• الصليب وحكاياته

محاولة خائبة لجاهلّي معاصر

May 25 2011 08:30:54

الكاتب : د.عماد الدين خليل

" قسّ ونبي : بحث في نشأة الإسلام "
[ 1 ]
 
هذا هو عنوان بحث صدر حديثاً لرجل يدّعي أن اسمه ( أبو موسى الحريري ) ! يعالج فيه قضية تاريخية تنطوي على بعدها الديني بكل تأكيد ، إلاّ أنها ـ ابتداءً ـ حلقة تاريخية تتطلب ، للتعامل العلمي الجادّ مع مفرداتها ، منهجاً تاريخيا يستقصي المرويات كافة حول الموضوع بأكبر قدر من الأمانة ، ويحذر عن مظنة الانتقاء الكيفي لتأكيد استنتاج مسبق ، فيما هو ضد المنهج أساساً.
وبإحالة هذا الذي كتبه ( أبو موسى الحريري ) في ( قس ونبيّ : بحث في نشأة الإسلام ) على عشرات ، بل مئات الدراسات التي شهدتها مكتبة السيرة النبوية ، سيجد المرء نفسه إزاء حالة استثنائية شاذة لا تدعمها المرويات التاريخية واليقين العلمي ، وإنما تستند إلى جملة من الأوهام والظنون والتخمينات التي تنتقي وتستبعد وتفترض ، وأحيانا ترغم الواقعة التاريخية على ما لم يكن في تكوينها أساساً.
ليس بحثاً جادا هذا الذي أنجزه الرجل ، وإنما عبث بالحقائق التاريخية التي أجمع عليها الباحثون في الشرق والغرب بخصوص هذه المفردة الصغيرة في سيرة رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، حيث لم يكن قد التقى ورقة قبل أن تأخذه إليه زوجته البارّة خديجة ( رضي الله عنها ) لتلقّي جوابه إزاء هزة الوحي الأولى التي أصابته بالحمى لوقعها المفاجئ الثقيل ، وحيث أكّد ورقة ، وهو الرجل الذي كان قد قرأ العهدين القديم والجديد بالعبرانية حتى كلّت عيناه ، وعرف من خلال ما تبقى من معطياتهما الأصيلة ، أن هذا الرجل هو النبي الذي بشّر به عيسى ( عليه السلام ) ، والذي سيتلقى الناموس الذي تلقاه موسى ( عليه السلام ) والذي يعرفه اليهود والنصارى من كتبهم كما يعرفون أبناءهم !
إن هذا الذي يتخيّله ( أبو موسى الحريري ) ويفرضه على الواقعة التاريخية لكي يطوّعها لاستنتاجاته المسبقة ، ليس كشفاً جديداً ، لقد قاله العرب الأميّون قبله ، زمن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، وحاولوا ، من أجل حماية وثنيتهم ، اتهام الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) بتلقّي كتابه عن القسس والرهبان ، دون أن يدركوا أنهم وضعوا أنفسهم في مفارقة لا يمكن قبولها : إن هؤلاء الذين يلقّنون رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ( أعاجم ) في أصولهم أو في ثقافتهم ولغتهم ، وأن القرآن يتنزّل بأسلوب عربي معجز مبين : ( ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر ، لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين ) ( سورة النحل 103 ).
وها هو ( أبو موسى الحريري ) يعيد الدور نفسه ويقع في الاكذوبة ذاتها،  فإذا كان القدماء قد فاتتهم المفارقة المذكورة ، فان هذا الباحث المحدث ، وهو يحاول أن يدعم نصرانيته في مواجهة الإسلام ، فاتته مفارقة لا تقل ثقلا : تلك هي أن المضامين القرآنية تنطوي على جملة خصائص تجعل مسألة التلقّي المزعومة عن ( القسّ ورقة ) مستحيلة بكل المقاييس. ولن يتسع المجال للاستفاضة فيها ، ولذا سيتم الاكتفاء بمجرد التأشير على ثلاثة منها فحسب.
 [ 2 ]
إن القرآن الكريم نفسه ، بسبب من مطابقته التامة للحقيقيتين التاريخية والدينية ، يؤكد في حوالي عشرين موضعاً أنه مصدّق لما بين يديه من التوراة والإنجيل ، أي مطابقاً لبعض ما ورد في هذين الكتابين. ولكنه لا يقف عند هذا الحدّ قبالة كتابيْن تعرّضا لتحريف خطير ، وإنما يمضي لتأكيد وظيفته الأخرى : تعديل الانحراف وكشف الزيف ، واستئصال الأكاذيب ، وإعادة الخطاب الديني الذي جاء به الأنبياء جميعا ( عليهم السلام ) إلى قاعدته التوحيدية التي هي أسّ الأسس في النبوات جميعا : ( وأنزلنا إليك الكتاب بالحقّ مصدّقاً لما بين يديه من الكتاب ، ومهيمناً عليه ، فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق .. ) ( سورة المائدة 48 ).
فها هو ذا كتاب الله يحقّ الحق ، ويبطل الهوى ، ويدعو إلى الالتزام بهذا الحق ، وعدم اتباع أهواء الآخرين من اليهود والنصارى ( أي المغضوب عليهم والضالين ) ، ولن يتحقق هذا على يد نبيّ أريد له أن يكون تلميذاً مخلصاً لقسّ يبشر بموروث أهل الكتاب.
وامتداداً لهذا الصدق الرّباني يدعو القرآن الكريم المؤمنين كافة إلى الإيمان ، ليس بالقرآن فقط ، وإنما بالكتب التي نزلت قبله، ولكن أية كتب هذه ؟ إنها الكتب الأصيلة قبل أن تطالها يد التزوير ، وليس تلك المساحات الواسعة من الكذب والتحريف التي تولّى كبرها اليهودي السابق : ( القدّيس بولص ) وكل المحرّفين الذين سبقوه وأعقبوه : ( يا أيها الذين آمنوا ، آمنوا بالله ورسوله ، والكتاب الذي نزّل على رسوله ، والكتاب الذي أنزل من قبل ، ومن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر فقد ضلّ ضلالاً بعيدا ) ( سورة النساء 136 ).
ليس هذا فحسب ، بل إن القرآن الكريم يكشف ، بمعطياته الإلهية المنزّهة عن المداخلات البشرية الوضعية ، ما كان أهل الكتاب أنفسهم يخفونه من كتبهم : ( يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبيّن لكم كثيراً مما كنتم تخفون من الكتاب ويعفو عن كثير ، قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين ) ( سورة المائدة 15 ).
ويمضي القرآن الكريم لكي يؤكد علم أهل الكتاب السابقين بأن القرآن منزّل من الله سبحانه بالحق ، وليس بالتلقّي عن قسّ يحمل في موروثه الصدق والكذب .. الأصيل والمحرّف .. اليقيني والظنّي على السواء ، بغض النظر عن أن مؤلف الكتاب يسعى لإعادة تشكيل شخصية القسّ ( ورقة ) بما يشتهي لكي يحقق المطابقة الجاهزة بين الدعوتين : ( أفغير الله أبتغي حكماً وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصّلاً ، والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق فلا تكوننّ من الممترين ، وتمت كلمة ربك صدقاً وعدلا لا مبدّل لكلماته وهو السميع العليم ، وإن تطع أكثر من في الأرض يضلّوك عن سبيل الله ، إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلاّ يخرصون ) ( سورة الأنعام 114 ـ 116 ).
مهما يكن من أمر فان السؤال الذي يتبادر إلى الذهن هو : ألم يكن الأولى بالنسبة لرسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) من أجل التعتيم على تلقّيه عن كتب السابقين ، ألاّ يشير إلى تصديقه لهذه الكتب والأخذ عنها ؟!
هذا إلى أن القرآن الكريم محّض مساحات واسعة لسياقات ثلاثة لا نكاد نجد لها مكاناً في العهدين القديم والجديد ، ولاسيما آخرهما ، وهي :
أ ـ التشريع.
ب ـ يوم القيامة : البعث والحساب والجنة والنار .. إلى آخره ..
جـ ـ الإبداع الإلهي في الخلق الكوني ..
فإذا كان النبي ( صلى الله عليه وسلم ) عاجزاً عن أن يأتي بمواعظ التوراة
والإنجيل وقصصهما التاريخي ، فكيف كان قديراً ، وبالأسلوب نفسه من الأداء اللغوي والبياني المعجز ، على أن يأتي بهذه المساحات الواسعة ، والمؤكدة في كتاب الله ، بخصوص السياقات الثلاثة المذكورة ؟ وأين هو القسّ الذي تعلمّ منه النبي ؟ أم لعل ( الحريري ) يعمل فكره في البحث عن قسّ آخر تلقى منه النبي هذا الجانب من القرآن الذي لا نكاد نجد له أثراً في التوراة والإنجيل ؟!
 
 [ 3 ]
أخيراً .. لنفترض مع أبي موسى الحريري أن محمداً ( صلى الله عليه وسلم ) تلقى كتابه عن القسّ ورقة ، فمن الذي أعطاه القدرة التي تتجاوز الحدود البشرية بكل المقاييس ، على إخضاع الكتب الدينية السابقة بخصوص المعطيات المعرفية ، للاختبار الدقيق الصارم في ضوء كشوف لم يزح عنها النقاب وتدخل دائرة الضوء إلاّ بعد ثلاثة عشر قرناً من لقاء النبي بالقس ؟!
إن الباحث الفرنسي المعاصر ( موريس بوكاي ) في دراسته المقارنة للكتب السماوية الثلاثة ، والتي استغرقت عشرين عاماً ، وصدرت بعنوان : ( القرآن الكريم والتوراة والإنجيل والعلم : دراسة الكتب المقدسة في ضوء المعارف الحديثة ) ( عن دار المعارف ، القاهرة ـ 1978 م ) يمارس مهمته كما يقول بعقل علماني ملحد لا يؤمن بأي من الأديان ، ولا يسلّم بكتبها ، ولكنه يخلص إلى جملة من الحقائق والاستنتاجات التي سأورد بعضها نصّاً نظراً لأهميتها البالغة فيما نحن بصدده :
(1) " لقد قمت أولا بدراسة القرآن ، وذلك دون أي فكر مسبق ، وبموضوعية تامة ، باحثاً          عن درجة اتفاق نصّ القرآن ومعطيات العلم الحديث. وكنت أعرف ، قبل هذه الدراسة ، وعن طريق الترجمات ، أن القرآن يذكر أنواعاً كثيرة من الظاهرات الطبيعية ، ولكن معرفتي كانت وجيزة. وبفضل الدراسة الواعية للنصّ العربي استطعت أن أحقق قائمة أدركت بعد الانتهاء منها أن القرآن لا يحتوي على أية مقولة قابلة للنقد من وجهة
نظر العلم في العصر الحديث. وبنفس الموضوعية قمت بنفس الفحص على العهد
القديم والأناجيل. أما بالنسبة للعهد القديم فلم تكن هناك حاجة للذهاب إلى أبعد من الكتاب الأول ، أي سفر التكوين. فقد وجدت مقولات لا يمكن التوفيق بينها وبين أكثر معطيات العلم رسوخاً في عصرنا. وأما بالنسبة للأناجيل .. فإننا نجد نصّ إنجيل متي يناقض بشكل جلّي إنجيل لوقا ، وأن هذا الأخير يقدم لنا صراحة أمراً لا يتفق مع المعارف الحديثة الخاصة بقدم الإنسان على الأرض " ( صفحة 13 ).
(2) لقد أثارت الجوانب العلمية التي يختص بها القرآن دهشتي العميقة في البداية. فلم أكن اعتقد قط بإمكان اكتشاف عدد كبير إلى هذا الحدّ من الدعاوى الخاصة بموضوعات شديدة التنوّع ، ومطابقته تماماً للمعارف العلمية الحديثة ، وذلك في نصّ كتب منذ أكثر من ثلاثة عشر قرناً. في البداية لم يكن لي أي إيمان بالإسلام. وقد طرقت : دراسة هذه النصوص بروح متحررة من كل حكم مسبق وبموضوعية تامة " ( صفحة 144 ).
(3) تناولت القرآن منتبهاً بشكل خاص إلى الوصف الذي يعطيه عن حشد كبير من الظاهرات الطبيعية. لقد أذهلتني دقة بعض التفاصيل الخاصة بهذه الظاهرات ، وهي تفاصيل لا يمكن أن تدرك إلاّ في النص الأصلي. أذهلتني مطابقتها للمفاهيم التي نملكها اليوم عن نفس هذه الظاهرات ، والتي لم يكن ممكناً لأي إنسان في عصر محمد أن يكوّن عنها أدنى فكرة " ( صفحة 145 ).
(4) " كيف يمكن لإنسان ـ كان في بداية أمره أميّاً ـ .. أن يصرح بحقائق ذات طابع علمي لم يكن في مقدور أي إنسان في ذلك العصر أن يكوّنها ، وذلك دون أن يكشف تصريحه عن أقل خطأ من هذه الوجهة ؟ " ( صفحة 150 ).
(5) إن اليهود والمسيحيين والملحدين في البلاد الغربية يجمعون على الزعم ، وذلك دون أدنى دليل ، بأن محمداً كتب أو استكتب القرآن محاكياً التوراة. مثل هذا الموقف لا يقل استخفافاً عن ذلك الذي يقود إلى القول بأن المسيح أيضاً قد خدع معاصريه باستلهامه للعهد القديم. فكل إنجيل متي يعتمد على تلك الاستمرارية مع العهد القديم. أي مفسّر هذا الذي تعنّ له فكرة أن ينزع من المسيح صفته كرسول لله ، لذلك السبب ؟ ومع ذلك فهكذا يعلن في الغرب .. " ( صفحة 148 ـ 149 ) وذيوله من أمثال الحريري !!
(6) " مقارنة العديد من روايات التوراة مع روايات نفس الموضوعات في القرآن تبرز الفروق الأساسية بين دعاوى التوراة غير المقبولة علمياً وبين مقولات القرآن التي تتوافق تماماً مع المعطيات الحديثة .. وعلى حين نجد في نصّ القرآن .. معلومات ثمينة تضاف إلى نصّ التوراة .. نجد فيما يتعلق بموضوعات أخرى فروقاً شديدة الأهمية تدحض كل ما قيل من ادّعاء ـ دون أدنى دليل ـ على نقل محمد للتوراة حتى يعد نص القرآن "
( صفحة 285 ـ 286 ).
(7) لو كان كاتب القرآن إنساناً ، كيف استطاع في القرن السابع ( الميلادي ) أن يكتب ما أتضح أنه يتفق مع المعارف العلمية الحديثة ، في الخلق وعلم الفلك وعلوم الأرض والحيوان والنبات والتناسل الإنساني ، التي تعكس التوراة أخطاء علمية ضخمة بشأنها ؟ ليس هناك أي مجال للشك ، فنصّ القرآن الذي نملك اليوم هو فعلاً نفس النص الأول .. وليس هناك سبب خاص يدعو للاعتقاد بأن أحد سكان شبه الجزيرة العربية .. استطاع
( يومها ) أن يملك ثقافة علمية تسبق بحوالي عشرة قرون ثقافتنا العلمية فيما يخص بعض الموضوعات " ( صفحة 145 ).
هذه التأشيرات تكفي ، وهناك عشرات غيرها لن يتسع لها المجال والأفضل ألا يتسع ، إذ ليس مقبولاً أن يضيّع المسلم الجاد وقته وجهده في الردّ على ترّهات كهذه التي نجدها في كتاب رجل يوحي حتى اسمه بالتعتيم والتزييف لتمرير اللعبة الماكرة ، وهي ـ مرة أخرى ـ لعبة سبق وأن مارسها الجاهليون القدماء ، وها هم الطائفيون الجدد يعيدون تمثيلها من جديد : ( وقال الذين كفروا إن هذا إلاّ إفك افتراه وأعانه عليه قوم آخرون فقد جاءوا ظلماً وزوراً . وقالوا أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلا . قل أنزله الذي يعلم السرّ في السموات والأرض إنه كان غفوراً رحيما ) ( سورة الفرقان 4 ـ 6 ).
المصدر : موقع التاريخ (عند النقل ذكر المصدر)

التعليقات مغلقة على هذه المقالة
جديد المقالات المزيد
أبو الحسن على الحسنى الندوي

أبو الحسن على الحسنى الندوي

عبد الماجد الغوريّ هو المربّي العظيم ، والداعية الحكيم ، والمفكّر...

القضاء في العالم الإسلامي من الشريعة إلى القانون – الأسباب والممهدات

القضاء في العالم الإسلامي من الشريعة إلى القانون – الأسباب والممهدات

عبد العزيز بن أحمد البداح عنوان الكتاب: القضاء في العالم الإسلامي...

التاريخ وأثره في تربية الأجيال

التاريخ وأثره في تربية الأجيال

د / محمد حاج عيسى الجزائري الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام...

جديد الأخبار المزيد
يلدريم: النظام الرئاسي سيُفعل رسمياً في الاستحقاق الانتخابي 2019

يلدريم: النظام الرئاسي سيُفعل رسمياً في الاستحقاق الانتخابي 2019

أعلن رئيس الوزراء التركي ابن علي يلدريم أنّ نظام الحكومة الجديد سيتم...

ضغوطات إسرائيلية تلغي فيلما عن الأسرى الفلسطينيين في لندن

ضغوطات إسرائيلية تلغي فيلما عن الأسرى الفلسطينيين في لندن

استجاب فندق تارا، الأحد، لضغوطات اللوبي الصهيوني ببريطانيا...

وزير يمني يتهم الحوثيين باحتجاز قوافل إغاثية في طريقها لتعز

وزير يمني يتهم الحوثيين باحتجاز قوافل إغاثية في طريقها لتعز

اتهم وزير في الحكومة اليمنية الشرعية، الأحد، جماعة الحوثيين وحلفائهم...

  • أيام في سيلان والمالديف