرائيلية تلغي فيلما عن الأسرى الفلسطينيين في لندن

استجاب فندق تارا، الأحد، لضغوطات اللوبي الصهيوني ببريطانيا...

وزير يمني يتهم الحوثيين باحتجاز قوافل إغاثية في طريقها لتعز

وزير يمني يتهم الحوثيين باحتجاز قوافل إغاثية في طريقها لتعز

اتهم وزير في الحكومة اليمنية الشرعية، الأحد، جماعة الحوثيين وحلفائهم...

زعيم سني يطالب بالسماح للسنة بالترشح للرئاسة بإيران

زعيم سني يطالب بالسماح للسنة بالترشح للرئاسة بإيران

في ظل تهميش بارز للقاعدة السنية بإيران وحرمانها من المشاركة السياسية...

  • أيام في سيلان والمالديف