• الصليب وحكاياته

الثورة وقد وصلت إلى سورية

May 26 2011 10:39:38

الكاتب : نوال السباعي

تتصل الذاكرة بالواقع لتشكيل الأبعاد الحقيقية لمشهد الثورة وقد وصلت سورية ، من جديد ..نعود لنعيش تلك الساعات الرهيبة التي عشناها في دمشق قبل ثلاثين عاما ، القتل ، والسحل ، والاعتقالات العشوائية ، أصوات الرصاص والتفجير والدبابات ، دهم وتفتيش للمنازل ، تبادل لإطلاق النار في الحرم الجامعي ، انتشار عناصر "الأمن" على أسطح المنازل ، محاصرة الأحياء وترويع ساكنيها ، انتهاك حرمة المساجد ، وتحويلها إلى مصائد مغلقة على المحتجين ، يُقَتلون ويُذَبحون فيها ، اختفاء الناس ، ما بين هارب ومعتقل ومطلوب لاستجواب خمسة دقائق ، امتدت في حياته وحياة أهله إلى أزمان سحيقة من الألم والعذابات التي لا نهاية لها .
جيل كامل من المفكرين والكتاب والأدباء وأساتذة الجامعات ونخبة النخبة ، ومن كل الاتجاهات السياسية والانتماءات الدينية والعرقية ، تُخُطِفَ واختفى ، ونشأت من بعده أجيال لا تعرف إلا هذا النظام وآلته الإعلامية وأدواته القمعية ، والقلة القليلة من رجالات سورية ممن لم يبارح ولم يغادر مصابرة ورباطاً، وقرر البقاء هناك على الرغم من الاعتقال والتضييق والتعذيب وشظف العيش، وعلى الرغم من الفتنة التي أصابت البعض .
في الخارج .. كانت المراجعات الكبيرة والعميقة ، ومواجهة النفس بالأخطاء الجسيمة التي ارتكبها الثوار في هاتيك الأيام العصيبة ،حيث قاموا بثورتهم بعد نجاح الثورة الإيرانية ، استلهموا منها نسائم الحرية ، وظنوا فيها أنها ناصرتهم!.
واجه النظام تلك الثورة المسلحة ، بالسلاح ، وببطش وحشي استرخص الدماء والأعراض والحرمات ، واستباح كل شيء ، واستطاع أن يلجم الثورة ويسحق الشعب سحقا ، ويرغمه على الاستكانة والصمت ثلاثين عاما ، الخوف كان سيد الموقف الذي حكم حياتنا وحركاتنا وسكناتنا ، الخوف الطاغي الذي يختصر إنسانية الإنسان ،السوريون يخافون النظام ، والمخابرات ، ويخافون بعضهم البعض .
ثلاثون عاما من الغربة والنأي ، التي عشنا فيها أنواعا أخرى من القهر والذل والعذاب ، وكما قال أحد شباب ليبيا المولودين في بريطانيا ، لأولئك الذين يتهمون المغتربين بالعمالة والتمتع بالعيش الرغيد بعيدا عن آلام بلادهم : " لقد كانت كل ساعة في غربتنا تعدل ثلاثة أعوام من معاناتكم تحت سلطة هذه الانظمة المجرمة .
مضينا نحو أقدارنا ، البعض أُخرج رغماً ،وآخرون اختياراً ، ثم مُنع الجميع من العودة ، إما بقانون الطوارئ أو بإجراءات تعسفية يتناقلها الركبان عن الإهانات والقذارات والتهديدات التي يلقاها الناس في السفارات والمطارات ونقاط التفتيش كلما زاروا سورية ، تركنا الآلاف من خيرة شباب وشابات سورية تتعفن أحلامهم وآمالهم وعظامهم وحياتهم في السجون تحت أيدي وحوش لا ترحم ، كانت الثورة يومها "إسلامية" ، و" مسلحة" ، وقام الشعب بكل انتماءاته يرفع الصوت في وجه نظام أخطبوطي طائفي ، لم يتردد في قصف المدن والثوار بالطائرات الحربية ، متسببا وفي يوم واحد في قتل ما لا يقل عن عشرين ألف مواطن في مدينة حماة الشهيدة ، وتشريد أضعاف هذا العدد ، وانسياح السوريين في أرجاء الأرض فرارا من البطش.
ثلاثون عاما ، مضت ، ومازال الحال هو الحال ، لا جديد ، القتل والسلاح والقهر والتعذيب والتشكيك وفبركة الاتهامات ، هي اللغة الوحيدة التي تفهم التعامل بها هذه الأنظمة التي استعبدتنا باسم الأمن والوحدة الوطنية وخدمة القضية.
منح الشعب السوري النظام فرصة ذهبية ، وأقر ّ بتوريث الجمهوريات ، اختراع سوري بامتياز!! ، بل لقد قام السوريون بخطوة هائلة ، عندما منحوا رئيسهم الشاب غير الشرعي مشروعية انطلقت من محبتهم وثقتهم بل وفخرهم به، كان الجميع يريد أن يفتح صفحة جديدة ، كان الجميع مبتهجا بوعود الإصلاحات ، وإلغاء قانون الطوارئ ، وإطلاق سراح المعتقلين ، وفتح أبواب سورية لأبنائها المغتربين دون قيد أو شرط ..
ظننا أن الصبر الطويل قد غير الأوضاع والأفكار ، وأن الجلادين قد ماتوا أو تغيروا أو رحلوا ، ولكن ما نراه اليوم أثبت أنهم لم يموتوا ولم يتغيروا ولم يرحلوا ، ها هم من جديد، أبناؤهم يقتلون أبناءنا ، في ليبيا ومصر وتونس واليمن والخليج والآن في سورية ، جندهم يستأصلون الجيل الجديد الذي يريد أن يحيا ، أغوالهم تعتقل حرائرنا !، سكتنا طويلا ، رجاء أن تتبدل الأحوال ، ويعاد "تدوير" هؤلاء الظلمة ، ليشعروا أنهم جزء من هذا الشعب الذي صبر ثلاثين عاما حقنا للدماء ، لتندمل الجراح ، ولترقأ الدموع ، حفاظا على الوحدة الوطنية ، وفداء للقضية الفلسطينية ، ودعما لجبهة الصمود ، التي نرجو أنها لم تكن واجهة لتدمير صمودنا ووجودنا .
ماذا تغير بعد ثلاثين عاما؟ لا شيء على الاطلاق ، من جهة الأنظمة ، لم يتغير حقدها على شعبها ، ولا كراهيتها له ، لم يتغير احتقارها لمواطنيها واعتبارهم " شرذمة وجرذان" ، لم يتغير اتهامها لهم بالعمالة والاندساس ، "أشياء" أو "حيوانات" – بالمعنى الشعبي للكلمة- ، ستذهب كلمة القذافي مثلا في التاريخ : "من أنتم" ؟!..من أنتم يا أبناء شعبي الصابر المحتسب !؟ من أنتم يا شباب الأمة الذي ملّ رؤية الآباء وقد أرهقهم الذل والقهر والصمت والسكوت ؟!"
أما من جهة الشعوب .. فلقد تغير الكثير الكثير ، فهمت أنها يجب أن تتكلم ، يجب أن تتألم ، يجب أن تقول ما تظنه حقا ، يجب أن تعبر عن رأيها ، مجرد رأيها ، بشكل سلمي ، دون عنف ولا حمل للسلاح ولا شن غارات على أجهزة الدولة ولا اعتداء على الأبرياء، وفهمت أن ثورتها لا يجب أن تكون باسم فئة من الشعب ولو كانت غالبية ، ولكن ينبغي ان تكون باسم الشعب كله ، كل مكوناته العرقية والدينية والسياسية والفكرية والإنسانية .
إنه امتحان عسير ، نجحت فيه تونس ومصر بسبب من وعي الطلائع الشعبية فيهما ، وتماسك البنى الداخلية للمجتمع ومؤسساته ،وتحييد موقف الجيش ، ورسب فيه هؤلاء الذين بقوا في حالة النزع يعانقون أرجل الكراسي ، منبطحين ، يريقون ماء وجوههم ، ودماء العباد ، يدمرون البلاد من أجل أن يبقوا وأسرهم المتسرطنة في مقام "أنا ربكم الأعلى"! ، هل يختلف ما يجري في ليبيا كثيرا عما يجري في دول أخرى في المنطقة ؟!  لعل الفرق الوحيد هو قدرة إعلام البعض على تقديم صورة أنيقة عن مصاصي دمائنا، صورة حراس القضية ، والتلويح بالخصوصية ، وضرورة استمرارها للحفاظ على الوحدة الوطنية ، التي كانت سياسة ثابتة دؤوبة بيد هذه الأنظمة عينها ، التي طالما تحالفت مع الأعداء ولعبت على أوتار القبلية والانتماءات القومية والطائفية والمذهبية والدينية والسياسية ، وكانت ترسخ سياسة التفريق لتسود.
جريمة الصمت والسكوت لا يجب أن تستمر بعد ثلاثين عاما ، أتحدث عن الصمت الجماعي ، لاعن أولئك الذين لم يصمتوا ولم يسكتوا ، حاولنا النهوض بالأمة ، وظننا في مرحلة من المراحل أن الأمة لا تقرأ ، وأن كلماتنا كانت تذهب أدراج الرياح ، فاجأتنا الأمة بأنها كانت حيّة تتنفس ، وأن شبابها نفضوا عن أنفسهم الذل والاستكانة ، وقاموا يطالبون بحقوقهم الإنسانية في الحرية والكرامة والحياة، لا يريدون حكما ولا سلطة ولا مالا ، إنهم يريدون أن يعيشوا في أمن وكرامة ، شرطان أساسيان للحياة الإنسانية ، لكن هذه الأنظمة المتعفنة تأبى أن تنظر إلى الموضوع إلا من زاوية "ما علمت لكم من إله غيري" ، تأبى إلا لغة الدم مع ...مع أطفال ، أطفال رددوا أغنيات الحرية والشروق التي كانوا يسمعونها في وسائل الإعلام ، نفسها ..التي تعامت عما يحدث في سورية، وخذلت السوريين في محنتهم ، أطفال ، كانت جريمة اعتقالهم ، السبب في تفجير هذه الثورة ، جريمة سيسجلها التاريخ للنظام السوري بأحرف من لعنات أزلية لا تزول ولا تغتفر.
لم تكن هذه ثورة مخطط لها ، حتى يفبرك النظام روايته سيئة الإعداد والإخراج !! ويدس نقوده وقنابله في المسجد العمري في درعا ، ليبرر ذبح المصلين المعتصمين فيه ، وليُخرج أبواقه علينا بجعجعاتهم ودندناتهم التي تثير الاشمئزاز ، لقد جاءت انتفاضة درعا ردة فعل عفوية على جُرمٍ لا أجد له وصفاً يليق به في عالم جرائم أنظمتنا ، التي تعامل أطفالنا بمثل المعاملة التي يلقاها أطفال فلسطين على يد العدو الإسرائيلي الحاقد ، فقط.. إسرائيل هي التي تجرأت على ذبح زغاريد الحرية في أفواه أطفال الفلسطينيين ، إن هذه الأنظمة ليست أقل حقدا على المواطن العربي من الصهاينة ، وليست أقل كراهية له منها ، إنها فقط ، تنطق بالعربية ، وقد استحكمت من رقابنا نصف قرن باسم مقارعة العدو الصهيوني .
إنهم لا يريدون للجيل القادم أن يعرف طعم الحرية ، والكرامة ، والحياة ، جريمة أولئك الأطفال أنهم تجرأوا على الحلم ، فمارسوا لعبة الثورات بالطباشير ، وأعلنوا للتاريخ أن الثورة قد وصلت إلى سورية .

التعليقات مغلقة على هذه المقالة
جديد المقالات المزيد
أبو الحسن على الحسنى الندوي

أبو الحسن على الحسنى الندوي

عبد الماجد الغوريّ هو المربّي العظيم ، والداعية الحكيم ، والمفكّر...

القضاء في العالم الإسلامي من الشريعة إلى القانون – الأسباب والممهدات

القضاء في العالم الإسلامي من الشريعة إلى القانون – الأسباب والممهدات

عبد العزيز بن أحمد البداح عنوان الكتاب: القضاء في العالم الإسلامي...

التاريخ وأثره في تربية الأجيال

التاريخ وأثره في تربية الأجيال

د / محمد حاج عيسى الجزائري الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام...

جديد الأخبار المزيد
يلدريم: النظام الرئاسي سيُفعل رسمياً في الاستحقاق الانتخابي 2019

يلدريم: النظام الرئاسي سيُفعل رسمياً في الاستحقاق الانتخابي 2019

أعلن رئيس الوزراء التركي ابن علي يلدريم أنّ نظام الحكومة الجديد سيتم...

ضغوطات إسرائيلية تلغي فيلما عن الأسرى الفلسطينيين في لندن

ضغوطات إسرائيلية تلغي فيلما عن الأسرى الفلسطينيين في لندن

استجاب فندق تارا، الأحد، لضغوطات اللوبي الصهيوني ببريطانيا...

وزير يمني يتهم الحوثيين باحتجاز قوافل إغاثية في طريقها لتعز

وزير يمني يتهم الحوثيين باحتجاز قوافل إغاثية في طريقها لتعز

اتهم وزير في الحكومة اليمنية الشرعية، الأحد، جماعة الحوثيين وحلفائهم...

  • أيام في سيلان والمالديف