• الصليب وحكاياته

الحصان الأفغانيّ الجامح

May 31 2011 11:31:06

الكاتب : محمد يوسف عدس

 (1)
رغم التكثيف الأمريكي الظاهر للقوة العسكرية فى أفعانستان فإننى أزعم أن لحظة الأفول توشك أن تسدل أستارها على ساحة الغزو الإمبريالي الأمريكي فى أفغانستان، ويوشك التاريخ أن يطوي صفحة مجلّلة بالخزي والعار على ثالث إمبراطورية عظمى استهانت بالشعب الأفغاني وقامت باحتلاله منذ تسع سنوات، فى وقت بلغ منه الضعف والتمزق مداه، بعد حرب طويلة مع الغزو السوفييتى استنزفت قواه، تبعتها حرب أهلية تعيسة طرحته أرضا فاقد الوعى يلعق جراحه.. ومع ذلك يعود الشعب الأفغاني المجهد البسيط للمرة الثالثة ليحطم أسطورة الإمبراطورية الأمريكية فى عز قوتها وجبروتها .. فما هو سر قوة هذا الشعب العجيب..؟!
كتبت قبل ذلك منذ تسعة أعوام والقوات الأمريكية تستعد لغزو أفغانستان مقالة مطولة نشرتها مجلة المختار الإسلامي، حذّرت الولايات المتحدة ألا تغتر بقوتها وتستهين بالشعب الأفغاني، لأن احتلالها سيبوء بالفشل ،وسترتد خاسرة على أعقابها نادمة يوم لا ينفع الندم.. وقد ختمت مقالتى بهذه الفقرة:
" تنتهز القوى البربرية الأمريكية الغازية حالة الدمار الذي لم يسبق له مثيل في التاريخ الأفغاني.. بسبب حرب المقاومة الطويلة للغزو السوفييتي.. ثم الحروب الأهلية التي تلته، كما تنتهز حالة الدمار والجفاف والجوع والتمزق والانكسار الذي أصاب الشعب الأفغاني لتفرض عليه الاستسلام الكامل للإرادة الأجنبية، ولكن سوف تظهر حركات مقاومة أكثر ذكاء ، وأعمق فهماً ، وأقدر على مواجهة الغزو الجديد.. ولن تكون أفغانستان أبداً نزهة للقوات الأجنبية الغازية كما يحلمون...!"
أليس عجيبا أن أقوى دولة فى العالم تذهب بأضخم ترسانة عسكرية، وبجيش بلغ مائة وأربعين ألفا تسانده قوات مرتزقة قوامها مائة ألف من قبيل قوات "بلاك ووتر"، إلى واحدة من أفقر وأضعف دول العالم .. لم يكن بها أهداف لتدميرها لإحداث فرقعات إعلامية هائلة [بنص تصريح وزير الدفاع رامسفيلد] ثم تفشل الدولة الأعظم ،وتوشك جهودها وأهدافها على الانهيار أمام مليشيات عددها محدود.. ولكن إيمانها بالله والنصر لا حدود له...! 
 (2)
قصة الحصان الجامح:
 كان فردريك ماكيسون ضابطاً في الجيش البريطاني برتبة "لفتنانت"، ثم أصبح وكيلاً سياسياً، وهي وظيفة تجمع بين العمل الدبلوماسي والاستخباراتي معاً، بعث برسالة تاريخية هامة عن خبرته في أفغانستان إلى توماس هربرت مادوك نائب الحاكم العام البريطاني في الهند.. تاريخ الرسالة هو 9 نوفمبر 1841 أي بعد سنتين تقريباً من الغزو البريطاني لأفغانستان، كتب يقول:
" لقد وجدنا الهند بلاداً يسهل حكمها والسيطرة عليها كأنها ظهر حصان اعتاد على حمل الأثقال، فكان سعيداً بحملنا الخفيف .. أما أفغانستان بقبائلها الجبلية الشرسة التي لم ترضخ ولم تذعن لأحد من قبل فإنها مثل الحصان النافر الأبي الذي لم يعتد السرج أو المكابح واستعصى على الركوب، فإذا اقترب منه أحد أو لمسه غضب وانتفض ورفس في كل اتجاه .. مثل هذا الحصان يحتاج إلى راكب ماهر قد يعتلي صهوته إذا استطاع استئناسه"..
أقول أهو إلهام أو محض صدفة..!؟.. لا يهم .. فقد نطق فردريك ماكيسون بالحكمة والحقيقة عندما وصف أفغانستان بالحصان الأبي المستعصي على الركوب .. يدرك هذا من يتأمل بعمق في تاريخ أفغانستان، فقد كانت دائماً على اختلاف العصور تكره وتقاوم أمرين:
 1ـ حكم الأجنبي الدخيل..
 2ـ وسلطاناً مفروضاً عليها من قوة خارجية.
حاولت هذا الإمبراطورية البريطانية وهي في أوج قوتها، وكذلك فعل الاتحاد السوفيتي فأشبعهما الحصان الأفغاني رفساً حتى الموت.
 (3)
الهاجس الأمني في الهند البريطانية: خلال القرن التاسع عشر كانت بريطانيا في قمة عظمتها الإمبريالية، وكانت الهند هي بقرتها الحلوب ودرة التاج البريطاني، حتى إن بريطانيا كانت تشعر أنها بغير الهند تفقد عظمتها الإمبريالية ومكانتها بين الأمم والشعوب، لعل هذا كان هو السبب في إلحاح هاجس الأمن والاستقرار في شبه الجزيرة الهندية، أو الهند البريطانية كما سماها البريطانيون.. ومن أجل الحفاظ على الأمن والاستقرار في الهند خاضت بريطانيا أهوالاً ومخاطر، وتورطت أحياناً في أخطاء مهلكة، وكان غزوها لأفغانستان من أكبر هذه الأخطاء...!
فما الذي كانت تخشاه بريطانيا على أمنها في الهند...؟
 في البداية ..وبالتحديد خلال القرن الثامن عشر الميلادي كان أخطر الأعداء على الحكم البريطاني في الهند هم الفرنسيون، هؤلاء انحسر نفوذهم سنة 1763م، وإن بقيت فلول منهم هنا وهناك يناوئون النفوذ البريطاني ،ويحاولون إيقاع الخسائر بشركة الهند الشرقية.
بعد سنة 1815م تقهقر الخطر الفرنسي لكي يحل محله الخطر الروسي القادم من الشمال، فقد زحفت روسيا القيصرية نحو تركستان فغزت بعض أجزائها ،وغدت تضغط بنفوذها على الخانات الثلاثة الباقية تحت حكم الأوزبك ،وهي خانات بخارى وخيفا وجوكندة.
استغرق الخطر الروسي وقتاً طويلاً لكي يتبلور ويتضح لعيون الإمبراطورية البريطانية المنبثين في دول آسيا الوسطى، حيث بدأت تقارير الوكلاء السياسيين الذين كانوا يقيمون وينتقلون هناك تنبّه إلى تعاظم القوة الروسية، وأن احتكاكها بالإمبراطورية البريطانية في الهند قد أصبح وشيكاً.
شرعت بريطانيا تفكر في كيفية مواجهة غزو روسي محتمل عن طريق إيران أو تركستان، وكانت تدرك أنه إذا تم للروس الاستيلاء على الخانات الثلاثة الإسلامية الباقية في تركستان فلن يبقى حاجز بين روسيا والهند البريطانية سوى أفغانستان.. فإذا تمكنت من التغلغل بنفوذها في أفغانستان، امتد تأثيرها إلى العدو الداخلي في الهند، وأصبح الأمن فيها مهدداً، وهذا أكبر ما تخشاه بريطانيا لأنها كانت تستبعد أن تقوم القوات الروسية بتهديد مباشر أو الاحتكاك بالقوات البريطانية في معارك سافرة.
فمن هو العدو الداخلي الذي كانت بريطانيا تخشى استثارته...؟
لم تكن مناطق شبه الجزيرة الهندية كلها تحت الحكم البريطاني المباشر ،وإنما كانت هناك مناطق يحكمها راجات هنود أقوياء وأمراء أفغان، وهؤلاء لم يكن ولاؤهم مضموناً إلا تحت شروط استمرار القوة المطلقة لبريطانيا دون منازع، ثم يوجد أيضاً العدد الهائل من الجنود الهنود في الجيش البريطاني، وهؤلاء رغم ثبوت ولائهم ونفعهم في أغلب الظروف إلا أن تمردهم وارد، وقد وقعت بالفعل حوادث تمرد متفرقة أمكن احتواؤها في حينها.
ولكن مع ظهور عدو قوي على الحدود فإن عواقب الجنوح والتمرد تصبح غير مأمونة، ويصبح الخطر على أمن الهند البريطانية واستقرارها خطراً حقيقياً لا مجرد هاجس محتمل.
في مواجهة هذا الخطر تنازع في السياسة البريطانية اتجاهان قويان: أحدهما يدعو إلى التغلغل في آسيا الوسطى (تركستان) وقطع الطريق على الزحف الروسي نحو الجنوب، أما الاتجاه الثاني فكان يركز على تأمين حدود الهند البريطانية من الشمال والغرب وجعل أفغانستان منطقة عازلة بين القوتين الإمبرياليتين الروسية والبريطانية، وقد استقر الرأي على انتهاج هذا الاتجاه في السياسة البريطانية.
ولذلك لم تفكر بريطانيا في بادئ الأمر أن تقوم بغزو أفغانستان أواحتلالها، وإنما كانت تتطلع إلى إقامة حكومة موالية لها في أفغانستان تقبل وجود سفارة دائمة بها ووكلاء بريطانيين على شكل خبراء دبلوماسيين وعسكريين مهمتهم الرسمية نُصح الحكومة الأفغانية في إدارة شئونها الداخلية، ويقومون برسم ومتابعة سياستها الخارجية مع الدول الأخرى ..
والسؤال هو: من أين تأتي هذه الحكومة العميلة..؟ وهل كانت الأوضاع السياسية في أفغانستان تسمح بذلك...؟
 
(4)
من استقرائنا لتاريخ العلاقات ين الدول الاستعمارية والبلاد القابلة للاستعمار سنلاحظ أن البحث عن حكومة عميلة هو الاختيار الأفضل لأي قوى أجنبية تسعى للهيمنة على الشعوب المستضعفة، وهو أهون الاختيارات وأكثرها دواما واستقرارا..
وفى هذه الفئة تقع أكثر بلاد العرب والمسلمين من باكستان إلى موريتانيا.. فإذا تعذر هذا كان الاختيار الثاني هو البحث عن بؤر الصراع على السلطة في هذه البلاد ودعم طرف منها ضد الأطراف الأخرى، وعادة ما يكون لهذا الاتجاه بوادر سابقة تنكشف لمن يحسن قراءة التاريخ واستراتيجيات الدول الاستعمارية.. ومن هذه البوادر احتضان قيادات المعارضة لاستخدامها عند اللزوم.. والنموذج الأمثل لذلك حديثا، كان فى حالة المعارضة العراقية فى الخارج التى استخدمتها أمريكا مقدمة لغزو العراق ،ثم وضعتها على السلطة لتحكم من خلفها ،وتنفذ خططها الخاصة بصرف النظر عن المصالح الحقيقية للشعب العراقي.. هذه أساليب استراتيجية قديمة لم تتغير فى تاريخ بريطانيا أوأمريكا أو الاتحاد السوفياتى...!
في ضوء هذه الحقائق لابد لنا أن نرجع قليلاً إلى الوراء لنرى كيف تطورت الأمور في أفغانستان لتصل إلى النقطة التي آذنت بالاقتراب البريطاني والنفاذ إلى الشئون الداخلية الأفغانية...؟
 (5)
الصراع الداخلي:
حكم نادر شاه إيران وأفغانستان ،وشن حملة ناجحة على الهند المغولية فاستولى على كنوزها ومجوهراتها ،ولكنه اغتيل في طريق عودته سنة 1747م.. وكان لنادر شاه حرس خاص مكون من أربعة آلاف مقاتل أفغاني عادوا إلى قندهار بعد اغتياله، وكان على رأس هؤلاء الفرسان قائد طموح هو أحمد خان عبدلى .. اختاره مجلس القبائل شاهاً عليهم ،فأطلق على نفسه لقب دوراني ومعناه (لؤلؤة اللآلئ) وأصبح اسمه أحمد شاه دوراني .. امتدّ سلطانه ليشمل كل مناطق أفغانستان .. ثم امتد من مشهد إلى كشمير ودلهي في الهند، ومن "أموريا داري" في آسيا الوسطى إلى البحر العربي، وأصبح هذا الشاه الأفغاني صاحب أكبر ثاني إمبراطورية إسلامية بعد الدولة العثمانية.
اشتهر نادر شاه بجسارته وحسمه وبشخصيته القيادية الفذة مما أكسبه اسم "بابا" أي (أبُ الأمة) .. مات سنة 1772م فخلفه ابنه تيمور شاه، ولكن ثارت عليه القبائل فاضطر لنقل عاصمته من قندهار إلى كابول، وقضى حياته مشغولاً بفض النزاعات القبلية وتهدئة القبائل الثائرة حتى قضى نحبه سنة 1793م.
استطاع ابنه الخامس "أمان شاه" الاستيلاء على السلطة بمساعدة زعيم قبيلة "براكزاي"، فلما استقر له الأمر في أفغانستان تحول إلى الهند يريد غزوها، هنا انزعج البريطانيون وقاموا بتحريض "فتح علي" شاه إيران على "أمان شاه" لتحويل انتباهه عن الهند.
[نلاحظ هنا ظهور مرحلة من التفسخ الواضح في المجتمعات المسلمة، تضافرت عليها ثلاثة عوامل متآزرة: الوجود البريطاني بمكره وعقليته التآمرية القائمة على مبدأ "فرّق تسد"، وخفة الحكام والقيادات المسلمة وسهولة إيقاعهم في غواية السلطة والثروة، وضعف الشعوب المسلمة التي بلغت الحضيض من التخلف والجهل...]
لذلك لم يكد "فتح علي" يرى تشجيع البريطانيين له للانقضاض على حاكم آخر مسلم منافس له حتى خطا من عنده خطوة أخرى أشنع وأبشع، حيث قام بتحريض أخٍ لأمان شاه هو محمود شاه حاكم "هيرات" أمده بالمال والرجال لغزو قندهار، فقام محمود هذا بمساندة من وزير قوي له هو "فتح خان براكزاي" بالاستيلاء على قندهار ثم تقدم نحو كابول..
أسرع أمان شاه عائداً من الهند لينقذ مملكته في أفغانستان ،ولكنه تعرض لسلسلة من وقائع الخيانة، تمكن الخونة في نهايتها من تسليمه مسمول العينين إلى أخيه محمود فسجنه في قلعة "بالاهيار" في كابول عام 1800م.  
لم يكن شاه محمود هذا يتمتع بأي مؤهلات للحكم، ولم يكن مهتماً بمصالح الدولة وشئونها، وإنما كان غارقاً في متعه الشخصية ونزواته .. تاركاً تدبير شئون الدولة في يد وزيره "فتح خان"، فلما ساءت أحوال الناس تحالف زعماء القبائل ودعوا أخاً ثالثاً لأمان شاه اسمه "شاه شوجا" .. فتقدم إلى كابول وحاصرها حتى استسلم محمود وطلب عقد سلام مع "شاه شوجا".
ولأن شاه شوجا كان يفتقر إلى قوة الشخصية ولا يتمتع بالبصيرة أو الخبرة السياسية والحنكة فإنه لم يستطع كبح جماح زعماء القبائل الذين انطلقوا يمارسون سلطات مستقلة في مناطقهم، وبظهور الضعف في السلطة المركزية بكابل تشجع الجيران الطامعون للانقضاض على أفغانستان .. فزحف سيخ البنجاب على شرق أفغانستان، وهددت إيران أفغانستان من الغرب.
(6)
كان نابليون بونابرت حينذاك في أوج قوته فاقترح على الروس ( نكاية فى أعدائه البريطانيين) غزو الهند عبر أفغانستان، فأسرع البريطانيون بإرسال بعثة إلى أفغانستان يرأسها "مونتستيوارت إلفنستون" الذي التقى بشاه شوجا في بيشاور للتباحث في أمر هذا الغزو المتوقع، وتمت معاهدة صداقة بينهما في 7 يوليو سنة 1809م، وعَد الشاه فيها ألا يسمح بمرور أي قوات أجنبية في أراضي أفغانستان.. ولكن لم تكد تنتهي إجراءات توقيع المعاهدة حتى وصل إلى المتفاوضين خبر استيلاء محمود (الشاه السابق) ووزيره "فتح خان" على كابول ،وأن قوات شاه شوجا قد تمزقت، فاضطر إلى اللجوء إلى الهند عند أصدقائه الإنجليز سنة 1815م.. وتحت غطاء الصداقة يحتفظ الإنجليز عادة بأمثال شاه شوجا لاستخدامهم كأدوات في بلادهم عندما تتهيأ الظروف لذلك..
ولأن الوزير "فتح خان" - كما سبق أن ذكرنا - ينتمي إلى قبائل براكزاي، لذلك جاء معه برجاله من هناك فانتشروا وسادوا في أفغانستان، مما أوغر صدر "كامران خان" الابن الأكبر لشاه محمود الذي وجد نفسه مُهمشاً تحت نفوذ البراكزاي، فتحايل للقبض على "فتح خان" وفقأ عينيه وأمر بتقطيعه إربا.. هذا الانتقام البشع كان سمة من سمات الأسر الحاكمة، وهي تتصارع على السلطة، خصوصاً عندما تنفرد قبيلة أو مجموعة من القبائل بالسلطة وتفرض طغيانها على الآخرين، ومن ثم يتوالى مسلسل الانقضاض والقتل ثم الانتقام المروّع بين سائر القوى المتصارعة...
وهذا ما حدث بالفعل .. فقد خرج "دوست محمد" الأخ الأصغر لفتح خان من كشمير سنة 1818م واستولى على بيشاور وكابول وجرد "شاه كامران" من ممتلكاته فيما عدا هيرات حيث بقي فيها بعض سنوات.
ولكن في عهد "دوست محمد" تكالبت القوى الخارجية على أفغانستان ،حيث استولى أمير بخارى على بلخ ،واستولى السيخ على مقاطعات ما وراء نهر الإندوس، وبقيت مقاطعتا السند وبلوخستان مستقلتين.
ارتفع دوست محمد من قاع هذه المحنة فتمكن من السيطرة على غزنة وكابول وجلال آباد، وأنشأ بذلك مملكة أسرة براكزاي ،ولقب نفسه بالأمير سنة 1826م.. ثم حاول إعادة بيشاور ،ولكن القائد السيخي "رانجيت سنج" تمكن من إشاعة الفرقة في معسكر خصمه، فتبخر جيش دوست محمد ،وفقدت أفغانستان منطقة بيشاور إلى الأبد، وظلت موضوع نزاع بينها وبين جارتها باكستان إلى اليوم...
 (7)
الصراع الإمبريالي بين الروس والبريطانيين:
نحن الآن من حيث الزمن فى ثلاثينيات القرن الثامن عشر ومسرح الأحداث هو الهند البريطانية وأفغانستان.. تسارعت أحداث المناورات الإمبريالية بين روسيا وبريطانيا في المنطقة عندما شجعت روسيا محمد شاه على محاصرة هيرات والاستيلاء عليها، ورأى الإنجليز في هيرات ثغرة خطيرة قد ينفذ الروس منها إلى الهند، فأسرعوا بعقد تحالفات مع حكام هيرات وكابول وقندهار، وأرسلوا إلى كابول بعثة بقيادة الكابتن "ألكسندر بيرنز" سنة 1837م فرحب به دوست محمد الذي كان يطمع في مساعدة الإنجليز لإستعادة بيشاور (فقد كانت جزءا من أفغانستان)، ولكن بيرنز لم يمنحه تأكيداً بهذا الخصوص، فلكل شيء وقت وله ثمن..! فلما ظهر في كابول مبعوث روسي أسرع الإنجليز بالرحيل إلى الهند، فقد اعتبروا ظهور الروس في كابول دليلاً على إصرارهم لمد نفوذهم إلى أفغانستان .. لذلك أمر لورد أوكلاند الحاكم العام البريطاني للهند بغزو شامل لأفغانستان.
قاوم الأفغان مقاومة عنيدة، وخاض البريطانيون معارك عنيفة تمكنوا بعدها من دخول قندهار وكابول، وكانوا قد جاءوا معهم بعميلهم شاه شوجا فنصّبوه ملكاً على أفغانستان.. وتمكن دوست محمد من الهرب إلى بخارى ثم عاد سنة 1840 في محاولة لدخول كابول فهُزم في معركة باروان ورجع يائساً .
لم تستقر الأمور طويلاً للإنجليز في أفغانستان، فالأفغان- كما سبق أن ذكرت - لا يحتملون احتلالاً أجنبياً ولا ملكاً مفروضاً عليهم حتى لو كان من بنى جلدتهم، ومن ثم نشبت الثورات في أنحاء أفغانستان ضد الإنجليز وضد عميلهم شاه شوجا، وأدرك الإنجليز أن وجودهم في أفغانستان مع شاه شوجا أصبح مستحيلاً فذهبوا يناقشون الأمر مع أكبر خان (ابن محمد دوست) ولكن احتدت المناقشة بين الأفغان وبين المبعوث البريطاني سير "وليام هاي ماكناتن" لتعاليه عليهم فقتلوه، فازدادت الأمور سوءاً ،وأصبح الانسحاب البريطاني من أفغانستان هو خيارهم الوحيد.
 (8)
شاه شوجا كنموذج لعميل:
 قصة شاه شوجا مع الإنجليز نموذج لواقعة تكررت في تاريخ أفغانستان عندما سعت قوى أجنبية لإيجاد قدم لها في أفغانستان من خلال حاكم عميل فانتهت دائماً بكارثة أو بفشل ذريع، ولعل أقرب مثل معاصر لنا هو جيش لبنان الجنوبي وقائده العميل لَـحَدْ الذي زرعته إسرائيل ليضمن بقاءها في جنوب لبنان، وكذلك حكومة كرازاي التي زرعتها الولايات المتحدة في كابول.. وقد عرفنا نهاية جيش لحد بعد تحرير الجنوب اللبناني، وما أظن مصير كرازاي في كابول سيكون بعيداً عن هذا المصير..!
على عكس محمد دوست الذي عُرف ببساطته وتواضعه كان  شاه شوجا منغمسًا فى حياة الترف والزهو وينفق على ملذّاته بسرف كبير، جمع ثروة من المنح البريطانية بلغت مائتي ألف جنيه إسترليني، وكان هذا مبلغا هائلا فى وقته.. ومع ذلك كان دائم الشكوى من الفقر طالباً من أصدقائه الإنجليز أن يمدوه بمزيد من المال.. وصفه المؤرخ البريطاني "إم إي. ياب" في كتابه "إستراتيجيات الهند البريطانية فقال:
"كان شاه شوجا يشعر بأهميته الشخصية شعوراً مبالغاً فيه ؛ حتى إنه كان يصف نفسه عندما يتحدث إلى الآخرين بعبارة يكثر من ترديدها وهي (أنا المبارك) [عجيب أنه لم يكتفِ بوصف نفسه مبارك فقط بل المبارك...!] لم يكن ينقصه الذكاء ولكنه كان سياسياً فاشلاً، وكان هو وحاشيته مصدر احتقار وسخرية من أصدقائه الساسة الإنجليز عندما يجلسون معاً ليتحدثوا عنه"... وهل يتوقع أحد باع وطنه للأجنبي معاملة أفضل...؟!
تفشت الاضطرابات والثورات في عهده فشملت كل مناطق أفغانستان، كانت تبدأ عادة باضطرابات محلية بين القبائل المتنافسة ولكنها سرعان ما تتبلور وتتجه ضد قبائل السودوزاي الذين ينتمي إليهم شاه شوجا.
وهنا درس أفغاني آخر يتكرر في تاريخ أفغانستان، عندما تستأثر مجموعة عرقية بالسلطة حاجبة عنها باقي الأعراق والقبائل، هذا الانقلاب في التوازن القبلي كان سمة لعهد شاه شوجا، زاده سوءاً تدهور الأوضاع الاقتصادية والفساد السياسي، ووجود القوات الأجنبية الغازية التي تسببت في رفع أسعار المعيشة خمس مرات بينما ظلت رواتب العاملين الوطنيين ثابتة.. أصبحت المقاومة المسلحة والهجوم على القوات الحكومية والأجنبية وإغلاق الطرق وإقامة الحواجز أمراً سائداً في كل مكان، وكلما تصاعدت أعمال التمرد والشغب كلما اشتدت عمليات القمع من جانب السلطة.
وخوفاً من انقلاب زمام الأمور تدخلت القوات البريطانية بشكل سافر ضد المقاومة الشعبية فزاد غضب الناس على شاه شوجا، وارتفعت صيحات علماء الدين تتهمه بأنه المسئول عن وجود قوات الكفرة فى البلاد، وأنه أصبح من الصعب على المسلمين فى هذه الأجواء أن يمارسوا حياتهم بمقتضى شريعتهم الإسلامية.
تيقن البريطانيون أن شاه شوجا لا يمكن أن يستمر في حكمه بدون دعم أكبر من جانبهم، وكان هذا يقتضي تدفق القوات البريطانية والأموال إلى أفغانستان بلا نهاية، بذلك أصبحت أفغانستان عبئاً اقتصادياً وعسكرياً أكبر بكثير مما قدرت الإدارة الإنجليزية في الهند البريطانية... لاحظ نفس الخطأ التاريخي يرتكبه أوباما اليوم، وكان الظن به أنه سيوقف هذا المهزلة ويبدا فى الانسحاب...! 
(9)
نذر الكارثة:
لم يكد عام 1841م يوشك على نهايته حتى كان التدخل البريطاني في الحكومة الأفغانية بغير حدود، فقد أصبح كل شيء في يد الإنجليز.. واقترح خبراؤهم هناك أن الأمر يحتاج إلى تغيير شامل سواء في البناء السياسي أو الاجتماعي والاقتصادي، وهكذا تطورت الأوضاع بحيث أصبحت كل القوى السياسية والإدارية في قبضة "وليام هاي ماكناتن" وانتهت القيادة العسكرية إلى "مونتستيورات إلفنستون" وكان هذا الأخير رجلاً عجوزاً مريضاً لا يعرف شيئاً عن أفغانستان، وكان متعجرفاً معتزاً بنفسه وبرأيه إلى درجة الغرور فلم يستمع لنصيحة أحد من زملائه الإنجليز، فكان هذا سبباً من الأسباب التي جعلت انسحاب القوات البريطانية من الأراضي الأفغانية أسوأ عملية انسحاب في تاريخ الجيش البريطاني.. إذ انتهت بكارثة مروعة.
 (10)
الانسحاب البريطاني:
في أواخر عام 1841م بلغت التعزيزات البريطانية إلى أفغانستان مداها، ومن ثم رفض لورد أوكلاند (الحاكم العام البريطاني في الهند) إرسال أي مزيد من التعزيزات المطلوبة للقوات البريطانية في أفغانستان، فقد كان أوكلاند معارضاً لاستمرار الوجود البريطاني هناك منذ جاءته أنباء الثورة الأفغانية في نوفمبر، وظهور محمد أكبر الذي شرع في حصار القوات البريطانية في كابول، كما أن أوكلاند كان يرى أن إرسال مزيد من القوات خارج الهند يعرض أمن الهند نفسها للخطر.
يقول الكاتب البريطاني جون كاي: " عندما كنت تلميذا تعلمت في المدرسة عن الإمبراطورية البريطانية أن تاريخها كان قصة أعمال جسورة ورجال عظماء .. ولكن مع مرور الزمن، ومع البحث عرفت أيضاً أن مئات من الرجال الأغبياء وغير الأكفاء تسببوا في أزمات للإمبراطورية، وكانت كارثة الجيش البريطاني في أفغانستان دليلاً على وجود هؤلاء القادة الأغبياء من أمثال الجنرال إلفنستون .. فقد خطط ونفّذ أتعس انسحاب في تاريخ الجيش البريطاني.."
كانت الخطة تتضمن الانسحاب أولاً من كابول إلى جلال آباد باعتبار الأخيرة مكانا أكثر أمنًا للقوات، وذلك بضمان محمد أكبر، وكانت قوات إلفنستون تتألف من حوالي سبعة عشر ألف فرد: منهم 700 ضابط بريطاني و3800 جندي هندي وأكثر من 12 ألف من العاملين في خدمة المعسكرات إلى جانب عدد من النساء البريطانيات.
كانت وسائل مواصلاتهم الجمال والخيول والبغال، وكان الانسحاب مقرراً أن يسير عبر ممرات جبلية خطرة زادها خطورة السقوط الكثيف للثلوج.. حيث اضطرت القوات للمبيت على الثلوج فتجمدت أرجل الكثير منهم ، واضطروا إلى التخلّف عن الركب.. ثم بدأت هجمات رجال القبائل الجبلية تتوالى على القوات المنسحبة، وبدأ الضحايا يتساقطون بالعشرات ثم بالمئات.
لم يبق من الاثني عشر ألف عامل في يوم 10 يناير سوى أربعة آلاف فقط، وبقي من الجنود 750 جندياً، واعتذر محمد أكبر الذي كان يسير خلف الحملة لإلفنستون لأنه غير قادر على كبح جماح القبائل، وفي يوم 12 يناير لم يبق مع إلفنستون سوى مائتا جندي وألفان من العاملين في المعسكر لحماية قائدهم.
وفي ضوء القمر من ليلة اليوم نفسه نزل الأفغان عليهم من قمم الجبال بسكاكينهم ، وأجهزوا عليهم فيما عدا قلّة أفلتت من الموت تحت جنح الظلام ، كان أحدهم طبيب القوة العسكرية الدكتور برايدون .. وعاد محمد أكبر إلى كابول ومعه قائد القوات الجنرال إلفنستون وبعض حاشيته.
 ومع التطورالسريع للأحداث لم يبق من القِلّة التى أفلتت من الموت فى أول الأمر سوى رجل واحد هو الدكتور برايدون ، تركه الأفغان حيا ليحكى قصته المأساوية، ويضع لمساته الدرامية على مصير الغزوة البريطانية الفاشلة فى أفغانستان.. وكيف تمكن الأفغان من تدميرها والقضاء على كل أفرادها ...
 (11)
 فلنستمع إلى تفاصيل قصة الدكتور برايدون وهو يقول: "وجدت نفسي أسير وحدي نحو المجهول وقد فقدت ركوبتي، لكني عثرت في الطريق على جندي من الهنود وقد سقط جريحاً فمنحني بغلته ،وتمنى لي النجاة إلى جلال آباد... كانت حصيلة من نجا في آخر يوم مجموعتين صغيرتين يتألفان من 14 راكباً و45 من جنود المشاة وعشرين ضابطاً .. استطاع المشاة الوصول إلى قرية جانداماك على بعد ثلاثين ميلاً من جلال آباد (أي مسيرة يوم واحد تقريباً) أما المجموعة الأخرى التي صحبتها فكانت راكبة استطاعت أن تصل إلى "فوت آباد ، على بعد خمسة عشر ميلاً فقط من جلال آباد .. وهناك قدم لنا الأهالي الطعام والشراب ،وبدوا متعاطفين مع حالتنا البائسة، ولكن ما لبثنا أن فوجئنا بفرسان الجبل يحطون على القرية ،حيث قضوا على الجميع ،فيما عدا خمسة فقط كنت أحدهم، طارَدَنَا الفرسان حتى تمكنوا من اللحاق بأربعة منا فأجهزوا عليهم، وأفلتُّ منهم بأعجوبة يعلم الله كيف حدث هذا..! [ الحقيقة كما تبين فيما بعد أن الأفغان تركوه عمدا ليكون الشاهد الوحيد عند قادته على الهزيمة البريطانية المنكرة].
يتابع الدكتور برايدون قصته فيقول: " كنت وبغلتي مثخنين بالجراح ، ولكننا وصلنا إلى جلال آباد ، ونظرت خلفي فإذا بالمطاردين يختفون خلف الشعاب الجبلية".
لم ينج إذن من القوات المنسحبة سوى الطبيب برادون ليروي إلى العالم قصة الانسحاب التعيس، وبقي الجنرال إلفنستون وحاشيته رهينة عند محمد أكبر في كابول.
 (12)
الانتقام للشرف الإمبراطوري:
عندما وصلت أنباء الهزيمة المروعة إلى لندن رأى الإنجليز أنه لابد من تغطية هذه الهزيمة العسكرية بعملية تعيد لهم شيئاً من الكرامة المفقودة، ومن ثم عادت القوات البريطانية إلى كابول في حملة انتقام خلال شهور الصيف.
كان دوق ولِنْجتون بصفة خاصة أحرص الجميع على استعادة هيبة الإمبراطورية بحملة بربرية مشهودة على أفغانستان، جهزها واختار لها ضابطاً من أشرس عناصر القوات البريطانية.. وقد سلكت الحملة نفس الطريق عبر الممرات التي سار فيها البريطانيون المنسحبون من كابول، فرأوا جماجم زملائهم بالمئات ملقاة على جانبي الطريق ؛ مما زاد من حدة غضبهم وتصميمهم على الانتقام ، ثم تتوالى الأحداث:
اقتحمت الحملة قندهار وجلال آباد وغزنة وقاموا بتدميرها ، وأعملوا في سكانها القتل والتنكيل[لاحظ أن قتل المدنيين عادة إمبراطورية قديمة لا تزال أمريكا وحلفاؤها يمارسونها كل يوم فى الحرب الأفغانية والعراقية .. وتنتحل لها أوهى المعاذير]..
وكانت الحملة الانتقامية تتألف من جيشين أحدهما بقيادة الجنرال بولوك ، والثاني بقيادة الجنرال نوت.. حيث دخل بولوك كابول في 15 سبتمبر فهرب محمد أكبر ، وسقطت المدينة بدون مقاومة، ووضع بولوك على العرش ابن صديقهم شاه شوجا ، ثم تحول يبحث عن الأسرى البريطانيين من قادة الحملة السابقة، وكان محمد أكبر قد أرسلهم إلى قلعة خارج كابول.
كلف سير ريتشارد شيكسبير مع قوة من الفرسان مؤلفة من ستمائة فرد لإنقاذ الأسرى من سجنهم في الشمال، وعندما وصلت قوة الإنقاذ وجدوا الأسرى وقد اختلطت في عيونهم دموع الفرح بدموع الحزن: الفرح لنجاتهم من الأسر، والحزن على ما آل إليه   مصير زملائهم.
لحسن حظ الجنرال إلفنستون أنه مات في أسره قبل وصول حملة الإنقاذ ، وبهذا نجا من المهانة ، وربما من المحاكمة العسكرية على مسئوليته عن الكارثة التي لحقت بالجيش البريطاني.
(13)
تحاور البريطانيون في كيفية الانتقام من كابول، فاقترح بعضهم إحراق المدينة بأسرها، ولكن اقترح آخرون الاكتفاء بتدمير البازار (السوق) الكبير المسقوف، واستقر رأي بولوك على نسف البازار وتسويته بالأرض..كان البازار الكبير تحفة معمارية أثرية بناها ملوك أفغانستان في عصور العز والازدهار...
ولأن مباني البازار كانت متينة احتاج من المهندسين يومين لانجاز خطتهم التي تكللت بالنجاح، وهكذا اختفى الأثر المعماري التاريخي البديع، [كما اختفى تمثال بوذا في لحظات بديناميت طالبان..] قامت الدنيا ولم تقعد فى ثورة على طالبان المتخلفين الذين يدمرون آثار الحضارة .. أما بريطانيا المتحضرة فقد دمرت واحداً من أبرز معالم الحضارة الأفغانية دون أن يرفع أحد – في ذلك الوقت – صوته بالاستنكار!..، ولا شجب أحد أعمال السلب والنهب والقتل والاغتصاب التي قام بها الجنود البريطانيون في مدينة كابول قبل أن يعودوا إلى الهند في 11 أكتوبر.. ولا يزالون اليوم يفعلون...! إنها جرائم حرب لا تحدث عن طريق الخطأ كما يزعمون إنما يدبرون لها ويناقشونها على أعلى المستويات فى القيادات العسكرية [ ندمر كابول أم نكتفى بتدمير البازار...!!]
(14)
لم تعد أفغانستان تمثل عند البريطانيين تلك الأهمية الإستراتيجية السابقة باعتبارها منطقة عازلة بين القوتين الإمبراطوريتين البريطانية والروسية، فقد مدّ البريطانيون حدود الهند البريطانية شمالاً وغرباً عبر الإندوس وعلى الجبال حتى مداخل ممر خيبر، وهي مواقع حصينة ضد أي غزو من الشمال.
ولكن ظلت القبائل الأفغانية على عهدها من قوة البأس والعنف لا تمل من شن غاراتها على الحدود، وهو الأمر الذي شكل العلاقات الأنجلو - أفغانية حتى يوم خروج بريطانيا من الهند وإنهاء احتلالها سنة 1946م.
تخلت بريطانيا عن فكرة احتلال أفغانستان ، ولكنها لم تفقد اهتمامها ولا توقفت عن محاولات السيطرة على الحكم في أفغانستان: إما بإقامة حكومة عميلة تنفذ أوامرها فيما يتعلق بالسياسة الخارجية وعلاقة أفغانستان بالدول الأخرى خاصة روسيا، أو إجبار الحكومات الأفغانية المتمردة على الدخول في اتفاقات تلتزم فيها بالانصياع لتوجّهات السياسة البريطانية في المنطقة.
هذه المحاولات كلها بدون استثناء باءت بالفشل وانتهت إلى نتائج مأساوية، فكان الأفغان يقتلون الحاكم العميل أو يقتلون البعثة البريطانية التي تنصحه وتسانده، أو ينشب صراع مسلح بين الحاكم المتمرد والقوات البريطانية كما حدث في عهد شير علي خان (1878م)، وفي عهد أمان الله خان (1919م).
والمتتبع للتاريخ السياسي لأفغانستان خلال الفترة من سنة 1878 حتى سنة 1933، وهي فترة تبلغ خمسة وخمسين عاماً يجد مصداقاً لذلك، فقد انتهت حياة خمسة من الملوك الأفغان بطريقة مأساوية، إما بالقتل على يد الشعب الأفغاني، أو بالنفي والتشريد على يد القوات البريطانية .. في هذه الفترة أيضاً نشبت حرب أنجلوأفغانية مرتين، واندلعت ثورات داخلية ومقاومات مسلحة ، وأبيدت بعثة بريطانية بأكملها .. كل ذلك بسبب الكراهية المطلقة لأي تدخل أجنبي، أو حاكم مفروض على الشعب بقوة أجنبية، أو أي محاولة لإصلاح اجتماعي ثقافي يُشتم منه رائحة أجنبية أو جنوح عن الشريعة الإسلامية كما فهمها الأفغان ومارسوها على مر العصور...
 (15)
 الغزو الإمبريالي الجديد وأهدافه البعيدة:
انتهت صفحة الإمبريالية البريطانية ولكن بقيت أفغانستان بتضاريسها وموقعها الجغرافي والثروات الخفية التي ترقد تحت ترابها هدفاً إستراتيجياً لتحقيق الأطماع الإمبريالية ، نظر إليها السوفييت، وينظر إليها الروس الآن باعتبارها حاجزاً أمنياً هاماً، بالسيطرة عليه يمكن حماية جمهوريات آسيا الوسطى من العودة إلى الإسلام، أو التحالف مع دول إسلامية أخرى مثل إيران وباكستان والعراق للإفلات من قبضة الهيمنة الروسية المستغلة .. وتنظر إليها الإمبريالية الأمريكية الجديدة باعتبارها مفتاح آسيا الوسطى بنفطها وغازها وثرواتها الهائلة، ناهيك عن ثروات أفغانستان المخفية، ولا أستثنى منها زراعة المخدرات (التى كانت طالبان قد تمكنت من تقليصها وأوشكت على القضاء عليها)، فلما جاء الأمريكيون ازدهرت مرة أخرى وأصبحت المخابرات الأمريكية أكبر مروّج لها فى العالم .. لأنها تدرّ أموالا طائلة ينفقون منها على عملياتهم القذرة دون حسيب أو رقيب من أجهزة الرقابة الرسمية...!
إن أفغانستان علاوة على كل هذا بالنسبة لأمريكا هى نقطة انطلاق ومراقبة على الصين وباكستان والهند، ومع الوجود العسكري الأمريكي المكثف في الخليج تُحكم "الكماشة" الأمريكية قبضتها القوية على بترول إيران والعراق.
 (16)
ولكن يبدو أن أحداً لا يستفيد من دروس التاريخ الأفغاني، فقد عادت بريطانيا بعد هزيمتها التاريخية بمائة وستين عاماً لتغزو أفغانستان، لا كقوة إمبراطورية عظمى، ولكن مجرد ذيل ملحق للقوات الأمريكية، جاءا معاً بأحدث ما في ترسانتهما العسكرية من تكنولوجيا، تحت مظلة حرب الإرهاب، وما أبعد الأهداف الحقيقية للإستراتيجية الأمريكية من هذا الهدف المعلن الذي تحاول أمريكا الترويج له فى العالم دون جدوى...!
عادت بريطانيا في ركب الولايات المتحدة تكرران معا نفس الأخطاء التاريخية القاتلة:
* إقامة حكومة عميلة لا تمثل إلا أقلية سكانية، مستبعدة البشتون الذين يمثلون 60% من سكان أفغانستان.
* بناء جيش عميل من الأقلية الحاكمة لمساندة العمليات العسكرية الأمريكية بهدف القضاء على المقاومة الأفغانية، واستئصال نزعة الجهاد عند البشتون، ولسوف تثبت الأيام أن هذا الجيش الأفغاني العميل لم يكن أكثر من جيش لَحَـدْ في الجنوب اللبناني ، ولن يكون مصيره بأفضل من مصيره..!.
* محاولة فرض أسلوب الحياة الغربية على الشعب الأفغاني، وقد يجد الغزاة أقلية مستفيدة ومستجيبة، ولكن الأغلبية الساحقة ترفض هذا المسخ لصورتها وهويّتها.. لقد انطلق من بين هذه الأغلبية الرافضة مرة أخرى الحصان الأفغاني الأبي الذي سيشبع الغزاة ركلاً حتى الموت..
وتدرك أمريكا أنه لا مسقبل لها فى أفغانستان، ولكنها لا تسارع فى الانسحاب وإنما تحاول أن تمد فى أمد احتلالها، وهى إذ تفعل ذلك سوف تدفع ثمنا باهظا أكثر عندما تضطر راغمة إلى الانسحاب، كما حدث لشقيقتها بريطانيا من قبل...!
 (17)
الأزمات السياسية تأخذ بخناق أمريكا وبريطانيا.. والأزمة الاقتصادية تشمل الجميع .. ولا يوجد لها حل حتى هذه اللحظة.. ولا أعتقد أن يجدوا لها حلاّ فى المدى القريب .. وكانت الدول الاستعمارية تعالج مثل هذه الأزمات الاقتصادية الخانقة بإشعال حروب عالمية، واحتلال بلاد جديدة لنهب ثرواتها.. ولكن اختلفت ظروف العالم اختلافا جوهريا؛ فقد نشأت الأزمة الاقتصادية وأمريكا متورطة فى حربين بالعراق وأفغانستان، وحرب ثالثة تشنها إسرائيل بالوكالة فى فلسطين وجنوب لبنان.. وتجد أمريكا نفسها عاجزة عن مواجهة هذه الحروب وآثارها المدمرة على الاقتصاد الأمريكي والمجتمع الأمريكى ..
 ويجب ألا ننسى أن أمريكا الآن هى أكبر دولة مدينة فى العالم.. ولا تستطيع اليوم ولا خلال مائة عام أن تسدد هذه الديون .. لقد كتبت عن ديون أمريكا فى بداية عهد بوش الأصغر وكانت تبلغ فى ذلك الوقت خمسة ونصف تريليون دولار، وقلت : إن أمريكا لو أرادت أن تسدد هذا الدين فلن تجد فى حوزتها ولا فى مجموع البنوك الأمريكية كلها مثل هذا المبلغ، فكل ما كان متداولا من الدولارات فى العالم حينذاك لم يزد عن خمسة تريليونات فقط .. أما الآن وبعد فشل مشروع القرن الأمريكى لتركيع العالم والسيطرة على موارد الطاقة فيه.. وفشل مشروع الشرق الأوسط الكبير، فإن أمريكا تجد نفسها مدينة بأكثر من ضعف مديونيتها المذكورة.. واقرأ فى هذا تقرير وزارة الخزانة الأمريكية الذى تعترف فيه صراحة بأن الدين العام للولايات المتحدة  قد تجاوز 13تريليون دولار لأول مرة، فقد أظهرتأرقام الوزارة (فى يونية 2010) أنه مع زيادة الإنفاق لحفز الاقتصاد، وصل الدين الحكومي إلىأكثر من 13 تريليونا و50 مليار دولار، حيث زادت مديونيةالحكومة الأميركية بأكثر من الضعف في العشر سنوات الماضية..
وكل ما تستطيعه أمريكا هو أنها تطبع دولارات ورقية لا قيمة حقيقية لها، ولكنها بحكم سطوتها العالمية تستطيع أن تشترى بها سلع وخدمات وموارد طبيعية من بلاد الحمير التى تدور فى فلكها كما تدور بقرة معصوبة العينين حول الساقية.. غير أن كل هذه المعالجات سطحية، ليست أكثر من عمليات ترقيع غبية، فإن الثوب نفسه قد أصبح باليا مهلهلا، ينتظر مصيره الحتميّ فى صندوق القمامة.. وعندئذ ستحل الكارثة لا محالة...
Myades34@gmail.com

التعليقات مغلقة على هذه المقالة
جديد المقالات المزيد
صفحة من تاريخ العلوم: أول كتاب في المدفعية

صفحة من تاريخ العلوم: أول كتاب في المدفعية

إن ظهور سلاح المدفعية واستخدامات البارود قد ترافق في أوروبا مع بداية...

حركة الشيخ رابح بن فضل الله ضد الاستعمار الفرنسي في تشاد

حركة الشيخ رابح بن فضل الله ضد الاستعمار الفرنسي في تشاد

  فرج كُندي مقدمة  تعتبر حركة المجاهد الكبير رابح من فضل...

لنتذكّر في ذكرى الهجرة

لنتذكّر في ذكرى الهجرة

لقد كان نجاح الإسلام في تأسيس وطن له وسط صحراء تموج بالكفر، أعظم كسْب...

جديد الأخبار المزيد
مجلس الأمن يعقد أول جلسة علنية حول ميانمار الخميس

مجلس الأمن يعقد أول جلسة علنية حول ميانمار الخميس

يعقد مجلس الأمن الدولي بعد غد الخميس، أول جلسة مفتوحة حول الانتهاكات...

مقتل ثلاثة جنود إسرائيليين إثر عملية إطلاق نار شمال القدس

مقتل ثلاثة جنود إسرائيليين إثر عملية إطلاق نار شمال القدس

أعلنت شرطة الاحتلال الإسرائيلي عن مقتل ثلاثة جنود وإصابة رابع إثر...

مناورات عسكرية مشتركة بين تركيا والعراق عقب استفتاء كردستان

مناورات عسكرية مشتركة بين تركيا والعراق عقب استفتاء كردستان

قالت رئاسة الأركان العامة التركية إن المرحلة الثالثة من المناورات...

  • أيام في سيلان والمالديف