• الصليب وحكاياته

الحكاية وأصلها

May 26 2011 10:40:48

الكاتب : نوال السباعي

مع إصرار النظام السوري على استعمال العسكر وبطشهم ، والإعلام الكاذب المضلل لتغطية أساليبه الوحشية المغرقة في التخلف ، في مواجهة انتفاضة سلمية حضارية إنسانية ضد الظلم والطغيان ، في محاولة مستميتة منه لجر البلد إلى فتنة طائفية مسلحة يبرر من خلالها قمعه غير الإنساني للشعب، نجد أنفسنا مضطرين لإعادة الحكاية إلى أصلها ، حيث لم يكن أحد ينتظر حدوث أية حركة احتجاجية في سورية بالذات ، لأنها بلد "الممانعة" ، وهذا حق طالما أريد به الباطل ، ولأن فئة من السوريين كانوا يحبون رئيسهم ، وهذه حقيقة لا ينكرها إلا من لا يعرف كرم الشعب السوري وسعة صدره ،لكنها ساعات العسرة والانتفاضة والثورة ، التي فضحت "بشار" – كما يناديه شعبه- ، باعتباره وجه السلطة ، والممثل الوحيد لها ، شاء أم أبى ، فهو إما مسؤول مباشر أو متواطئ راض بما يحدث في بلده .
 وما يحدث في سورية أكبر مما يمكن تصوره في بلد مثل سورية بموقعها الجغرافي ، ومكانتها في قلوب سكان المنطقة العربية ، وفي بداية قرن الاتصالات والعولمة ، حيث سقطت كل أوراق التوت التي كان حكامنا يدارون بها عوراتهم ، عقوبات جماعية على الطريقة الإسرائيلية الصربية القذافية – والتي يحاول علي عبد الله صالح محاكاتها في أيامه الاخيرة- ، لشعب أراد الحرية وانتفض على القهر ، وكانت بداية الحكاية من حوران ، لسبب واحد ، هو قيام أجهزة أمن حوران باعتقال أطفال قُصَّر، وتعذيبهم وقلع أظافرهم ، واغتصابهم وتشويههم ، ذلك أنهم حاولوا تقليد ما يقوله ويفكر به الكبار من المحيط إلى الخليج : الشعب يريد إسقاط النظام"!! .. كان الجواب على ثورة حوران من أجل أطفالها الأبرياء ،القمع والبطش ، فترددت أصداء النصرة من دوما إلى القامشلي مرورا بحمص وبانياس واللاذقية، حيث يعرف الجميع هذا النظام حق المعرفة.
هذا هو أصل الحكاية ، لا مؤامرات ، ولا أيد أجنبية ، ولا إخوان ولا سلفية ، على الرغم من أن البعض حاول ويحاول القفز إلى عربة الثورة واستغلالها ، كما يحدث في كل الثورات .
صحيح أن النظام السوري حاول القيام متأخرا جدا ببعض الإصلاحات وعمليات التجميل ، ولكنه كغيره من الأنظمة التي سقطت أو توشك ، لا يمكنه تنفيذ هذه الإصلاحات ، لأن التزامه بالقدر الأدنى منها يعني النهاية المحتومة لحكم الأقلية وعصابة السراق!، وبالضبط كما تَوَزَعَ نفس النظام الأدوار قبل ثلاثين عاما ، ما بين "حافظ الطيب" ، وأخيه "رفعت الشرير" ، فإن أجنحة النظام الخفية المعلنة ، وبالموازاة مع إصلاحات "بشار المحبوب" كانت تقوم بعمليات إجرامية ، من قمع وقهر وقتل و"عفس" للمواطنين ، وهذه الأخيرة مفردةٌ أضافتها الحالة السورية إلى قاموس الثورة الإنسانية التي تشهدها المنطقة ، كما أضاف الدمشقيون من قبل شعارهم الخاص "الشعب السوري ما بينذل" !  الشعار الذي أوجع هذا النظام المتغول ، فأطلق "شبّيحته" من عقالهم ، يذبحون ويجهزون على الجرحى ويوسعون الأحرار ضربا ورفسا وإهانة!.
ليس صحيحا على الإطلاق أن الشعب لم يرض بالإصلاحات ، ولم يمنح النظام فرصة للمضي فيها ، لكن النظام هو الذي لم يمنح الشعب أية فرصة ولو هامشية للشعور بكرامته .
أصل الحكاية هي أن الشعب السوري – بل والجيل الجديد الذي ولد في ظل هذا النظام - شبع ذلاً، وأنه وصل مرحلة اللاعودة ، وكما يقول السوريون "بايعيينها..بايعيينها" ، و"عليَّ وعلى أعدائي" !، لقد ذاقت سورية ويلات هذا النظام ، وخبرت قدرته على فبركة الأباطيل الغبية، من أجل هذا لا يمكنك أن تجد من يصدق شيئا مما يبثه الإعلام السوري ، كما لا يمكن لأحد أن يقبل جعجعات أبواقه الذين أرسلهم على الفضائيات يوسعون رجالها ونساءها إهانة وشتما وتهجما ، حالة معروفة لكل سوري ، حتى أولئك الذين مازالوا مكابرين يدّعون أنهم يدعمون النظام ويساندونه ، من الذين استساغوا العيش في ظل العبودية المطلقة ، التي وصلت حدا لا يعترف فيه العبيد بعبوديتهم ،لأنهم لم يذوقوا قط طعم الحرية والكرامة ، وكما حصل في تونس ومصر وليبيا واليمن والبحرين والمغرب والأردن ، فإن الأحرار وفي معركتهم الفاصلة مع الطغيان سيصطدمون بمعركة هامشية مع العبيد الذين لا يريدون التحرر ، لقد استساغوا القيود البراقة في أعناقهم ، قلادات من مسد !!، ألا في الفتنة سقطوا ، وأي فتنة أشد من فتنة الذل ؟!، ألا فليعلم القاصي والداني أن الشعب السوري كسّر قيوده ، وأعلنها للعالم ، ومهما كان الثمن ، دماء وشهداء ومعاناة وزلزلة :الشعب السوري ما بينذل ، الشعب السوري يريد الحياة ..ولابد أن يستجيب القدر.

التعليقات مغلقة على هذه المقالة
جديد المقالات المزيد
صفحة من تاريخ العلوم: أول كتاب في المدفعية

صفحة من تاريخ العلوم: أول كتاب في المدفعية

إن ظهور سلاح المدفعية واستخدامات البارود قد ترافق في أوروبا مع بداية...

حركة الشيخ رابح بن فضل الله ضد الاستعمار الفرنسي في تشاد

حركة الشيخ رابح بن فضل الله ضد الاستعمار الفرنسي في تشاد

  فرج كُندي مقدمة  تعتبر حركة المجاهد الكبير رابح من فضل...

لنتذكّر في ذكرى الهجرة

لنتذكّر في ذكرى الهجرة

لقد كان نجاح الإسلام في تأسيس وطن له وسط صحراء تموج بالكفر، أعظم كسْب...

جديد الأخبار المزيد
مجلس الأمن يعقد أول جلسة علنية حول ميانمار الخميس

مجلس الأمن يعقد أول جلسة علنية حول ميانمار الخميس

يعقد مجلس الأمن الدولي بعد غد الخميس، أول جلسة مفتوحة حول الانتهاكات...

مقتل ثلاثة جنود إسرائيليين إثر عملية إطلاق نار شمال القدس

مقتل ثلاثة جنود إسرائيليين إثر عملية إطلاق نار شمال القدس

أعلنت شرطة الاحتلال الإسرائيلي عن مقتل ثلاثة جنود وإصابة رابع إثر...

مناورات عسكرية مشتركة بين تركيا والعراق عقب استفتاء كردستان

مناورات عسكرية مشتركة بين تركيا والعراق عقب استفتاء كردستان

قالت رئاسة الأركان العامة التركية إن المرحلة الثالثة من المناورات...

  • أيام في سيلان والمالديف