• الصليب وحكاياته

ضوابط ومعايير أساسية في منهج كتابة التاريخ الإسلامي ( 1 ـ 2)

May 25 2011 08:28:35

الكاتب : د.عماد الدين خليل

عندما نتحدث عن منهج لكتابة التاريخ الاسلامي فإن علينا أن نضع في الحسبان نمطين من المنهجية : عامة وخاصة .
فأما أولاهما فتتعلق بمنهج كتابة البحث التاريخي ، سواء في الدائرة الاسلامية أم خارجها ، إننا هنا بإزاء تقنيات ذات طابع عالمي ، أعانت على تكوينها وتنميتها خبرات الأمم والجماعات والشعوب ، وكان لحضارتنا دور بارز في تشكيلها وإغنائها ، وبمرور الوقت أصبحت أشبه بعرف عالمي متفق عليه في سائر الدوائر الأكاديمية ، بحيث إن أي بحث في التاريخ ، أو أية رسالة جامعية ، لن تستكمل شروطها المقبولة إن لم تلتزم بمطالب هذا المنهج الذي يعرفه جيدا التدريسيون والطلبة الجامعيون على السواء ، والذي يتضمن عددا من الحلقات المتماسكة التي يأخذ بعضها برقاب بعض ، والتي لا يمكن تجاوز أحداها ، بأية حال ، لأن ذلك سيعني خللا ما في طريقة جمع وتركيب المادة التاريخية حول هذا الموضوع أو ذاك .
إن اختيار الموضوع بعد تنفيذ قراءات ودراسات شاملة في دوائره المباشرة وغير المباشرة ، وترتيب قائمة المصادر والمراجع التي تغذيه بمادتها التاريخية ، وتصميم خطة بحث مقنعة يقوم عليها المعمار التركيبي للبحث ، ثم البدء بجمع المادة وفق الشروط المعروفة ، وفرزها وفق سياقاتها النمطية ، والتحول لتركيب المادة التاريخية وصولا الى استكمال الجوانب التكميلية الأخرى من مقدمة وخاتمة وقائمة مصادر ومراجع .. إلى آخره .
هذه جميعا خطوات منهجية عامة تلزم كل محاولة للبحث في التاريخ ، إسلاميا كان أم أوربيا أم صينيا .. هنا حيث لا يكون للخصوصيات التاريخية تأثير ما على تقنيات المنهج الذي يبدو ، كما لو كان أداة عمل محايدة ، يمكن توظيفها للبحث في أي حقل من حقول المعرفة التاريخية .
في هذا السياق قدم الكثير من المحاولات بدءاً من محاولة الدكتور أحمد شلبي المعروفة " كيف تكتب بحثاً أو رسالة " وانتهاء بما تقوم به أقسام التاريخ في الجامعات المختلفة ، من إعداد مؤلفات خاصة بالمنهج ، لكي تدرس على طلبتها ، في هذه المرحلة أو تلك من مراحل الدراسة .
لكننا إذا انتقلنا الى النمط الخاص لكتابة التاريخ الإسلامي ، أي إلى الضوابط والمعايير والشروط التي يتحتم توفرها لدى الباحث في هذا التاريخ ، مضافة على أوليات المنهج وتقنياته العامة المتفق عليها ، فإننا يجب أن نتريث قليلا .
أولا : لأن ضوابط خصوصية كهذه لم تأخذ حظا كافيا من العناية ، ولم يكتب فيها بما يوازي حجم الأهمية البالغة التي تتميز بها .
وثانيا : لأن هذا القليل الذي كتب لم يتح له في أغلب الأحيان أن يتجاوز حدوده التنظيرية صوب التطبيق ، والمطلب الأكثر الحاحا هو تنفيذ هذه الشروط في الساحة التاريخية الإسلامية ، لكي تتحقق المقاربة الأكثر خبرة ونضجا واكتمالا للواقعة التاريخية .
ثم إن علينا ألا نغفل عن ملاحظة لا تقل أهمية ، هي أن منهج البحث في التاريخ الاسلامي نفسه قد يأخذ سياقين أساسيين ، يتطلب كل منهما شروطه وضوابطه الخاصة ، فضلا عما يمكن وصفه قاسما مشتركا أعظم لكل مجالات البحث في التاريخ الإسلامي .
فأما السياق الأول فيتمثل في دراسة واقعة إسلامية ما .. ظاهرة من الظواهر .. حدث من الأحداث .. دولة أو تشكيل سياسي .. معطى ثقافي أو حضاري .. شخصية من الشخصيات .. معركة أو معاهدة .. أو متابعة للعلاقات الخارجية بين هذا الكيان أو ذاك ..إلى آخره . بعبارة أخرى إن معظم الأبحاث التي تكتب عن تاريخ الإسلام ، بما فيها سيول رسائل الدبلوم والماجستير والدكتوراه ، تنحو هذا المنحى ، وتجد نفسها ، بحكم مطالب المنهج ، تتحدد بمسائل معينة ذات حدود زمنية ، أو مكانية ، أو موضوعية ، وإلا انساح الجهد المنهجي على مساحة واسعة فعانى من الفضفاضية والتسطح ، وفقد قدرته على التمركز والإيغال العمقي لمتابعة الواقعة والوصول الى جوهرها .. الى مكوناتها ومقوماتها وخصائصها الأساسية ، أي التحقق بمقاربتها بشكل أفضل .
إلا أن السياق الثاني هو الذي يهمنا في هذه الصفحات .. السياق الذي ينطوي على كتابة تاريخ الأمة الإسلامية على مداه في الزمن ، والمكان ، والمعطيات ، والذي يتطلب منهجا في العمل ، يقدر على ضبط محاولة معقدة ، شاملة ، ممتدة كهذه ، قد لا يكون بمستطاع فرد ، أو مجموعة مؤرخين ، بل قد لا يكون بمقدور مؤسسة علمية أو أكاديمية واحدة ، أن تنفذها بالشكل الصحيح .
ويقينا فإن بعض مواصفات المنهج الذي تقتضيه الأبحاث المحددة في التاريخ الإسلامي، فضلا عن التقنيات المنهجية العامة المتفق عليها عالميا ، ستغذي هذا المنهج الذي يستهدفكتابة ، أو إعادة كتابة تاريخ الأمة الإسلامية ، لكن يبقى بعد هذا كله ، أو قبل هذا كله ، مجموعة من الشروط والمعايير والضوابط التي يتحتم بلورتها والاقتناع بها ، لكي يكون منهج العمل صالحا تماما للبدء بخطوة كهذه ، تستهدف عرض وتركيب المادة التاريخية الإسلامية كما تشكلت ـ بالفعل ـ في الزمان والمكان ، لا كما يراد لها أن تكون .
والكمال لله وحده ... ومحاولة استعادة معطياتنا التاريخية كما تشكلت بالفعل ، بدقائقها وتفاصيلها ، أمر ليس بمستطاع الإنسان ، لاسيما وأنه يتعامل مع مادة تنضوي تحت دائرة العلوم الإنسانية لا العلوم المنضبطة (Exact Sciences ) كبعض العلوم الصرفة والتطبيقية ،
ويتعامل أيضا مع وقائع يفصل بينها وبين الباحث حاجز الزمان والمكان ، هذا إلى أن الرواية التاريخية القادمة إلينا من مظانها الأولى ليست ـ في كل الأحيان ـ أمرا يقينيا لكي نقيم عليه بنيان المعمار التاريخي ، بل إننا قد نجد ما هو نقيض هذا أحيانا سيولا من الرويات التي تتطلب قدرا من الصرامة النقدية لرفضها أو قبولها ، فيما سبق وإن نبه إليه ابن خلدون في " المقدمة " والقاضي أبو بكر بن العربي في " العواصم من القواصم " وغيرهما ممن انتبهوا الى ما تضمنته هذه الروايات من " احتمالية " قد تصل ـ بتعبير الطبري في مقدمة تاريخه المعروف ـ حد الاستشناع الذي يصدم القارئأو السامع ، ويدفعه الى عدم الاستسلام للرواية التاريخية .
ها نحن إذن بازاء ثلاث طبقات منهجية يجب اجتيازها وصولا إلى " الحالة " الملائمة للتعامل مع التاريخ الاسلامي ، وإذا كانت الطبقة الأولى  بتقنياتها المنهجية العالمية المتفقعليها ، معروفة تماما ، وإذا كانت الطبقة الثانية قد تلقت بعض المحاولات على مستويي التنظير والتطبيق ، فإن المعضلة تتبدى في الطبقة الثالثة ، والأكثر أهمية ، تلك التي تعنى بتصميم الشروط والضوابط والمعايير التي لابد من الأخذ بها ، إذا أردنا فعلا أن نستعيد تاريخنا الإسلامي .. أن نكتب ، أو نعيد كتابة تاريخ أمة إسلامية لا أمريكية أو روسية أو صينية أو أنكلوسكسونية أو لاتينية !.
ستكون الصفحات التالية " مقترحات " وليست صيغا نهائية على هذا المستوى المنهجي الثالث ، والأكثر أهمية ، بسبب من ارتباطه بالمنظور الشامل لحركة التاريخ ، وستتضمن عددا من الضوابط والمعايير التي يمكن أن يضاف إليها الكثير فيما بعد ، كما يمكن أن ينخل ويصفى منها ما يخرج عن دائرة الضرورة .
إنها أشبه بموجهات عمل منهجية ، تستهدف حماية أية محاولة جادة لكتابة التاريخ الإسلامي ، أو إعادة كتابته ، من الجنوح او الانحراف ، أو التزوير والتزييف ، فيما يخرج وقائع هذا التاريخ ، وطرائق تشكله وصيرورته ، عن بيئتها الحقة ، ويعيد تركيبها في بيئات وأنساق غربية هجينة ، من شأنها أن تصد المقاربة عن المضي إلى هدفها بالصيغة العلمية المطلوبة ، فيما هو نقيض المنهج ابتداء .
أولا : هنالك ـ قبل أي أمر آخر ـ ضرورتان أساسيتان لا يمكن ـ بدون الأخذ بهما ـ البدء من النقطة الصحيحة .
أولاهما: أن يكون الباحثون على إلمام مناسب بملامح التفسير الإسلامي للتاريخ البشري ، والتي تضع تحت أيديهم مجموعة قيمة من الضوابط التصورية التي لا يمكن فهم التاريخ الإسلامي بدون هضمها وتمثلها .
إن التفسير الإسلامي وهو يسعى وفق منهجه الخاص للكشف عن قوانين الحركة التاريخية وسننها على مستوى العالم يضع في الوقت نفسه منظومة صالحة من القيم التي تفسر تاريخ الإسلام نفسه ، بما أن الإنسان في كلتا الحالتين هو رحى التاريخ وقطبه ، وبما أن السنن التي تعمل عملها في نسيج الحركة التاريخية هي نفسها سواء عملت على مستوى التاريخ البشري أم الإسلامي .
أما الضرورة الثانية : فهي أن يكون الباحثون على وعي مشترك بخصائص التاريخ نفسه، ليست الخصائص الجزئية التفصيلية ، وإنما تلك التي تمثل امتدادا أكبر في الزمن والمكان ، وتمنح هذا التاريخ خصوصياته المؤكدة التي تميزه عن تواريخ الأمم والجماعات والشعوب، ولن يناقش أحد في أن تاريخ الإسلام يحمل ميزات خاصة كهذه بما أنه ـ من بين عوامل عديدة أخرى ـ نتاج لقاء حميم بين الوحي والوجود .
إن الأخذ بهاتين الضرورتين يمكن أن يحمل معه الإفادة القصوى من الحدين الإيجابي والسلبي للمسألة في إطارها المنهجي ، فأما الحد الإيجابي فهو إعانة الباحثين على إدراك أعمق لوقائع هذا التاريخ وسبل تكوينه ، وأما الحد السلبي فهو منع هؤلاء الباحثين من شتات الأمر ، والتبعثر في كل اتجاه ، بل من التصادم والتضارب أحيانا ، في التصورات والتحليلات ، وبالتالي في النتائج التي سيتمخض عنها العمل ، الذي سيغدو ـ رغم ما ينطوي عليه من بذل وعناء ـ ضربا على غير هدى ، ولن يأتي بالنتيجة المتوخاة من تقديم نسيج متوحد لوقائع التاريخ الإسلامي مقاربا قدر الإمكان لصيرورة هذا التاريخ وقوانين تشكله .
ثانيا : تحقيق قدر من التوازن بين دراسة الجوانب السياسية ـ العسكرية ، وبين فحص وتحليل الجوانب الحضارية ، مع الأخذ بنظر الاعتبار ضرورة أن ينظر الى المعطيات الحضارية بوصفها أجزاء متفرقة تنتمي الى كل أوسع ، يتضمنها جميعا ويمنحها معنى وهدفا ،
وليس من الضروري ، بصدد هذه النقطة ، أن يقف الباحثون عند سائر التفاصيل والجزئيات التي تعج بها مصادرنا القديمة ، وبخاصة فيما يتعلق بالجوانب السياسية والعسكرية من تاريخنا ، ليس من الضروري أن يقع الباحث أسير هذا الحشد الزاخر من النصوص ، ولابد له ـ إذن ـ من أن يتجاوز الجزئيات الى الكليات ، والوقائع الصغيرة الى الدلالات الخطيرة ، ولا يقف عند حدود النص أو الواقعة ، بل يتعداها الى معناها العميق ودلالاتها الموحية ، وحينذاك سيقدر على تحقيق عملية الاختزال والتركيز ، إذ إن كل مجموعة من التفاصيل والجزئيات تندرج تحت هذا المعنى أو ذاك ، وتمنحنا هذه الدلالة أو تلك ، في سياق الحركة التاريخية الأكبر حجما ، ومن ثم تغدو هذه الجزئيات عبارة عن مواد كمية ، أو نماذج متشابهة ، يمكن اعتماد عدد محدود من عيناتها للتوصل إلى الصيغة البنائية الأكبر للواقعة التاريخية ، وبالتالي التخلص من ركام التفاصيل الذي يثير الإرباك في ذهن القارئ أكثر مما يحقق من سيطرة على الحركة التاريخية وتفهم لصيرورتها .
ثالثا : تحقيق قدر من التوازن بين العرض الأكاديمي الصرف للوقائع التاريخية ، سياسية وحضارية ، وبين اتخاذ مواقف فلسفية ، أو تصورية ، لتفسير هذه الوقائع ، وتبين عوامل تكوينها ومؤشرات مساراتها وحصيلة مصائرها ؛ شرط أن تندرج هذه المواقف جميعا في رؤية نوعية متجانسة ، وتلتزم الحد الأدنى المشار إليه من الأسس والمواضعات المستمدة من خامة التاريخ الإسلامي نفسه ، من صميم نسيجه ، غير المقحمة عليه من الخارج .. فلا تتخذ إحداها التفسير المادي منطلقا لها ، بينما تنحو الأخرى نحو المثالية أو الحضارية أو الروحية، وإنما تسعى هذه المواقف قدر الإمكان الى إعتماد أكثر التصورات انسجاما ، وتناغما مع حركة التاريخ الإسلامي وإيقاعه ، وأشدها قدرة على استبطانه وتفسيره.
رابعا : تقديم عروض تاريخية متوازية زمنيا بين ما كان يجري في مرحلة ما من مراحل التاريخ الإسلامي ، وما كان العالم المحيط يشهده في المرحلة ، ذاتها من أحداث ، من أجل تكوين نظرة شمولية لدى الدارس أو القارئ ، تمكنه من فهم طبيعة العلاقات بين الإسلام والعالم الخارجي ، من خلال تحقيق قدر من السيطرة على ما كان يحدث في المرحلة التاريخية ـ الزمنية الواحدة .
المصدر : موقع التاريخ

التعليقات مغلقة على هذه المقالة
جديد المقالات المزيد
حق اليهود التاريخي في فلسطين

حق اليهود التاريخي في فلسطين

د. خالد بن محمد الشهري يزعم اليهود والنصارى بالتبعية أن فلسطين لهم...

الأمة الإسلامية بين عوامل السقوط والارتقاء

الأمة الإسلامية.. بين عوامل السقوط والارتقاء

د. عمر بن سليمان الأشقر أوسع ما تطلق عليه الأمة في لغة العرب الجماعة...

الفاتح الذي اشتقنا لعودة أيامه (14)

الفاتح الذي اشتقنا لعودة أيامه (14)

د / أحمد عبد الحميد عبد الحق الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام...

جديد الأخبار المزيد
الأمم المتحدة قلقة إزاء تداعيات الأوضاع الإنسانية المتدهورة في غزة

الأمم المتحدة قلقة إزاء تداعيات الأوضاع الإنسانية "المتدهورة" في غزة

أعربت الأمم المتحدة، اليوم الأربعاء، عن قلقها الشديد إزاء "الأوضاع...

 رايتس ووتش تتهم القوات العراقية بـ إعدام مدنيين فارين غربي الموصل

"رايتس ووتش" تتهم القوات العراقية بـ"إعدام مدنيين" فارين غربي الموصل

اتهمت منظّمة "هيومن رايتس ووتش"، القوات العراقية بـ"إعدام...

الأمم المتحدة: قلقون إزاء الإجراءات الإسرائيلية في الأقصى

الأمم المتحدة: قلقون إزاء الإجراءات الإسرائيلية في الأقصى

أعربت منظمة الأمم المتحدة عن قلقها إزاء القيود الجديدة التي فرضتها...

  • أيام في سيلان والمالديف