• الصليب وحكاياته

في الفكر الخلدوني والتصوّر الإسلامي

May 25 2011 08:30:06

الكاتب : د.عماد الدين خليل

بما أن منهج ابن خلدون في المقدمة ، ومعطياته في حقول المعرفة عامة ، والتاريخ على وجه الخصوص ، قد قيل فيها وكتب الكثير ، فان البحث سيتجاوز هاتين المسألتين قدر الإمكان ، صوب محاولة للكشف ، أو التأكيد بعبارة أدق على طبيعة الارتباط بين الفكر الخلدوني والتصور الإسلامي في خصائصه ومقوماته  وصولاً إلى أن هذا النتاج لم يكن هبة قادمة من الفراغ ، وأنه لم يتشكل في عقل ابن خلدون ابتداءً ، ولكنه وليد البيئة الحضارية الإسلامية التي قدّر له أن يكون ابنها البار.
قد يكون غريباً التأكيد على هذه المسألة التي قد تبدو للبعض أمراً بديهياً ، ولكننا إذا تذكرنا عدداً من استنتاجات الباحثين والمفكرين المحدثين والمعاصرين بصدد المقدمة ، عرفنا أن تأكيداً كهذا ضروري كنوع من إعادة الأمر إلى نصابه بعد أن جنحت به التحليلات الخاطئة ، التي لم تقف عند حد إقامة جدار عازل ، أو حفر خندق عميق بين الإسلامية و ( المقدمة ) في المنهج والمعطيات ، وإنما مضت خطوات أكثر تطرفاً بجعلها ( المقدمة ) بشكل  من الأشكال  نقيضة للإسلامية.
إننا نجد ـ مثلا ـ أن أحد الباحثين الغربيين وهو دي بوير T. J. de Boer ( الهولندي ) يذكر ( أن الدين لم يؤثر في آراء ابن خلدون العلمية بقدر ما أثرت الارسطوطاليسية الأفلاطونية )(1) ويشير باحث آخر هو تاتانيل شميت N. Schmidt الأستاذ بجامعة كورنل بأمريكا إلى أن ابن خلدون " إذا كان يذكر خلال بحثه كثيراً من آيات القرآن  فليس لذكرها علاقة جوهرية بتدليله ، ولعله يذكرها فقط ليحمل قارئه على الاعتقاد بأنه في بحثه متفق مع نصوص القرآن "(2).
وثمة مستشرق ألماني هو فون فيسندنك Von Wesendonk يقول : إن ابن خلدون " تحرر من أصفاد التقاليد الإسلامية في درس شئون الدولة والإدارة وغيرهما ، وأنه حرر ذهنه ـ كذلك ـ من القيود الفكرية التي ارتبطت في عصره بالعقائد العربية الصحيحة "(3).
وبهذا سيكون نتاج ابن خلدون متشكلاً في الفراغ وستكون معطياته في حالة انشقاق عن مطالب الرؤية العقيدية للإسلام الذي ينتتمي إليه ، وستكون النتيجة النهائية أن استنتاجاته لا صلة لها ( بالإسلامية ) بل قد تكون في حالة اصطراع معها ، وقد يقود هذا إلى تكرار الصورة المحزنة للصراع بين العلم والدين ، وإلى أن يوضع ابن خلدون في قائمة واحدة مع برونو ونيكوس وغاليليه ، وإلى جعل الحضارة الإسلامية وجها آخر للحضارة النصرانية بقدر ما يتعلق الأمر بطبيعة الارتباط بين العلم والإيمان.
بل إن التحليل المادي للتاريخ يمضي خطوة أبعد ، فيحاول أن يصور منهج ابن خلدون كما لو كان منهجاً جدلياً ، ومعطياته كما لو أنها وليدة رؤية للعالم والظواهر والأشياء لا علاقة لها بالإسلامية من قريب أو بعيد ، بل هي نقيضة لها من أول الرحلة حتى منتهاها.
إننا نقرأ ـ على سبيل المثال ـ واحدة من المحاولات الأكثر حداثة في هذا السياق ( في علمية الفكر الخلدوني ) (4) ونجد الناشر يلخص المحاولة بالاستنتاج التالي : أن " ثورة ابن خلدون الفكرية تكمن ، في أنه حرر الفكر التاريخي من هيمنة الفكر الديني ، بأن اكتشف في واقعات التاريخ عقلها المادي فأحل ضرورة العمران محل الله ـ أو ما يشبهه ـ في تفسير الظاهرات جميعاً ، فاستبدل التأويل بالتفسير ، فكان التفسير بالضرورة مادياً ، وكان علمياً من حيث هو مادي ، دون أن يعني هذا رفضاً للدين أو الشرع ومبادئه ، فالشرع شيء والتاريخ أو العمران شيء آخر ، وليس هذا ذاك ولا ذاك هذا ، ولئن دخل الشرع ، أو الدين في حقل العمران أو التاريخ كما هو واقع الأمر في المقدمة ، فكأمر عمراني أو تاريخي مادي لا كأمر غيبي أو إلهي ،  وينظر فيه حينئذ بعين العمران وقوانينه ، لا بعين الدين ومبادئه ، أو بعين الشرع وأحكامه ، فلمسائل الشرع منطقها ولمسائل العمران والتاريخ منطقها ، ولا يصح في المعرفة الخلط بين المنطقين "(5).
والمسألة في أساسها ليست لعبة لجرّ الحبل بين الإسلاميين والطرف الآخر نصرانياً كان أم علمانياً أم مادياً ، ولكنها محاولة للإضاءة يتبين من خلالها الموقع الذي وقف عليه ابن خلدون ، والدائرة التي تحرك في إطارها.
وفي حالة كهذه فان تفنيد حجج الآخرين سيتضمن ـ ابتداء ـ موافقة على الدخول في اللعبة ، ومن أجل ألا نمسك بالحبل من طرفه الآخر لكي نجر إلينا ابن خلدون بطريقة متعسفة ، فإن علينا أن نتابع بعض الملامح المنهجية والموضوعية في معطياته لكي نعرف الأرضية التي ينشط عليها ، دونما حاجة لإقناع الآخرين أو إرغامهم ـ بقوة الشد ـ على إعادة الفكر الخلدوني إلينا.
والمدى واسع وما قاله ابن خلدون في هذا السياق أوسع بكثير من أن تتحمله صفحات بحث كهذا ، ولذا سيكون الإيجاز أمراً لا مفر منه ، وستتحرك المقاطع التالية على محاور أساسية ثلاثة فحسب في الفكر الخلدوني من بين محاور عديدة أخرى ، مؤشرة على ارتباط هذه المحاور بمنظوره الإسلامي الأصيل : النشاط المعرفي ، الرؤية التربوية ، وحركة التاريخ.
أولاً : النشاط المعرفي :
في حديث ابن خلدون عن طبيعة النشاط المعرفي  وضوابطه لا يكفي أن نقول بأنه كان يملك رؤية متميزة ، ولكن أن نضيف إلى هذا صفة ( الإسلامية ) التي كانت تشكل هذه الرؤية وترسم ملامحها.
يتحدث في مقدمة له بعنوان ( الإنسان جاهل بالذات عالم بالكسب ) عن الفكر بما أنه الخصيصة التي تميز الإنسان عن سائر الحيوانات ، وتمكنه من أداء دوره العمراني في العالم كمستخلف فيه ، وهو هنا يشير إلى ثلاثة أنماط من النشاط العقلي الذي يمارسه الإنسان ويطرح في هذا المجال ـ كما فعل في مجالات أخرى من الباب السادس ـ جوانب عديدة من تصوره لنظرية المعرفة ، ولا يكاد وهو يتوغل في الموضوع أن يفارق طريقته التي اعتادها : الإحساس الدائم بالحضور الإلهي المستمر في التاريخ ، والاستشهاد بآيات من كتاب الله ، وهما أمران لهما دلالتهما على عمق المعنى والرؤية الدينية لدى ابن خلدون ( قد بينا أن الإنسان من جنس الحيوانات ، وأن الله تعالى ميزه عنها بالفكر الذي جعل له ، يوقع به أفعاله على انتظام وهو العقل التمييزي ، أو يقتنص به العلم بالآراء ، والمصالح والمفاسد من أبناء جنسه وهو العقل التجريبي ، أو يحصل به في تصور الموجودات غائباً وشاهداً على ما هي عليه وهو العقل النظري.
وهذا الفكر إنما يحصل له بعد كمال الحيوانية فيه ، ويبدأ من التمييز ، فهو قبل التمييز من النطفة والعلقة والمضغة ، وما حصل له بعد ذلك فهو بما جعل له الله في مدارك الحس والأفئدة التي هي الفكر ، قال تعالى في الامتنان علينا : ( وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة ) فهو في الحالة الأولى قبل التمييز فقط لجهله بجميع المعارف ، ثم تستكمل صورته بالعلم الذي يكتسب بالآته فتكمل ذاته الإنسانية في وجودها.
وانظر إلى قوله تعالى مبدأ الوحي إلى نبيه ( اقرأ باسم ربك الذي خلق ، خلق الإنسان من علق . اقرأ وربك الأكرم . الذي علم بالقلم . علم الإنسان ما لم يعلم )(6) ، أي أكسبه من العلم ما لم يكن حاصلاً له ، بعد أن كان علقة ومضغة ، فقد كشفت لنا طبيعته وذاته ما هو عليه من الجهل الذاتي والعلم الكسبي ، وإشارات إليه الآية الكريمة تقرر فيه الامتنان عليه بأول مراتب وجوده وهي الإنسانية ، وحالتاها الفطرية والكسبية ، في أول التنزيل ومبدأ الوحي وكان الله عليماً حكيما ) (7).
بصدد الفلسفة كطريقة للمعرفة يتحدد موقف ابن خلدون المرتبط برؤيته الدينية الواضحة تحت هذا العنوان ( فصل في إبطال الفلسفة وفساد منتحلها ) وهو يرد في الباب السادس من مقدمته والذي يتناول فيه ( العلوم وأصنافها ) (8) حيث يقوده تحليله العميق إلى القول بتعارض الفلسفة والدين.
وهو موقف إسلامي ذكي مقنع يصدر عن فهم دقيق للعلاقات المتبادلة بين العقل والشرع ، وبين العقل والعالم ، لولا أن ابن خلدون أخطأ العنوان ، أو أن العنوان أخطأ الرجل ، فجاء بهذه الصيغة التعميمية ، و ( التعميم ) هو إحدى ثغرات ( المقدمة ).
( إبطال الفلسفة ) وللوهلة الأولى يبدو أنه يرفض الفلسفة بأنماطها وحقولها واختصاصاتها جميعاً ، ولما كانت هناك أنماط شتى من الفلسفة ، كفلسفة الأخلاق ، وفلسفة الجمال ، فلسفة الفن ، وفلسفة التاريخ : إلى آخره .. وكان هو نفسه فيلسوفاً على هذا المستوى الأخير ، وإن لم يكن مصطلح ( فلسفة التاريخ ) قد برز بعد وتبلور ، تبدى لنا كيف أن الرجل يناقض نفسه ، وكيف يعلن عن إبطاله للفلسفة وفيها من الفروع ما هو ضروري جداً للتقدم الجاد في حقول المعرفة ، ولفهم الارتباطات الشاملة بين الحقائق والظواهر التي تتضمنها هذه الحقول.
لكننا بتجاوز العنوان يتبين لنا ، بمجرد اجتياز الأسطر الأولى أن الرجل لا يقول بإبطال عموم الفلسفة ، وإنما نوع واحد منها فقط هو المسمى بفلسفة الإلهيات أو ما وراء الطبيعة ( الميتافيزيقا ) ، بما أن العقل البشري والأدوات الحسية التي يعتمدها غير قادرتين على سبر أغوار هذا العالم الذي يتحتم ـ على ذلك ـ أن يبقى في دائرة اختصاص الشرائع الدينية الموحى بها من الله الذي لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء ، والذي أحاط ـ سبحانه ـ بكل شيء علما.
وطالما تجاوز العقل وأدواته الحسية حدود اختصاصاتهما المعقولة حيثما انتهى المطاف إلى الضياع ، وحيثما مورس نوع من التبذير في الطاقات البشرية التي كان أحرى بها أن تتجه للعمل في ما هو أقرب إليها وأجدى عليها ، وأن تترك ما وراء العيان لأصحابه الحقيقيين ، فتسلم وتعرف كيف تضع خطاها ، مستمدة الضوء في تلك الدائرة اللامتناهية من مصادر أخرى تفوق العقل والحواس قدرة على رؤية ما يجري هنالك.
إن ابن خلدون يذكرنا ، بموقفه الملتزم هذا بالغزالي ، الذي كان فيلسوفا هو الآخر ، ولكنه سدد ضربات قاسية للفلسفة بمعناها الميتافيزيقي هذا في كتابه ( تهافت الفلاسفة ) على وجه الخصوص ، ويذكرنا ـ في الجهة الأخرى ـ بجهود حشد كبير من الفلاسفة المسلمين : الكندي ، الفارابي ، ابن سينا .. إلى آخره ، كانوا أشبه بظلال لفلاسفة اليونان ، أفنوا أعمارهم في هذا الحقل وكتبوا كثيراً في الإلهيات ، وأجهدوا عقولهم في تحليل معطيات ما وراء الطبيعة بحثاً عن العلة والمعلول وواجب الوجود ومتناهي الأول ، ولم يصلوا ـ في نهاية الأمر ـ إلا إلى تعميمات وإشارات معقدة غامضة.
صحيح أنها في معظمها أكدت التوجه صوب الله الواحد سبحانه ، إلا أنها استنزفت من قدرات العقل البشري جهداً أكبر بكثير من النتائج التي بلغتها ، لأنه ضرب في يم ليس من السهولة بمكان الوصول إلى مرافئه وشواطئه ، في وقت كانت الشرائع الموحى بها من الله سبحانه وتعالى قد حسمته بوضوح وإعجاز بالغين ، ولأن جهداً كهذا أحرى أن يبذل فيما هو أجدى على الإنسان والعمران البشري في تقدمه ورقيه.
وما لنا ألا نرجع إلى ابن خلدون نفسه لكي نرى ما الذي يريد أن يقوله : " هذا الفصل وما بعده(9) مهم لأن هذه العلوم عارضة في العمران كثيرة في المدن ، وضررها في الدين كثير ، فوجب أن يصرح بشأنها ويكشف عن المعتقد الحق فيها ، وذلك أن نوعاً من عقلاء النوع الإنساني زعموا أن الوجود كله ، الحسي منه وما وراء الحسي ، تدرك ذواته وأحواله بأسبابه وعللها بالأنظار الفكرية والأقيسة العقلية ، وأن تصحيح العقائد الإيمانية من قبل النظر ( أي العقل ) لا من جهة السمع ( أي النقل عن الشرائع الموحى بها من الله سبحانه ) فإنها بعض من مدارك العقل.
وهؤلاء يسمون فلاسفة ، جمع فيلسوف ، وهو باللسان اليوناني محب الحكمة. فبحثوا عن ذلك وشمروا له ووضعوا قانونا يهتدي به العقل في نظره إلى التمييز بين الحق والباطل ، وسموه بالمنطق ، وبعد أن يعرف بالمنطق يقول " .. ثم يزعمون أن السعادة في إدراك الموجودات كلها ، ما في الحس وما وراء الحس ، بهذا النظر وتلك البراهين " (10).
فهو إذن يرفض ما يريده هؤلاء الفلاسفة من تحكيم للعقل في مسائل الحس وما وراء الحس ، ومن إخضاعه ـ حتى ـ للعقائد الإيمانية التي تند عن دائرة المعقول والمحسوس ، ويرى في ذلك ضرراً كبيراً يلحق بالدين ، لأن هذا الموقف هو في نهاية التحليل تجاوز للاختصاص الذي اختصت به طاقات الإنسان وقدراته ، وهذا التجاوز سيكون على حساب المعطيات الدينية التي وان جاءت في كثير من جوانبها مساوقة لبداهات العقل والحس السليمين ، إلا أنها بصدورها عن مصدر هو أكبر بكثير في رؤيته من العقل والحس ، وأكثر شمولية وموضوعية واستشراقاً ، بما لا يقبل القياس ، يجعلها لا تخضع للحصر الحسي أو العقلي وإلا كانت النتائج التي ستصل إليها إما خاطئة من الأساس ، أو أنها ـ على أقل تقدير ـ ستجعل العقل فوق الدين ، وستفقد الأخير بالتالي إلزاماته الفوقية وأبعاده الغيبية ، وتجعله في نهاية الأمر لعبة يتلهى بها الفلاسفة في ضوء معطيات عقولهم النسبية دون أن يحاول أحدهم يوماً التزام مقولاتها .. وحاشا للدين من هذا المصير.
بل يحدث ما هو أبعد من ذلك : رفض لشريعة الله الموحى بها إلى أنبيائه ( عليهم السلام ) واتباع للشرائع التي يسنها العقل البشري ، وابتكار طريف لمعنى النعيم والعذاب لم يقل به دين من الأديان.
وهذا ما يصل إليه ابن خلدون من خلال تحليله لطرائق هؤلاء الفلاسفة في التدرج من الحسي إلى ما وراء الحسي ، وفي الحكم على مجريات السماء البعيدة استناداً إلى ما يلحظونه في الأرض القريبة .. يقول " وحاصل مداركهم في الوجود على الجملة ، وما آلت إليه ، وهو الذي فرعوا عليه قضايا أنظارهم ، انهم عثروا أولاً على الجسم السفلي بحكم الشهود والحس ، ثم ترقى إدراكهم قليلاً فشعروا بوجود النفس من قبل الحركة والحس بالحيوانات ، ثم أحسوا من قوى النفس بسلطان العقل ووقف إدراكهم فقضوا على الجسم العالي السماوي بنحو من القضاء على الذات الإنسانية ، ووجب عندهم أن يكون للفلك نفس وعقل كما للإنسان. ثم انهوا ذلك نهاية عدد الأحاد وهي العشر ، تسع مفصلة ذواتها جمل وواحد أول مفرد وهو العاشر (11). ويزعمون أن السعادة في إدراك الوجود على هذا النحو من القضاء مع تهذيب النفس وتخلقها بالفضائل ، وأن ذلك ممكن للإنسان ولو لم يرد شرع لتمييزه بين الفضيلة والرذيلة من الأفعال بمقتضى عقله ونظره وميله إلى المحمود منها واجتنابه للمذموم بفطرته ، وأن ذلك إذا حصل للنفس حصلت لها البهجة واللذة ، وأن الجهل بذلك هو الشقاء السرمدي. وهذا عندهم هو النعيم والعذاب في الآخرة .. إلى خبط لهم في تفاصيل ذلك معروف من كلماتهم " (12).
فلا معنى لنزول الأديان إذن ، ولا حاجة لاتصال الوحي ببني آدم عن طريق رسل الله سبحانه ، ما دام أن مجموعة الفلاسفة قادرة بمنهجها الذي يبدأ من الأسفل ويصعد إلى الأعلى على منح الإنسان الدين الذي يسعده ويبهجه ! وهكذا يتبدى لنا الضرر الذي حذر منه ابن خلدون في بداية فصله هذا.
إننا هنا قبالة منهج مقلوب : أن نصل إلى الدين السماوي من خلال الأرض السفلية ، وأن نحظى بنعيم الكلي الخالد من خلال رؤية المحدود الفاني ، وفضلاً عن ذلك ، فإن هذا الجهد المقلوب  يستنزف من العقول البشرية طاقات كبيرة وهي تعمل في غير حقلها ، كان أحرى أن تبذل في مجال تنمية العمران في العالم ، من خلال فهم هذا العالم القريب ومحاولة كشف سننه والسيطرة عليها وتسخيرها لصالح الإنسان فيما هو من اختصاص العقل والحس البشريين.
أما المنهج الديني فهو على العكس من ذلك  يجعلنا نعتمد منهجاً يقف دائماً في وضعه الصحيح : أن السماء هي التي تمنح الأرض الهدى الذي تسير فيه إلى غايتها ، والله سبحانه ، الذي هو أدرى بخلقه هو الذي يبعث بوحيه الأمين ، بين الحين والحين ، ينقله الأنبياء الكرام إلى أجيال البشرية حقبة في إثر حقبة حتى خاتم الأنبياء عليهم السلام. وهكذا فإن الكلي هو الذي يقود المحدود ، وأن الخالد هو الذي يحدد الفاني ، ما دام عالم السماء ، عالم ما وراء الحس والإدراكات العقلية النسبية ، يند عن طاقة الإنسان ، وسعيه فيه لا يعدو أن يكون سعياً ظنياً ، فأحرى بالعقل والحس البشريين أن يتجها للعمل في قلب العالم ، في دراسة مادته وفهم علاقاته وإدراك سننه .. وحينذاك سيعرف الإنسان ، ليس فقط الطرائق التي تمكنه من إعمار العالم كخليفة فيه ، وإنما سيزداد إيماناً بالله والتزاماً بوحيه الأمين من خلال إدراكه للحكمة المقصودة في خلق هذا العالم ، والتناسق المعجز في وظائفه وتركيبه ، وهكذا فبينما ينتهي الأمر بالفلسفة إلى أن تقف نقيضاً للعلم المجدي الفعال ، وأدواته عقلاً وحواساً ، ينتهي الدين إلى تأكيد لهذا العلم وتنشيط لأدواته.
وبعد أن يشير ابن خلدون إلى أن أمام هذه الفلسفة الذي استوفى مسائلها هو أرسطو المسمى بالمعلم الأول ، يلتفت التفاتة ذكية بقوله " ... ثم كان من بعده في الإسلام من أخذ بتلك المذاهب واتبع فيها رأيه حذو النعل بالنعل إلا في القليل ، وذلك لأن كتب أولئك المتقدمين لما ترجمها الخلفاء من بني العباس من اللسان اليوناني إلى اللسان العربي ، تصفحها كثير من أهل الملة من منتحلي العلوم ( الفلسفية ) وجادلوا عنها واختلفوا في مسائل تفاريقها وكان من أشهرهم أبو نصر الفارابي وأبو علي بن سينا .. وغيرهما " (13).
ولكن مهما يكن من أمر هذه الاختلافات فان فلاسفة المسلمين الأول ما كانوا بأكثر من ظلال لأسلافهم اليونان ، اتبعوا رؤيتهم في الفلسفة " حذو النعل بالنعل ".
يأخذ ابن خلدون بعد ذلك بمناقشة وجهات هؤلاء الفلاسفة وتفنيد ما يستحق التفنيد ، فيما لا مجال لاستعراض تفاصيله (14) ، ويختم مناقشاته هذه بقوله " فهذا العلم كما رأيته غير واف بمقاصدهم التي حوموا عليها مع ما فيه من مخالفة الشرائع وظواهرها " ثم يشير إلى الثمرة الوحيدة التي نحظى بها من شجرة الفلسفة هذه تلك هي شحذ الذهن البشري وتمكينه من ترتيب الأدلة المنطقية وسوق البراهين على ما يسعى إلى إثباته.
 وهذا يدل على انفساح صدر ابن خلدون لكل علم بشري وملاحظة سلبياته وإيجابياته على السواء ، في محاولة منه أن يأخذ الحكمة من أي وعاء خرجت كما علمه الرسول صلى الله عليه وسلم أن يكون ، " وأما مضارها ـ أي الفلسفة ـ فهي ما علمت. فليكن الناظر فيها متحرزاً جهده من معاطبها ، وليكن نظر من ينظر فيها بعد الامتلاء من الشرعيات والإطلاع على التفسير والفقه ، ولا يكبن أحد عليها وهو خلو من علوم الملة ، فقل أن يسلم لذلك من معاطبها " (15).
وأما الذين يختارون أن يتحصنوا ـ أولاً ـ بكتاب الله وسنة رسوله عليه السلام ، فلهم ان يسيروا حيث يشاءون ، وان يسبروا غور الفلسفة أياً كانت ، فإنهم سوف يصلون شاطئ الأمان ، وقد ازدادوا إيماناً ويقيناً.
إلا أن ابن خلدون يحبذ " الإعراض عن النظر فيها إذ هو من ترك المسلم ما لا يعنيه " فإن هذه المسائل " لا تهمنا في ديننا ولا في معاشنا فوجب علينا تركها " (16). فكأنه انطلاقاً من موقف الإسلام نفسه ، يريد أن يحفظ على العقل البشري طاقته الفعالة فلا تستنزف فيما هو غير مجد ، ولا تعمل إلا فيما يعود على الإنسان المسلم بالخير في دينه ومعاشه ، أي أن ينصب جهدها في صميم العالم ، لا فيما وراء العالم حيث اختصاص الأديان.
ومن زاوية الرؤية الدينية المتسلحة بالعقل نفسها يدعو ابن خلدون إلى إبطال خرافة التنجيم ، تماماً كما دعا إلى إبطال خرافة فلسفة الإلهيات وما وراء الطبيعة .. كلتاهما خرافة ، بما أنهما تقودان العقل البشري إلى ساحة الكون غير المنظور ، بما لم يتهيأ له أساساً ، والخرافة بمعنى ما هي أن نتحرك إلى أهدافنا بدون الوسائل المنطقية التي تبلغنا تلك الأهداف.
 وإذا كانت الممارسة الفلسفية لما وراء الطبيعة تغطي على عبثها وعقلانيتها بنوع من المنهجية المدعاة وبحشد من المصطلحات المعماة ، فإن التنجيم يضرب بهذا كله عرض الحائط ، ويعتمد أسلوباً في العلم ما أنزلت معطيات العقل والمنطق وبداهاتهما به من سلطان " فهذه الصناعة ـ يقول ابن خلدون ـ يزعم أصحابها أنهم يعرفون بها الكائنات في عالم العناصر قبل حدوثها من قبل معرفة قوى الكواكب وتأثيرها في المولدات العنصرية مفردة ومجتمعة ، فتكون لذلك أوضاع الأفلاك والكواكب دالة على ما سيحدث من نوع من أنواع الكائنات الكلية والشخصية .. " (17) إلى آخر هذا الغثاء.
وهو ينفي أن يكون الأنبياء عليهم السلام قد مارسوا هذا المنهج وحاشاهم " .. ذهب ضعفاء ـ من أصحاب التنجيم ـ إلى أن معرفة قوى الكواكب وتأثيراتها كانت بالوحي ، وهو رأي قائل " خاطئ وضعيف " وقد كفونا مئونة إبطاله .. ومن أوضح الأدلة فيه أن تعلم أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أبعد الناس عن الصنائع ، وأنهم لا يتعرضون للأخبار عن الغيب إلا أن يكون عن الله ، فكيف يدعون استنباطه بالصناعة ويشيرون بذلك لتابعيهم من الخلق " (18).
وبعد أن يستعرض ابن خلدون مقولات بطليموس وتلامذته في هذا الميدان ، يتقدم لتفنيدها بحجج عقلية بينة ويصل إلى القول بأن " تأثير الكواكب فيما تحتها باطل ، إذ قد تبين في باب التوحيد أن لا فاعل إلا الله ، بطريق استدلالي كما رأيته ، واحتج له أهل علم الكلام بما هو غني عن البيان من أن إسناد الأسباب إلى المسببات مجهول الكيفية والعقل متهم على ما يقضي به فيما يظهر بادئ الرأي من التأثير ، فلعل استنادها على غير صورة التأثير المتعارف والقدرة الإلهية رابطة بينها كما ربطت جميع الكائنات علواً وسفلاً ، سيما والشرع يرد الحوادث كلها إلى قدرة الله تعالى ويبدأ مما سوى ذلك.
والنبوات أيضاً منكرة لشأن النجوم وتأثيراتها ، واستقراء الشرعيات شاهد بذلك مثل قوله ( صلى الله عليه وسلم ) : " أن الشمس والقمر لا ينخسفان لموت أحد ولا لحياته " فقد بان لك بطلان هذه الصناعة عن طريق الشرع ، وضعف مداركها مع ذلك من طريق العقل ، كما لها من المضار في العمران الإنساني لما تبعث في عقائد العوام من الفساد إذا اتفق الصدق في إخفائها في بعض الأحايين اتفاقاً لا يرجع إلى تعليل ولا تحقيق. فليلهج بذلك من لا معرفة له ويظن اطراد الصدق في سائر أحكامها ، وليس كذلك ، فيقع في رد الأشياء إلى غير خالقها ".
 ثم يبين أن حظر الشريعة لهذا العبث المدعو علماً ، دفع أصحابه إلى ممارسته بمعزل عن الجمهور ، وتسترهم عن الناس كي لا ينكشف أمرهم وهذا مما زاده إلغازاً وتعقيداً .. " (19).
ومن المنطلق نفسه يرفض ابن خلدون الكيمياء ، لا بمفهومها التجريبي المختبري الذي عرفته بمرور الوقت ، ولكن بمفهومها السحري القديم القائم على الدجل والخرافة والذي كان يطمح بتحويل المعادن الرخيصة إلى ثمينة بأساليب سحرية ملغزة لا تقل سخفاً في تعاملها مع حقائق الطبيعة والكون من الميتافيزيقيا أو التنجيم (20).
إن ابن خلدون في دعوته الجادة إلى إبطال تلك الفنون الثلاثة ـ ولا أقول علوماً ـ الميتافيزيقيا والكيمياء السحرية والتنجيم ، بقدر ما ينطلق من رؤية دينية واضحة وعميقة ، تستمد من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، بقدر ما يؤكد مدى احترامه للعقل البشري ، وانه برفضه هذه الفنون لا يقف بمواجهة العقل والروح العلمية وإنما معها ، وتلك هي طبيعة الرؤية الدينية كما يمنحنا إياها كتاب الله وسنة رسوله عليه السلام (21).
ثانياً : الرؤية التربوية :
التربية بإيجاز شديد ، عمل داينمي يستهدف صقل وتنمية قدرات الإنسان العقلية والروحية والجسدية والوجدانية ، وبما أن الإنسان ـ بإيجاز أيضاً ـ هو صانع الحضارة فإن التربية ـ بالضرورة ـ تغدو صيغة عمل حضاري يحمل قدراً كبيراً من الأهمية.
وابن خلدون هو واحد من المفكرين الرواد الذي أولوا المسألة الحضارية أهمية بالغة ، وتجاوزوا المنظور التسطيحي لقراءة التاريخ البشري صوب التوغل عمقاً لفهم أبعاد معطياته الحضارية ، والقوانين التي تحكمها ، بدءاً وصيرورة ونمواً وفناء .. وليس من قبيل الصدفة ـ إذن ـ ولا لمجرد استكمال الحديث عن كل موضوع وفق نزعة موضوعية فضفاضة ، كما كان يفعل الكثير من الكتاب قبله ، أو بعده ، ليس من هذا القبيل تلك المساحات الواسعة التي يمنحها الرجل للمسألة التربوية في العديد من شعبها واهتماماتها وأنشطتها ، ما دام أن العمل التربوي سعي متواصل في صميم النشاط الحضاري للجماعة البشرية.
وهو يمنحنا تحليلات طيبة ، وعلى قدر كبير من النضج ، بالمقارنة مع المعطيات التربوية الحديثة : عن القيم والأهداف ومحتوى التعليم وطرائقه وأساليبه ، والمعلم والمتعلم ، كما أنه يقف طويلا عند ( نظرية المعرفة ) ذات الارتباط الوثيق بالتربية ، ويقدم ـ في الوقت نفسه ـ رؤية للإنسان من خلال نظرة التربية الإسلامية إليه.
وبما أن الرجل هو ابن البيئة الإسلامية لحماً ودماً وفكراً فإن معطياته التربوية كانت تتشكل بالضرورة من مادة هذه البيئة وتتداخل مع نسيجها.
بعبارة أخرى أنه يتحدث عن التربية الإسلامية على وجه الخصوص لا عن أية تربية أخرى ، وضعية أو غير وضعية ، كما حاول ويحاول بعض الباحثين ، منذ القرن الماضي وعبر بدايات القرن الأخير ، أن يذهبوا ـ كما رأينا ـ ليس على مستوى التربية فحسب ، بل على كافة المستويات المعرفية التي تتضمنها المقدمة.
وتتوزع المادة التربوية على مدى المقدمة ، وتنتشر في أبوابها الستة ، لكنها تتكاثف هنا وتقل هناك ، وفقاً لطبيعة الباب ، أو الفصل الذي يتحدث عن ( موضوعة ) ما قد ترتبط بالمنظور التربوي بشكل مباشر أو غير مباشر ، وقد لا ترتبط به أساساً.
يصدر ابن خلدون في نظرته للإنسان ، والتعامل التربوي معه بالتالي ، عن رؤية إسلامية واضحة تضع هذا الكائن المتفرد في مكانه الحق من العالم.
وهو يؤكد ويعيد تأكيده المرة تلو المرة على تميز الإنسان بالفكر الذي وهبه الله إياه ، متجاوزاً النظرة التجزيئية للإنسان ، متعاملاً معه بمكوناته كافة : العقل والروح والوجدان والحس والغرائز والجسم ، دونما عزل أو نفي أو فصل أو تقطيع ، الإنسان كما خلقه الله سبحانه وكما أراد له أن يكون .. كما يؤكد حتمية النبوات التي أعان الله الإنسان بها على اكتشاف الطريق ، وعلى استخلافه العمراني في العالم ، وتسخير العالم ، بطاقاته وسننه ، لهذا المخلوق المستخلف في الأرض ، لكي يقدر على مواصلة مهمته في التقدم والتحضر والأعمار(22).
هذه هي الخطوط الأساسية ، أو مراكز الثقل الخمسة التي تميز التصور الإسلامي للإنسان ، عن سائر المذاهب والتصورات ، والتي تنبثق عنها بالضرورة طبيعة التربية التي يتحتم اعتمادها لتنمية قدرات هذا الكائن وتمكينه من أداء مهمته في الأرض ، كما تنبثق عنها ملامح وأسس نظرية للمعرفة تتميز هي الأخرى عن سائر النظريات الوضعية ، باتساع مداها وتجاوزه لظواهر الأشياء صوب عالم الباطن والغيب.
ويحمل التعليم قيمته الأساسية في مقدمة ابن خلدون من حيث أنه ضرورة من ضرورات الاجتماع البشري ، وأداة لابد منها لتمكين الجماعة من التحقق بالعيش والرفاهية من خلال الخبرات والصنائع التي تنالها بالتعليم. بل أن الأمر ليتجاوز هذا كله فيغدو التعليم ضرورة لقبول ما جاء به الأنبياء عليهم السلام والانتماء لدعواتهم.
 من خلال نظرة إسلامية شمولية يطل بها ابن خلدون على قيمة التعليم فيجدها تمتد لكي تشمل الأرض والسماء ، الدنيا والآخرة على السواء ، وتلك هي بحق واحدة من أهم ملامح التربية الإسلامية ، بل أهمها على الإطلاق (23).
ويقف ابن خلدون طويلاً عند قيمة العمل ـ الذي تبرمج له وتؤكده الممارسة التربوية التعليمية ـ ويراه ضرورة من ضرورات العمران ، ثم هو كعادته يعالجه من زاوية رؤياه الإسلامية ويبلغ به الأمر القول بأن قيمة الأشياء إنما تقاس بمقدار ما بذل فيها من عمل ، وهو يربط ـ كذلك ـ بين مبدأ التسخير الذي يعرض له كتاب الله للإنسان في هذا العالم ، وحيثما تلفتنا وجدنا الرجل يولي العمل قيمة كبرى كواحد من الوسائل الأساسية لتحقيق مهمة الإنسان في الأرض واستخلافه العمراني في العالم على عين الله وهدى أنبيائه عليهم السلام (24).
حتى إذا ما بلغنا المسائل المباشرة الأكثر ارتباطاً بالعملية التربوية التعليمية ، وجدنا ابن خلدون يقدم مادة طيبة ، ويقف وقفات قد تطول وقد تقصر عند هذه المسألة أو تلك من مسائل التربية والتعليم.
إنه يرى حتمية وجود ( المعلم ) كطرف أساسي في هذه العملية ، سواء استهدفت تخريج العلماء أم الصناع (25). ليس المعلم فحسب ولكنه المعلم الجيد هو المطلوب لتحقيق النتيجة الأفضل. ونجد ابن خلدون يركز المسألة بمبدأ واضح بسيط ولكنه ضروري ، إنه ( على قدر جودة التعليم وملكة المعلم يكون المتعلم ) وهكذا يحتل المعلم مكانه المناسب.
والمهمة التي يمارسها المعلم ليست مجالاً " كيفياً " ولا عملاً مستقلاً بذاته لا يحتاج إلى عوامل مساعدة ، إنها برنامج مرسوم يتدرج من البسيط إلى المركب ، ومن الضروري إلى الكمالي ، وهذا يحتاج إلى زمن ، ولا يستكمل أسبابه إلا بعد تقدم الجماعة خطوات واسعة في تحضرها (26) ثم إن مهمة المعلم لا تنحصر في تعليم هذا الجانب أو ذاك فحسب من أمور المعرفة ، بل تمتد لكي تشمل الجوانب كافة ، أي ما هو علمي وما هو عملي في الوقت نفسه (27).
وهو يعتبر التعليم من ( جملة الصنائع ) باعتباره فناً لابد من الإلمام بأصوله وقواعده لكي يتمكن المعلم الذي يمارسه من تأدية مهمته على الوجه المطلوب (28) إنه يؤكد ( مهنية ) المعلم ، وأن ما يمارسه ليس مجرد علم فحسب وإنما هو ( منهج ) للتوصيل يختلف فيه هذا المعلم عن ذاك ، ويتباين هذا الجيل عن ذاك (29).
وابن خلدون يعرف كيف يربط بين ما يبلغه فن التعليم من مستوى وبين البيئة الحضارية التي ينشط فيها. فالعلاقة بينهما طردية ، وحيثما بلغت جماعة ما شأوا متقدما في المضمار الحضاري ، تقدم معها فن التعليم ونفق سوقه (30). إنه يجد فرصته للحذق والاكتمال في البيئة المتحضرة بسبب ما تتيحه من مجالات أوسع للمناظرة والجدل والحوار في مناحي العلوم ، وتسمح به من الاحتكاك والاتصال والأخذ والعطاء بين الطرائق والمناهج ، هنالك حيث يتألق المعلم الممتاز ، وحيث يجد طلبة المعلم مبتغاهم فيمن يعرف كيف يوصل إليهم المعرفة التي يطلبونها (31).
والتعليم ليس تحفيظاً ، كما أن التعلم ليس حفظاً وإنما هو على جانبيه إعمال للقدرات العقلية وكسب للزمن من أجل التمكن من المعرفة في هذا الحقل أو ذاك (32).
 إن غياب المعلم الجيد يحرم الطلبة من الفرص المواتية للتعلم ، كما يحرم الجماعات من كسب عامل الزمن في الصراع من أجل المعرفة (33).
وإذا كان ابن خلدون ـ فيما سبق ـ يقف عند حدود العلاقة بين درجة التحضر عموماً ومستوى التعليم والتعلم ، فانه لا ينسى أن يشير إلى بعض المفردات ( المساعدة ) التي تعين على تحسين العملية التعليمية والتربوية عموماً. منها ـ بطبيعة الحال ـ الإكثار من بناء المؤسسات التعليمية من مدرسة وزاوية ومسجد ورباط ، ومنها وقف الأوقاف على هذه المؤسسات من أجل أن تسير العملية بنجاح ، ويجد المعلم والمتعلم فرصته لتجاوز الانهماك بالضرورات فيتحرر منها ، بالضمان المعاشي الأكيد ، لكي يتفرغ لما هو بصدده : ذاك لمهنته وهذا لمهمته. فحيثما كثرت الأوقاف والضمانات وعظمت
الغلات والفوائد ، كثر طالب العلم ومعلمه وأحسنوا مهمتهم ( ونفقت أسواق العلوم وزخرت بحارها ) (34).
وبما أن التعليم يعني توصيل الحقائق المعرفية بين طرفين  فإن ابن خلدون يقف بعض الوقت عند نوعين من صيغ التوصيل : الصيغة الشفاهية التي تتم مباشرة بين العالم والمتعلم ، والصيغة الكتابية التي تتم بشكل غير مباشر بينهما من خلال الكتب والمؤلفات (35) ، وهي الصيغة الأكثر ذيوعاً وانتشاراً بسبب من أن المؤلف كخزين للمعرفة أكثر دواماً من صاحبه ، وأكثر قدرة على الانتشار في المكان ، وهكذا يكون دور المعلم ضرورياً على هذا المستوى كذلك ، بما أن التآليف تحتاج إلى من يتقن توصيلها بمهنته المتخصصة في فنه إلى عقول المتعلمين (36).
وابن خلدون يتخذ إزاء ( الكتاب ) كواحد من أهم الوسائل التعليمية ، طريقاً وسطاً يتميز بالمرونة ، ويلاحظ جيداً سايكولوجية التعلم ، والقدرات النفسية للمتعلم ، فهو من جهة يرفض فكرة الإكثار من التأليف وتحميل المناهج التعليمية بالمزيد من الكتب التي تعالج موضوعاً واحداً ، لأن ذلك يعوق الطالب عن التحصيل ويحدث لديه نوعاً من الإرباك الذهني (37) ، فضلاً عن انه يستغرق وقته فيما لا مبرر له. ثم إن اختلاف الكتب في المادة الواحدة يعني عند ابن خلدون اختلاف الطرائق المنهجية في العرض والشرح والتعليل الأمر الذي يقود إلى السلبيات آنفة الذكر ويرى ، بدلاً من الدخول إلى التفاصيل والجزئيات التي تكرر نفسها بصيغ مختلفة ، أن يقدم للطالب جوهر المادة العلمية وخطوطها العريضة ـ دون إلحاح في الإيجاز ـ في كتاب واحد لكي يعينه ذلك على كسب الوقت والتمكن من الإلمام بالملامح الأساسية للمادة (38).
وهو ـ بالمقابل ـ يندد بالتلخيصات والاختصارات في المؤلفات المنهجية ويرى أن ذلك بدوره يخل بالتعليم بسبب من إلحاحه في الإيجاز ، الأمر الذي يجعل المادة عسرة على الفهم بتركيزه المعاني الكثيرة في ألفاظ محدودة (39).
ولا ينسى ابن خلدون أن يقدم تصوره لعقلانية التعلم ، وصيغ توصل العقل لحقائق الأشياء ، داعياً المتعلم إلى إدراك كنه هذا النشاط لكي يتمكن من تجاوز صعابه وعقابيله ، ولكي ينفذ إلى المعاني من وراء حجب الألفاظ والاستدلالات المنطقية الصناعية ، بإعمال الفكر ( الطبيعي ) مباشرة في الحقائق المستغلقة وصولاً إلى الجوهر والمعنى (40).
كما أنه لا ينسى أن يفرد فصلاً لمسألة التخصص العلمي ، أو المهني ، أو سايكولوجيته بعبارة أدق ، ويرى أن المرء إذا أجاد مهنة ما ورسخت في نفسه فانه قد لا يجيد بعدها مهنة أخرى (41).
وبصدد المراحل المبكرة للتعليم ، فيما يسمى بتعليم الولدان ، يمنحنا ابن خلدون مادة مقارنة يستمدها من طرائق التعليم الإسلامية واختلافها ، ويكاد يكون تعلم القرآن الكريم القاسم المشترك ، والأساس في هذه الطرائق جميعاً عبر مراحل التعليم المبكرة. فالقرآن الكريم كتاب هذه الأمة ، وهاديها ودليلها ، وهو دستور عقيدتها ، ومنهاج حركتها في العالم .. وتعليمه للأجيال الناشئة ضرورة محتومة إذا ما أريد لهذه الأجيال أن تكون مسلمة حقاً (42).
لكن الذي يختلف فيه بين مصر ومصر ومدرسة وأخرى ، هو منهج التعليم ، وها هنا يقدم ابن خلدون عرضاً مقارناً لهذا المنهج في تعليم كتاب الله في كل من المغرب والأندلس ، والمشرق ، والنتائج التي ترتبت عليه في كل من هذه الأقاليم (43).
وابن خلدون وهو يتحدث عن محتوى التعليم يشير إلى صنفين من العلوم عقلي ونقلي ، دون أن يغفل عن أن هذا الأخير يتحتم أن يتم التعامل معه عقلياً بالقياس والتفريع والاجتهاد ، كما أن الرجل لا يفوته كذلك أن يؤكد ها هنا رؤيته الإسلامية وخصوصيته العقيدية أسوة بما كان يفعل في جل مساحات مقدمته الخصبة ، بصيغ مباشرة حيناً وغير مباشرة أحياناً أخرى ، فكأنه يرد بذلك على الذين جاءوا في قرون تالية لكي يخرجوه عن الرحم الذي تخلق فيه ، ويضعوه على غير إرادة منه في دائرة ( الوضعية ) هجيناً غريباً (44).
ثالثاً : الحركة التاريخية :
وضع ابن خلدون ( مقدمته ) في الأساس ، وكما يؤكد في تمهيده لها أكثر من مرة (45) لكي تكون أداة أو معياراً في التعامل مع الواقعة التاريخية. فهناك ، في نسيج هذه الواقعة ، ما يمكن قبوله والتسليم به ، وما يستعصي على القبول والتسليم .. ما يمكن أن يصدق وما يخرج إلى دائرة الكذب والتلفيق.
وإذا كان المؤرخون قبله ، في معظمهم ، قد اكتفوا بأن يكونوا جماعين للرواية ، أو المادة التاريخية ، دونما أخذها بما يتطلبه من منهج يمحص ويعزل .. يقبل ويرفض .. يثبت وينفي .. كي لا يمر إلا ما هو متحقق في حركة التاريخ ، أو مقارب للحقيقة في أقل تقدير ، فانه رأى أن قد آن الأوان لاعتماد منهج مرسوم لكي يصير النشاط التاريخي علماً منضبطاً لا عواطف وتحزبات وأهواء وميولاً.
ولقد قيل الكثير في هذه المسألة ، ولذا سنجد أنفسنا مضطرين لتجاوزها صوب بعض التأشيرات التي تؤكد ( إسلامية ) هذا التوجه ( العلمي ) في التعامل مع التاريخ ، واستمداده الكثير من الخصائص والمواصفات من البيئة التي انتمى إليها الرجل لا من أية بيئة أخرى. وهكذا ستكون النتائج التي توصل إليها ابن خلدون من خلال منهجه هذا متساوقة في نسيجها العام ، وفي معظم مفرداتها ، مع المنظور والمعطيات الإسلامية.
ابتداء وعلى سبيل المثال ، يطرح ابن خلدون هذه المقولة الاستقرائية ذات التأثير البالغ في صميم الحركة التاريخية للجماعات والشعوب : إنه ما من دولة ( كبيرة ) ألا وأصلها الدين " أما من نبوة أو دعوة حق " والدول الكبيرة التي يسميها البعض بالإمبراطوريات ويسميها ابن خلدون ( الدول العامة الاستيلاء ، العظيمة الملك ) هي الدول الأكثر ثقلاً وتأثيراً في حركة التاريخ ، ليس فقط في مجرياته السياسية ، بل في نموه الحضاري ، وهذا هو الأهم.
كيف يفسر ابن خلدون ذلك ( أن الملك ـ يقول الرجل ـ إنما يحصل بالتغلب ، والتغلب إنما يكون بالعصبية واتفاق الأهواء على المطالب وجمع القلوب وتأليفها ، إنما يكون بمعونة من الله في إقامة دينه.
قال تعالى ( لو أنفقت ما في الأرض جميعاً ما الفت بين قلوبهم ) (46). وسره أن القلوب إذا تداعت إلى أهواء الباطل والميل إلى الدنيا حصل التنافس ونشأ الخلاف ، وإذا انصرفت إلى الحق ورفضت الدنيا والباطل وأقبلت على الله ، اتحدت وجهتها فذهب التنافس وقل الخلاف وحسن التعاون والتعاضد واتسع نطاق الكلمة لذلك فعظمت الدولة (47).
إنه يتحدث هنا عما يمكن تسميته بالمعامل العقائدي ، ذلك الذي يشد طاقات الجماعة البشرية الواحدة التي تنتمي إلى عقيدة ما ، ويوجهها صوب هدف واحد .. بؤرة واحدة ، فتزداد قدرتها على الفعل التاريخي ، تماماً كما تزداد قدرة أشعة الشمس على الإحراق من خلال تجميعها بالعدسات اللامة. فالدولة الكبيرة ـ إذن ـ هي تعبير تاريخي عن قدرة أمة ما على الفعل الموحد الذي صاغته ووجهته صوب هدفه الواحد ، عقيدة حيوية آمن بها الجميع.
وبعكس هذا ، فان غياب الدين يعني تبعثر الفعل وتشتته صوب أهداف متغايرة متضاربة ، ومن ثم تضاؤل دوره التاريخي. فليست الجماعة التي لا تربطها عقيدة بقادرة على أن تمتد في الزمان والمكان ، وإذا حدث وان امتدت فعلاً ، فان هذا يجيء استثناء للقاعدة ، ولا يحكم عليه ، ومصيره أن يتلاشى لأول تحد يبرز له في الطريق ، ولن يؤخذ يوماً بالاستثناء.
في الانتماء الديني ثمة حقيقة أخرى يشير إليها ابن خلدون تزيد فاعلية هذا الانتماء .. إنها رفض الانقياد للباطل والإقبال على الله. وتلك هي حجر الزاوية في قدرة الإنسان الفرد والجماعة البشرية على التجرد الكامل في مواجهة التاريخ بأقصى قدر من التوتر والفاعلية والتناغم ، وبأقل قدر من الجذب والشد والإعاقة .. أن القرآن الكريم يصف المؤمنين مراراً بأنهم ( يسارعون في الخيرات ) (48) فيكشف ها هنا البعد الزمني ، البعد التاريخي ، في حركة الإنسان المؤمن في العالم لتحقيق أكبر قدر ممكن من الإنجاز في أقل حيز ممكن.
وابن خلدون يختم مقولته تلك بهذه العبارة ذات الدلالة " .. اتسع نطاق الكلمة لذلك فعظمت الدولة " ، فالكلمة كما هو معروف ، لا تتحول إلى فعل تاريخي إلا بالإيمان الذي يحيلها إلى طاقة حركية تعبر عن نفسها من خلال الجماعة المؤمنة وتكون نتيجة هذا التعبير : دولة عظيمة. وكذلك كانت دولة الإسلام الأولى في أعقاب الفتوحات التي اختزلت الزمن والمكان ، وكذلك كانت الدول الكبرى في التاريخ.
وإذا كان ابن خلدون قد أكد مراراً على مفهوم العصبية باعتباره أساساً لقيام الدول ، فإنه لم يغفل عن أن الدعوة الدينية تزيد الدولة في أصلها قوة على قوة العصبية التي كانت لها من عددها ، كما يقول في إحدى فصول الباب الثالث من مقدمته .. لماذا ؟ وكيف ؟ لأن السبب في ذلك " أن الصيغة الدينية تذهب بالتنافس والتحاسد الذي في أهل العصبية وتفرد الوجهة إلى الحق. فإذا حصل لهم الاستبصار في أمرهم لم يقف لهم شيء لأن الوجهة واحدة والمطلوب متساو عندهم وهم مستميتون عليه. وأهل الدولة التي هم طالبوها ، وان كانوا أضعافهم فأغراضهم متباينة بالباطل ، وتخاذلهم إزاء الموت حاصل ، فلا يقاومونهم وان كانوا أكثر منهم ، بل يغلبون عليهم ويعاجلهم الفناء بما فيهم من الترف والذل كما قدمناه.
وهذا كما وقع للعرب في صدر الفتوحات الإسلامية .. واعتبر ذلك في دولتي المرابطين والموحدين ، فقد كان بالمغرب من القبائل كثير ممن يقاومهم في العدد والعصبية أو يشف عليهم ، إلا أن الاجتماع الديني ضاعف قوة عصبيتهم بالاستبصار والاستماتة ، كما قلناه ، فلم يقف لهم شيء ". ويواصل ابن خلدون تحليله قائلاً " واعتبر ذلك إذا حالت صبغة الدين وفسدت ، كيف ينتقص الأمر ، ويصير الغالب على نسبة العصبية وحدها دون زيادة الدين ، فيغلب الدولة من كان تحت يدها من العصائب المكافئة لها أو الزائدة القوة عليها الذين غلبتهم ، بمضاعفة الدين لقوتها ولو كانوا أكثر عصبية منها وأشد بداوة .." (49).
إن ابن خلدون هنا ( يحيّد ) العصبية في حالة دخول الدين في الصراع ، فإذا ما غاب الدين كان للعصبية ، كقوة عددية واجتماعية ، أن تلعب دورها ، أما مع الدين فتكون أشبه بأداة ، أو عامل مساعد ، وهذا الموقف خطير لأنه رغم تأكيدات ابن خلدون المتكررة على العصبية ، وإقامة أقسام واسعة من نظريته على قواعدها ، فانه هنا يفوق الدين عليها ويجعله صاحب الفاعلية الأولى في الغلبة السياسية ، والفعل التاريخي عموماً.
فإذا ما استرجعنا الآن عبارته الدقيقة ذات الدلالة ، والتي وردت في ثنايا مقولته ، لم ندهش لتأكيد ابن خلدون على دور الدين ، فهو الذي أدرك بعق أبعاد هذا الدور " إذا حصل لهم الاستبصار في أمرهم لم يقف لهم شيء لأن الوجهة واحدة والمطلوب متساو عندهم وهم مستميتون عليه ".
ومن ثم ينهار منطق الإعداد في الصراع التاريخي ، ينهار حتى منطق الارتباط النسبي بالعصبية والقوة البدائية المجردة التي تنبثق عنه ، لكي يحل محلها جميعاً ( استبصار ) ديني لموقف الإنسان في العالم وعلاقته بالله خالق الكون والحياة والإنسان. وعند ذاك يتحول الإنسان المؤمن إلى طاقة حركية متقدة لا يقف لها شيء ، وهو مع الجماعة المؤمنة التي ينتمي إليها والتي وجهها الإيمان الديني والاستبصار صوب الهدف الواحد ، تقلب المقاييس الظاهرية للصراع وتفعل المعجزات.
وبرجوع متبصر إلى واقعة الفتوحات الإسلامية ، وإلى العديد من التجارب التي شهدها التاريخ الإسلامي ، يمكن أن نعثر على النموذج التطبيقي الذي أكد عليه ابن خلدون واستشهد به.
وبالمقابل " فإن الدعوة الدينية من غير عصبية لا تتم " كما يؤكد الرجل في فصل آخر من الباب الثالث ، ويسعى للتدليل عليه بحشد من الأدلة المنطقية والأحاديث الصحيحة والوقائع التاريخية " أن كل أمر تحمل عليه الكافة لابد له من العصبية ".
وفي الحديث الصحيح " ما بعث الله نبياً إلا في منعة من قومه " وإذا كان هذا في الأنبياء وهم أولى الناس بخرق العوائد ، فما ظنك بغيرهم ؟ ألا تخرق العادة في الغلب بغير العصبية ؟".
إنه يشير إلى قدرة الأنبياء عليهم السلام على تجاوز التحديات التاريخية فوق العادة ، كما حدث لكثير منهم ، لكنهم مع ذلك يعملون في التاريخ في صياغة أبعاد جديدة مستمدة من معطيات الزمن والمكان ، فلابد لهم إذن من الإفادة من أسبابه الذاتية للانقلاب عليه. وحديث الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) هنا يبدو متساوقاً مع معطيات الحركة الإسلامية كلها ، تلك التي جاءت لكي تنقلب على التاريخ من خلال التاريخ نفسه ، على ضوء برنامج إلهي فوقي هو بمثابة دليل عمل أو ( استبصار ) ، إذا اعتمدنا ابن خلدون ، في هذا الانقلاب، ومن أجل مزيد من القناعة يقودنا الرجل إلى عديد من الشواهد التاريخية.
ولا ينسى ابن خلدون أن يطرح تحفظه الذكي وهو يتحدث عن دعوات الأنبياء عليهم السلام .. إنهم مؤيدون من الله سبحانه بالكون كله لو شاء ، لكنه إنما أجرى الأمور على مستقر العادة (50). إن الله سبحانه قادر ، حيث لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء ، على حمل رسله بكلمته التي لا راد لها إلى آفاق الانتصار النهائي ، لكن حكمته سبحانه ، وعلمه المسبق بمصائر الدعوات ، في الوقت نفسه ، شاءت أن يتحرك رسله في قلب العالم ، في صميم التاريخ ، أن يعانوا من أثقاله وعوائقه ، وان يتجشموا واتباعهم عناء أوهاقه ، وألا يبلغوا النصر النهائي ألا باتخاذ الأسباب التي تمكنهم من هذا الصراع القاسي الذي لا يرحم أحداً ولا ينحني لأحد. وذلك هو ما يعنيه ابن خلدون " بمجرى الأمور على مستقر العادة " أي سنن التاريخ ونواميس الكون.
ذلك إذن هو التقابل الفعال في نظرية ابن خلدون : الدين والعصبية .. الرؤية أو الاستبصار الإيماني ، والأداة التاريخية. إن العصبية بدون دين لا تحقق شيئاً كبيراً ، والدين بدون عصبية لا يتحرك وقتاً طويلاً .. لابد من اقتران الجانبين. وإذا كانت رؤية ابن خلدون للعصبية محدودة في نطاق الروابط القبلية يومذاك ، فإنها قد تنسحب في الفترات اللاحقة وفي العصر الحاضر ، على التنظيمات البشرية التي تعتمد القوة والعصبية الحزبية وتحل فيها رابطة الولاء بدلاً من رابطة النسب .. والأمر سواء.
ولا يقف ابن خلدون عند هذا الحد ، بل إن رؤيته الدينية لا تفارق منهجه في الاستقراء والتحليل ، وهو يطرح مقولاته ويبرهن عليها في أبواب مقدمته الستة عن مسائل مختلفة تتعلق بصيرورة الواقعة التاريخية ، ونشاط الجماعات البشرية وعوامل تكوينها ومؤثرات سلوكها التاريخي ، مما لا يتسع المجال لاستعراضه وربما تكفي الإحالة عليه (51).
بل إننا نلتقي في تمهيده للمقدمة بهذا المقطع " اعلم أن فن التاريخ فن عزيز المذهب ، جم الفوائد ، شريف الغاية ، إذ هو يوقفنا على أحوال الماضين من الأمم في أخلاقهم ، والأنبياء في سيرهم ، والملوك في دولهم وسياستهم ، حتى تتم فائدة الاقتداء في ذلك لمن يرومه في أحوال الدين والدنيا "(52). فمنذ اللحظات الأولى يبرز جدوى علم التاريخ كأداة تستهدف خدمة الجماعات البشرية وترقية أحوالها ديناً ودنيا ، بجعلها تتحرك على هذين المستويين معاً ، وهي أكثر إدراكاً وأعمق تجربة بما يمنحه التاريخ إياها من قيم وتعاليم.
ومما يؤكد الرؤية الدينية الأصيلة عند ابن خلدون ، وكونها مسألة أساسية في منهجه ، ذلك الحشد من الاستشهادات المستمدة من كتاب الله حيناً ، وسنة رسوله عليه السلام حيناً آخر ، وأقوال ومعطيات صحابته الكرام رضي الله عنهم حيناً ثالثاً ، والتي طالما اعتمدها لتعزيز وجهات نظره وجعل استدلالاته أكثر حجية وإقناعاً.
وللوهلة الأولى يبدو أن طريقة ابن خلدون هذه لا تعدو أن تكون مسألة تقليدية قد لا تعني شيئاً ، لكن المتمعن في هذا التكرار المقصود ، وفي النماذج التعبيرية التي ينتقيها الرجل ، يتضح له أن الأمر أبعد من هذا .. وأبعد حتى من مجرد دلالته على عمق الإحساس الديني لدى ابن خلدون ، فالرجل ، فضلاً عن ذلك ، يرى في حركة التاريخ ، وقائع وسنناً ، انعكاساً لمشيئة الله سبحانه وقدره في العالم.
وثمة أخيراً مسألتان أساسيتان في نظرية ابن خلدون طالما أكد عليهما وعلى ارتباطهما الوثيق بصلب النظرية ، وهما الترف وحتمية السقوط ، إذ إننا لا نعتقد انه كان بمعزل عن معطيات القرآن والسنة وهو يتحدث عن هاتين المسألتين اللتين كان لهما في المصدرين المذكورين مكان كبير (53).
هذا على المستوى العام للحركة التاريخية ، أما على مستوى التاريخ الإسلامي ، على وجه الخصوص ، فان ابن خلدون يمضي بالمنهج نفسه ، بالروح العلمية المنضبطة برؤيته الإسلامية والمستمدة من حقائقها ومفرداتها ، لكي يناقش ويحلل مسائل شتى تتميز بأهميتها وحساسيتها. وهو ها هنا يؤكد موقفه الديني من خلال تفسيراته الملتزمة لعديد من وقائع تاريخنا الإسلامي ، وهو الساحة التي انصبت جل اختباراته عليها والتي مارس فيها معظم جوانب استقرائه الذي قاده إلى صياغة قوانينه العديدة التي ضمنها مقدمته.
وابن خلدون في هذا الاتجاه يمارس تحليلاً للتاريخ الإسلامي ، أو بالأحرى لجوانب من التاريخ الإسلامي ، يلقي المزيد من الأضواء على خصائصه وصيرورته وفق معايير منهجية تنحت مفرداتها وأدواتها من معطيات هذا التاريخ وليس من أية بيئة أخرى ، كما توهم بعض المفكرين والباحثين ممن المحنا إلى بعضهم في بداية هذه الصفحات(54).
الخاتمة :
إنه لأمر طبيعي لا يحتاج إلى برهان ، أن تنطوي ( مقدمة ) ابن خلدون في سياقاتها الأساسية على جملة من المفاهيم الإسلامية تنضفر لكي تعكس ، في بدء التحليل ونهايته ، رؤية إسلامية. ذلك أن ابن خلدون هو ابن البيئة الإسلامية ، تشكل في رحمها ، وخبر ـ وهو رجل الفقه والقضاء ـ مرتكزاتها في كتاب الله وسنة رسوله ( صلى الله عليه وسلم ) ، وما انبثق عنهما من موروث فقهي وكلامي. ويكفي أن نرجع إلى المقدمة بأبوابها الستة لكي يتبين لنا هذا بوضوح.
وللوهلة الأولى يبدو للذين يمرون على مقدمة ابن خلدون مسرعين ، أو وهم يحملون تصميماً ذهنياً مسبقاً على إخضاعها لتصوّرهم ، أن حديث ابن خلدون عن دور الدين في المسائل التي عالجها ، إنما هي مسألة عرضية تأتي متقطعة مقحمة هنا وهناك ، إلاّ أن النظرة المتجردة ، المتمعنة في معطيات ابن خلدون ومنهجه تقودنا لشيء نقيض لهذا تماماً : إن أطروحاته عن الدين إنما هي جزء أساسي من رؤيته الشاملة للحركة التاريخية والعملية التربوية والنشاط المعرفي ، وأنه يعود إليه من الزوايا كافة ، وعبر مختلف الاتجاهات ، من أجل أن يستكمل بنية تفسيره للظواهر كافة والتي إن كان قد حدثنا عن أبعادها العقلية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية والجغرافية والسياسية والإدارية ، فإنه ولا ريب أفسح مجالاً واسعاً للبعد الديني.
ويجب أن نلاحظ أن معطيات ابن خلدون ليست أفكاراً مسطحة ذات وجه واحد  إنما هي تمتاز بطبيعتها التركيبية ، فما يقدر أحد ـ مثلاً ـ على تبين دور العصبية في بناء الدول دون تبيّن دور الدين ، وبالعكس .. إن الرجل يرفض التفسير ( الواحدي ) للتاريخ ، التفسير الذي يتشنج على عامل واحد فحسب ، يسعى من خلاله لاحتواء الوقائع التاريخية كافة ، وينفي سائر العوامل الأخرى ، كما فعلت وتفعل اليوم الكثير من المذاهب الوضعية في تفسير التاريخ.
إن ابن خلدون يختار الطريق الآخر : الرؤية الشمولية للتاريخ .. وتلك ـ بحق ـ ميزة من أهم ميزات مقدمته ، إنه يسلط الأضواء على الأسباب والدوافع كافة ، تلك التي تلعب دورها بشكل أو آخر في بنية وصيرورة الواقعة التاريخية .. إنه يقلب هذه الواقعة ليشاهدها عن كثب من مختلف الزوايا ، ولهذا نجده يعالج الموضوع الواحد ـ أحياناً ـ أكثر من مرة ، ويعود إليه في أكثر من فصل أو باب. وهذا أمر طبيعي يتساوق مع ضرورات منهجه الشمولي المركب الذي يرفض الرؤية الواحدية والتسطيح .. والحالة نفسها تتكرر عبر تعامله مع " المعرفة " والنشاط " التربوي ".
ولقد تبيّن ـ من خلال هذا البحث الموجز ـ أن المقدمة تعكس ـ بالفعل ـ وعبر الكثير من أطروحاتها تصوّراً إسلامياً أصيلاً سواء في التعامل مع الواقعة التاريخية على إطلاقها ، أو مع صيرورة التاريخ الإسلامي نفسه ، فضلاً عن استنتاجاته الخصبة وهو يتعامل مع النشاط المعرفي ، أو العملية التربوية.
وتظل مسألة الارتباط هذه بين التصوّر ومعطيات المقدمة مشروعاً مفتوحاً لتقديم المزيد من التأكيدات على أيدي المؤرخين والفلاسفة وعلماء التربية .. فالحق أن ابن خلدون قدر على أن يؤسس لمدرسة فكرية دخلها الكثير من الباحثين وهي لا تزال تنتظر المزيد.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الهوامش :
([1]) محمد عبد الله عنان : ابن خلدون ، حياته وتراثه الفكري ص 177 ـ 178 ( الطبعة الثالثة ، لجنة التأليف والترجمة والنشر ، القاهرة ـ 1995 م ) عن كتاب Geschichte der philosophic in Islam للباحث المذكور.
(2) عنان : ابن خلدون ص 190 عن : Ibn Khaldon Historian  للمؤرخ المذكور Sociologist and philosopher.
(3) عنان : نفسه ص 281 عن : Ibn Khaldon: Ein arabischer Kulturhistor ker des 14 jahrhunderts. ( ابن خلدون مؤرخ الحضارة العربية في القرن الرابع عشر ) للمستشرق المذكور.
(4) مهدي عامل ( الطبعة الثانية ، دار الفارابي ، بيروت ـ 1986 م ).
(5) من تعليق الناشر على غلاف المرجع السابق.
(6) سورة النحل آية 78.
(7) سورة العلق الآيات 1 ـ 5.
(8) مقدمة ابن خلدون 6 / 983 ـ 984 ( الطبعة الثانية ، تحقيق د. علي عبد الواحد وافي. لجنة البيان
العربي ، القاهرة ـ 1965 م ).
(9) المقدمة 6 / 1199 ـ 1201.
(10) إبطال صناعة النجوم : المقدمة 6 / 1207 ـ 1215.
(11) المقدمة 6 / 1199 ـ 1201.
(12) يشير بذلك إلى نظرية العقول عند الفارابي وبقية فلاسفة المسلمين ، أنظر بالتفصيل الهامش رقم 1322 المقدمة ص 980.
(13) المقدمة 6 / 1201.
(14) نفسه.
(15) انظر المقدمة 6 / 1202 ـ 1207.
(16) نفسه 6 / 1207.
(17) نفسه 6 / 1203.
(18) نفسه 6 / 1207.
(19) نفسه 6 / 1207 ـ 1208.
(20) عماد الدين خليل : ابن خلدون إسلامياً ص 135 ـ 136 ( المكتب الإسلامي بيروت ـ 1983 م ).
(21) نفسه ص 136 ـ 137.
(22) عماد الدين خليل : الرؤية التربوية في مقدمة ابن خلدون ، كتاب ( من أعلام التربية العربية الإسلامية ) المجلد الرابع ص 128 ( مكتب التربية العربي لدول الخليج ، الرياض ـ 1989 م ).
(23) نفسه 4 / 131 ـ 132.
(24) نفسه 4 / 133.
(25) المقدمة 3 / 923.
(26) نفسه 3 / 923 ـ 924.
(27) نفسه 3 / 924.
(28) نفسه 3 / 985.
(29) نفسه 3 / 985 ـ 986.
(30) نفسه 3 / 986 وانظر المصدر نفسه 3 / 986 ـ 987.
(31) نفسه 3 / 987.
(32) نفسه 3 / 987.
(33) نفسه 3 / 987 ـ 988.
(34) نفسه 3 / 991.
(35) انظر بالتفصيل المصدر نفسه 4 / 1225 ـ 1227.
(36) نفسه.
(37) نفسه 4 / 1230.
(28) انظر بالتفصيل المصدر نفسه 4 / 1230 ـ 1231.
(39) نفسه 4 / 1233.
(40) انظر بالتفصيل المصدر نفسه 4 / 1223 ـ 1238.
(41) نفسه 3 / 930 ـ 931.
(42) نفسه 4 / 1249 ـ 1240.
(43) انظر بالتفصيل المصدر نفسه 4 / 1240 ـ 1243.
(44) أنظر بالتفصيل المصدر نفسه 3 / 991 ـ 992 ، 4 / 1238 ـ 1239. ولمزيد من التفاصيل عن المعطيات التربوية لابن خلدون انظر بحث المؤلف المذكور آنفاً ( الرؤية التربوية في مقدمة ابن خلدون ) من كتاب ( من أعلام التربية العربية الإسلامية ) 4 / 123 ـ 149.
(45) انظر الصفحات 349 ـ 408 من المقدمة.
(46) سورة الأنفال ، الآية 63.
(47) المقدمة 3 / 466.
(48) سورة الأنبياء ، الآية 90.
(49) المقدمة 3 / 467 ـ 468.
(50) نفسه 3 / 468 ـ 472.
(51) نفسه.
(52)انظر المصدر نفسه 1 / 486 ، 2 / 414 ـ 418 ، 419 ـ 421 ، 431 ، 4 / 840 ـ 855 ، 5 / 893 ـ 896.
(53) نفسه ص 162.
 (54) انظر بالتفصيل : عماد الدين خليل : ابن خلدون إسلامياً ص 58 ـ

التعليقات مغلقة على هذه المقالة
جديد المقالات المزيد
صفحة من تاريخ العلوم: أول كتاب في المدفعية

صفحة من تاريخ العلوم: أول كتاب في المدفعية

إن ظهور سلاح المدفعية واستخدامات البارود قد ترافق في أوروبا مع بداية...

حركة الشيخ رابح بن فضل الله ضد الاستعمار الفرنسي في تشاد

حركة الشيخ رابح بن فضل الله ضد الاستعمار الفرنسي في تشاد

  فرج كُندي مقدمة  تعتبر حركة المجاهد الكبير رابح من فضل...

لنتذكّر في ذكرى الهجرة

لنتذكّر في ذكرى الهجرة

لقد كان نجاح الإسلام في تأسيس وطن له وسط صحراء تموج بالكفر، أعظم كسْب...

جديد الأخبار المزيد
مجلس الأمن يعقد أول جلسة علنية حول ميانمار الخميس

مجلس الأمن يعقد أول جلسة علنية حول ميانمار الخميس

يعقد مجلس الأمن الدولي بعد غد الخميس، أول جلسة مفتوحة حول الانتهاكات...

مقتل ثلاثة جنود إسرائيليين إثر عملية إطلاق نار شمال القدس

مقتل ثلاثة جنود إسرائيليين إثر عملية إطلاق نار شمال القدس

أعلنت شرطة الاحتلال الإسرائيلي عن مقتل ثلاثة جنود وإصابة رابع إثر...

مناورات عسكرية مشتركة بين تركيا والعراق عقب استفتاء كردستان

مناورات عسكرية مشتركة بين تركيا والعراق عقب استفتاء كردستان

قالت رئاسة الأركان العامة التركية إن المرحلة الثالثة من المناورات...

  • أيام في سيلان والمالديف