• الصليب وحكاياته

في خصائص الحضارة الإسلامية 2 ـ 2

May 25 2011 08:22:42

الكاتب : د.عماد الدين خليل

رابعا : أما الخصيصة الرابعة فهي الشمولية التي تميز بها النشاط الحضاري الإسلامي .. القدرة على التحقق بكافة الأنشطة والامتداد إلى كافة المناحي ، والتوغل في نسيج الحياة والوجود ، ومتابعة كل ما من شأنه أن يهم الإنسان .
 
وهكذا وجدنا بناة هذه الحضارة يسعون في الأرض لكي يمسوا كل قضية ويتعاملوا مع كل موقف ، ويركبوا ويبنوا من كل ما يقع تحت أيديهم من حيثيات ومواد .. فما ثمة أمر مما يهم العقل أو الروح أو الجسد أو الحس أو الوجدان ، إلا قالوا فيه كلمتهم وقدموا حسب قدراتهم ، وإمكاناتهم ، يومها ، التعبير الثقافي المناسب.
 
لم ينكمشوا يوما إزاء هذا الجانب أو ذاك من جوانب الكون والعالم والإنسان ولا انحسروا إزاء هذه المساحة أو تلك من سطح الوجود ، ولا هربوا أو فروا أمام معضلة من معضلاته .
 
إنها الحضارة التي تشكلت لكي تقدم طعاما أكثر مادة غذائية صالحة للعقل والجسد والروح والوجدان والحس في وقت واحد ، وكانت في هذه المجالات كافة تملك الخبرة التي تمكنها من أن تعد صنوفا جيدة شهد لها الخصوم قبل الأصدقاء .
 
وإذا كانت معظم الحضارات البشرية التي عرفها التاريخ ترمي بثقلها صوب هذا الجانب أو ذاك من جوانب السعي البشري في الأرض ، فتميل لأن تكون عقلية أو حسية أو حدسية أو روحية .. إلخ وتصب اهتمامها على هذه المساحة أو تلك من مساحات الخبرة ، فإنه في الحضارة الإسلامية ليس ثمة جنوح في هذا الاتجاه أو ذاك، فيما عدا حالات محدودة بطبيعة الحال تمثل استثناء لقاعدة ، فلا يكاد يقاس عليها .
 
كل ما كان ينبض في نسيج العالم والحياة والوجود كان يجد صداه المناسب في نبض الحضارة الإسلامية التي كانت قديرة على تنفيذ حوار متكافئ بين الأنشطة البشرية وبين ظواهر الوجود وحقائقه ومعطياته كافة .
 
خامسا : وهي حضارة إيجابية بناءة رفضت التخريب والإفساد :
 
ولم تسمح لأن تأخذ بخناقها رؤية سوداوية متشائمة للوجود والمصير وللمسعى البشري في هذا العالم ، ولم تثمر نزعات هدامة كالحة كالعدمية ، أو الفوضوية ، أو العبثية أو حتى السريالية الموغلة في سراديب الجنس والكبت والظلام والجنون ، كالذي أفرزته الحضارة الغربية . كما أنها لم تعكس ، كما حدث في أوربا ، رؤى وأخيلة وفلسفات يبلغ من جموحها واندفاعها باسم التطور ، والنزوع الارتقائي ، أن تدمر كل الثوابت والمرتكزات والخبرات والمؤسسات المتفق عليها في تاريخ الجماعات البشرية المتحضرة ، وتسوق الإنسان والمجتمع إلى نوع من الانتحار أو الاصطراع مع الذات وقوانين الفطرة والتاريخ ، الأمر الذي كان يكتشف في أعقاب كل جولة من جولات الاندفاع غير المتبصر هذا ، ولكن بعد أن يكون قد هدر الكثير من الفرص والطاقات .
 
وإذا كان ثمة مساحات تشاؤمية أو هدمية في نسيج الحضارة الإسلامية ( من مثل بعض أشعار المعري أو الخيام ، وبعض النزعات الصوفية المتطرفة في تدمير الذات ورفض الحياة ) فهي لا تعدو أن تكون بقعا محدودة ، هي بمثابة الاستثناءات التي تؤكد القاعدة ولا تنفيها .
 
لقد علمهم رسولهم صلى الله عليه وسلم أن يمضوا في إعمار الحياة وبناء العالم ومد الخضرة في مساحاته حتى آخر لحظة .. قال لهم : ( إذا قامت الساعة وبيد أحدكم فسيلة ، فاستطاع ألا تقوم حتى يغرسها فليغرسها فله بذلك أجر ). ومنذ ذلك الحين كان هدف الأبناء والأحفاد أن يتزين العالم ويخضر بالحضارة المتعانقة مع قيم الحياة والتواصل والاستمرار لا أن يأتوا بالنار والدخان عليه ..
 
سادسا : وهي حضارة واقعية ..
 
وقد يقال بأن الحضارة الغربية نفسها ، والكثير من الحضارات الأخرى عبر التاريخ ، كانت واقعية هي الأخرى ، فليست هذه إذن ميزة تحسب للحضارة الإسلامية .
 
ولكننا إذا تذكرنا أن هذه الحضارة تجاوزت في طموحاتها الكبيرة ساحة الأرض إلى السماء ، ولحظات الفناء إلى عالم الخلود ، وظلت في مساراتها وقيمها الأساسية مرفوعة الرأس صوب المثل الأعلى ، عرفنا أن الواقعية هنا تحمل مغزاها المتميز في قدرة هذه الحضارة على عدم الانفصال عن أرضية العالم ، على تجاوز الثنائية ، وعلى عدم التحول شيئا فشيئا صوب المثالية التي تنسى موقعها في الأرض ، وترفض الاعتراف بشدها وثقلها ومطالبها ، وتجنح وهي تطلب السماء ، إلى الأخيلة والأوهام .
 
إن حضارات كثيرة شهدتها الساحات الآسيوية والأوربية في القرون الوسطى ـ مثلا ـ عانت من ازدواجية كهذه وانتهى بها الأمر إلى فصام نكد بين مطامحها وبين ضرورات الحياة ومطالبها .. أما في تاريخنا فلقد مضى النشاط الحضاري ينقب في الأرض .. يكشف عن السنن والنواميس والطاقات المذخورة .. يتابع حاجات الإنسان وأشواقه .. يتفحص دوافعه وغرائزه .. ويقدم له ، وفق القدرات التاريخية يومها ، الزاد الذي يعينه على مواصلة السعي على أرضية العالم ، لا التهويم في الغبش والضباب المعلق بين السماء والأرض . إن تراثنا المعرفي لا يتضمن سوى مدن فاضلة معدودة كالتي حلم بها الفارابي متأثرا باليونان ، لا تتجاوز أصابع اليدين، لأن الذين صنعوه كانوا يدركون جيدا أن النشاط المعرفي الذي نفخ فيه الإسلام من روحه لا يسمح للمسلم الجاد بأن يحلم بعالم مثالي وهو قاعد مستريح ، وأن عليه أن يسعى إلى تنفيذ مقولاته على أرضية الواقع ، وينسج مصيره من حيثيات الزمن والمكان ، ويستند على ما هو كائن من أجل صياغة ما سيكون ، ويعيد تشكيل معادلات الحياة من الأرقام اليومية المنظورة التي يتعامل معها صباح مساء .
 
سابعا : والحضارة الإسلامية ـ امتدادا لهذا كله ـ حضارة ذات طابع إنساني ـ عالمي :
 
فهي تتعامل مع الإنسان أيا كان موقعه ، ولا تقتصر على الجماعة التي شكلتها فحسب .. وهي من أجل ذلك تجاوزت بل كسرت كافة الحواجز العرقية والإقليمية والجغرافية والطبقية واللونية والمذهبية لكي تحقق انتشارها على مستوى العالم كله ، كما أنها قبلت مشاركة كافة الفئات والجماعات المنضوية في نسيج المجتمعات الإسلامية ، أيا كانت أديانها وعروقها وانتماءاتها .
 
لقد تشكلت هذه الحضارة لكي تتعامل مع الإنسان ، وتكون بحجمه وتستجيب لمطامحه ومنازعه ودوافعه واهتماماته وأشواقه .. ولذلك فهي لم تضع بينها وبين الإنسان أسلاكا شائكة باسم العرقية حينا ، أو الطبقية حيانا ثانيا ، أو المذهبية حينا ثالثا ، أو الجغرافية حينا رابعا. بل أنها لم تضع هذه الأسلاك حتى باسم الدين رغم أنها حضارة منبثقة عن الدين نفسه … لقد وهبت نفسها للإنسان والعالم دون أن تمارس خطيئة الانغلاق على الذات .
 
إنه ما من حضارة في تاريخ العالم قدرت على تجاوز هذه الحساسيات جميعا ومخاطبة الإنسان ، هذا الكائن المتفرد ، من حيث هو إنسان كالحضارة المنبثقة عن هذا الدين . لقد مارست انفتاحا إنسانيا يتجاوز تقاليد الانغلاق على الذات ويرفض الأنانية والاستعلاء .
 
لقد فتح المسلمون صدورهم وعقولهم لكل طالب علم ، أية كانت الجهة التي قدم منها، وفتحوا أبوابهم ونوافذهم على مصاريعها لكي يخرج منها الضوء الجديد فيغطي قارات العالم القديم ويلفها بالنور .. لقد وضعوا كشوفهم وخبراتهم أمام الجميع ، ونادوا بأعلى صوت : أن من يريد أن يأخذ فإن الطريق مفتوح .. لقد كان عطاؤهم ـ بحق ـ غير مجذوذ .
 
ربما يكون في هذا الإسراف في أخلاقية العطاء ما يثير نقدا أو اعتراضا ، إذ كيف تسلم خصمك السلاح الذي سيقتلك به ، وفي المعرفة جوانب مما قد يتحول إلى سلاح يقتل فعلا ؟
 
إن الغربيين في قرننا هذا صنعوا القنبلة الذرية ، وأعقبوها بالهيدروجينية فالنيوترونية .. إلخ ولم يسمحوا لأنفسهم قط أن يعطوا معادلاتها الرياضية والفيزيائية لأيدي وعقول الأمم الأخرى ، اللهم إلا من يحسبونه امتدادا لهم . أما كان أولى بالمسلمين أن يتوقفوا بعض الشيء ويراجعوا حساباتهم ، قبل أن يمضوا في العطاء حتى آخر الشوط ؟
 
هذه مسألة أخرى .. ويكفي الحضارة الإسلامية شرفا أنها كانت إنسانية تعمل من أجل الإنسان أيا كان موقعه في الزمن والمكان .. أليست هي الحضارة المنبثقة عن العقيدة القادمة من عند الله سبحانه ، الذي خلق الإنسان ، وعلمه الأسماء كلها ، وحمله في البر والبحر ، وفضله على الخلائق ، ومنحه السيادة على العالمين ؟
 
تلك هي بإيجاز شديد خصائص الحضارة الإسلامية : إنها حضارة إيمانية عقيدية ملتزمة ، أصيلة منفتحة ، قديرة على الاستجابة للتحديات ، متوازنة ، شاملة ، إيجابية، بناءة ، واقعية قديرة على التحقق في كافة مناحي الحياة والوجود ، ثم هي في إطارها ونسيجها ، إنسانية تعبر عن طموح الإنسان لعمارة العالم وتحضيره ، وتسعى للاستجابة لأشواق الإنسان ومنازعه أيا كان الإنسان في الزمن والمكان والانتماء ..

التعليقات مغلقة على هذه المقالة
جديد المقالات المزيد
أبو الحسن على الحسنى الندوي

أبو الحسن على الحسنى الندوي

عبد الماجد الغوريّ هو المربّي العظيم ، والداعية الحكيم ، والمفكّر...

القضاء في العالم الإسلامي من الشريعة إلى القانون – الأسباب والممهدات

القضاء في العالم الإسلامي من الشريعة إلى القانون – الأسباب والممهدات

عبد العزيز بن أحمد البداح عنوان الكتاب: القضاء في العالم الإسلامي...

التاريخ وأثره في تربية الأجيال

التاريخ وأثره في تربية الأجيال

د / محمد حاج عيسى الجزائري الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام...

جديد الأخبار المزيد
يلدريم: النظام الرئاسي سيُفعل رسمياً في الاستحقاق الانتخابي 2019

يلدريم: النظام الرئاسي سيُفعل رسمياً في الاستحقاق الانتخابي 2019

أعلن رئيس الوزراء التركي ابن علي يلدريم أنّ نظام الحكومة الجديد سيتم...

ضغوطات إسرائيلية تلغي فيلما عن الأسرى الفلسطينيين في لندن

ضغوطات إسرائيلية تلغي فيلما عن الأسرى الفلسطينيين في لندن

استجاب فندق تارا، الأحد، لضغوطات اللوبي الصهيوني ببريطانيا...

وزير يمني يتهم الحوثيين باحتجاز قوافل إغاثية في طريقها لتعز

وزير يمني يتهم الحوثيين باحتجاز قوافل إغاثية في طريقها لتعز

اتهم وزير في الحكومة اليمنية الشرعية، الأحد، جماعة الحوثيين وحلفائهم...

  • أيام في سيلان والمالديف