• الصليب وحكاياته

حول قداسة الحكام في تاريخنا

May 25 2011 08:30:30

الكاتب : د.عماد الدين خليل

[ 1 ]
طالما ردّد العديد من الباحثين في دوائر الاستشراق النصراني أو الماركسي ، بأن هناك صعوبة كبيرة تقف في وجه الدارس للتاريخ الإسلامي ، وهي أن الشخصيات الإسلامية أحيطت بالقدسية ولاسيما الخلفاء ، بل إنه حتى أولئك الخلفاء الذين بلغوا أقصى حدّ من الانهيار والانحراف ، ظلّوا محاطين بالتقديس ما داموا يستمدون سلطتهم من الدين باعتبارهم منفذّين للشريعة ومفسّرين لكلمة الله !
والحق أن هذه المقولة قد لا تعني شيئاً على الإطلاق إن لم تضبط وتحدّد تحديداً دقيقاً ، ومن ثم فان إطلاقها على عواهنها قد يكون نوعاً من التعميم الذي هو نقيض البحث العلمي الجاد.
فإذا أريد بالقدسية : العصمة أو التنزيه عن الخطأ والنقد والاعتراض ـ وهذا هو الراجح ـ فان الشخصيات الإسلامية ، بما فيها الخلفاء ، كانت تجتهد رأيها فتصيب وتخطيء ، وكلنا يذكر عبارة مالك بن أنس ( رحمه الله ) : " كل بني آدم يؤخذ منه ويردّ عليه إلاّ صاحب هذا القبر " ويعني النبيّ المعصوم عليه أفضل الصلاة والسلام ، بل إن الخلفاء الراشدين ( رضي الله عنهم ) قالوها مراراً وأعلنوها تكراراً : إنهم جاءوا لكي ينفذوا أمر الله ويلتزموا شريعته المتضمنة في كتاب الله وسنة رسوله ( صلى الله عليه وسلم ) فان أصابوا فبها ، وإن أخطئوا فان من حق الأمة التي ارتضتهم أن تقوّمهم وتردّهم إلى الطريق.
وكلّنا يذكر خطبة أبي بكر الصديق ( رضي الله عنه ) التي استهلّ بها خلافته " أيها الناس إني قد وليت عليكم ولست بخيركم ، فان أحسنت فأطيعوني وإن أسأت فقوّموني .. أطيعوني ما أطعت الله ورسوله ، فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم .. " .. ويذكر خطبة عمر بن الخطاب ( رضي الله عنه ) : " ولست أدع أحداً يظلم أحداً حتى أضع خدّه على الأرض ثم أضع قدمي على الخدّ الآخر ، ثم إني أضع خدّي على الأرض لأهل العفاف وأهل الكفاف ".
ويذكر غير هذا وذاك الكثير من الوقائع في هذا الاتجاه : قال حذيفة بن اليمان : دخلت على عمر بن الخطاب ـ يوماً ـ فرأيته مهموماً حزيناً فقلت له : ما يهمك يا أمير المؤمنين ؟ قال : إني أخاف أن أقع في منكر فلا ينهاني أحد منكم تعظيماً ، فقلت : والله لو رأيناك خرجت عن الحق لنهيناك !! ففرح عمر وقال : الحمد لله لذي جعل لي أصحاباً يقوّمونني إذا أعوججت !
ويوماً صعد على المنبر وقال : يا معشر المسلمين ماذا تقولون لو ملْتُ برأسي إلى الدنيا كذا ؟ فقام إليه رجل فقال : أجل .. كنا نقول بالسيف كذا ( وأشار بالقطع ). فقال عمر : إياي تعني بقولك ؟ أجاب الرجل : نعم إياك أعني بقولي. فقال عمر : رحمك الله ! الحمد لله الذي جعل في رعيّتي من إذا تعوّجت قوّمني !
وعن الحسن بن علي ( رضي الله عنهما ) قال : كان بين عمر بن الخطاب وبين رجل كلام في شيء ، فقال له الرجل : اتقّ الله ، فقال رجل من القوم : أتقول لأمير المؤمنين اتق الله ؟ قال عمر : دعه ، فليقلها لي ، نعم ما قال ، لا خير فيكم إذا لم تقولوها ، ولا خير فينا إذا لم نقبلها !.
ويوماً نادى : الصلاة جامعة .. فلما اجتمع المسلمون صعد المنبر وقال : أيها المسلمون لقد تذكرتني وأنا أرعى لخالات لي من بني مخزوم فيقبّضنني القبضة من التمر أو الزبيب ، ثم نزل. فقال له عبد الرحمن بن عوف : ماذا أردت بهذا يا أمير المؤمنين ؟ فأجاب : ويحك يا ابن عوف ، لقد خلوت إلى نفسي فقالت لي : أنت أمير المؤمنين ، وليس بينك وبين الله أحد فأنت أعلى الناس ، فأردت أن أعرفها قدرها !.
وعثمان بن عفان ( رضي الله عنه ) وقف ـ فيما يحدثنا الطبري في تاريخه ـ يدافع عن نفسه أمام جموع الثائرين ويدلي بحججه واحدة تلو أخرى وهم يثنّون عليها ، وأبى أن تسفك من أجله قطرة دم واحدة ، فضلاً عن أن يحتمي ـ وحاشاه ـ بقدسية مزعومة تضع بين خلفاء رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وبين جماهير أمتّهم سدّاً ، وتدمرّ حقهم في الاعتراض.
وعلي بن أبي طالب ( رضي الله عنه ) وقف متهماً جنباً إلى جنب مع المدّعي عليه ، وهو أمير المؤمنين ، والمدّعي يهودي من غير أبناء الأمة المتفوّقة .. يقف قبالة القاضي لكي يدفع التهمة عن نفسه.
وعمر بن عبد العزيز ( رحمه الله ) يعلن عن جائزة قدرها ثلاثمائة دينار لكل من يقطع الطريق الطويل ، ويجيء إلى دمشق ـ قاعدة الخلافة ـ لكي يقول هناك كلمة ( الحق ) في مواجهة أمير المؤمنين !
 [ 2 ]
تجاوز الخلفاء الراشدون ( رضي الله عنهم ) ما يسمى بالديمقراطية التي عرفها الغرب ، والتي كانت في كثير من الأحيان لا تعبّر سوى عن مصالح شرائح محدّدة من المجتمع .. تجاوزوها إلى نوع مركّب من الديمقراطية ( إذا استخدمنا تعبير مالك بن نبي رحمه الله ) .. فكانوا يطلبون من جماهير أمتهم أن تنقدهم وتقوّمهم ، ويحضّونها على ذلك ، ويربّونها عليه.
بل إن الراشدين يمضون إلى ما هو أبعد من هذا ، فيقاتلون شبح الافتتان في أنفسهم وعند الآخرين .. والافتتان وجه من وجوه القداسة ، ومقاتلته تعني إشهار الحرب ضد القداسة الموهومة التي لا تقوم على أساس ، والتي تقترب بالناس ـ أحيانا ـ من حافات الصنمية التي جاء الإسلام ثورة حاسمة لاستئصالها من الضمائر والنفوس.
لقد عزل عمر بن الخطاب ( رضي الله عنه ) قائده الفذّ خالد بن الوليد خشية افتتان الناس به بسبب من انتصاراته العجيبة فيما تذهب إليه أرجح الروايات.
وهو يلاحق جذور الافتتان في أعماق نفسه من أجل أن يستأصلها ، وهو من أجل ذلك يمارس نوعا من تعرية الذات في مواجهة ( الآخر ) كي يحقق هدفه بأكبر قدر من الدفع والتكشّف ، فيما مرّ بنا قبل قليل.
والمواقف كثيرة مزدحمة ، والراشدون يمنحون تاريخ البشرية غنى عجيباً في دائرة حرية التعبير ، والنقد ، والمعارضة، وغير الراشدين ممن ساروا على هديهم واقتفوا خطواتهم حكاماً وخلفاء وأمراء ، قدّموا مثلاً عملياً على إسقاط مفهوم القداسة بمعنى التنزّه عن النقد والمعارضة والإدانة .. وبمعنى الافتتان بالذات ، والارتفاع فوق رؤوس الناس ، وتدمير تحرّرهم الوجداني الذي هو قاعدة شهادة ( لا اله إلا الله ) كما يفهمها المسلمون بعفوية وصدق بالغين !
وإننا لنذكر ها هنا ـ فضلاً عما أوردناه ـ ما فعله السلطان المجاهد نور الدين محمود ( 541-569 هـ ) في أعقاب واحدٍ من انتصاراته الحاسمة ضد الصليبيين عند قلعة حارم في شمالي الشام عام 559 هـ إذ يتقدّم منه قاضي قضاته الشيخ النيسابوري ويقول له: لولا بلاؤك ما تحقّق لنا النصر ! فماذا يكون الجواب ؟ : " مَنْ نور الدين محمود الكلب حتى تقول له هذا ؟ قبلي من حفظ الإسلام وبعدي من سيحفظه ، ذلك هو الله الذي لا اله إلاّ هو !! ".
وفي فترات زمنية سابقة كان الخليفة العباسي قد اعتقل مالك بن أنس وأبا حنيفة النعمان ( رحمهما الله ) لأنهما أصدرا فتوى بشرعية إحدى الثورات ضده !! وضرب خليفة عباسي آخر الإمام أحمد ابن حنبل بالسياط لأنه رفض الاعتراف بالمذهب الاعتزالي الذي أعلنته الدولة مذهباً رسمياً !! وهؤلاء هم فقهاء الأمة وممثلوها أمام الله .. والسلطان .. والحق .. فلو كان الخليفة العباسي " مقدّساً " أو " محاطاً بهالة من القدسية " كما يدّعي العلمانيون والماركسيون ونصارى الاستشراق ويهوده ، فكيف يبيح هؤلاء الفقهاء لأنفسهم خرق قدسية تستمدّ مقوّماتها من الدين الذي يعبّرون عنه ويذودون ؟
وليس مهمّا أن يدّعي بعض خلفاء بني العباس قدسية ما أنزل الله بها من سلطان ، يذودون بها عن سلطتهم .. وليس مهّما ـ أيضاً ـ ادّعاؤهم حق التفويض الإلهي بحكم المسلمين حكما مطلقا .. ولكن المهم هو موقف الخلفاء الأكثر تمثيلاً لحقيقة هذا الدين إزاء هذه القضية ، وقد أشرّنا على نماذج منه .. كما أن من المهم موقف جماهير الأمة وقادتها من المسألة نفسها ، وقد عرضنا لشاهد منه ..
وما لنا ألا نرجع إلى الرسول المعلّم نفسه ( عليه أفضل الصلاة والسلام ) وهو النبيّ المبعوث ، لنعاين بعض مواقفه إزاء القدسية المزعومة هذه .. تلك المواقف التي تصفع مقولات كذبة العصر الحديث ودجّاليه من أعداء هذا الدين ..
رأى ( صلى الله عليه وسلم ) رجلاً يرتعد أمامه تعظيما وخوفا فقال له : هوّن عليك فإنما أنا ابن امرأة كانت تأكل القديد وتمشي في الأسواق !
وكان يقول لأصحابه : لا تقوموا لي كما تقوم الأعاجم لأكاسرتها ! وعندما خرج لتشييع ابنه الصغير إبراهيم .. حدث وأن تعرّضت الشمس لكسوف جزئي فقال بعض المشيعين إنها كسفت لموت إبراهيم .. فردّ رسول الله : إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا تنكسفان ولا تنخسفان لموت أحد من الناس ..
وعندما دخل مكة فاتحا .. وهو حلمه الكبير الذي انتظره السنوات الطوال ، دخلها وهو يطأطئ رأسه ويطأطئه حتى مسّت لحيته الشريفة ظهر ناقته القصواء خجلاً من الله سبحانه وعرفانا بالنصر الذي منحه إياه ..
نقارن هذا بصورة نابليون بونابارت المعلّقة على جدران اللوفر في باريس ، لحظة دخوله برلين فاتحاً بعد معركة ( ينّا ) ضد الألمان عام 1807م .. كان منتفخ الأوداج .. مصعّر الخدّ .. دافعا بصدره إلى الأمام غرورا واستكبارا ..
فأين هو ادّعاء القدسية يا أدعياء البحث العلمي في التاريخ ؟!
[ 3 ]
فماذا عن موقف " مؤرّخينا " من مسألة القدسية المزعومة هذه ؟
مع اعترافنا المحتوم بحشود الأخطاء التي وقع فيها معظمهم ، مبالغة أو تحزّباً أو تحريفاً أو قبولاً للأكاذيب ، فيما دفع مؤرّخاً كابن خلدون إلى وضع ( مقدمته ) المعروفة لصياغة معايير منهجية من أجل حصر وتجاوز هذه الأخطاء في التعامل مع المرويات التاريخية .. رغم هذا ، فان معظم هؤلاء المؤرخين حكوا عن الأسود والأبيض في سير الخلفاء وغير الخلفاء .. والتقديس الذي أحاط به بعض الخلفاء أنفسهم ، لم يمنع العديد من المؤرخين من سرد الحقائق كما هي حتى وإن كشفت عن عيب أو نقيصة في هذا الخليفة أو ذاك .. بل إن مؤرخاً كبيراً كالطبري رفض قبول أية هدية من السلطة من أجل ألا يكون ذلك على حساب تحرّره من أي ضغط ، وقدرته على سرد الحقيقة كما هي دون زيادة أو نقصان.
وثمة فرق كبير بين اعتبار الخليفة محوراً أساسياً تتمحور عنده الرواية التاريخية بسبب من دوره الأساسي في صناعة الحدث التاريخي ، وبين إحاطته بالقدسية التي تخرجه بالكلية عن دائرة النقد والتقويم ، وتحيطه بالهالة التي يخدع بها عامة المسلمين ، والتي تجعل المؤرخ أو دارس التاريخ الإسلامي لا يستطيع أن يتناسى هذه القدسية التي أضفيت على الخلفاء وغير الخلفاء ، ولا يستطيع أن يجرّدهم من الهالة الدينية التي زادها مرور الزمن شدة وقوة ! كما يزعم خصوم هذه الأمة !
وبمقدور أي قارئ عادي ، فضلاً عن الدارس المتخصّص ، أن يرجع إلى أي من مصادرنا التاريخية : ( المسعودي في مروج الذهب ، أو الطبري في تاريخ الرسل والملوك ، أو الدينوري في الأخبار الطوال ، أو ابن الأثير في الكامل ، أو ابن كثير في البداية والنهاية .. وغيرهم ) لكي يرى بأم عينيه حشوداً من الروايات التي تمدح هذا الخليفة أو ذاك ، وحشوداً أخرى تقدح فيه ، وتنشر مثالبه أمام الأجيال ! وهو أمر قد لا يحتاج بأكثر من إلقاء نظرة عجلى على معطيات تلك المصادر.
وثمة ما يجب أن نقف عنده لحظات ها هنا ، ذلك أن تراث الأجداد في ميدان البحث التاريخي لا يقتصر على نمط واحد فحسب هو التاريخ السياسي العام ، كالذي أنجزه المؤرخون الذين أشرنا إليهم ، لكي نبني عليه حكماً عاماً ينطوي على كونه تاريخاً للفئة الحاكمة أولاً ، وعملاً يتجاوز النقد ويتحاشى الكشف عن العيوب والأخطاء بسبب من إحاطة أفرادها بالقدسية ، من جهة ثانية .. فنحن ـ حتى على فرض التسليم بهاتين المقولتين اللتين قد ترتبطان بمصنّفات التاريخ السياسي العام ـ فان علينا أن ننتبه إلى الأصناف الأخرى من التآليف في حقل التاريخ والحضارة الإسلامية، وأوّل ما يلفت النظر في هذا السياق ، ذلك الصنف المعروف " بكتب التراجم " والتي تمثل الصنف الأكثر كثافة وازدحاماً في المكتبة التاريخية الإسلامية ، حيث تكاد تغطي نسبة سبعين إلى ثمانين بالمائة من رفوف هذه المكتبة.
وكتب التراجم هذه ، بمساحتها الواسعة تلك ، لا تتعامل إلا في حالات محدودة ، مع الفئة الحاكمة ، وتقف عندها ، ولكنها تمضي إلى قلب المجتمع ، إلى كل أولئك الذين أغنوا الحياة الفكرية والثقافية في تاريخ الأمة المسلمة ، علماء وفقهاء ونحاة وأطباء وقضاة ولغويين ومحدّثين وشعراء ومعماريين ومهندسين وفلاسفة وفلكيين ومفسّرين وجغرافيين ومؤرخين .. إلى آخره .. بصرف النظر عن قربهم أو بعدهم عن السلطة .. وبالتالي بصرف النظر عن كل محاولات القداسة التي يدّعي الباحثون إياهم أن رجالات السلطة قد أحاطوا أنفسهم بها ، فصدّوا البحث التاريخي بالتالي عن أن يمضي قدما للكشف عن الحقائق بشكل موضوعي غير متحيّز.
إننا في دائرة كتب التراجم هذه ، نلتقي بمئات ، بل بألوف الناس الذين جاءوا من قاع المجتمع حيناً ، ومن طبقاته الوسطى حيناً آخر ، والذين ما كانت لهم أيما علاقة مباشرة أو غير مباشرة بمراكز الحكم والسلطان ، ومن ثم فان بمقدور الباحث في العصر الحديث أن يجد أمامه واحدة من أوسع الشرائح في مجموعة المصادر التاريخية بعداً عن ادّعاءات التأثيرات الخاصة بقدسية الحكام !
فإذا أضفنا إلى كتب التراجم  الأنماط الأخرى التي تغذّي البحث التاريخي ، والتي لا ترتبط هي الأخرى بمراكز الحكم والسلطان ، من مثل كتب الجغرافيا والرحلات ، والتاريخ المحلّي ، وتواريخ المدن والأقاليم ، وكتب الخطط ، ومصادر التاريخ الأدبي ، والمصنفات الموسوعية .. إلى آخره .. أدركنا كم أن القياس على مصادر التاريخ السياسي العام وحدها يتضمن قدراً من التعميم الخاطئ الذي هو نقيض المطالب المنهجية ، هذا رغم أنه ـ مما يتناقض مع هذه المطالب كذلك ـ اعتبار مصادر التاريخ السياسي العام انعكاساً لحالة التقديس ـ المبالغ فيها ـ والتي قال الأدعياء بأن الخلفاء والحكام أحاطوا بها أنفسهم ، فصدّوا المؤرخين عن إنجاز أعمال تتسم بالدقة والموضوعية كما خيّل إليهم ..
 [ 4 ]
ثمة ما يرتبط بما ذكرناه لدى قساوسة الاستشراق وحاخامات التفسير المادي للتاريخ وأنصاف الملاحدة من العلمانيين .. وكلهم من خصوم هذه الأمة وعقيدتها وتاريخها ، رغم أن بعضهم من المحسوبين على الجغرافيا الإسلامية ويحملون في دفاتر نفوسهم أسماء إسلامية !!
إنهم يخلطون بين الخلفاء الراشدين ومن تبعهم بإحسان ، وبين غيرهم من سلاطين المسلمين وخلفائهم وحكامهم .. ثم هم يخلطون هؤلاء جميعاً بأباطرة النصرانية وملوكها وباباواتها في القرون الوسطى ، حيث لا اعتراض ولا نقد ، لأن الاعتراض يعني الكفر ، والنقد يعني الهرطقة .. وصكوك الغفران تمضي بهؤلاء وهؤلاء إلى حافات الذّل والعذاب في الحياة الدنيا ، وتدمغهم بالطرد من الجنة في الآخرة .. ثم هم يمضون خطوة أخرى فيعلنون أن أوربا قدرت على فصل الدين عن السياسة في نهاية الأمر ، فحرّرت السلطة هناك من القداسة ، ومكنّت المؤرخين ـ بالتالي ـ من أن يكتبوا تاريخاً أشد دقة وإحكاماً ، بينما عجز الشرق الإسلامي عن تحقيق هذا الفصل فامتلأ تاريخه بالتزوير والتحوير ! وأصبح ـ من ثم ـ بحاجة ، بعد إذ تحقق الفصل الموعود ، إلى أن يكتب من جديد !
لقد كان اقتران الديني بالدنيوي في أوربا ـ ولأسباب تاريخية ليس هذا مجالها ـ نقيضاً لحرية التعبير الفكري أو المذهبي أو الذاتي ، بل نقيضاً حتى لحرية التعبير العلمي ، ومن ثم جاءت خطوة فك الارتباط بين الحلقتين وبعد صراع مرير ، لصالح الحرية الإنسانية في مجالاتها كافة ، بما فيها البحث العلمي والتاريخي على وجه الخصوص ، حيث لم يعد ثمة ما يصدّ الباحث عن المضي قدماً في التحقق بأكبر قدر من الموضوعية.
وعلى العكس تماماً ، فان اقتران الديني بالدنيوي في عالم الإسلام ، كان تأسيساً للحرية وتأكيداً لها في سائر السياقات الفكرية والمذهبية والذاتية ، ودفعة قوية في مجال حرية التفكير وإنشاء مؤسسات وتقاليد ومناهج البحث العلمي الذي يؤكد الغربيون اليوم كم أنهم في حضارتهم المتفوّقة الراهنة مدينون بصدده لعالم الإسلام وحضارته وتقاليده.
وهؤلاء الأدعياء يتوهمون ، أو يتعمدون التوّهم ، بأن هناك توازياً بين التجربتين النصرانية والإسلامية ، ويصرّون على استخدام عبارة " العصور الوسطى " كإطار زمني للتجربتين من أجل تأكيد وهمهم هذا ، وهو أسلوب في التعميم لا يستند إلى أساس سليم ، فليس المهم أن تحدث التجارب في زمن واحد ، وإنما المهم هو طبيعة التجربة ومكوّناتها الأساسية ، وتوجهاتها الرئيسة ، فها هنا بصدد الطبيعة والمكونات والتوجهات ، نجد التجربتين تفترقان ابتداء ، وعلى زاوية مائة وثمانين درجة ، فتذهب إحداهما في اتجاه وتمضي الأخرى في اتجاه معاكس تماماً ، ومن ثم فأن أية مقارنة بين التجربتين تحترم العلم والمنهج ، يجب أن تلحظ هذا ، وإلاّ فأنه التعصّب الأعمى ، أو الجهل ، ما يجعل أدعياء العلمية هؤلاء يخلطون بين التجربتين ، ويضعون البيض كلّه في سلة واحدة.
لقد كانت إحدى أهم نقاط الارتكاز في العقيدة والتصور الإسلاميين هو التحرّر العقلي والسلوكي والوجداني من أية شبهة قد تقود إلى القداسة والصمنية والافتتان ، وإقامة الأسلاك الشائكة ضد النقد والتقويم، ولقد كان هذا أمرا طبيعيا لأنه ينبثق عن قاعدة الإسلام الأساسية : التوحيد المطلق لله سبحانه ، وضرب كل صور الشرك والعبودية لغيره، حتى إننا لنجد رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) يبذل جهداً صعباً مع أصحابه الكرام ( رضي الله عنهم ) فيربّي فيهم هذا الحسّ بدءً من التعامل معه كنبيّ ، وأن عليهم أن يفرّقوا بشكل حاسم بينه كرسول ينقل إليهم تعاليم السماء ، ويفسّرها ، ويوضحها ، وبينه كانسان ( بشر ) فيما أكده القرآن الكريم أكثر من مرة : ( قل : إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي إنما إلهكم إله واحد )، ( قل: سبحان ربي هل كنت إلاّ بشراً رسولا ؟ ).
بينما في التجربة النصرانية المحرّفة تصير القاعدة هي الشرك والتثليث ، وتصبح قداسة الأشخاص وصنميات التسلسل الكهنوتي حاجزاّ عالياً صعباً يصدّ المنتمين للنصرانية عن أية محاولة للتجاوز بالنقد والتقويم والاحتجاج ، لأنهم ـ ابتداءً ـ انكسروا من الداخل .. اعتادوا الانحناء للرموز النصرانية وعدم مواجهتها بسبب من أنهم مررت عليهم أسطورة التثليث والقداسة فتكيفوا عقليا وسلوكيا ووجدانيا وفق مطالبها الموهومة.
ولقد انعكست كل من التجربتين الإسلامية والنصرانية على التاريخ .. على معادلات الزمان والمكان ، فتشكلت أولاهما وفق مبادئ ومنطلقات تختلف في جوهرها عما تشكلت به الأخرى.
المصدر : موقع التاريخ (عند النقل ذكر المصدر)

التعليقات مغلقة على هذه المقالة
جديد المقالات المزيد
صفحة من تاريخ العلوم: أول كتاب في المدفعية

صفحة من تاريخ العلوم: أول كتاب في المدفعية

إن ظهور سلاح المدفعية واستخدامات البارود قد ترافق في أوروبا مع بداية...

حركة الشيخ رابح بن فضل الله ضد الاستعمار الفرنسي في تشاد

حركة الشيخ رابح بن فضل الله ضد الاستعمار الفرنسي في تشاد

  فرج كُندي مقدمة  تعتبر حركة المجاهد الكبير رابح من فضل...

لنتذكّر في ذكرى الهجرة

لنتذكّر في ذكرى الهجرة

لقد كان نجاح الإسلام في تأسيس وطن له وسط صحراء تموج بالكفر، أعظم كسْب...

جديد الأخبار المزيد
مجلس الأمن يعقد أول جلسة علنية حول ميانمار الخميس

مجلس الأمن يعقد أول جلسة علنية حول ميانمار الخميس

يعقد مجلس الأمن الدولي بعد غد الخميس، أول جلسة مفتوحة حول الانتهاكات...

مقتل ثلاثة جنود إسرائيليين إثر عملية إطلاق نار شمال القدس

مقتل ثلاثة جنود إسرائيليين إثر عملية إطلاق نار شمال القدس

أعلنت شرطة الاحتلال الإسرائيلي عن مقتل ثلاثة جنود وإصابة رابع إثر...

مناورات عسكرية مشتركة بين تركيا والعراق عقب استفتاء كردستان

مناورات عسكرية مشتركة بين تركيا والعراق عقب استفتاء كردستان

قالت رئاسة الأركان العامة التركية إن المرحلة الثالثة من المناورات...

  • أيام في سيلان والمالديف