• الصليب وحكاياته

الشيخ محفوظ نحناح.. حكيم الإسلاميين

May 15 2011 09:13:50

الكاتب : عبدالله الطنطاوي

التقيته أول مرة عام 1988 في مطار فرانكفورت بألمانيا ، وكان في استقبالي أنا القادم من بغداد ، وهو القادم من الجزائر ، صهري المهندس صلاح الدين الجعفراوي.
كنت سمعت عنه من إخواننا الذين التقوه في الحج ، وجلسوا معه ، واستعموا إليه ، وتباينت تقويماتهم لطروحاته التي صادمت بعض ما كانوا يقتنعون به ، ويدعون إليه ، ولكنه كان موضع احترامهم جميعاً.
حياته :
ولد الشيخ محفوظ نحناح في مدينة البليدة (الورود) التي تقع على بعد 50 كم جنوب العاصمة في بيئة إسلامية محافظة وفقيرة ، وتعلم اللغة العربية في المدرسة الإصلاحية العربية (مدرسة الإرشاد) التي كانت تمثل رمز المقاومة والدفاع عن شخصية الجزائر العربية الإسلامية ، أمام سياسة الفرنسة ، وعاش إرهاصات الثورة الجزائرية وهو فتى ، وعندما نشبت الثورة التحريرية الكبرى عام 1954 انضم إليها ، وشارك فيها.
أكمل تعليمه الثانوي في الجزائر ، والتحق بكلية الآداب – قسم اللغة العربية في الجامعة الجزائرية عام 1966.
شغل منصب مدير مركز التعريب في الجامعة المركزية في الجزائر العاصمة ، وكان عضواً في رابطة الدعوة الإسلامية ، ورئيس جمعية الإرشاد والإصلاح ، ثم أسس حركة المجتمع الإسلامي (حماس) عام 1991 التي حولها إلى حركة مجتمع السلم (حمس) تماشياً مع قانون الأحزاب الجزائري الذي يحظر الأحزاب الدينية.
كان رمزاً من رموز الحركة الإسلامية في الجزائر ، ممثلاً لنهج الإخوان المسلمين فيها ، وكان عضواً في مكتب الإرشاد ، وهو القيادة الجماعية للتنظيم العالمي لجماعة الأخوان المسلمين ، كما كان عضواً في مجلس الشورى العام للتنظيم العالمي.
عارض الرئيس الجزائري الأسبق هواري بومدين في توجهاته العلمانية الاشتراكية، فاعتقله بومدين وحكم عليه بالسجن خمسة عشر عاماً سنة 1975 وتعرض ومن معه لألوان التعذيب الوحشي ، لعله يتراجع عن موقفه ضد الإشتراكية العلمانية ، ولكنه أبى وازداد تشبثاً واقتناعا بموقفه.
وبعد موت بومدين ، أطلقوا سراحه عام 1980 بعد خمس سنين أمضاها في سجون الظالمين.
شارك في انتخابات الرئاسة الجزائرية عام 1995 مقابل الأمين زروال ، وحصل على ثلاثة ملايين صوت ، حسب الإعلان الرسمي عنها ، ولكنه في الواقع تجاوز هذا الرقم بكثير ، ولكن الجنرالات الحاكمين في الجزائر زوروا الانتخابات ، وزعموا فوز منافسة الأمين زروال.
ومما يتناقله الجزائريون ، أن الرئيس زروال وقف مرة في وجه الجنرالات ، وزعم لهم أنه رئيس منتخب ، فقالوا له : أنت تعرف جيداً من هو الرئيس المنتخب ، فسكت ، ثم أطاحوا به.
توفي بعد ظهر يوم الخميس 19/6/2003 بعد مرض عضال عانى منه قرابة سنة.
شيع أكثر من مئة ألف جزائري جنازته بعد صلاة الجمعة 20/6/2003 إلى مثواه الأخير بمقبرة العالية.
أقيمت له التشريفات الرئاسية بصفة استثنائية ، في حضور كبار المسؤولين في الدولة ، ووصفت الجنازة بأنها ثاني أهم جنازة في البلاد بعد جنازة الرئيس الأسبق هواري بومدين في نهاية عام 1978.
قال بوتفليقة في رسالة أرسلها لقراءاتها بالنيابة عنه في مراسم التشييع : (ما مشكلة ألمت بالجزائر إلا وكانت للشيخ محفوظ في حلها مساهمة ، وما من قضية إلا وكان له فيها رأي ، أو اتخذ منها موقفاً نابعاً من حبه لوطنه).
عوامل تكوينه :
عاش الشيخ محفوظ حياة العصامي الذي يبني بنفسه ، ولا يعتمد على سواه من الأهل ، والنسب ، والمال وما إلى ذلك من العوامل المساعدة على بروز القادة والزعماء.
درس حياة العديد من زعماء العالم الإسلامي ومجاهديه في القديم كالإمام ابن تيمية وسواه ، وفي الحديث كرجالات الحركة الوطنية الجزائرية الذين كافحوا من أجل عروبة الجزائر وإسلامها ضد محاولات الفرنسة والتغريب ، وقد عاصر بعضهم ، وسمع وقرأ حياة السابقين الذين كانوا يعبئون الجماهير بهذا الشعار الجميل : (الإسلام ديننا – العربية لغتنا – الجزائر وطننا).
ومن أولئك الرجال الرواد في الحركة الجهادية ضد الاستعمار الفرنسي ومحاولاته اليائسة في إلحاق الجزائر بفرنسا ، عبد الحميد بن باديس ، والبشير الإبراهيمي ، والفضيل الورتلاني ، ومالك بني ، ومحمد محفوظي .
وكان للقادة المشارقة تأثيراتهم الواضحة في الشيخ محفوظ ، مثل المفكر جمال الدين الأفغاني ، والإمام حسن البنا ، والشيخ محمد متولي الشعراوي ، والشيخ محمد الغزالي ، والإمام المودودي وسواهم.
إلى جانب مطالعاته الغزيرة التي أكسبته ثقافة وحصافة ، وأثرت تجاربه في حقول الدعوة والتربية والسياسة.
صفاته :
من صفاته الخلقية التي تلفت الانتباه إليه ، مظهره الأنيق ، فلا تكاد تراه إلا في هندام كامل ، بذلة حديثة مكوية ، وربطة عنق محكمة جميلة ومتلائمة الألوان مع البذلة ، ولحية لطيفة ، وشعر مر عليه المشط من قريب ، فبدا مرتباً ، وقد زانه الشيب وزاده وقاراً ، وحذاء ملمع.
يستقبلك بابتسامته العريضة التي لا تكاد تفارقه حتى في أقسى الظروف الملمة به ، كالمرض الشديد ، والهموم العاتية.
إذا حدثته عما تعاينه الدعوة والدعاة في بلدك أو ما يصيب المسلمون في العالم من مصائب ، سالت دمعته حزناً وألماً.
منذ اللحظات الأولى معه ، تعرف أنك أمام محاور متمرس ، ولطيف ، يعطيك من الوقت ما تريد حتى تنتهي من شرح فكرتك ، ثم يستأذنك في الكلام ، ويدلي بدلوه فيه بوضوح ، وبلا لف ولا دوران ، تحس باحترامه لمحاوره ، كائناً من كان ، فهو محاور ذكي ، وذو عقل منظم يفرض احترامه على من أمامه.
مثقف ثقافة عالية ، وشرعية ، وأدبية ، وسياسية ، واجتماعية ، يظهر هذا في أحاديثه وكتاباته.
يتميز بمرونة عجيب إلا في الثوابت التي يبدو مقاتلاً شرساً في الدفاع عنها ، ومن أهمها ، انتهاك حرمات الله ، وإراقة الدماء ، وفيما يعتقد أنه حق ومصلحة.
شجاع مقدام في الصدع برأيه مهما بلغ تباينه مع الجمهور.
همومه هي هموم شعبه وأمته ، وكان من العباد ، محافظة على الفروض والنوافل والأوراد ، ودعوة إخوانه ومن يحبهم إلى التمسك بها.
وكان فصيح اللسان ، واضح البيان ، بعيداً عن الرطانة والعجمة اللتين تسمعهما من الذين ربوا أيام الاستعمار الفرنسي.
يعرض فكرته بعقلانية وتجرد عرض الفيلسوف الحكيم ، بحيث يجعل خصمه يذعن له.
ويزن كلامه كأسد جريح.. قال العارفون عنه: إنه سر الإخلاص.
مدرسته :
تتميز مدرسة الشيخ محفوظ بالحوار ، وروح التسامح والاعتدال ، والمسالمة ، والتناصح ، والدعوة إلى المشاركة السياسية بدل الصراع بين الحاكم والمحكوم الذين تميزت به علائق الإسلاميين بالأنظمة العلمانية الثورية في الوطن العربي الكبير ، في مصر ، وسورية ، والعراق ، وليبيا ، وتونس ، والجزائر ، دعا الشيخ محفوظ إلى التعاون ، والتواءم ، وتجميع الطاقات المختلفة ، والاتفاق ولو على الحدود الدنيا ، والعمل على إيجاد قواسم أو جوامع مشتركة مبنية على الصراحة والحوار الحر البناء ، ولذا كان يعمل مع سائر أبناء الوطن ضمن قواعد التشاور ، والتنظيم ، والتنسيق والائتلاف ، ضمن أطر المصلحة العامة التي يغلبها على المصلحة الخاصة أو الحزبية ، وهذا كان يتطلب منه البحث بعمق عن نقاط التلاقي مع محاوريه ، واجتناب نقاط التنافر والتنابذ ، إلا ما كان متعلقاً بالثوابت ، والدماء.
إنه لا يؤمن بحدية الأشياء ، وإنما يؤمن بنسبيتها.
وهو لا يرى الحق في جهة من الجهات والخطأ المطلق في جهة أخرى ، ويعتبر الحوار مجالاً مفتوحاً حتى للشيطان ، والشيطان هو أكبر ممثل للشر ، وإذا كان الحوار موجوداً بين أكبر ممثل للشر ، وهو الشيطان ، وبين الله سبحانه وتعالى ، فمن باب أولى أن تكون هناك مساحات لهذا التعاطي النسبي مع جميع الأشياء ، ولهذا قدم عدة مبادرات لتجسير العلاقة بين السلطة والإسلاميين ، حسبما يمليه عليه منطق الاعتدال والتفاهم ، الذين يؤمن به ، ويسعى إلى أن يحله محل استخدام القوة.
كان الشيخ محفوظ أحد الدعاة إلى المشروع الإسلامي البارزين ، ولهذا دخل المعارضة السياسية ضد الميثاق الوطني الذي رآه بعيداً عن الروح الحضارية الإسلامية التي يقوم عليها تاريخ المجتمع الجزائري ، فاعتقل وذلك قبل تأسيس التجمع الكبير للتيارات الإسلامية بمسجد جامعة الجزائر المركزية ، وبذلك كان أحد وجوه المعارضة الإسلامية للنظام الحاكم ، وكان يعتبر الحزب الذي شكله (حركة المجتمع الإسلامي) واجهة سياسية تتصدى للواجهات السياسية الأخرى ، ولا تسعى إلى الهيمنة عليها ، فليس ما يمنع من وجود أقليات معارضة أخرى ، غير إسلامية.
(وإذا كان الأمر يعود إلى الديمقراطية بمفهومها الغربي ، فإن الأقلية يجب أن تنقاد للأكثرية ، ومن هنا ، فلا خشية على شعبنا من الديمقراطية ، ضمن المنظر السياسي والأخلاقي والحضاري للإسلام ).
أما إذا كانت الديمقراطية قائمة على الطعن والتجريح والسباب والشتائم ، فهذه تعنى الانتقال إلى ديمقراطية تقوم على الدجل والتضليل والمناورات وتزوير الحقائق وشراء الذمم.
المنظر الحضاري والفكري لدى الشيخ محفوظ أرفع من أن يكون مجرد تسميات سياسية وحزبية إسلامية ضيقة ، فحزب الله ، بالمفهوم الإسلامي ، مفهوم استراتيجي أولاً وقبل كل شيء ، بمعنى أن الأمة الإسلامية حزب واحد أمام طغيان الفرد على الجماعة وطغيان ا لجماعة على الفرد ، والأمة الإسلامية في مواجهة التيارين الطاغيين ، ليست مواجهتها مواجهة قتال وعنف واغتيال وإبادة ، وإنما هي مواجهة بين حضارتين ، تبني الأولى قواعدها على الحق والثانية على الباطل والروح والعدوانية ، والاستغلال ، والآلة العسكرية ، لأنه يعتبر الخلاف ظاهرة صحية.
الداعية :
الشيخ محفوظ عمل في حقل الدعوة أكثر من ثلاثين عاماً في مقابل المد الثوري الاشتراكي ونشر الثقافة الفرنسية ، وهو من أشد معارضي التوجهات الماركسية والفرانكفونية ، وقد مرت حياته الدعوية بعدة مراحل :
1- مرحلة النشأة الفكرية ، وقد تأثر فيها بعدد من المفكرين الإسلاميين الثائرين على التخلف الجمود والاستبداد والاستعمار ، كالأفغاني ، ومحمد عبده ، وابن باديس ، ومالك بن نبي ، وحسن البنا ، وسيد قطب ، والمودودي وسواهم من المفكرين.
2- مرحلة المشاركة في الثورة الجزائرية ، وهي التي فتحت عينيه على ضرورة التغيير ، وملكته إرادة التغيير.
3- مرحلة الاستقلال : وكانت الجامعة محل صياغة شخصيته القيادية ، المستفيدة من تجارب الحركة الإسلامية العالمية.
4- مرحلة الثورات الثلاث التي قام بها النظام ، واتجه وجهة شيوعية ، فوقف الشيخ في وجهها ضد تأميم أملاك الناس ومصادرتها بغير حق ، وضد التوجه الأيديولوجي للدولة الجزائرية ، وضد الضغط الشيوعي على الدولة ، وكان الاعتقال والتعذيب له ولمؤسسي حركته.
5- مرحلة التعددية السياسية ، وفيها صار الشيخ رمزاً للحركة التي تحملت مسؤوليات جديدة ، مثل حماية الإسلام من التطرف والغلو والتشويه وكل ما يمكن أن يتخذ منه النظام مسوغاً للانقضاض عليه وعلى الدعاة إليه ، مما اقتضاه نوعاً من فقه الأولويات ، فقه درء المفاسد المقدم على جلب المصالح ، وبرز لديه ما يسمى بالمشاركة والتعاون مع كل الأطراف في السلطة والمعارضة ، على أساس المبادئ الوطنية المشتركة.
وهذه المرحلة أخصب مراحل حياته الدعوية والسياسية ، خرج فيها من إطار القطر ، إلى الإطار الأوسع ، فكانت الزيارات للعديد من الدول العربية والإفريقية والإسلامية والأجنبية ، وكانت لقاءات ، ومؤتمرات وحوارات أغنت تجربته ، وصار ينظر إليه كزعيم مرتقب للجزائر ، جعلت دولة كفرنسا التي رفضت إعطاءه تأشيرة دخول إلى بلادها ، جعلتها تستقبله استقبالاً رسمياً بعد الانتخابات الرئاسية التي خاضها.
وبهذا تتبين لنا : (سابقية الشيخ محفوظ في خدمة الدعوة على كل الجبهات منذ كان طالباً في كلية الآداب فأستاذاً جامعياً لمادة التفسير).
وكان من أبرز رموز الشباب المغربي الذين ظهروا منذ نهاية الستينات وفي أعقاب حل أول جمعية إسلامية بعد الاستقلال (جمعية القيم) وهم الشيخ محفوظ ، والشيخ عباسي مدني ، والشيخ عبد الله جاب الله ، والشيخ محمد بوجلخة ، والشيخ محمد السعيد ، ثم علي بلحاج ، ومصطفى براهمي في مرحلة تالية ، نهض هؤلاء الفضلاء تحت رعاية من تبقى من شيوخ جمعية العلماء المسلمين ، مثل الشيخ محمد سحنون ، والمفكر مالك بن نبي ، والشيخ عبد اللطيف سلطاني ، وتصدوا لانحراف بعض قادة جبهة التحرير عن إرثها الإسلامي ، وإيغالها في نهج العلمنة والاشتراكية والاستبداد في أيام بومدين ومن تلاه.
(وقد مثل الشيخ محفوظ جسراً مهماً جداً لنقل الأفكار الإصلاحية المشرقية والمناهج التربوية لجماعة الإخوان المسلمين إلى الجزائر ، من خلال تدريسه في الجامعة ، وخطبه في المساجد).
ضد العنف :
كان العقل المفكر والمدبر لحركة إسلامية لا تؤمن بالعنف سبيلاً إلى السلطة ، وتقوم على الاعتدال والانفتاح والحوار ، فكان صمام أمان في الحياة السياسية الجزائرية ، ولم يأبه بما كان يواجه الآخرون إليه وإلى حركته السلمية من انتقادات بهذا الخصوص ، لأنه مقتنع بموقفه.
أدان التطرف والعنف المسلح ، ورفض فكرة التكفير للحكومات والمجتمعات والهيئات السياسية والدينية ، ورفض الاقتتال بين أبناء البلد الواحد تحت أي ذريعة، وهذا لا يعني أي تنازل عن الثوابت التي آمن بها ، ودعا إلى الوقوف عندها ، ومناجزة التيارات العلمانية الاشتراكية الخارجة عليها.
كان يتعاون مع الخصوم على ضرورات مشتركة ، مثل ضرورة تمدين النظام السياسي ، أو ضرورة التنسيق من أجل المحافظة على الحريات العامة والخاصة ، أو ضرورة الإبقاء على الدولة وتقوية مؤسساتها ، أو ضرورة إنهاء المرحلة الانتقالية .. كان يعي اللعبة الدولية الماكرة في الكيد للإسلاميين في كل مكان ، من طنجة حتى جاكرتا ، ومن الإنقاذ حتى أنور إبراهيم ، مروراً بأربكان وسواه ، فما كان منه إلا أن يحاول إنقاذ ما يمكن إنقاذه من بين براثن من لا يتقي الله في أرض ولا شعب ولا دين ولا عرض ، ولا أي قيمة قد تقف في وجه أهوائه وشهواته ، وقد فهم الرسائل من هنا وهناك وهنالك ، والعاقل من اتعظ بغيره ، وهو قد اتعظ بما جرى لإخوانه في بلاد العروبة والإسلام ، خاصة وهو الخبير بالعنف وأسبابه التي تغذيه وتقويه ، كفرض الشخصيات الملوثة قادة وحكاماً على الناس ، يسيرون بالبلاد والعباد إلى الدمار والانهيار.
كان خطابه داخل الجزائر وخارجها يقارع الجماعات العنفية ، وتصوراتها الفكرية والسياسية المباينة للتصورات الإسلامية الصحيحة ، المغايرة لمصلحة الدعوة والمصلحة الوطنية ، ووقف بصلابة في وجه الحملات التي شنتها عليه تلك الجماعات التي هددته في حياته ، واغتالت أقرب إخوانه إليه ونائبه وخليفته الشيخ بوسليماني.
قال عنه الأستاذ إبراهيم نافع رئيس تحرير الأهرام : (إن الشيخ محفوظ نحناح ، بصفته الحزبية ، يمثل حالة خاصة بين أطراف الساحة السياسية التي تفور بالحركة والغليان في الجزائر. فهو شخصية متميزة ، يرفض منهج الإقصاء والاستبداد ، ويدينه بكل وضوح).
والحقيقة ، أنه رجل سياسي متمرس ، عرف بوسطيته ، واعتداله بين الدعاة في الجزائر ، حتى لقب بحكيم الإسلاميين ، وعده الشيوعيون بمواقفه هذه ، أخطر رجل في المعارضة الإسلامية في ثباته على مواقفه ، وصراحته في خطابه ، وتعامله مع سائر الأطراف الفاعلة في الساحة السياسية.
السياسي :
قام بعمل ذكي أمن به نوعاً من التأمين على الدعوة عندما أسس جمعية الإصلاح والإرشاد ، وجعلها في منأى عن العمل السياسي ، حتى لا تضرب إذا ما أقدم العسكر على ضربه ، وبنى علاقة مع قادة الجيش أصحاب السلطة والنفوذ الحقيقيين ، لطمأنتهم على أن حركة مجتمع السلم تسلك سبيل الإقناع والحوار ، وتنبذ العنف بكل أشكاله ، وأنه مع الدولة والنظام ضد الفوضى والعمل المسلح وأن الجيش هو الضمان لبقاء الدولة ، والمدافع عن الوطن ووحدة البلاد ، ثم شهدت الجزائر أسوأ مراحل تاريخها المعاصر ، عندما أوقف الجيش المسار الانتخابي في كانون الثاني (يناير) 1992 عندما أشارت النتائج الأولية إلى فوز الجبهة الإسلامية للإنقاذ.
لقد كان على معرفة دقيقة بما يجري في وطنه ، وإقليمه ، ووطنه العربي الكبير ، وفي الواقع الدولي المحكوم بسياسة وحيد القرن ، كما يطيب له أن يسمي أمريكا التي تعمل للهيمنة على العالم سياسياً واقتصادياً وقيمياً ، فانطلق يساهم بقسط وافر في تنشيط الحياة السياسية والفكرية ، ولكن أجهزة الإعلام الوطني كانت تحاول أن تعتم على مختلف نشاطاته ، في حين تقوم بالترويج للأفكار المتطرفة التي تعج بها الساحة الجزائرية.
غاص في الأزمة ، وعارض سياسة التعنت والإقصاء وانتقد من سماهم (سماسرة الدم) الذين يحاولون تسلق جدار الأزمة المشيد بجثث الأبرياء ، كان يندد بالجماعات المسلحة ، ويغمز من قناة المجلس الأعلى للدولة ، معتبراً إياه صيغة تجاوزتها الأحداث ، ويعتبر الجيش صمام أمان من الحرب الأهلية.
كان ديمقراطياً في أطروحاته ، ويحاول تسخير الديمقراطية للتمكين للإسلام ضمن ثلاثيته: المرحلية : والموضوعية ، والواقعية ، وكانت أطروحاته ذات بعد مستقبلي مستفيداً من الآنية ، وواقعياً.
كان يرى المشاركة في الحكم ، وعدم الابتعاد عنه حتى لا ينفرد الآخرون بالسلطة والنفوذ ، ومن هذا القبيل كانت مشاركته بسبعة وزراء ، وبعدد من البرلمانيين من حركته ، وبهذا كان يتعاطى مع الحدث ، بحكمة وهدوء وتوازن يعبر عن معرفته بالواقع المعايش ، وحنكته في التعامل معه ، واستطاع بذلك أن يقدم الإسلام السياسي - كما يدعونه - بالشكل الذي يحميه ويحمي ذويه ، وفعلاً تمكن من إنقاذ إخوانه وحركته مما الم بالإسلاميين الآخرين على أيدي العسكر.
القضية الفلسطينية :
تبنى القضية الفلسطينية ، وعدها قضيته وقضية العرب والمسلمين ، ويظهر هذا منذ بدايات حياته الدعوية والسياسية ، وامتدت معه وصاحبته طوال حياته ، ويشهد على ذلك ، صوته القوي في المؤتمرات والندوات التي كان يقيمها أو يحضرها ، تضامناً مع الشعب الفلسطيني المظلوم ، وقضيته العادلة، يقول الشيخ محفوظ : (إن الغرب ينتقل من ثنائيه قطبية ، إلى وحيد القرن ، لفرض السلام الأمريكي ، وبناء إسرائيل الكبرى).
الشيخ محفوظ في مرايا الآخرين :
قال الأستاذ حسين أحمد أمين ، سفير مصر في الجزائر سابقاً في حوار صحفي مع قناة أمريكية: (الشيخ محفوظ عالم ، وسياسي إسلامي من الطراز الأول ، ولا أحد يشك في صدق إسلامه ، وصدق توجهاته الدينية ، ومفكر إسلامي مستنير ، ولا أظن أن الكثيرين من العلمانيين يشكون في استنارته ، ومراعاته لظروف العصر ، وقدرته على مجابهة تحديات المستقبل مجابهة دينية ودنيوية ممكنة ).
ونعاه الشيخ فيصل مولوي ، أحد إخوانه الأقربين إلى قلبه وعقله ، والعارفين له معرفة دقيقة. . لقد كنت مثالاً في الصدق والالتزام والعمل ، تضع الإسلام في ميزانك قبل الحركة ، وتعتبر مصالح الأمة قبل مصلحة الجماعة بل وترفض التعارض في هذا المجال ، وتصر على التكامل ، وتجعل نفسك وجماعتك في خدمة الأمة وقضاياها.
ونعاه الشيخ الغنوشي وقال في ختام مقاله عنه: ( رحم الله الأخ الصديق الحبيب الشيخ محفوظ ، بما جدد ، وأشاع من قيم الإسلام العلمية والتربوية والسياسية ، وحسن معاملة مما نحتاجه أمة وشعب ممزقان بالأحقاد ونزوعات التنافي ، وبما حرك من سواكن العقول ، وفجر من قضايا عملية للتفكير والتأمل).
ونعته حركة النهضة التونسية باسم الشيخ راشد الغنوشي بقولها: ( وحركة النهضة إذا تنعى لشعب تونس وأمة العروبة والإسلام هذا المناضل الكبير ، تذكر بالأيادي البيضاء للفقيد في إيواء وإعانة وحماية مناضليها الذين هجروا إلى الجزائر ، مع بداية الحملة الاستئصالية التي شنت على حركتهم بداية التسعينات).
ووصفه الدكتور حسن هويدي نائب المرشد العام للإخوان المسلمين بقوله: ( قد كان الفقيد خير رفيق في الدرب الطويل ، محباً لدينه مخلصاً لدعوته ، غيوراً على بلده ، باراً بإخوانه ، طاف العالم الإسلامي كله يبشر بكلمة الحق والصدق ، حتى ترجل ونحن في أشد الحاجة إليه).
ونعته جماعة الإخوان المسلمين في القاهرة ، ووصفته بأنه (من أصدق رجال الدعوة إلى الله تعالى بالحكمة والموعظة الحسنة ، ومن الذين تميزوا بالشجاعة والإقدام ، وبالجهاد بالنفس والمال في سبيل إعلاء كلمة الله ، وإقامة شريعته على هدى وبصيرة). وقالت الجماعة : إنه قائد من قادتها الأبرار.
مجلة المنار، العدد 72، رجب 1424هـ.

التعليقات مغلقة على هذه المقالة
جديد المقالات المزيد
أبو الحسن على الحسنى الندوي

أبو الحسن على الحسنى الندوي

عبد الماجد الغوريّ هو المربّي العظيم ، والداعية الحكيم ، والمفكّر...

القضاء في العالم الإسلامي من الشريعة إلى القانون – الأسباب والممهدات

القضاء في العالم الإسلامي من الشريعة إلى القانون – الأسباب والممهدات

عبد العزيز بن أحمد البداح عنوان الكتاب: القضاء في العالم الإسلامي...

التاريخ وأثره في تربية الأجيال

التاريخ وأثره في تربية الأجيال

د / محمد حاج عيسى الجزائري الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام...

جديد الأخبار المزيد
يلدريم: النظام الرئاسي سيُفعل رسمياً في الاستحقاق الانتخابي 2019

يلدريم: النظام الرئاسي سيُفعل رسمياً في الاستحقاق الانتخابي 2019

أعلن رئيس الوزراء التركي ابن علي يلدريم أنّ نظام الحكومة الجديد سيتم...

ضغوطات إسرائيلية تلغي فيلما عن الأسرى الفلسطينيين في لندن

ضغوطات إسرائيلية تلغي فيلما عن الأسرى الفلسطينيين في لندن

استجاب فندق تارا، الأحد، لضغوطات اللوبي الصهيوني ببريطانيا...

وزير يمني يتهم الحوثيين باحتجاز قوافل إغاثية في طريقها لتعز

وزير يمني يتهم الحوثيين باحتجاز قوافل إغاثية في طريقها لتعز

اتهم وزير في الحكومة اليمنية الشرعية، الأحد، جماعة الحوثيين وحلفائهم...

  • أيام في سيلان والمالديف