• الصليب وحكاياته

الأجوبة التي تقدمها محاكم "التفتيش الإسرائيلية العسكرية" اليوم عما حدث في الأندلس قبل 500 عام!!

May 26 2011 10:32:51

الكاتب : نوال السباعي

الرحلة الأندلسية (3)
المتباكون على الأندلس وحضارتها ، الحريصون على رثائها والصلاة في مساجدها التاريخية السياحية ، الرائحون الغادون إلى إسبانيا بحجة زيارة الآثار الأندلسية ، وأولئك المجعجعون باستعادة الأندلس بين الحين والحين ، المدلون ببلاغاتهم الغبية عبر الفضائيات التي تجيد الدندنة بهذه البيانات والتصريحات التي تعتبر أغبى من أصحابها ، الخارجون على القانون والأخلاق والمنطق باسم "الجهاد" الذي تم الإجهاز عليه على أيديهم !، أين هم هؤلاء القوم جميعا اليوم مما يحدث تحت صمم العالم وعمى بصره وبصيرته فيم يُطَبَق في فلسطين من تفاصيل المسرحية القشتالية القديمة ؟ التي نشهد هولها في أرض فلسطين الضائعة المستباحة على أيدينا وأيدي الصهاينة ، الذين خلت أمامهم الساحات من المجاهدين الحقيقيين إلا من رحم ربي ، وباع الحكام القضية بأبخس الأثمان ، وجلسوا يتفرجون على حوبة الشعوب وتخبطها في أقذارها الاجتماعية لا يحيرون جوابا ، ولا يحركون ساكنا ، اللهم إلا التنديد غير شديد اللهجة ، والاعتراض غير عالي النبرة ، ورفع الأمر إلى هيئة الأمم المتحدة ، ولية الأمر ، التي لا تحل ولا تربط إلا بأمر من الصهيونية العالمية التي تحكم الدول الخمس التي تتمتع – ولا ندري لم ؟؟!- بحق "الفيتو" من دون سائر بني البشر القصر العاجزين عن الحل والربط.
كثيرا جدا من الأسئلة يمكن أن تطرحها عليك رحلة تقوم بها بالقطار من مدريد وحتى " الخثيراس" أو كما كان اسمها بالعربية "الجزيرة الخضراء" مرورا بقرطبة وغرناطة وماربييا، قبل أن تعبر المضيق باتجاه مدينة السبتة أو مليللة المتنازع عليهما منذ خمسمائة عام بين الطرفين ، شمال المضيق وجنوبه ، كثيرا جدا من الأسئلة ، وهي نفس الأسئلة التي اكتظت بها رواية الأديبة المصرية الدكتورة رضوى عاشور "ثلاثية غرناطة" ، أسئلة لم تخل منها صفحة واحدة من صفحات الرواية التي حكت حياة ثلاثة أجيال متتالية من أسرة "موريسكية" ، والأسر الموريسكية هي تلك التي ثبتت في أرضها ولم ترض الرحيل أو لم تقدر عليه على الرغم من الاستئصال والاقتلاع والزلزلة والامتحان في الأرض والعرض والمال والنفس والدين!، كيف ؟! ولماذا؟! ومن؟! وبأية طريقة ؟! إنها أسئلة كبيرة وخطيرة تلح على أي إنسان يسافر في ذلك الطريق ويدخل تلك المخاضة ، لأن مجرد درس الشأن الأندلسي أو التفكير فيه أو استحضاره يعني أنك تبحث عن إجابات ليس لما حدث في الأندلس قبل مئات الأعوام فحسب ، بل لما يحدث في فلسطين والمنطقة العربية كذلك .
ومن المدهش المعيب حقا أن تقدم لنا بعض هذه الإجابات الصورة الماثلة أمامنا في بث حي ومباشر لما يجري في فلسطين الجريحة ، فلسطين العزيزة ، فلسطين الضائعة بين تشرذم أبنائها ، وتركهم الجهاد المشروع وتمسكهم بكراسي السلطة التي لم تمنحهم لا أَمنا ولا راحة ولا وطنا ولا كرامة ولا حرية لا في الضفة ولا في غزة ، فلسطين المضيعة على أيدي عرب القضية الذين قضوا نصف قرن يندبون باسم القضية ، ويتسولون باسم القضية ، ويذبحون شعوبهم باسم القضية ، اِلتصقوا بالكراسي باسم القضية ، نهبوا أموال الشعوب باسم القضية ، سرقوا حرية الإنسان باسم القضية ، هتكوا عرض الأمة باسم القضية ، استلبوا كرامة الشعوب باسم القضية ، ولكنهم لم يفعلوا شيئا للقضية ، اللهم إلا بعض المساعدات وبعض الدفع نحو خطط السلام المستعصية بعد أن فقدوا كل شيء ، ودمروا العباد والبلاد ، ولم يعد أمامهم أي شيء يقايضون عليه باسم القضية إلا ولاءهم لأصحاب الشأن في واشنطن ولندن وباريس!!.
 أما عن الشعوب فحدث ولا حرج ماذا فعلت الشعوب في المنطقة العربية بالقضية وأهل القضية ؟ وحتى لحظة كتابة هذه السطور مازال الزواج أو التزويج من وإلى الفلسطينيين عارا في أكثر من بلد عربي تقدمي أو رجعي ، وهذا أمر لا علاقة للحاكم فيه ، إنها أخلاق المحكومين ، إنها أخلاقنا نحن الذين نأكل ونشرب ونتندر بالقضية مجترين ليلا ونهارا أخبار الجزيرة ليقول الناس عنا إنا مثقفون كبارا نفهم في القضية !!. لن أتحدث عما فعله "العرب" حكاما ومحكومين بالفلسطينيين لدى نزوحهم الأول والثاني والعاشر والمليون ، وكيف استقبلوهم وكيف عاملوهم وعاملوا نساءهم وأطفالهم وعزيز قومهم الذي ذلّ ، ولن نستعرض هنا الهجرة بعد الهجرة ، وكيف استخدمت دول المنطقة الفلسطينيين ورقة للتفاوض والضغط ، يلعبون بأقدارهم من فلسطين إلى فلسطين إلى دول الطوق إلى الخليج ومصر وليبيا ، ثم من دول الخليج وليبيا ومصر إلى حيث لا يعلم إلا الله.
هذه هي أندلس اليوم ، فلسطين، التي تُنتَهب من ضمائرنا ، وتستل من شرايين عروقنا ، وتنزف من خلايا أدمغتنا ، ونحن نتفرج ببلاهة منقطعة النظير ، غارقون في تخلفنا وتمزقنا وارتكاسنا إلى الأرض ، ثم ..ودون ذرة من حياء ولا خجل نسأل ونتساءل كيف ضاعت أندلس الأمس؟، وكيف دمرت حضارتها ، وكيف محي العنصر الإنساني فيها ، من ؟ وكيف ؟ ولماذا؟ ، لا تكمن الكارثة في عجزنا عن الإجابة على الأسئلة المطروحة حول ما حدث قبل 500 عام ، ولكن الكارثة حقيقة كامنة في عجزنا عن الإجابة على الأسئلة المطروحة أمامنا اليوم فيم يتعلق بالبحث عن طريق الخلاص ووقف المذبحة والتطهير العرقي واستلاب التاريخ والمقدسات مما يجري تحت سمعنا وبصرنا ونحن نتفرج!. أمة فقدت الإحساس بالزمن ، أنظمة دمرت كل قدرة ممكنة لدى الشعوب للانتفاض والكفاح ، بل هو الدفاع عن النفس ومقارعة العدو ، شعوب استسلمت لأقدارها وفقدت أحساسها بالحياة ، تعيش على الاجترار ، اجترار التاريخ ، اجترار العادات والتقاليد العفنة ، اجترار ما تقوله الجزيرة كل صباح ومساء !دون أية قدرة ولا إرادة للفعل والتغيير ، جيوش نزع منها فتيل الكرامة ، وأصبحت صورا متحركة لتقديم السلامات والتحيات على أولياء الأمر كلما ذهبوا إلى أوربة للتفسح أو أمريكا للعلاج ، وكلما أتوا من رحلاتهم ولقاءاتهم الشخصية مع قادة العالم الذي يضحك عليهم وعلينا معهم . جيوش وقوى أمن لا تصلح إلا للعروض العسكرية والتمثيلات التهريجية أيام الأعياد الوطنية والمناسبات الأميرية والملكية والسلطانية ، و...بالطبع قمع الشعوب وقهرها واستعبادها وقطع ألسنتها وكسر أيديها ، هذا إذا لم نتحدث عن صفقات الأسلحة التي تنفق عليها المليارات إرضاء لرؤساء الدول التي تدعم "إسرائيل" والتي تحمي "إسرائيل" والتي ترفد "إسرائيل" بالقوة والمال والسلاح ، ليتم تكديسها لاحقا في أقبية الإهمال والتضييع .
المثير للألم والحسرة فعلا أنك تجد كل الإجابات مجتمعة فيما يجري اليوم فيما تبقى من فلسطين ، وما يجري اليوم أعني به ما يجري يوما فيوما منذ ستين عاما وحتى الساعة "الكيان الاسرائيلي" أقيم على بقايا الشرف "العربي" السخيف ، وبنى دولته على مخلفات الضمير "العربي" المتفسخ ، وزحف باتجاه الفرات والنيل على جثة الكرامة "العربية" الزائفة!، ما كان لهذه الدويلة صنيعة الغرب بامتياز أن تقوم في قلب الأمة لولا أن الأمة كانت قد تفسخت وانهارت ، وبلغ بها السقوط أنها مازالت تهوي منذ سبعين خريفا في هذا الجبّ دون أن تصل قعره ولا أن تمتد إليها يد تنتشلها من هذا السقوط!.
استغلت "إسرائيل" غليان الساحة الأوربية بقضية المهاجرين والهجرة غير الشرعية ، فأصدرت محاكم التفتيش العسكرية الإسرائيلية "قرار الترحيل الثالث" الذي يعتبر عارا في ضمير المجتمع الدولي ، هذا إن كان لهذا المجتمع من ضمير في زمن السطوة الإعلامية الرهيبة التي تذل من تشاء وتعز من تشاء ، مررت "إسرائيل" قرار محاكم تفتيشها هذا على هامش واقع أوربي أصبحت فيه الهجرة غير القانونية شغل الناس الشاغل ، وفي ظل تعتيم إعلامي مذهل ، بحيث لا تكاد تجد الخبر إلا بصعوبة شديدة ، وفي تغافل مقصود عن التذكير بأن هؤلاء المرّحلون اليوم هم أبناء الأرض وأصحابها وأبناء أصحابها الشرعيين ، ولم يكن هذا الخبر ليرد أصلا لولا حياء بعض أجهزة الإعلام وخاصة من كبرى الصحف الأوربية التي كانت معروفة قبل الانتفاضة وقبل أحداث الحادي عشر من سبتمبر والحادي عشر من آذار ، بمناصرتها للقضية الفلسطينية ، فأصبحت من الصامتين حتى لا تحسب من أنصار الإرهاب العالمي أو الدولي أو الإسلامي !! سمه ما شئت ، فلقد تسبب أولئك القوم بطعن القضية في ظهرها ، وتشويه الجهاد ، في معارك سخيفة لا تسمن ولا تغني من جوع ، لم ترد للأمة كرامة ، ولم تردع العدو وترهبه ، ولم تسترجع حقا ، ولم تهب أحدا حرية ولا أَمْنّا !.. ثم نرى ساحة المعركة الحقيقية منهم خالية ، سمعنا كثيرا من جعجعتهم المضحكة المبكية حول "استعادة الأندلس" ، ولكننا لم نر منهم أي طحين يطعم أحدا من جوعنا للانتصار لقضية فلسطين وشعب فلسطين المغلوب على أمره .
إنه زمن أندلسي بامتياز ، ليس أندلسي العزة والحضارة ، ولكنه أندلسي الانكسار والهزيمة والرحيل والاستسلام والانبطاح ، أندلسي التمزق والتشتت والسقوط ، أندلسي ملوك الطوائف الفرحين بكراسيهم وسلطاتهم الورقية الهشة ، أندلسي الشعوب التي أصابها الوهن والضياع بحثا عن هويتها وبحثا عن نفسها وبحثا عن مستقبلها، إنه زمن أندلسي بامتياز ، مضى منه ستون عاما وبقي ل"موريسكيو الشرق" مائتي عام في نزعهم ومواتهم الأخير ، للبحث عن الإجابات ، ولينهضوا ، فهنا لا مرابطون ينقذونهم ، لأنهم هم المرابطون حول أفنية المسجد الأقصى ، هذه الأمة هي أمة الرباط فإن تخلت عن رباطها وأسلحتها تداعت إليها الأمم ، وها قد حصل فهل من رجال تقود الناس إلى الخلاص ، وتوقف عجلة الانهيار العظيم هذه التي ندور منسحقين بين فكي رحاها ولا نحسن طرح الأسئلة المؤلمة لنستطيع إيجاد الأجوبة الصادقة الملائمة؟!.
مضى ستون عاما على محنة الفلسطينيين ، وبقيت أمامنا 200 عام لنتفرج ، ومن ورائنا أجيال أخرى ستشهد نهاية هذه المأساة الجديدة التي ستتباكى عليها الأمة ألف عام أخرى كما نبك اليوم بدموع التماسيح ما ضاع من أندلس ما زالت تنبض في الضمائر ألما وجراحا.
 
المصدر : موقع التاريخ (عند النقل ذكر المصدر)

التعليقات مغلقة على هذه المقالة
جديد المقالات المزيد
أبو الحسن على الحسنى الندوي

أبو الحسن على الحسنى الندوي

عبد الماجد الغوريّ هو المربّي العظيم ، والداعية الحكيم ، والمفكّر...

القضاء في العالم الإسلامي من الشريعة إلى القانون – الأسباب والممهدات

القضاء في العالم الإسلامي من الشريعة إلى القانون – الأسباب والممهدات

عبد العزيز بن أحمد البداح عنوان الكتاب: القضاء في العالم الإسلامي...

التاريخ وأثره في تربية الأجيال

التاريخ وأثره في تربية الأجيال

د / محمد حاج عيسى الجزائري الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام...

جديد الأخبار المزيد
يلدريم: النظام الرئاسي سيُفعل رسمياً في الاستحقاق الانتخابي 2019

يلدريم: النظام الرئاسي سيُفعل رسمياً في الاستحقاق الانتخابي 2019

أعلن رئيس الوزراء التركي ابن علي يلدريم أنّ نظام الحكومة الجديد سيتم...

ضغوطات إسرائيلية تلغي فيلما عن الأسرى الفلسطينيين في لندن

ضغوطات إسرائيلية تلغي فيلما عن الأسرى الفلسطينيين في لندن

استجاب فندق تارا، الأحد، لضغوطات اللوبي الصهيوني ببريطانيا...

وزير يمني يتهم الحوثيين باحتجاز قوافل إغاثية في طريقها لتعز

وزير يمني يتهم الحوثيين باحتجاز قوافل إغاثية في طريقها لتعز

اتهم وزير في الحكومة اليمنية الشرعية، الأحد، جماعة الحوثيين وحلفائهم...

  • أيام في سيلان والمالديف