• الصليب وحكاياته

هذا التعويل "العربي" على دور "القيادات"مابين أوباما وأردوغان

May 26 2011 10:33:43

الكاتب : نوال السباعي

بدت عملية القرصنة الإسرائيلية الأخيرة - التي جاءت نتائجها على العكس مما كانت تتوقعه إسرائيل - وكأنها ضربة متعمدة موجهة أولاً: للإمعان في تشويه صورة الرئيس أوباما الذي لم يَنتظر منه أي تغيير في المنطقة العربية إلا الذين لا يفقهون طبيعة سير السياسات في الولايات المتحدة ، ولا حراك المجتمعات المتقدمة المعاصرة ، وثانياً: للإمعان كذلك في محاولات إذلال الطرف التركي وجرّه للقيام ببعض "الحماقات" المعتادة في المنطقة على الطريقة الإيرانية أو العربية! وقد تحقق الهدف الأول خاصة وأن "أوباما" لا يمكنه أن يتعدى دوره كمثقف كبير ، استطاع تغيير "صورة" الوجه الكريه والقبيح للإدارة الأمريكية في فترة قياسية ، لكنه لا يستطيع ولن يُسمح له في هذه الفترة بتغيير ضمير هذه السياسات ولا هياكلها الفكرية والتنفيذية ، خاصة فيم يتعلق بالمنطقة العربية .
ربما كان "العرب " ينتظرون من أوباما وقفة تتناسب مع المبادئ التي أعلنها يوم تسلمه مقاليد الحكم ، أو مع جائزة نوبل للسلام التي لم يخجل من استلامها ، ربما كان "العرب" يودون لو أنه قام بحركة رومانسية يعلن فيها عن موقف استثنائي تجاه "الصهاينة" الذين استكبروا في البيت الأبيض ، والذين تسببوا بالأزمة المالية التي تهز العالم اليوم ، وتبدو وكأنها ستقوض الازدهار والتقدم الأوربيين ، ما بين الحرب الخفية على "الأورو" والتأجيج الإعلامي الدائب لمشاعر الكراهية والرفض للإسلام والمسلمين في الاتحاد الأوربي ، ربما انتظر "العرب" من أوباما أن يتصرف بشرف تمليه عليه معرفته الأكاديمية الواسعة بإدوارد سعيد ، وملابسات القضية والصراع في المنطقة العربية ، وليستقيل وهو مرفوع الرأس ، ويخرج من الباب الأمامي للبيت الأبيض الذي لا يمكنه أن يحتمل رئيسا أسود ! ربما ، ولكن هذا لم يحدث ، ومن المستبعد تماما أن يحدث ! فحتى الصحفية العتيقة الطاعنة في السن "هيلين توماس" التي تجرأت على انتقاد إسرائيل ، لم تستطع الصمود أمام حملات القذف والشتيمة وعدم احترام سنها ولا عراقتها ، فضلا عن احترام حرية الرأي وأبسط أسس الديمقراطية وحقوق الإنسان في التعبير عما يريد، فاضطروها إلى الاعتذار والانسحاب من الباب الخلفي للتاريخ!.
لكن المسألة الشائكة حقيقة تتلخص في كل ما صدر عن أصحاب الرأي ووسائل الإعلام في المنطقة العربية خلال هذه الأزمة الأخيرة فيم تعلق بقافلة الحرية ، حيث علق كثيرون وبسذاجة مبالغ فيها آمالا عريضة ، على مواقف القيادة الأمريكية ، بالضبط كما فعل الجمع وبصورة غير منطقية ولا موضوعية ولا علمية مع مواقف القادة الأتراك ، الذين حملهم "العرب" فوق ما يحتملون ، وفوق ما يمكن تحميله لأية قيادة حتى لو كانت قيادة نبوية !! فالأنبياء من أولي العزم أنفسهم وعلى مرّ العصور لم يستطيعوا إحداث التغيير الحقيقي في مجال الواقع الذي يحيط بهم إلا عن طريق "رجال" و "نساء" و "مجتمع" مؤهل للتغيير !. هذه الفكرة "العربية" المعاصرة والغريبة عن هذا التغيير الذي يأتي من فوق ، تنتشر انتشار النار في الهشيم بين المثقفين والإعلاميين وأفراد الشعب ، هذا التعويل الأسطوري على دور "القيادات" هو حالة شاذة ، فالقيادات لا يمكنها أن تصنع شيئا دون شعوبها ، بالغة ما بلغت من الذكاء والنبوغ والحنكة والقدرات !. والقيادة التركية غير مستثناة من هذه القاعدة الاجتماعية التاريخية الناصعة ، الشعب التركي هو الذي انتخب هذه القيادة التركية ، وهذه القيادة التركية غير منبتة عن ذلك الشعب بكل توجهاته وانتماءاته وتطلعاته وظروفه الاجتماعية والسياسية ، والقيادة التركية لم تتحرك إلا في حدود ما يرضاه الشعب التركي وما يريده وما يستطيعه ، ولم تخرج عن ذلك قيد أنملة ، وهذا ما تثبته دراسة الكلمة التي ألقاها "أردوغان" في مجلس الشعب التركي إبان عملية القرصنة الإسرائيلية!.
يثير القلق والحزن أن يقوم البعض – وقد فعلوا- بمقارنة "أردوغان" ببعض "الزعماء" العرب الغابرين– من المستبدين القتلة- من الذين كانوا يستخدمون الغوغائية ودغدغة عواطف الجماهير بالكذب على الجماهير وعلى التاريخ ، "أردوغان" لم يستعمل كلمة واحدة لا يعرف ماذا تعني بالنسبة لبلاده وموقعها وعلاقاتها الدولية ، وقبل ذلك قدرة تركيا على الفعل ، والمساحة المخصصة لها للحركة ضمن النظام الدولي اليوم ، ولم يفعل أصلا اعتمادا على "مرتزقة" يكتبون له الكلمات التي يجب أن يلقيها ويلهب فيها حماس الناس مجانا! ، ولكنه فعل بعد اجتماعات برئيس مجلس الأمة ورئيس الأركان وزعماء المعارضة ومن كل الاتجاهات ، وبعد محادثات مع حلف شمال الأطلسي والإدارة الأمريكية ، لأنه رجل يعرف من هو وأين يقف وماذا يريد ، لأن الأمة التي انتخبته تعرف "اليوم" من هي وأين تقف وماذا تريد .
"أوباما" – وإدارته- الأكاديمي المثقف الكبير، والمفكر الأسود الأنيق ، لا يستطيع أن ينفك عن الأمة التي اختارته ليقود البلاد في مرحلة ما بعد عصر الكراهية العالمية لسياسات الولايات المتحدة الأمريكية ، وهو لم يخذل أمته حتى لو كان ذلك على حساب خذلانه للعالم كله ! ، و"أردوغان" – وإدارته- الإسلامي الحداثي الديمقراطي السياسي المحنك ، لم ينفك عن خدمة تطلعات الأمة التي انتخبته ليقود البلاد في مرحلة هذا الاستيقاظ الإسلامي الهائل في كافة أرجاء العالم ، دون أن ينسى ولا للحظة واحدة شبكة العلاقات الدولية التي تربط تركيا سلماً وتحالفاتٍ بالعالم ، وهو لم يخذل ناخبيه ولا أمته حتى لو كان ذلك على حساب المُحبَطين حقيقةً بسبب ملابسات الموقف التركي المشَرِّف في هذه الأزمة التاريخية.
 
تركيا اليوم تعتبر نفسها أمة مسلمة ، وهذا يصدم مشاعر القوميين والعلمانيين العرب ، الذين لا يفهمون أبعاد المشاعر الأخوية الدينية المتنامية حديثا ومن جديد بين الشعوب ، كما لا يريدون الاعتراف بسقوط النظريات القومية والوطنية اليوم مقابل نهوض الفكرة "الدينية" أو "الاقتصادية" الجامعة في مشارق الأرض ومغاربها ! حتى بات الفكر السياسي المعاصر يعتبر أن الشعوب التي تتغنى بقوميتها أو بوطنيتها شعوبا بدائية متخلفة! ، وتركيا اليوم تعتبر نفسها أمة أوربية ، وهذا يصدم مشاعر "الإسلاميين العرب" الذين لا يفهمون ولا يحسنون التعامل مع العصر وآليات التغيير بعقلية معاصرة وأساليب معاصرة ، وانعتاق من سطوة الفهم التاريخي الثقافي للتراث ، وتركيا تعتبر نفسها أمة حداثة ومعاصرة لا ترتقي إلى مصاف الأمم الكبرى اليوم ، ولكنها تريد أن تكون في ركابها ومعها ، وهذا يصدم مشاعر المحبوسين في المنطقة العربية في قمقم "الخلافة" ، و" التكفير والتفجير" ، لا يستطيعون إدراك أبعاد اللعبة السياسة والفكرية لعالم التقنية ذات "الأبعاد الخمسة" ، بينما هم غارقون في تفنيد مسائل إرضاع الكبير!! ، وطلاق الغاضب !، والضرب بالسواك ! مما يثير الغثيان لدى البعيد والشفقة لدى القريب!! .
لقد عكس الإعلام العربي على هامش "مهاجمة قافلة الحرية" مرضا عضالا تعاني منه شريحة كبيرة من النخب الفكرية والدينية والسياسية ، وغوغائية وسطحية في التفكير تعاني منها الجماهير ، ومحاولات يائسة لركوب الموج لدى كثير من العاجزين عن إحداث أي تغيير يذكر في هذه المجتمعات ، لأنهم عاجزون أصلا عن فهم ملابسات هذا التغيير في أنفسهم عن طريق تبني مشروعات فكرية إنسانية حقيقية تلبي حاجات الأمة وتنهض بها ، "أردوغان" لم يأت من فراغ ، و"أردوغان" ليس "صلاح الدين" ، و"صلاح الدين" لم يأت من فراغ ، والقيادات لا تستطيع أن تحدث تغييرا بسيوف من خشب ، ولا بجيوش من ورق ! لقد كان من أهم أهداف الحركة الإسرائيلية الغبية في مهاجمة سفن محاولات فك الحصار عن غزة ، سبر القدرة الحقيقية لدى القيادة التركية على التصرف ووضعها في مأزق دولي ، كما وضع القيادة الأمريكية في موقف محرج صعب ، لكن الذي حدث بالفعل كان فضيحة حقيقية ، ليس بالنسبة لإسرائيل المجرمة فحسب ، ولا بالنسبة للإدارة الأمريكية الموالية للظالم بصورة إستراتيجية مصيرية ، ولا بالنسبة لحكوماتنا المسكينة العاجزة المشحرة والمطلية ، ولا بالنسبة للكيانين الفلسطينيين المتشرذمين المتشبثين بكراسي التمزق والأثرة ، ولكن بالنسبة لشعوبنا التي تعاني حالة من الضياع والفراغ والاستجداء، الضياع الفكري والمرجعي ، والفراغ السياسي على هامش التفسخ الاجتماعي ، واستجداء القيادات الفاعلة القادرة على التغيير ، فهي تتمسك بأي قادم ، وتضخم أي حدث ، وتجعجع في كل الاتجاهات رجاء أن تتحقق آمالها في قيادات ، لا ولن تولد إلا من رحم هذه الشعوب ، لأن التغيير في المنطقة العربية لا يأتي من أمريكا ولن يأتي من تركيا ، ولكنه يكون وفقط على يد شعوب المنطقة عندما تدرك أن في يدها وحدها تقرير مصيرها وصناعة أقدراها التي يجب أن تفر إليها من هذا القدر البئيس الذي صنعته هي بيدها كذلك.

التعليقات مغلقة على هذه المقالة
جديد المقالات المزيد
صفحة من تاريخ العلوم: أول كتاب في المدفعية

صفحة من تاريخ العلوم: أول كتاب في المدفعية

إن ظهور سلاح المدفعية واستخدامات البارود قد ترافق في أوروبا مع بداية...

حركة الشيخ رابح بن فضل الله ضد الاستعمار الفرنسي في تشاد

حركة الشيخ رابح بن فضل الله ضد الاستعمار الفرنسي في تشاد

  فرج كُندي مقدمة  تعتبر حركة المجاهد الكبير رابح من فضل...

لنتذكّر في ذكرى الهجرة

لنتذكّر في ذكرى الهجرة

لقد كان نجاح الإسلام في تأسيس وطن له وسط صحراء تموج بالكفر، أعظم كسْب...

جديد الأخبار المزيد
مجلس الأمن يعقد أول جلسة علنية حول ميانمار الخميس

مجلس الأمن يعقد أول جلسة علنية حول ميانمار الخميس

يعقد مجلس الأمن الدولي بعد غد الخميس، أول جلسة مفتوحة حول الانتهاكات...

مقتل ثلاثة جنود إسرائيليين إثر عملية إطلاق نار شمال القدس

مقتل ثلاثة جنود إسرائيليين إثر عملية إطلاق نار شمال القدس

أعلنت شرطة الاحتلال الإسرائيلي عن مقتل ثلاثة جنود وإصابة رابع إثر...

مناورات عسكرية مشتركة بين تركيا والعراق عقب استفتاء كردستان

مناورات عسكرية مشتركة بين تركيا والعراق عقب استفتاء كردستان

قالت رئاسة الأركان العامة التركية إن المرحلة الثالثة من المناورات...

  • أيام في سيلان والمالديف