• الصليب وحكاياته

الجرح الذي هو أكبر من الجريح

May 26 2011 10:34:45

الكاتب : نوال السباعي

مرات قليلة في التاريخ تلك التي عاش فيها جيل من الأجيال اِنهيار "أمة" ، ودمار منجزات حضارتها ، مرات قليلة ، لأن تدمير المنجزات الحضارية، وانهيار الأمم لا يحدث بين عشية وضحاها ، وإنما يستغرق عقودا ، وربما قروناً من الإهمال والوهن والعجز ، حتى يصل الحال بالأمة إلى الانتحار ،الانتحار صمتا أو الانتحار تفجيرا وتكفيرا ، أو الانتحار انفصالا وتشظيا وتفتيتا .
المرة الأولى التي سمعت بها اسم "دارفور" وقبل ثلاثين عاما، لم يكن في إذاعة لندن ، ولا في أية وسيلة إعلامية ناطقة بالعربية ، ولكنها كانت من جارة لي في مدريد ، طالبة في الدراسات العليا في فرع العلوم السياسية ، جاءت تطلب المساعدة في بحث عن السودان !!. وعندما كانت معظم جماهير المنطقة العربية وخاصة الشرقية منها ، تغط في سباتها العنصري ورفضها للآخر، والأسود على وجه التخصيص ، معبرة عن ركوع وخضوع أمام الأبيض الأوربي، كانت جامعات الغرب بدفع ودعم من القوى الصهيونية العالمية ، تدق أسافينها لرسم الخريطة الإسرائيلية التاريخية عبر حدائقنا الخلفية ، بعد أن أعجزها رباط الفلسطينيين وصمودهم - ومعهم شرفاء هذه الأمة حكاما ومحكومين – إقامتها على أرض الحدث ، لم تستطع إسرائيل السيطرة على كل التراب الفلسطيني ، فراحت ومعها القوى الاستعمارية العالمية مجتمعة ، تلعب على خارطة جديدة سرية علنية ، تجعل حدود مصالح إسرائيل اليوم ممتدة بالفعل من دجلة إلى منابع النيل !، ما عجز الاستعمار عن فرضه بقوة السلاح ، كان قد أعد العدة الكاملة له من خلال خططه البديلة مستعينا بسطوة الإعلام والبحوث العلمية الأكاديمية والبعثات التبشيرية الإنسانية والمصالح الاقتصادية !.
في مقاله المعنون " جنوب السودان ..الكويت الإفريقية الجديدة" ، كتب "بيدرو فيرنانديث" يقول : (إن الجمهورية الجديدة التي ستكون خامس قوة اقتصادية في إفريقية ، كانت تنتمي إلى أكبر بلد إفريقي يعتبر مع الكونغو ثقب إفريقيا الأسود ، لأنه يمثل خط المواجهة بين العالم العربي والإسلام من جهة، وبين العالم الإفريقي التقليدي الأسود والمسيحية والوثنية في إفريقية من جهة ثانية )، وأضاف : ( إن الشيء الوحيد المهم اليوم في هذه الجمهورية الوليدة ، هو البترول ، وليس إلا أن نرى خارطة التواجد الغربي والعالمي في المنطقة ، حيث افتَتَحت قنصليات لها في الجنوب كل من السويد وبريطانيا وفرنسة والبرازيل وجنوب إفريقية والنرويج وهولندا وروسيا وإيطاليا واليابان والصين والهند)! وينبغي لنا أن "نبتهج" لأننا وجدنا دولا عربية أو إسلامية كمصر وإيران وماليزيا ، بين هذه الجموع المتداعية إلى قصعة السودان المشرعة .
أما الولايات المتحدة فقد رمت بكل ثقلها السياسي والإعلامي في هذه المعركة التي قادتها بنجاح كبير فاق كل توقعاتها وجهودها العسكرية والاستخباراتية في العراق!! إلى درجة تورط فنان عالمي مثل "جورج كلوني" في هذه الحملة الهائلة ، عن طريق الخديعة ، وباسم الدفاع عن حقوق الإنسان ، تماما كما حدث مع نقابة الفنانين الإسبان في مدريد خلال أحداث الصحراء الغربية المغربية الأخيرة، والتي وصل فيها حجم الخديعة أن قدم الإعلام مَشاهد عن انتهاك حقوق الإنسان في الصحراء ، ثبت لاحقا أنها وثائق وصور معاناة الفلسطينيين أيام الهجوم الإسرائيلي الأخير على غزة !! ..
ومادام هذا الهجوم الإسرائيلي على غزة وبجميع الأسلحة المحرمة دوليا لم يصب في خانة حرص ممثلِ في قامة "جورج كلوني" على نيل الفلسطينيين حقوقهم الإنسانية المشروعة ، فليصب في مشروع انفصال الصحراء عن المغرب ، وتفتيت غرب المنطقة ، في تواقت مذهل مع ما يحدث في سودانها ! لقد وصل الأمر درجة إنشاء "كلوني" بمساعدة الأمم المتحدة وموقع غوغل وجامعة هارفارد ، منظمة غير حكومية ، أقامت (مشروعا ل" مراقبة" السودان من الفضاء !! للتأكد من عدم ارتكاب جرائم ضد الإنسانية قبل وخلال عملية الاستفتاء على الانفصال) – صحيفة الباييس الإسبانية 29/12/2010- !.
 
جمهورية السودان الجنوبية هذه ، والتي تساوي مساحتها مساحة إسبانيا والبرتغال معا ، ولا يتجاوز تعداد سكانها عدد سكان مقاطعة مدريد الثمانية ملايين ، والتي انفصلت فعليا من خلال بناء كوادرها الحكومية وهيئاتها الدينية وجيشها الذي يصفونه بشكل مضحك ب"القوي" ! ، تفتقر إلى مقومات الدولة ، لأنها تعاني إضافة إلى مسألة التعدد العرقي والعنصري واللغوي والثقافي ، من حالة استحالة القيام والنشوء دون مساعدة الغرب ووقوفه معها بكل إمكانياته ودعمه ، الشيء الذي يُخطَط لتطبيقه وبحذافيره في منطقة دارفور ، ومنطقة إيبي السودانيتين ، ثم في الصحراء الغربية المغربية ، إنه جرح أكبر بكثير من المجروح – عبارة استعرتها من مقال "فهمي هويدي" أسئلة الفاجعة - ورقعة اتسعت على الراقع، ومخططات استعمارية ما كانت لتدخل حيز التطبيق قط لولا نومنا وشخيرنا وهواننا.
هذه الدولة الجديدة القائمة على اعتباري البترول والدين ، والتي يعاني 90% من سكانها الفقر المدقع والأمية الموجعة والجهل المريع ، تحتاج إلى بناء كل شيء ، بدءا بالشوارع والمدارس والمستشفيات ، وانتهاء بمؤسسات الحكم والدولة والدين، والتي لا أشك لحظة في أنها ستبدأ من بناء "وزارة للبترول" ، وهو المبنى الوحيد الذي لم يتم تدميره في بغداد لدى اجتياحها على يد مغول الغرب الجدد! ، والسؤال الذي يطرح نفسه الآن ، السؤال الذكي الغبي ، من سيبني لجمهورية الجنوب هذه مرافقها ومستقبلها ووجودها؟؟ ، هل هو الغرب ؟! الذي كان قد فرغ لتوه من تدمير القارة الإفريقية ، بعد أن نهب ثرواتها ، واستعبد رجالها ونسائها ، وسرق حتى حيواناتها ليزين بها حدائق علومه الطبيعية ، وجعل تربتها مدافن لقاذوراته النووية ، وبيئتها محضنا لتجاربه الحيوية والذرية ؟!..
هل هو هذا الاستعمار نفسه ..هو الذي سيبني للسودانيين الجنوبيين مجدهم ويمنحهم حريتهم وإنسانيتهم واستقرارهم وأمنهم؟! ..
 هل هو هذا الاستعمار نفسه الذي تداعى إلى المنطقة العربية بكل ما يملك ليمتص الحياة من عروقها ، ويفرغ آبارها من ذهبها الأسود ، ويحدث فيها من الدمار بعيد المدى ، والتشظي الذي بدأنا نعيشه في بث حي ومبشر ، ما تعجز عنه شياطين سليمان وسحر داوود ؟! ، أم هو حادث وبالضبط بفعل شياطين وجند أحفاد سليمان وداود؟؟!!.
لقد خذل العرب والمسلمون شعوب جنوب السودان ، وكثير من الشعوب الإفريقية بالإهمال ، وبالعنصرية المقيتة غير الإنسانية التي يحلو لنا أن ننفيها عن أنفسنا ونحن متلبسون بها ، كما خذلوهم بمحاولات فرض الشريعة الإسلامية واللغة العربية على أقوام لا تدين بالإسلام ولا تنتمي إلى العروبة ، لقد خذلناهم لأننا لم نحسن قراءة التاريخ ولا التعامل مع الإنسان بالحسنى ، ولأننا نفتقر في سقوطنا الحضاري المدوي اليوم إلى آليات التعامل مع الآخر ، الداخلي والخارجي ، ولأن عصر الانحطاط الذي نعيشه يتجلى بأفظع تشويه للإسلام ، إذ لا نفهم عنه إلا ظاهر العمل وزخرف القول ، لا روح ولا أخلاق ولا إنسانية!!.
والآن جاء دور الغرب ، الذي كان قد ورث عن إمبراطوريتنا الأخيرة كل شيء ، السيادة والريادة والتوحش في معاملة الآخر - ولولا هذه السمة الأخيرة لدينا لما انهارت تلك "الدولة – الأمة"- ، جاء دور الغرب ليرث عنا آخر الجيوب والثغور والشعوب ، التي فرطنا فيها ، ولن يخرج الغرب عن استحقاقاته التاريخية الأخلاقية في النهب المُركز والقتل والإبادة بعيداً عن أعين الكاميرات والأقمار الصناعية التي زرعها لمراقبة تطبيق حقوق الإنسان هنا وهناك.
سيمتص الغرب كل ما في عروق الجمهورية الجديدة هذه من ذهب أسود وأبيض ، ويترك شعبها في حالة من الصراعات الانشطارية الدائبة ، ويكسر ركب قيادييها ومؤسسيها كيلا لا يستطيعوا النهوض أبدا ، لينشغلوا بحل معضلاتهم ريثما يتم سحب كل ثروتهم البترولية ، ونقلها كاملة غير منقوصة إلى أرضه ، ورمي الفتات لأهلها ، بعض الملايين يتلهون بها ببناء أبراج ، ومراكز تجارية هائلة للتسوق من منتجات مزارع ومراعي الغرب ،وصناعاته الاستهلاكية ، التي يصدرها لأمم لا تزرع ولا تحصد ولا ترعى الأغنام والدواجن!!.
 وربما بنيت في الجمهورية الجديدة بعض المطارات ، وطريق سريعة للسفر تمرّ من أمام قصر الرئاسة ، ومشفى ألماني ..وآخر هندي لمعالجة بعض متوسطي الثراء من أبنائها ممن يعدون بالعشرات وحسب ، أما أثرياؤها الحقيقيون فهم لا يسلمون أنفسهم إلا للأطباء الأوربيين المختصين في علاج "أبناء سلالات الآلهة"!! ، بينما سيستمر السود الأفارقة في جنوب السودان ، كما في كل مكان من إفريقية بالموت جوعا وتضييعا ونسيانا، حتى تنضب ثرواتهم وتجف آبار نفطهم ، عندئذ سيعود اللصوص إلى بلادهم الاستعمارية ثملين بما ارتووا ، تاركين تلك الأرض قاعا صفصفا!! .
 
ما كان ينبغي أن ينتحر شهيد الثورة والرفض والاعتراض في سيدي بوزيد التونسية الأبية ، إنما وجب على قياداتنا وحكوماتنا أن تنتحر، وقد وصلت البلاد والعباد تحت مسؤوليتها المباشرة إلى هذا المشهد المأسوي!! ، أم أنه انتحار فعلي حقيقي هذا الذي نراه من ابتهاج هذه القيادات بما حققته من منجزات تاريخية ، تتلخص في حفاظها على كراسيها ، والقضاء على المعارضات قضاء مبرما ، بحيث لا تترك لشعوب المنطقة أي أمل بالتغيير إلا عن طريق الانتحار والتفجير والفوضى المدمرة .
لقد انتصر النظام في السودان ،لأنه وكما يبدو– بعد الانفصال القادم لكل من دارفور وإيبيي-   سيستمر في حكم ربع السودان المتبقي ، وإلى النهاية ، نهايته أو نهايتنا .... وأؤكد يقينا أن نهايتنا نحن شعوب هذه المنطقة ، غير قريبة أبدا ، وفيم نرى من انتفاضات شجاعة في أرجاء المنطقة العربية اليوم ، برّ أيماننا وصدق إيماننا بالمستقبل وبالإنسان.

التعليقات مغلقة على هذه المقالة
جديد المقالات المزيد
نكران الجميل ( بين الفأس والشجرة )

نكران الجميل ( بين الفأس والشجرة )

كانت الفأس قطعة من حديد *  * *وحدها لا تطيق حزاً وقطعـــاً فرأت دوحة:...

علمية الكتابة التاريخية وإشكالية الموضوعية

علمية الكتابة التاريخية وإشكالية الموضوعية

د. عبد اللطيف الركيك تقديم: يهتم التاريخ بدراسة الماضي البشري بأبعاده...

المذابـح الصهيونيــة بين عامـي 1947 و1996

المذابـح الصهيونيــة بين عامـي 1947 و1996

مذبحة قريتيبلد الشيخ 31 ديسمبر عام 1947 انفجرت قنبلة خارج بناء شركة...

جديد الأخبار المزيد
إسرائيل تعتقل 4 من حراس الأقصى من منازلهم بالقدس‎

إسرائيل تعتقل 4 من حراس "الأقصى" من منازلهم بالقدس‎

اعتقلت الشرطة الإسرائيلية، مساء الإثنين، 4 فلسطينيين، من حراس المسجد...

تزايد جرائم خطف واغتصاب الأطفال في عهد الانقلاب بمصر

تزايد جرائم خطف واغتصاب الأطفال في عهد الانقلاب بمصر

تشهد مصر في الفترة الأخيرة انتشارا ملحوظا لجرائم اعتداء على الأطفال،...

حاخام لكل كتيبة إسرائيلية لماذا وما هي أدوارهم؟

حاخام لكل كتيبة إسرائيلية.. لماذا وما هي أدوارهم؟

سلطت وسائل إعلام إسرائيلية الأضواء على مظاهر تعاظم نفوذ الحاخامات...

  • أيام في سيلان والمالديف