• الصليب وحكاياته

الرحلة الأند .. (4) ما الذي يمكن أن تقترفه أمة حتى تلاقي مثل هذا المصير الرهيب؟

May 26 2011 10:33:17

الكاتب : نوال السباعي

سألتُ عبد الرحمن طالب الطب ذا الثمانية عشر ربيعا ونحن نتجه خارجين من قرطبة نحو "سانتا آنا" على الطريق نحو "آنتيكيرا": ماذا يعني لك كل هذا؟ فأجابني دون تردد: لا شيء! سألته: ما الذي يمكن أن يقترفه إنسان أو مجموعة من البشر أو أمة حتى يلاقوا مثل هذا المصير الرهيب الذي بقي مسطوراً على جبال منطقة "أندلوثيا" جنوب إسبانيا، على هضابها، على جذع كل شجرة زيتون، في زوايا القرى البيضاء الصغيرة المتناثرة هنا وهناك، في سواقي المنطقة وأنهارها، في عيون أهلها، في هوائها ونسائمها، في أطراف الغيمات التي ما برحت تزين تلك اللوحة الرائعة الجميلة الأليمة التي تنزف صمتاً وهولاً؟ أجابني في برودة ويقين: "بكل بساطة، قوم أُعطوا من كل شيء، فلم يعرفوا للثروات التي يمتلكونها والنعم التي أعطوها أية قيمة، وبينما كانوا أكبر حضارة في ذلك الزمن، طغوا وعتوا واستعبدوا الناس، بينما كانوا عبيداً للمال والشهوات، فماذا تنتظرين؟
طاحون التاريخ لا ترحم"!
ثم توجهت بالسؤال نفسه إلى أخته التي تُحضر أطروحة الدكتوراه في التربية وتكبره ببضعة أعوام، فأجابت: كل اسم ومكان يجعلني أرى شبح أحدهم ممن ذُبح أو قُتل أو حرق أو اغتُصب، لكن ما يتداعى إلى ذهني ونحن في هذه الرحلة هو محاولة البعض إعادة ذلك التاريخ الأوروبي في عدم التسامح وإقصاء "الآخر" ومحاولة التضييق عليه وخنقه في أوروبا، واستمرار الظلم ورفض الكنيسة الاعتذار للمسلمين عن الفظائع التي ارتُكبت بحقهم في هذه البلاد، مع قيامها بواجبها الكامل في الاعتذار لليهود السفارديين "الأندلسيين"، مع إنهم كانوا لا يشكلون من عدد السكان، الذين تم إرغام مليون شخص منهم - مسلمهم ويهوديهم- وحتى من أتباع الكنيستين الأرثوذكسية والبروتستانتية على الخروج من ديارهم في وقت بلغ فيه تعداد سكان البلاد 6 ملايين نسمة تقريبا، أي أن الذين تم إجلاؤهم بسبب اعتناقهم هذا الدين أو ذاك كانوا سدس السكان، فضلا عن الذين مكثوا وغيروا أسماءهم ودينهم، هذا إذا لم نتطرق إلى أعداد الذين تم تعذيبهم وشويهم على صلبان قشتالة!..
كنت أقارن بين رد فعل الجيل الثاني من أبناء المسلمين المولودين في إسبانيا على موضوع "الأندلس" وبين ردود فعل الزائرين من سائحين أو مقيمين على هذه القضية، التي تمثل بالنسبة لبعض سكان المنطقة العربية مناسبة للندب والحنين، ولدى البعض الآخر لاستذكار أمجاد "الاستعمار العربي" لإسبانيا -هكذا بالحرف كما ورد في واحدة من أهم وأخطر المسرحيات التاريخية المعاصرة التي قُدِّمت على مسارح المنطقة من المحيط إلى الخليج "كاسك يا وطن"- ولئن كان هناك من مكان واحد على سطح الأرض تحققت فيه كلمة "الاستعمار" الحقيقي فلقد كان ذلك المكان هو "الأندلس"؛ حيث نشأ العمران في كل مكان، وما زال شاهدا على حضارة حقيقية لم تصمد أمام الحقد الأعمى لإنسان متعطش للدماء باسم السماء كما أسلفت، لكنها وقبل أن يتمكن حقد الآخر من القضاء عليها كانت قد دَكّت نفسها بنفسها عندما نقضت غزلها بالسماح بانهيار المنظومة الأخلاقية لدى الإنسان فيها.
بينما كنت أستمع البارحة إلى القناة الخامسة الإسبانية إلى برنامج حواري ملتهب هو أقرب إلى معارك الديكة منه إلى حوار مثقفين محترمين حول موضوع الحجاب الذي هو الآن في إسبانيا موضوع الساعة! قال أحدهم: "إن ما يميز العالم الإسلامي اليوم أمران باديان للعيان، تستوي في ذلك دوله الكبيرة والصغيرة، الفقيرة وفاحشة الغنى، المتقدمة المزدهرة والمعدمة المتفسخة، هما: انعدام الديمقراطية، واستعباد النساء"! بصرف النظر عن دقة كلام هذا الصحافي "الديك"؛ لأن الاستعباد في المنطقة العربية أصاب النساء والرجال والأطفال، أو بمعنى أدق الإنسان، فإن الكلمة الأوسع التي يمكن أن تشمل هذين المرضين ومعهما عشرات الأمراض التي يمكن أن تنخر في جسد الأمم وتتسبب بانهيارها، هي "غياب العدل"، فعندما ينتفي العدل في حياة أمة تنتفي معه الحياة، واسألوا عن ذلك ابن خلدون، وابن تيمية.
لقد اعتدنا أن نقرن قضية العدل بالدولة والحاكم دائماً، ولم نتنبه إلى حقيقة تاريخية اجتماعية إنسانية باهرة، هي أن العدل قضية تخص كل إنسان مع نفسه وفي بيته وأسرته ونواديه، العدل موضوع مقترن بالحياة، بالإنسان والأسرة والمجتمع ثم الدولة، ولا يختفي العدل من تعامل الحاكم مع الشعب إلا عندما يختفي العدل من تعامل المحكومين بين بعضهم بعضاً! لم يأخذ أهل الأندلس أسماءهم وينصرفوا هكذا بكل بساطة! لقد كتبوا بدمائهم قصصهم عن الظلم الذي تفشَّى فيمن بينهم وفي تعاملهم وفي أخلاقهم، قصص تحمل الكثير من العِبَر التي يجب علينا أن نتعلم منها دروسا في حياتنا المعاصرة كيلا تستمر هرولتنا نحو مصير مشابه وبطرق متشابهة.
الرحلة مستمرة.. الرحلة "الأند.." التي لم أستطع أن أسميها أندلسية؛ لأنها ليست رحلة أندلسية، ليست رحلة توقظ التاريخ الأندلسي لكنها تسأله عن عبره ودروسه من خلال سفر بالقطار من مدريد إلى السبتة، أحد المعابر التي مضى فيها شعب خرج من بلاده مثخناً بعاره وجراحه ووحدته وقلة حيلته، طريق سلكها قبل 500 عام مئات الآلاف خروجا وفرارا من المحرقة.
علم إسبانيا يرتفع إلى جانب علم مقاطعة "أندلوثيا" الجنوبية، وإسبانيا المعاصرة تتكون من تسع عشرة مقاطعة تتمتع كل منها بحكم ذاتي وهوية شبه متميزة، ويجمعها جميعا علم واحد إلى جانب أعلامها المحلية، ولغة واحدة رسمية إضافة إلى اللغات المحلية، وملك واحد.. نحن في إسبانيا.. هذا ما يقوله كل شيء على جانبي خط سير هذا القطار، نحن ما زلنا في إسبانيا رغم تغير المشاهد من حولنا، الهندسة المعمارية، الأراضي الزراعية الفسيحة جدا، بقايا الآثار الأندلسية المتناثرة -مهملةً حينا ومعتنًى بها إلى حد كبير حيناً آخر- في كل مكان على طول طريق القطار نحو الجزيرة الخضراء، لقد عاد اسم "الجزيرة الخضراء" هكذا وباللغة العربية ليظهر على جميع لافتات الطرق المؤدية نحو البحر الجنوبي، وعادت اللغة العربية لتظهر من جديد في إسبانيا بعد استئصال دموي قاتل دام 300 عام لمحوها حتى من الصدور بعد القضاء على الوجود السياسي والإنساني للمسلمين فيها! هذه العودة لا علاقة لها بعز الأعزة، ولكنها عادت بذل الأذلاء من المهاجرين المساكين الذين يتقاطرون عائدين من مَهاجرهم في جميع البلدان الأوروبية كل عام صيفا ليزوروا بلادهم في رحلة مليونية شاقة، حيث يتجمع مئات الآلاف من المغاربة والجزائريين والتوانسة والموريتانيين في موانئ "الخثيراس" (الجزيرة الخضراء)، وملغا (مالقة)، وبالنثية (بلنسية)، وألكانتة، وغيرها، ليعبروا المضيق في رحلة عودتهم السنوية هذه محملين بالأمتعة والهدايا، وبأولادهم المولودين في أنحاء أوروبا، والذين يبحثون لهم عن وشيجة تعلقهم ببلاد آبائهم وأجدادهم؛ لأن هؤلاء الأولاد وُلدوا في بلاد أخرى يعتبرونها بلادهم هم مع إنها لا تعترف بهم ولا تقبلهم ولا تريدهم بين ظهرانيها! جيل ضائع لا ينتمي لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، فأولئك لا يرقبون فيه إلاً ولا ذمة ولا يرحمون غربته واغترابه، وهؤلاء لا يقبلون به ويرفضونه ويضمرون له الحقد والكراهية، حتى لو تخلى عن هويته وانخلع من دينه، بل وحتى لو انسلخ من جلده، وأصبح خلقاً مشوهاً ينزف دماً واهتراءً! يعيشون على هامش الحاضر المؤلم بانتظار "هولوكاوستو" دائبةً في الحث عليه ساعة فساعة وسائلُ إعلام تحركها أيدٍ معروفة لدى كل ذي علم، تجعل وجود المسلمين في أوروبا مؤلماً، وما تفتأ تذكرهم بمصير إخوان لهم كانوا سكان البلاد وعمروها وأثاروا الأرض وهزوا أبواب روما وفيينا، ولكنهم ذُبحوا فيها ذبح النعاج يوم تخلوا عن أسباب قوتهم ووحدتهم واستمرارهم الحضاري بالأخلاق والمعاملات، لم ينفعهم تمسكهم بعقيدة لا تنجب أخلاقاً رفيعة، ولا بعبادات لا تنتج معاملات سليمة؛ لأن الدين يصبح أداة هدم إذا تحول إلى لاهوت مغلق على المتفيهقين المنتفعين به في المعابد!
تغيرت اللوحة عبر زجاج القطار، نخل كثيف منتشر يستقبلك في كل مكان، نخل جديد، زُرع من وقت غير بعيد، قباب بيضاء ومآذن صغيرة للزينة تميز العمارة الحديثة، و "الدور المستقلة" التي يسميها العربان "شاليهات" و "فيلات" تنتشر على طول الطريق تنبئك بأنك دخلت منطقة سياحية ممتدة، علم "أندلوثيا" الأخضر والأبيض يرفرف في كل مكان، البحر عن يسارنا، بحر رمادي قبيح لا يغريك بشيء، وسماء مثله، ورذاذ مطر خفيف يتناثر مؤذنا بربيع خير قبيل زحف صيف يأتي هذه المنطقة بالسياح والأموال والحركة، ولافتات تخبرك بالإسبانية والعربية عن أمكنة وأسماء تجعلك تعود إلى التفكير عنوة في أولئك الذين لم يأخذوا كل أسمائهم معهم عندما انصرفوا، فبقيت ولم تمحها الأيام لا من الذاكرة ولا من الضمائر ولا من التاريخ.
صحيفة العرب القطرية

التعليقات مغلقة على هذه المقالة
جديد المقالات المزيد
التاريخ وأثره في تربية الأجيال

التاريخ وأثره في تربية الأجيال

د / محمد حاج عيسى الجزائري الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام...

الفاتح الذي اشتقنا لعودة أيامه (12)

الفاتح الذي اشتقنا لعودة أيامه (12)

د / أحمد عبد الحميد عبد الحق الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام...

صقلية حضارة المسلمين المنسية

صقلية حضارة المسلمين المنسية

شريف عبد العزيز في أواخر القرن الثاني الهجري بدأت القوى العالمية...

جديد الأخبار المزيد
يلدريم: النظام الرئاسي سيُفعل رسمياً في الاستحقاق الانتخابي 2019

يلدريم: النظام الرئاسي سيُفعل رسمياً في الاستحقاق الانتخابي 2019

أعلن رئيس الوزراء التركي ابن علي يلدريم أنّ نظام الحكومة الجديد سيتم...

ضغوطات إسرائيلية تلغي فيلما عن الأسرى الفلسطينيين في لندن

ضغوطات إسرائيلية تلغي فيلما عن الأسرى الفلسطينيين في لندن

استجاب فندق تارا، الأحد، لضغوطات اللوبي الصهيوني ببريطانيا...

وزير يمني يتهم الحوثيين باحتجاز قوافل إغاثية في طريقها لتعز

وزير يمني يتهم الحوثيين باحتجاز قوافل إغاثية في طريقها لتعز

اتهم وزير في الحكومة اليمنية الشرعية، الأحد، جماعة الحوثيين وحلفائهم...

  • أيام في سيلان والمالديف