• الصليب وحكاياته

بين ديكتاتوريات القتل والنهب .. وديمقراطيات التغييب والخديعة

May 26 2011 10:37:59

الكاتب : نوال السباعي

صراعات دولية مصيرية ، يشهدها العالم على هامش ثورتنا الإنسانية الكبرى في المنطقة العربية ، فعلى الرغم من أنها ثورة شعبية قام بها شبابنا ، ليس لقوة خارجية في قيامها فضل ولا مِنّة ، فإن المهيمنين على النظام العالمي المعاصر تحركوا بالتوازي في محاولات مستميتة لاحتواء الأوضاع ومواكبتها ، والتسابق لخطب ودّ القوى الجديدة الصاعدة .. قوة الشعوب التي جعلت أذكياء الغرب يكتشفون – أخيرا- أن الحفاظ على مصالحهم بخطب ودّها سيعود عليهم وعليها بالفوائد عاجلا وآجلا ، وبكلفة أقل بكثير من تلك التي يتكبدها في صراعاته معها .
 هزيمة ديبلوماسية - سياسية رنانة لحقت بفرنسة "الساركوزية" المتمترسة مع الطغاة ، مقابل تحركات الولايات المتحدة "الأوبامية"- ومعها بريطانيا "كاميرون"-التي تبدي رغبة ً "مُراوغةً " في دعم إرادة الشعوب بما يتماشى مع مصالحها ، هزيمة ..ستتبعها هزائم عسكرية واقتصادية وثقافية قد تغير الخريطة النفسية واللغوية لبلدان المغرب ، حيث يتحدث الناس باللهجات المحلية ويقرؤون بالعربية ويفكرون بالفرنسية ،وحتى لحظة انتصار الثورة التونسية !.
الفضيحة الفرنسية تجلت في موقف وزيرة خارجية "ساركوزي" ، التي اقترحت إرسال قوات فرنسية للمساعدة في قمع الشعب ، إذ تربطها ب"العائلة المالكة" التونسية علاقات تجاوزت حدود اللياقة الديبلوماسية ، مما حملها على الاستقالة راغمة ، الشيء الذي لا ..ولن ينقذ رؤوسا كثيرة في أوربة من التدحرج تحت ضربات مقصلة الثورة العربية القاصمة !.، لن يكون أولها رأس "بيرلسكوني" الذي تربطه علاقات المداهنة والمال والفساد والفضائح مع القذافي وأبنائه ، ولا آخرها رأس "ساركوزي" الذي قضى شهر عسله قبل زواجه في مصر على حساب "العائلة المالكة"!.
ثورة الكرامة والحرية والحياة ، التي زلزلت المنطقة ، غيرت معادلات الوطن والإنسان ، والهوية والزمان ، ونسفت الكثير من القناعات والمقولات الراسخة منذ عقود في ضمائرنا وضمير الرأي العام العالمي عنّا ، لكن آثار "تسوناميها" لن تقف عند ذلك ، لأنها ستمتد بطوفانها لتطهر كل شيء ، وتجرف من القيعان كل الطحالب الضارة والألغام القديمة المدفونة في الرمال التي تبدو ساكنة في هاتيك الأجواف السحيقة التي بنى فيها الطغاة عروشهم ، فانهارت عليهم من القواعد ، قواعد الطغيان الذي ينهب ولا يشبع ، والاستبداد الذي لا يتسرطن إلا بالفساد ، والمُلك الذي يتزاوج مع المال العام المنهوب ، ليصبح هِبات في أيدي هؤلاء الخونة يوزعونها ذات اليمين وذات الشمال ، دون مساءلة ولا رقيب ، ولا عودة إلى الشعوب التي برهنت أنها لم تكن نائمة ، وإن تمّ تغييب بعض أجيالها في أنفاق القهر المخترق خارطة السجون وفرم اللحم البشري ، المتمددة بحجم خارطة وجودنا.
لم تُسْقِط هذه الثورة وخلال أقل من شهرين منظومة الديكتاتوريات التي تحكمنا وحسب ، ولكنها فككت وتحت هدير سيلِها العَرِم ، آليات الديمقراطيات التي تحكم الضفة الأخرى للأبيض المتوسط ، والتي طالما تآزرت وتعاونت مع هؤلاء الحكام القتلة من عصابات السراق ، ديمقراطيات طالما تغاضت وسكتت عن إجرامهم وولوغهم في دمائنا وآلامنا ، بتمرير فزاعاتها الثلاث : "الإرهاب الإسلامي" ، و" الهجرة السرية" ، و"تهديد منابع الطاقة" !، مبررة جرائمها الثلاث : "بيع أسلحة القمع والردع" ، و" التشارك بمليارات الأمة " ، و" خديعة الرأي العام الأوربي" .
الحلف بين ديكتاتوريات الجنوب وديمقراطيات الشمال كان ومازال من أهم العقبات الكأداء في سبيل تحرر الشعوب ، ديكتاتوريات القمع والنهب وتسرطن عائلة على حساب الوطن ، وديمقراطيات الكذب والنفاق والارتكاس إلى درجة التضحية بكل المبادئ والقيم، وتغييب الرأي العام الأوربي والعالمي عن حقيقة سياساتها القذرة في دعم هؤلاء الطغاة ، وخديعته بإعلام يدندن بالعداء للعرب الذين تعيش هذه الطبقة الديمقراطية الحاكمة على حساب رشاواهم ومنحهم المليونية ، وتجريم الإسلام والمسلمين ، وكراهية الآخر الآتي عبر المضائق في قوارب الموت ، مهاجرا إلى عوالم الرفض والكراهية ، التي تعيش وتنمو وتتوسع وتقوم على أكتاف صغار الآدميين ، من كبار المجرمين ، الذين باعوا أوطانهم بثمن بخس ، ولم يفكروا حتى مجرد تفكير في أن يقبضوا ...ولو بعضاً من الثمن ، على غرار ما تفعله الصهيونية العالمية ، وهي تشتري الضمائر والحكومات الغربية ، ولكن مقابل فرض احترامها على الرأي العام ، ونيل الدعم غير المشروط لجرائمها المستمرة في فلسطيننا.

التعليقات مغلقة على هذه المقالة
جديد المقالات المزيد
صفحة من تاريخ العلوم: أول كتاب في المدفعية

صفحة من تاريخ العلوم: أول كتاب في المدفعية

إن ظهور سلاح المدفعية واستخدامات البارود قد ترافق في أوروبا مع بداية...

حركة الشيخ رابح بن فضل الله ضد الاستعمار الفرنسي في تشاد

حركة الشيخ رابح بن فضل الله ضد الاستعمار الفرنسي في تشاد

  فرج كُندي مقدمة  تعتبر حركة المجاهد الكبير رابح من فضل...

لنتذكّر في ذكرى الهجرة

لنتذكّر في ذكرى الهجرة

لقد كان نجاح الإسلام في تأسيس وطن له وسط صحراء تموج بالكفر، أعظم كسْب...

جديد الأخبار المزيد
مجلس الأمن يعقد أول جلسة علنية حول ميانمار الخميس

مجلس الأمن يعقد أول جلسة علنية حول ميانمار الخميس

يعقد مجلس الأمن الدولي بعد غد الخميس، أول جلسة مفتوحة حول الانتهاكات...

مقتل ثلاثة جنود إسرائيليين إثر عملية إطلاق نار شمال القدس

مقتل ثلاثة جنود إسرائيليين إثر عملية إطلاق نار شمال القدس

أعلنت شرطة الاحتلال الإسرائيلي عن مقتل ثلاثة جنود وإصابة رابع إثر...

مناورات عسكرية مشتركة بين تركيا والعراق عقب استفتاء كردستان

مناورات عسكرية مشتركة بين تركيا والعراق عقب استفتاء كردستان

قالت رئاسة الأركان العامة التركية إن المرحلة الثالثة من المناورات...

  • أيام في سيلان والمالديف