• الصليب وحكاياته

عن أي انقسام في سورية يتحدث أردوغان؟!

May 26 2011 10:41:13

الكاتب : نوال السباعي

تمضي ثورة الجماهير في المنطقة العربية لاسترداد كرامتها وحريتها من أيدي عصابات القتلة والسرّاق الذين اختطفوا حياة الناس فحرموهم حقوق المواطنة ، وسلخوا منهم الشعور بإنسانيتهم ، عصابات أسرية نشأت بمساعدة ودعم الغرب ، الذي تواطأ معها ، ورفدها بدعمه وصمته عنها ، وجاء اليوم يريد القفز إلى قطار الثورة الذي سيغير في المنطقة الكثير من الأشياء ، ولأول مرة ، دون إذن من هذا الغرب!.
ثلاثة مكتسبات مصيرية حققها الغرب من خلال هذه الأنظمة ، أولها الاستئثار بالمليارات المنهوبة ، كُدِست في مصارفه يستثمرها كيفما شاء ، بينما تركت الشعوب جائعة إلى أبسط احتياجاتها الإنسانية ، تتسول المنح والعطايا بشروط تقصم ظهور الأمم!، وثانيها ضمان تركيع هذه الشعوب وإخراجها من ساحات الفعل العالمية ، بإلغاء إرادتها وصوتها ، واعتبارها قطعانا من العبيد ، على مثال مقاطعات أوربة المتوحشة  في القرون الوسطى! ، وثالثها استثمار صيغة التقسيم السايكس بيكوتية ، التي ضمنت بوجود هذه الأنظمة ، استمرار "إسرائيل" حائط الصدّ الغربي الرئيسي لانتفاض المارد الإنساني في هذه المنطقة الحيوية.
حديث أردوغان عن سورية ، وعن أن بلاده لن تقبل بتقسيم سورية ، قد يبدو في غير محله ، لولا أن القضية على درجة من الخطورة التي يجب أن تؤخذ على محمل الجدّ القاطع ، لكن أردوغان لا يتحدث عن تقسيم سورية  بين طوائف ، إحداها تشكل 85% من التركيبة السكانية المعقدة لجغرافية سورية الإنسانية ، ولكن الحديث يشمل تركيا نفسها ، التي يشكل فيها الأكراد ما يقارب ال33% ، والعلويون 10% ، من سكانها الذين يفوق تعدادهم ال80 مليون نسمة! .
تحذير أردوغان للحكومة السورية، يعني به التحذير من مغبة دفع الحكومة السورية باتجاه الفتن ، والتنبيه إلى مخاطر إعادة تقسيم المنطقة كلها على أسس الانتماءات الدينية والعرقية ، وهو قضية مصيرية لا تحدث إلا بعد حروب عالمية مزلزلة! ، الأمر الذي أخذه الشعب السوري مأخذ الجدّ منذ البداية ، وهو يقوم بانتفاضته هذه في وجه القمع الوحشي الذي مافتيء يعانيه السوريون منذ أربعين عاما.
شعارات الثورة -وقد وصلت سورية -، ركزت على أن الشعب السوري واحد، بما في ذلك أبناء القومية الكردية ، الذين كان لهم موقف تاريخي مشرف من هذه الانتفاضة ، لا طائفية ، ولا قومية ، شعارات تُنْبئ بحسٍ وطنيٍ متقدم جداً ، ووعي دقيق بملابسات الوضع السوري بخصوصيته الجغرافية ، وليس الطائفية.
 لم يعرف التاريخ ولا السياسة اعتباراً للأغلبية الساحقة على أنها طائفة !!، وليس من المنطق أن تطالب الأقليات بالسيطرة الكاملة على البلاد أو  بالانفصال ، وإلا لوجد العالم نفسه أمام سلسلة من الانشطارات الفسيفسائية التي تعود بالعالم الحديث إلى العصر القبلي! .
كتب الشاعر السوري "أدونيس" يقول : الخلاص في سورية يكون بإنهاء سلطة الحزب الواحد! ، لعل أدونيس "المطلع" ، يعرف قطعاً أن "حزب البعث" لم يكن إلا مطية في كل من العراق وسورية لفرض النظرات القومية والطائفية بقوة البطش، على كلا الشعبين العراقي والسوري ، في العراق مُزِقَ الشيعة والأكراد ، وسُحلوا وتمت معالجتهم بالمواد الكيميائية المحرمة باسم القومية العربية والأكثرية السنية ، وقد اختَطف باسمهما مجرمٌ وعائلته العراق وشعبه لمصالحهم الشخصية ، وانتهوا في سلة قمامة التاريخ ، وفي سورية تمت واحدة من أكبر عمليات تغييب الشعوب التي شهدها العالم ، باسم الاشتراكية والقومية العربية والقضية الفلسطينية ، والتي باسمها ارتُكبت الفظائع في سورية..ومازالت .. ولم يتعلم "شبيحة" سورية كل الدروس التي تلقنها الشعوب في الجوار لشبيحتها!.
تركيا تفهم تماما أبعاد السلوك الهمجي لقوى الأمن السورية ، الرامية لإثارة الفتن الطائفية والقومية ، التي تتهدد التركيبة الجغرافية- السياسية لمنطقة الشرق الأوسط ، وقد خرج أحد أبواق النظام يهدد في الفضائيات بإشعال المنطقة من الجولان إلى البحرين!! ، لكن الشعب السوري بكل انتماءاته ، وبإصراره على السلوك السلمي الحضاري الاستثنائي ، أسقط بيد جلاديه ، فافتُضِحوا أمام الرأي العام العربي والعالمي، وبيَدِ الشعب السوري اليوم ، تقرير مصير ما يسمى منطقة الشرق الأوسط  ، سياسيا وإنسانيا وجغرافيا . 
 بين عموم مطالب الثورة الإنسانية في المنطقة ، وخصوصية الحالة السورية في فسيفسائها العرقية والدينية، يبقى القرار بيد الشعب ، حيث ما كان لهذا القرار أن يخرج من يده أبدا.

التعليقات مغلقة على هذه المقالة
جديد المقالات المزيد
حركة الشيخ رابح بن فضل الله ضد الاستعمار الفرنسي في تشاد

حركة الشيخ رابح بن فضل الله ضد الاستعمار الفرنسي في تشاد

  فرج كُندي مقدمة  تعتبر حركة المجاهد الكبير رابح من فضل...

لنتذكّر في ذكرى الهجرة

لنتذكّر في ذكرى الهجرة

لقد كان نجاح الإسلام في تأسيس وطن له وسط صحراء تموج بالكفر، أعظم كسْب...

غزة أمام امتحان جديد

غزة أمام امتحان جديد

محمد كريشان حيت حركة «حماس» السلطة الفلسطينية فردت عليها التحية...

جديد الأخبار المزيد
عكرمة صبري يحذر من مطامع الاحتلال في السيطرة على الأقصى

عكرمة صبري يحذر من مطامع الاحتلال في السيطرة على "الأقصى"

حذر الشيخ عكرمة صبري، إمام وخطيب المسجد الأقصى المبارك، من المطامع...

وسط رفض دولي وتلويح عسكري بدء استفتاء انفصال كردستان العراق

وسط رفض دولي وتلويح عسكري.. بدء استفتاء انفصال كردستان العراق

فتحت مراكز الاقتراع الخاصة بالاستفتاء على انفصال كردستان العراق...

الرئيس هادي يفجر مفاجأة  لهذه الأسباب سهلت الإدارة الأمريكية السابقة توسع الحوثيين

الرئيس هادي يفجر مفاجأة .. لهذه الأسباب سهلت الإدارة الأمريكية السابقة توسع الحوثيين

  كشف رئيس الجمهورية عبدربه منصور هادي، ان الادارة الامريكية السابقة،...

  • أيام في سيلان والمالديف